"حكايات الكاتبة ملك إبراهيم.. الزغاريط كانت مالية دار الجبالي من أول النهار، والطبول والمزامير سامعها البلد كلها لحد آخر النجع، بفرحة كبيرة ظاهرة لكن جواها قلق ساكن. الفرح كان كبير، فرح محصلش في الصعيد من سنين، وكل راجل كبير في البلد جه يبارك ويشرب الشاي وياكل من الدبايح اللي اتدبحت من الصبح. وعطر كانت قاعدة في وسط الزفة، لابسه فستان أبيض تقيل أكبر منها، وحاسه إن الدنيا كلها بتلف بيها، وقلبها الصغير بيدق بخوف وحيرة كأنه عصفور محبوس. إيديها بترتعش في بعض، وقلبها بيدق جامد لدرجة كانت خايفة حد يسمعه، بنبض كله رهبة ووحدة. عشرين سنة عاشتها في بيت أبوها، عمرها ما شافت فرح زي ده، ولا حلمت إن فرحها هو بنفسه يبقى كده: ناس كتير، وزغاريط كتير، وهي مفيش حد فيهم سأل عن رأيها. أبوها قال لها من أسبوع كلمة واحدة بنبرة تقيلة كلها وجع واستسلام: "الدم بيننا وبين الجبالية طال يا عطر، والكبار قعدوا وقرروا. إنتي اللي هتوقفي التار." وبعدها سكت. وهي فهمت إن الكلام خلص، وقلبها اتقبض بحزن هادي. كانت سامعة الستات حواليها بيهمسوا وهم فاكرين إنها مش واخده بالها، والكلام كان بيشك قلبها بشويش. الست همست بفضول وشماتة خفية: "الجوازة دي عشان التار بس يا أختي..." ست تانية همست وهي بتبص عليها بشفقة: "قالوا هي بنت الغريم، وجوزوها لجواد الجبالي عشان الدم يقف." وواحدة سألت بقلق ممزوج بالخوف: "وعطيات؟ دي مرات جواد الأولى وبنت عمه، هتسكت إزاي؟" وردت واحدة بصوت واطي مستسلم: "هي هتسكت ولا هتتكلم، الكبير قرر خلاص." عطر نزلت عينيها في الأرض بكسرة نفس رقيقة ووجع ساكت. كانت طول الأسبوع بتقول لنفسها إن جواد الجبالي ده أكيد راجل كبير وعجوز، كبير البلد اللي دقنه بيضا وعصاه في إيده، وإن عمرها هتقضيه خدامة في بيته تسمع كلامه وخلاص، بخوف طفولي بريء. ورغم كده ماقدرتش تتخيل وشه، ولا شافته ولا مرة طول الفرح. قالوا لها هو قاعد مع الرجالة برة. لما الفرح خلص، مسكوها اتنين ستات من إيديها وطلعوها فوق، لحد أوضة واسعة، فيها سرير كبير وستاير حمرا وريحة بخور مالية المكان، بس الريحة كانت خانقة لقلبها الوحيد. قفلوا الباب وراها وسابوها لوحدها. الأوضة كانت فاضية، ببرود يخوف. قعدت على طرف السرير وهي بتبص حواليها بعيون تايهة وقلب مقبوض. مفيش حد. جواد لسه مجاش. دقيقة، وعشرة، وربع ساعة. وهي قاعدة ساكتة، والفستان بيخنقها، ونفسها تقيل من الانتظار. فجأة الباب اتفتح. قامت واقفة بسرعة بقلب مفزوع، بس اللي دخلت مكانتش راجل. كانت ست طويلة، لابسه جلابية سودا مطرزة بالدهبي، وشها جميل بس عينيها فيهم برود يقطع، ونظرتها فيها غيرة موجوعة. ماشية بخطوات تقيلة كأن البيت بيتها، وهو فعلاً بيتها. وقفت قدامها ببرود جارح ونظرة بتقيمها بقسوة، وقالت: "إنتي عطر؟" عطر بلعت ريقها بتوتر وخوف ناعم، وقالت: "أيوه." وقفت قدامها وبصت لها من فوق لتحت، نظرة بطيئة كأنها بتزن بضاعة، بنظرة كلها غيرة ووجع مكتوم، وقالت: "أنا عطيات. مرات جواد الجبالي. وبنت عمه." كملت كلامها بنبرة قاسية لكن جواها خوف ست بتحب بجد، وقالت: "بسيطة أوي. كنت فاكرة هيجيبوا لي واحدة أحلى من كده تخوفني." عطر مردتش، وسكوتها كان كله انكسار صامت. قربت منها شوية وقالت بنبرة تهديد مليانة وجع وغيرة: "اسمعي يا بنت الناس. أنا عايزاكي تفهمي كويس عشان متتعبيش نفسك. جواد اتجوزك عشان التار وبس. الكبار قعدوا وقرروا وهو نفذ، لأنه راجل بيحترم كلمة كبيره. بس قلبه عمره ما كان ليكي ولا هيكون. قلبه عندي أنا. إحنا اتربينا مع بعض، وعشنا سنين، وهو بيحبني من وإحنا عيال." الدموع نزلت من عين عطر من غير ما تحس، بدموع هادية موجوعة. كملت بحدة وقسوة بتحاول تخبي بيها خوفها، وقالت: "وإنتي متحلميش إنك تبقي مراته بجد. إنتي مراته في الورقة وقدام الناس. إنما جوه البيت ده الست الوحيدة هي أنا. وإنتي هتعيشي هنا كأنك ضيفة تقيلة، تاكلي وتشربي وتسكتي. فاهمة؟" عطر كانت عاوزة تتكلم، تقول إنها مش هي اللي اختارت، وإنها كمان مظلومة، بقلب مكسور ونفسها تصرخ. بس لسانها تقل، والكلام وقف في زورها. فضلت تبكي بصوت واطي وهي منزلة راسها بوجع رقيق. قربت منها أكتر وبصوت واطي بس حاد كله سم، وقالت: "وعايزة أقولك حاجة تاني. الليلة دي جواد مش هيبات معاكي. هيبات عندي أنا. في أوضتي وعلى سريري. وإنتي هتقعدي هنا لوحدك مع فستانك ده." وبعدين مشيت بخطوات واثقة، وقفلت الباب وراها بصوت عالي يوجع القلب. عطر وقفت في مكانها دقايق طويلة، مش قادرة تتحرك، حاسة بإهانة تقيلة على صدرها، وقلبها موجوع كأنه مطعون بهدوء. حاسة إنها اتباعت واتشالت من بيتها ورميت في بيت غريب، وإن مفيش حد في الدنيا مهتم. بعد شوية مسحت دموعها بكم الفستان بيد مرتعشة وحزن ساكن. وفجأة جه في بالها إن الكلام ده فيه راحة غريبة، راحة ممزوجة بوجع. لو جواد هيبات عند مراته الأولى، يبقى هي مش هتضطر تواجه راجل مش عارفاه ولا تتخيل شكله العجوز. ليلة هادية، ومعاها نفسها. قامت وفكت الدبابيس من على شعرها بتعب، ومدت إيديها ورا ضهرها وفتحت سوستة الفستان بالعافية. الفستان وقع على الأرض زي كوم تلج، وسابته مكانه من غير ما تبص عليه. فتحت الشنطة الصغيرة اللي جابتها معاها من بيت أبوها ولقت فيها بيجامة قطن بسيطة وردي فاتح، لبستها ونفست الصعداء لأول مرة من الصبح براحة بسيطة دافية. قعدت على السرير، وفردت شعرها الطويل الأسود على كتفيها، وحاولت تفرد ضهرها بعد اليوم الطويل بتعب ناعم. بصت للسقف وهمست بصوت مبحوح كله رجاء: "يا رب صبرني." وفجأة، الباب اتفتح. عطر اتنفضت من مكانها بفزعة، وراحت شدت الغطا بسرعة على جسمها لحد دقنها، وبصت ناحية الباب بعيون واسعة من الخوف والخجل. واللي دخل مكانش عجوز ولا دقنه بيضا. كان شاب طويل، عريض الكتفين، لابس جلابية بيضا نضيفة ، وملامحه... ملامحه كانت أحلى من أي حاجة اتخيلتها، بهيبة هادية تذوب القلب. عيونه سودا واسعة فيها هيبة وهدوء، وفكه مشدود وفيه جدية، ودقنه خفيفة مظبوطة تتماشى مع وشه. وقف عند الباب وهو متردد، كأنه حاسس إن الأوضة مش أوضته، ونظرته فيها حيرة رقيقة. عطر قالتها بسرعة وصوتها طالع مبحوح من الخضة والكسوف: "إنت مين؟ إنت دخلت إزاي؟ أنا هصرخ!" الشاب رفع حواجبه باستغراب لطيف ونظرة مندهشة حنينة، وبصوت عميق هادي دافي قال: "أنا جوزك." سكتت بذهول وقلبها وقع. كمل بهدوء رجولي يطمن، وقال: "أنا جواد الجبالي." الكلمة نزلت عليها زي الصاعقة بذهول وحلاوة. جواد الجبالي؟ ده؟ ده اللي كانت فاكراه راجل كبير في السن بيتسند على عصاية؟ ده شاب في التلاتين، وسيم لدرجة تخض. اتسمرت مكانها، وإيديها نزلت بالغطا من غير ما تحس، وقامت وقفت على السرير نفسه من الصدمة، وبصت له بعيون مفتوحة على آخرها بدهشة طفولية بريئة. نست إنها لابسة بيجامة. وإن شعرها مفرود مكشوف على ضهرها وكتافها. وجواد وقف مكانه، وفجأة نسي كل الكلام اللي كان جاي يقوله، وقلبه دق دقة قوية أول مرة يحسها. شاف قدامه بنت جميلة ، بشرتها بيضا زي اللبن وخدودها حمرا من البكا، وعيونها واسعة لونها بني فاتح لامع من الدموع، وشعرها الأسود نازل زي الحرير على ضهرها. جمال هادي مش مصطنع، جمال بيدخل القلب من غير استئذان. حكايات الكاتبة ملك إبراهيم شفايفه اتحركت من غير ما يقصد، وهمس بصوت خاشع كله إعجاب ودعاء من القلب: "بسم الله... ما شاء الله." عطر سمعتها وقلبها داب بخجل وردي جميل. وشها ولع. وانتبهت فجأة لنفسها، فنطت من على السرير بسرعة ونزلت الناحية التانية، وشدت مخدة وحطتها قدام صدرها بكسوف طفولي، وهي بتتكلم بسرعة كأن الكلام بيجري منها بتوتر وبراءة: عطر قالت باندفاع وخوف وقلبها بيرتعش: "أنا عارفة! أنا عارفة كل حاجة والله. أنا عارفة إنك اتجوزتني عشان التار، وعارفة إنك بتحب مراتك الأولى، ومش عايزة منك أي حاجة. والله ما عايزة. أنا هعيش في بيتك مراتك قدام الناس بس، وجوه البيت إنت تكون مع مراتك اللي بتحبها وأنا موافقة. موافقة. أنا مش عايزة أخرب بيتك ولا أضايق حد. أنا هقعد في أوضتي وهسكت وهشوف شغلي وإنت مش هتشوف مني أي مشكلة." خلصت الكلام وهي بتنهج، ومسكت المخدة بإيديها الاتنين بقلب بيرجف. جواد فضل ساكت بوجع هادي في صدره. الكلام كله وقع على قلبه تقيل، بوجع غريب أول مرة يحسه. فهم منه إن البنت دي مش عايزاه. مش عايزة تقرب منه. وإنها اتجوزته غصب عنها زي ما اتجوزها هو. وجع صغير وجع في صدره، مكانش فاهم هو ليه. أخد نفس طويل وقال بهدوء كله احترام وحزن مكتوم: "زي ما تحبي." وبص لها نظرة أخيرة، كأنه عايز يحفظ وشها في قلبه، وبعدين لف وخرج وقفل الباب بلطف وحنية توجع. وقف في الطرقة العتمة لحظة، وإيده على صدره بقلب بيدق بلهفة غريبة. مكنش فاهم إيه اللي حصل. البنت دي، بجمالها وخوفها وكلامها المتسارع، دخلت قلبه في دقيقتين بحنية مفاجئة. مشى لحد أوضة عطيات بقلب تقيل. دخل وقفل الباب. عطيات قامت له بابتسامة منتصرة كلها غرور، ومدت إيدها تاخد إيده بلهفة تملك، وبدأت تحكي له عن الفرح وعن الناس. وهو بيرد بكلمة وكلمتين، ونام جنبها على السرير وعينه في السقف بسهاد وحيرة. بس اللي كان قدام عينيه مكنش السقف. كان وش بنت بتبكي ومخبية نفسها ورا مخدة، وبتقول بصوت مرتعش كله براءة موجوعة: "أنا مش عايزة منك أي حاجة." والليل عدى طويل بقلوب صاحية. **الفصل الثاني:** صحيت عطر على صوت الديك وشعاع شمس رفيع داخل من فتحة الستارة، بنور خفيف كأنه بيطبطب عليها. لحظة نسيت هي فين، وبعدين افتكرت كل حاجة مرة واحدة، فقفلت عينيها تاني بوجع هادي ورقيق. قامت بهدوء، وغسلت وشها، ولبست جلابية بسيطة كحلي وحطت طرحة على شعرها بخجل ناعم. وقبل ما تفتح الباب أخدت نفس عميق وقالت لنفسها بصوت يشجع قلبها الصغير: "يلا يا عطر. إنتي قدها." نزلت السلم ببطء بقلب بيدق بخوف، لقت الدار كلها صاحية وعاملة زي خلية النحل. الستات رايحة جاية بالصواني، والعيال