دوبلير
بقلم فاطمة علي محمد

تباطئ تدريجيًا حتى توقف تمامًا وهو يحتضن الكيس بيديه المدممة لاهثًا بأنفاس متسارعة، ليردف “عز الدين” مستنكرًا :
– من إمتى وإنت بتلعب بالشكل ده؟!،. وبعدين فين قفازاتك مش لابسها ليه؟
تنهد “عبد الرحمن” بقوة وهو يحرك رأسه بنفي مرددًا بتقطع :
– مفيش يا حبيبي.. أنا اللي سرحت في التمرين.
استدار والده نحو منضدة جانبية صغيرة يعتليها صندوق بلاستيكي معبأ بأدوات الإسعافات الأولية فالتقطه وعاد نحو ابنه يتناول يده ويُجلسه أعلى السرير أمامه وهو يفتح الصندوق متناولًا منه قطعة من القطن التي بللها بكثير من المعقم ينظف بهما جروح يد ابنه الذي تجعدت معالمه ما أن مَسَّت القطنة بشرته، ليردد والده بتساؤل :
– موجوع؟
انفرجت ابتسامة جانبية متهكمة من فم “عبد الرحمن” وهو يردد بسخرية :
– ياريت كل الوجع كده يا بابا.
انصب تركيز “عز الدين” على جرح ابنه وهو يردد كلمات ذات مغزى:
– مهما كان الوجع مسيره يخف، ومهما كان الجرح مصيره يطيب يا ابني.
حرك “عبد الرحمن” رأسه بنفي مرددًا بأسى :
– فيه جروح متجددة يا بابا، عمر وجعها ما يقل، بالعكس ده ممكن يزيد لحد ما يموتنا.
أنهى والده عمله وأغلق الصندوق جانبه مرددًا بعطف :
– مفيش جرح بيفضل على حاله يا ابني، زي ما مفيش حد بيفضل برضه على حاله، التغيير سنة الكون، كل ما بنكبر وبنفهم بنقدر نغفر ونسامح، وأفضل غفران اللي بيكون عن قوة، اتعلم تصفح وتغفر وإنت قوي وإنت مستغني، قبل ما يجي اليوم اللي فيه قوتك دي تخونك، ويومها هتحس بالذنب طول عمرك..
وتنهد بأسى مستطردًا :
– روح لها يا ابني، حقق أمنية أم في آخر أيامها، أم كل أمنيتها في الدنيا تشوف عيالها قبل ما تقابل رب كريم.. روح لها قبل ما تندم طول عمرك.
ونهض من مجلسه مربتًا على كتف ابنه الذي شبك أصابعه أمام وجهه محتجزًا عبرة لامعة بأحداقه.
الفصل الثالث عشر.
أحد قاعات عرض الأفلام بأحد أكبر المراكز التجارية والتي أُعدت لإعلان إطلاق الفيلم الذي ينتظره جميع عاشقي أفلام الغموض والتشويق وعاشقي أدب “أمجد الصواف”، ومضات متلاحقة تخطف أنظار جميع من مروا أعلى السجادة الحمراء، جميع الصحفيين يهروعون لتحقيق سبقهم الصفحي بأخذ تصريح حصري من أحد صُناع الفيلم، مدعون محدودي العدد بدعوة خاصة وصريحة من صُناعه خشية التسريب، ما أن ولج الجميع حتى أُغلق الباب الخارجي للصالة في انتظار فتح باب قاعة العرض. وقفت “داليدا” جانبًا تطالع جوالها في محاولة للوصول إلى “إياد” وخطيبته التي نجحت في الحصول لها على تذاكر خاصة من “أمجد الصواف” ذاته، لتزفر زفرة قوية وهي تجمع خصلاتها المنسدلة خلف أذنيها كاشفة عن صدر فستانها الأسود اللامع والذي يحاوط جسدها بجاذبية وروعة حتى أسفل ركبتيها ببعض السنتيمترات كما يكشف عن ذراعيها التي يحاوط أحدهما بسوار فضي لامع، مغمغمة بحنق شديد :
– طول عمرك متأخر يا “إياد”.