دوبلير
بقلم فاطمة علي محمد

كانت كالمغيبة تتبع ارشاداتهم وهي تطوف وجوههم بخدر تام دانية بجذعها نحو الشموع المتقدة تنفث بها بهدوء وأعينها مُعلقة بمن ولج لتوه.
تعالت تهليلات الجميع ما أن تبخرت أدخنة الشموع مُعلنة إخمادها، لتستقيم بجسدها متلقية التهنئات منهم جميعًا خاصة “إياد” الذي توقف أمامها تمامًا وهو يحرك يده يمينًا ويسارًا أمام وجهها مغمغمًا بدهشة :
– “داليدا”.. هاي.. نحن هنا.
استفاقت من خدرها هذا على صوته، لتستنفر جميع حواسها مُطلقين صافرات الإعتراض وهي تغمغم غاضبة :
– إنت عارف إني بطلت أحتفل بعيد ميلادي ولا لأ؟
حرك “إياد” رأسه بتأكيد مرددًا بتأييد لعلمه :
– أيوه عارف، بس حبينا نعملك مفاجأة السنة دي، وبعدين هاتيلي بنت واحدة في المجرة ما بتحبش الهدايا وأعياد الميلاد.. الناس مكلفة جامد والله، ويا ستي لو ما عجبتكيش أخدهم أنا أديهم لخطيبتي، وربنا هتدعيلي طول العمر.
ضيقت “داليدا” أحداقها بغيظ وهي تردد بتهكم ساخر:- تدعيلك طول العمر!
حرك “إياد” رأسه مرددًا بتأكيد :
– أه وربنا، دي بتحب الهدايا جدًا.. ما تعرفش إني محرر حوادث غلبان، لا صديق المشاهير ولا حتى أعرف مشهور واحد أتصور معاه.
سحبت “داليدا” نفسًا عميقًا للحظات ثم زفرته بقوة قبل أن تستدير نحو زملائها مرددة بعرفان وشكر :
– أنا مش عارفة أشكركم إزاي على المفاجأة دي، حقيقي فرحتوني وأسعدتوني، شكرًا.
بادلها الجميع السعادة مقدمين إليها الهدايا مع تمنيات بعام سعيد محمل بالحب والنجاح. بحثت أحداقها عنه بلا وعي أو تخطيط منها لتجده يحتل طاولته الخاصة يحتسي قهوته المعتادة، رغم سخطها عليه إلا أنها تناولت من النادل أحد الأطباق المحملة بالحلوى واستدارت بكامل جسدها متجهة صوبه بخطى واثقة، وأنفاس هادئة.
كان يرتشف قهوته بتركيز مزعوم، وحواس متأهبة نحو تلك التي تخطو نحوه بخطى راوغت دقاته ونافستها، ليُطلق تنهيدة هادئة مرتشفًا رشفة أخرى من فنجانه فيجدها أمامه مباشرة بصوتها الهادر :
– حبيت أضايفك من حلويات عيد ميلادي.
رفع أنظاره الثابتة إليها وهو يكشف عن ابتسامة خفيفة مرددًا قبل أن يُشير بيده نحو المقعد المقابل له:
– كل سنة وانتي طيبة، اتفضلي.
حملت الطبق بإحدى يديها وبالأخرى سحبت المقعد إلى الخلف، وجلست أعلاه مُقدمة الطبق نحوه بإبتسامة خفيفة :
– إتفضل.