بتجري، وريحة الخبز البلدي طالعة من الفرن بريحة دافية تطمن. وقفت عند آخر سلمة مش عارفة تروح فين بحيرة رقيقة. الحاجة نعيمة قالت لها بصوت طيب وحنون كله أمومة: "صباح الخير يا عروسة." دي كانت الحاجة نعيمة، عمة جواد اللي ربته بعد موت والدته، وقالت لها بحنية: "تعالي يا بنتي اقعدي، متقفيش كده." عطر ابتسمت بخجل وقلبها ارتاح شوية، وقعدت على حرف الكنبة. دخلت عطيات بعد دقيقة، لابسة جلابية حرير خضرا وفي إيديها غوايش دهب، ونظرتها فيها نار وغيرة، وقالت بصوت عالي عشان الكل يسمع بنبرة كلها تعالي ووجع: "إيه ده؟ لسه صاحية؟ إحنا في الدار هنا بنصحى من الفجر يا عروسة. انتي مش في دار ابوكي هنا." الستات سكتوا بحرج. عطر نزلت عينيها وقالت بهدوء وصبر جميل طالع من قلب طيب: "حاضر.. هصحا بدري بعد كده. وهقوم أساعد." ضحكت عطيات ضحكة قصيرة كلها استهزاء موجوع، وقالت: "تساعدي؟ إنتي تعرفي تعملي إيه أصلاً؟ ولا بنت الغريم اتربت على الراحة؟" عطر مردتش بصبر يوجع القلب. قامت ودخلت المطبخ ولقت الستات بيعجنوا العجين. من غير ما تتكلم شمرت كمها وقعدت جنب واحدة منهم وبدأت تشتغل بإيديها بخفة وإتقان وحنية بنت أصول. الستات بصوا لبعض بإعجاب. بنت الغريم تعرف تعجن! ومن بعيد، على باب المطبخ، كان واقف جواد بقلب بيدق من غير ما يحس. كان نازل يشرب شاي قبل ما يروح الأرض، ولما شافها وقف مكانه من غير ما يتحرك، وعينيه ثبتت عليها بحنية غريبة. كانت قاعدة على الأرض، كمها مرفوع، وشعرها مخبي تحت الطرحة، ودقيق العجين على خدها الأبيض، وهي بتبتسم لعجوزة بتحكي لها حاجة. ابتسامة هادية، بسيطة، فيها نور يدخل القلب. قلبه دق دقة غريبة، دقة حنينة أول مرة يحسها. واحدة من الستات قالتها وهي بتشوفه باحترام: "صباح الخير يا جواد بيه." عطر رفعت عينيها فجأة وشافته بكسوف جميل، ووشها احمر بحمرة الورد، وقامت واقفة بسرعة وهي بتمسح إيديها في الجلابية بتوتر رقيق، وقالت: "صباح الخير." جواد حك دقنه وقال بصوت واطي حنين كله اهتمام: "صباح النور. كلتي حاجة؟" عطر قالت بصوت واطي خجول: "لسه." جواد قال باهتمام دافي من قلبه: "طب كلي قبل ما تشتغلي. الشغل مش هيطير." وسكت لحظة وزود بنبرة حنينة تحميها: "وانتي ضيفتنا مش خدامة." عطر بصت له باستغراب وقلبها داب من الكلمة الحنينة. مكانتش متوقعة الكلمة دي. وقبل ما ترد، سمعوا صوت عطيات من وراه بغيرة مولعة: "جواد! تعالى أفطر معايا. الشاي بيبرد." جواد بص لعطر لحظة كأنه عايز يقول حاجة بعيونه، وبعدين لف ومشى بقلب متلخبط. الأيام الأولى عدت تقيلة بوجع صامت. عطيات كانت بتلاحق عطر في كل خطوة بقلب مليان غيرة. مرة تقول لها بنبرة آمرة: "الأكل ده مش مظبوط" ومرة تقول بحدة: "الأوضة دي مش نضيفة" ومرة تحط طبق قدامها وتقول بصوت عالي كله إهانة: "كلي، من خيرنا بعد الفقر اللي كنتي فيه." رواية الكاتبة ملك إبراهيم وعطر في كل مرة تسكت وتبتسم ابتسامة صغيرة صابرة، وتروح تعمل اللي اتطلب منها بقلب أبيض. مكانتش ضعيفة، بس كانت ربتها أمها على إن الصبر عبادة، وإن الكلمة الوحشة اللي بتتقال مش لازم ترد عليها، بصبر جميل يوجع القلب. وجواد كان بيشوف كل ده بقلب بيتوجع عليها من بعيد. مرة، بعد العشا، سمع صوت عطيات بتزعق في المطبخ بنبرة عالية، ودخل لقى عطر واقفة قدامها وفي إيديها طبق مكسور، ووشها شاحب وقلبها بيرتعش. جواد سأل بهدوء لكن عينه قلقانة عليها: "إيه اللي حصل؟" عطيات صرخت بغضب وغيره: "البت دي كسرت الطبق الصيني اللي جابتهولي أمي! كل حاجة عاوزة تبوظها!" عطر قالت بصوت واطي كله أسف وبراءة: "أنا آسفة. هجيبلك غيره والله." جواد قرب وبص للطبق المكسور، وبعدين لعطر، ولاحظ إن إيدها بتنزف من حتة زجاج صغيرة بقلب اتوجع عليها. من غير كلمة مد إيده ومسك معصمها بلطف وحنية رجولية دافية وشاف الجرح. جواد قال بقلق حنين طالع من قلبه: "إيدك بتنزف." عطر قالت بوجع هادي بتحاول تخبيه: "مفيش حاجة. بسيطة." جواد قال بنبرة مفيهاش نقاش لكن كلها خوف عليها: "تعالي." وخدها لحد الحوض، ولف إيدها بقطعة قماش نضيفة بإيده هو، بإيد خشنة بس رقيقة وحنينة. كانت المرة الأولى اللي جلده يلمس جلدها، وحس بدفا غريب بيجري في إيده دخل قلبه. عطر كانت واقفة مش بتتنفس وقلبها بيدق جامد بخجل وحيرة. حاولت تسحب إيدها بس هو مسكها بخفة وقال بحنية: "استني. الجرح عميق شوية." عطيات واقفة وراهم، ووشها اتحول من الاحمرار للشحوب بغيرة مولعة، وقالت بغضب مكتوم: "جواد! أنا اللي..." جواد قاطعها من غير ما يلتفت بنبرة حاسمة تحمي عطر: "الطبق ده يتشال وتجيبي غيره. وماتزعقيش على حد في بيتي بسبب طبق." وسابها وطلع وقلبه لسه عند إيدها الصغيرة. في الليل، عطر قعدت في أوضتها لوحدها ومسكت إيدها المربوطة بلمسة حنينة. كانت بتبص للقماشة وحاسة بحاجة جديدة، حاجة مش مفهومة دافية في قلبها. كانت بتقول لنفسها بقلب بيرتعش: "ده راجل كويس.. بس هو لمراته. وإنتي ماتتخيليش حاجة." وفي الأوضة التانية، جواد قاعد على الكنبة بقلب سرحان، وعطيات بتكلمه عن حاجة، وهو مش سامعها. كان بيفكر في معصم رفيع ملفوف بقماشة بيضا بلمسة رقيقة محفورة في قلبه. كان بيقول لنفسه بحزن وحب مكتوم: "أنا مش هقرب منها. هي مش عايزاني. اتجوزتني غصب. مش هظلمها مرتين." بس قلبه، العنيد زي أي قلب صعيدي، مكانش بيسمع الكلام، وقلبه كان بيدق ليها لوحده. **الفصل الثالث:** عدّى شهر على دخول عطر دار الجبالي، والبيت اتعوّد عليها زي ما الأرض بتتعود على المطرة الهادية بحب بسيط. ماحدش كان واخد باله، بس كل حاجة حواليها بقت أحسن شوية بلمستها الحنينة. الستات العواجيز بقوا يسألوا عنها لو اتأخرت بحب صادق، والعيال بقت تجري وراها وتشد في جلابيتها بفرحة، وحتى الكلبة اللي في الحوش بطلت تنبح لما تشوفها كأنها حست بطيبتها. وعطيات كانت شايفة كل ده وبتغلي بقلب مليان غيرة ونار. كل يوم كلمة، وكل ساعة غمزة، وكل وجبة تقول لها بنبرة متسلطة: "الملح ناقص" وبعد ساعة تقول بتعنت: "الملح زايد" وعطر تسكت وتبتسم وتصلح اللي اتقال إنه غلط بقلب صابر ورقيق. ولما عطيات تعدي من جنبها وتخبطها بكتفها كأنه بالغلط بقسوة مقصودة، تقول بهدوء وطيبة قلب: "سلامتك يا ست عطيات" وتكمل شغلها بابتسامة هادية توجع القلب بطيبتها. وفي يوم من الأيام، وهي ماشية في الغيط وراء الدار عشان تجيب ورق ملوخية للغدا بخطوات خفيفة وقلب رايق، سمعت صوت عالي جاي من ناحية الترعة. صوت راجل بيزعق وصوت واحد تاني بيتوسل بوجع. قربت بحذر ووقفت ورا شجرة جميز قديمة بقلب خايف. كان راجل تخين لابس جلابية غالية واقف وفي إيده ورقة، وقدامه فلاح عجوز نحيف راكع على الأرض بيمسك رجله بذل ووجع. العجوز قال وهو بيعيط بقلب مكسور: "يا باشا، والنبي، الأرض دي أرض أبويا وجدي قبله. معنديش غيرها؟" التخين قال بقسوة وقلب جامد: "ورقة الدين بتقول إنها بتاعتي. اتأخرت عليّ سنتين. يا تدفع يا تسيب الأرض." عطر حطت إيدها على قلبها بوجع وحنية. العجوز كان بيعيط عياط الرجالة، العياط اللي مالوش صوت، دموع نازلة على دقنه وكتافه بتنهج بوجع يقطع القلب. حكايات الكاتبة ملك إبراهيم وفجأة، سمعت صوت حوافر بيدق الأرض بقوة. وقف حصان أسود وطلع منه راجل قفز من فوقه قبل ما يوقف تمامًا بهيبة تطمن. كان جواد. ماقالش كلمة في الأول بهدوء تقيل يخوف. نزل ومشي لحد العجوز ومدّ إيده ورفعه من على الأرض بنفسه بحنية رجولية أصيلة، وفضّل ماسكه لحد ما وقف على رجليه. وبعدين لف للراجل التخين وقال بهدوء تقيل زي الرعد من بعيد كله هيبة وحق: جواد قال بنبرة هادية تقيلة كلها رجولة: "الراجل ده راكع ليه يا شيخ سلام؟" التخين قال بتوتر: "يا كبير، ده بيني وبينه حساب." جواد مدّ إيده في جيبه وطلع رزمة فلوس ورماها قدامه من غير ما يعدّها بكرم وشهامة، وقال: "في بلدي مفيش راجل بيركع غير لربنا. خد حقك، وخد معاه اللي يغطي الفايدة. والأرض تفضل لصاحبها. ولو شفتك مرة تانية بتقف على راجل كبير بالشكل ده، مش هتلاقي أرض في البلد دي تقف عليها." التخين بلع ريقه ومشى وهو بيتمتم بكلام مش مفهوم بخوف. والعجوز مسك إيد جواد كان عايز يبوس إيده وهو بيعيط بامتنان كبير، وجواد سحب إيده بسرعة وباس راسه هو بتواضع وحنية: "عيب يا حاج. إنت زي أبويا وإحنا ولاد بلد واحدة." عطر كانت واقفة ورا الشجرة ودموعها نازلة من غير ما تحس بدموع إعجاب وحب أول مرة يدق قلبها. ده الراجل اللي كانت بتخاف منه؟ ده الراجل اللي افتكرته غول؟ ده راجل شهم وبيدافع عن الناس بقلب دهب. لما جواد لف عشان يركب الحصان، عينه جت على الشجرة. شاف طرف طرحتها الخضرا، وشاف عينين بيبصوا له بخجل وحب صغير بيتولد. وقف بنظرة حنينة. ما اتكلمش ولا هي اتكلمت. بس لقاها بتبتسم له، ابتسامة صغيرة أوي، وفيها حاجة أول مرة يشوفها فيها: احترام وحب صامت. ركب حصانه وراح، وقلبه بيدق في صدره زي الطبل بحب بيكبر. ومن اليوم ده، عطر بقت تسمع عن جواد من كل حد بقلب بيدق له. العواجيز بيقولوا إنه عمره ما رفض حد جاله ببابه بكرم أصيل. والشباب بيقولوا إنه لما واحد بيتظلم، بيروح يقعد عنده الأول قبل ما يحكم بعدل . حتى اللي كانوا من عيلتها هي، عيلة الغريم، بيقولوا إن جواد الجبالي راجل مش زي أي كبير تاني. وجواد من ناحيته كان بيشوف حاجات تانية بقلب بيتعلق بيها يوم ورا يوم. شاف عطر في يوم قاعدة في الحوش وقدامها طفل صغير ابن واحدة من الخدامات، عنده حمى، وهي حاطة قماشة مبلولة على جبينه وبتغنيله بصوت هادي أغنية قديمة، وإيدها بتمسح على راسه بحنية أمومة تذوب القلب. الطفل كان نايم وهي ماتحركتش ساعتين خايفة تصحيه بقلب رحيم. وشاف عطيات، في نفس الأسبوع، واقفة قدام ست فقيرة جاية تطلب شوية دقيق وبتقول لها بقسوة وقلب جامد: "مش كفاية بيوتكم اللي مفتوحة من خيرنا ؟ روحي شوفي حالك بعيد عننا." والست راحت وعينيها في الأرض بوجع. جواد وقتها وقف في مكانه وبص لمراته الأولى، بنت عمه اللي اتربى معاها، بقلب مصدوم وموجوع. اللي حبها زمان لما كانت عيلة صغيرة. بص لها وحس إنه مابقاش يعرفها. أو يمكن عمره ما عرفها. يمكن كان بيحب صورة جواها هي نفسها مش موجودة. وبعدين راقب عطر تاني، من غير ما يقصد بقلب بيدور عليها. في مرة جه الدار في وقت متأخر من الليل، تعبان بعد يوم طويل في المجلس بقلب مرهق. وجد النور مولع في المطبخ. دخل بهدوء ولقى عطر قاعدة على الأرض قدام البوتاجاز الصغير، بتسخن حاجة في حلة باهتمام رقيق. حطت عينها عليه فجأة وقامت واقفة بخضة حلوة. عطر قالت بخجل وحنية: "بجهز لحضرتك العشا ... قلت يمكن تيجي جعان." جواد بص للحلة وبعدين لها بنظرة حنينة مستغربة، وقال: "مين قال لك إني بتأخر وببقى جاي جعان؟" عطر قالت بصوت واطي خجول كله اهتمام صامت: "لقيتك مرتين... مرة رجعت متأخر ومالقيتش حد يحط لك أكل. الدار كلها بتنام بدري." وسكتت وبصت في الأرض بكسوف جميل، وقالت: "ماقصدتش اضايقك... بس قولت أكيد بترجع جعان" جواد قال بصوت دافي فيه امتنان كبير: "شكرا." وقعد على الكرسي وبص للأكل وهي بتحطه قدامه بحب صامت، وقال بحنية: "اقعدي." عطر قالت بتردد وخجل: "أنا..." جواد قال بنبرة رجولية حنينة تطلبها بلطف: "اقعدي يا عطر....يتبع في الجزء الأخير "حكايات الكاتبة ملك إبراهيم...جواد قال بنبرة رجولية حنينة تطلبها بلطف: "اقعدي يا عطر.." قعدت على طرف الكرسي المقابل وقلبها بيدق. وهو أكل في صمت وهي ماتحركتش. كانت الحاجة الوحيدة اللي بتسمعها صوت المعلقة وصوت الليل بره، بلحظة دافية وهادية. وهو كان بياكل ببطء، كأنه مش عايز الأكل يخلص عشان تفضل قدامه. جواد قال بابتسامة رضا دافية: "الأكل حلو." عطر قالت بفرحة خجولة: "شكرا." جواد سأل بفضول حنين: "مين علمك تطبخي كده؟" عطر قالت بحب وحزن رقيق على أمها: "أمي الله يرحمها." جواد قال بدعاء صادق من قلبه: "ربنا يرحمها." ورفع عينه ليها بنظرة عميقة حنينة، وسأل: "انتي شبهها؟؟" عطر ابتسمت وهي بتنزل راسها بخجل وردي جميل، وقالت: "بيقولوا كده." جواد قال بكلمة دخلت قلبها زي الدفا: "يبقى كانت ست عظيمة." الكلمة دي دخلت قلبها زي شعاع نور في أوضة مقفولة من سنين بفرحة ناعمة. عمرها ما حد قال لها كلمة زي كده. كانت بتسمع طول عمرها "كويسة" و"مؤدبة" و"هتتجوزي وتستريحي". ماحدش قال لها إن أمها كانت عظيمة، ولا إنها هي ممكن تكون شبهها، بكلمة طيبة حنينة. قامت من مكانها بسرعة بقلب بيرتعش من الخجل، وقالت: "هاروح أنام." وقبل ما تمشي، قال لها بصوت واطي كله شوق: "عطر." عطر ردت بقلب بيدق: "أيوه؟" جواد قال بامتنان دافي طالع من القلب: "شكرًا." طلعت السلم بخطوات خفيفة، وحست إن رجليها مش بتلمس الأرض من الفرحة الناعمة. وجواد قعد في المطبخ دقيقة كمان بعد ما مشيت، بيبص على المكان اللي كانت قاعدة فيه بقلب مشتاق. وفي الليلة دي ماعرفش ينام. نام جنب عطيات وحس بالبعد اللي بينهم كأنه ميل بوجع بارد. وقلبه كان لسه في المطبخ، عند بنت صغيرة وحلة أكل وابتسامة تدوب القلب. وفي أوضتها، عطر قعدت على السرير وحطت إيدها على قلبها بيد مرتعشة. كانت بتقول لنفسها بقلب بيحاول يقاوم: "ده راجل مش بتاعي." وقلبها بيرد عليها بصوت أعلى كله حب بيتولد: "بس هو طيب." والفرق بين الاتنين كان بيزيد كل يوم بوجع حلو. عطر بتصبر وتبتسم وتساعد من غير ما تتكلم بقلب أبيض نقي. وعطيات بتزعق وتأمر وتحسب كل حاجة بالفلوس بقلب قاسي. عطر تروح الحقول تساعد الستات الفقيرة في الغسيل والخبيز بحنية، وعطيات تروح تتفاخر بالدهب قدام الضيوف بغرور. وفي مرة، لما جه ضيوف من بلد تانية عشان يتصالحوا على أرض متنازع عليها، عطيات هي اللي اتصدرت في الاستقبال وقالت لهم كلام كبير عن عيلة الجبالي بفخر فاضي. بس عطر هي اللي جابت القهوة بإيدها وسألت الراجل الكبير فيهم عن صحته وعن أولاده بحنية بنت أصول، لأنها كانت سمعت عنهم من أبوها وتعرفهم كويس . والراجل الكبير مسك إيدها وقال لجواد بفرحة وإعجاب صادق: "اتجوزت بنت أصل يا جواد." رواية الكاتبة ملك إبراهيم جواد ابتسم لأول مرة قدام الناس ابتسامة حقيقية منورة من القلب، وبص لعطر وهو بيقول بحب فخور: "الحمد لله. دي نعمة بشكر ربنا عليها." عطر نزلت عينيها بسرعة ووشها وَلَّع بخجل وردي يجنن. وعطيات كانت واقفة ورا الباب، بتسمع بقلب بيغلي. وقلبها كان مليان بحاجة سودا بقت بتكبر يوم بعد يوم بغيرة سامة. **الفصل الرابع: ** في ليلة من ليالي الشتا، كان الجو في الصعيد هادي وبارد ببرودة حنينة، والقمر مالي السما زي طبق فضة بينور القلوب. جواد ماكنش قادر ينام بقلب صاحي. قام من جنب عطيات بالراحة، وطلع السطح. وقف على الحافة وبص على الغيطان الممتدة تحته، وبعدين لقى حد واقف على الجانب التاني من السطح بنور القمر. عطر. كانت لابسة جلابية ناعمه وملفوفة في شال تقيل، وواقفة بتبص للقمر بعيون حالمة وقلب سرحان. شعرها كان سايب بيتحرك مع الهوا برقة تذوب القلب. قرب منها بالراحة بقلب بيدق، وقال بنبرة هادية دافية: "بتعملي إيه هنا؟" لفت بخضة وقلبها اتنفض، وقالت بصوت خجول: "آسفة... ماكنتش عارفة إنك هنا. مش قادرة أنام فطلعت." جواد قال بابتسامة هادية وقلب مشتاق: "وأنا كمان." وقفوا جنب بعض ساكتين لحظات، القمر بينور وشوشهم بنور حنين، والهوا بيعدي بينهم زي حاجة بتحاول تقرب الاتنين من بعض بشويش. جواد قالها بصوت مبحوح كله حب وشوق مكتوم: "عطر. عايز أقول لك حاجة. ولو سكتّ هندم طول عمري." قلبها دق بلهفة وخوف حلو، وقالت بصوت واطي مرتعش: "قول." جواد أخد نفس طويل بقلب شجاع وبيحب بصدق، وقال: "أنا يوم ما اتجوزتك، كنت فاكر إني بنفذ كلمة الكبار وبس. وإنك بنت عادية وهتعيشي في البيت وهتبقي واحدة من اللي بيعيشوا. بس لما شفتك، في الليلة دي، حسيت إن حاجة اتقلبت جوايا. وطول الشهرين اللي فاتوا، وأنا بشوفك كل يوم بتبقي أحلى وأحلى. مش جمال الوش، جمال اللي جواكي. حبيتك يا عطر. حبيتك من غير ما أفكر ولا أخطط." عطر سكتت وقلبها بيدق جامد. الدموع كانت واقفة في عينيها زي اللؤلؤ بلمعان حب وخوف. وكمل بصدق طالع من القلب، وقال: "وعايز جوازنا يبقى حقيقي. مش عشان التار ولا عشان الكبار. عشان أنا عايزك. وعشان أنا شايف إنك الوحيدة اللي تستاهلي تبقي ست الدار دي." عطر حطت إيدها على بقها بذهول وقلب موجوع من الحيرة، وهزت راسها بوجع ناعم، وقالت: "لأ..." جواد حس إن قلبه وقع بوجع وخوف، وقال بصوت مكسور: "لأ؟" عطر قالت وصوتها بيرتعش بدموع وحب كبير: "مش هقدر. أنا حبيتك من اليوم إللي شفت فيه إيدك بتتمد للعجوز اللي في الغيط. بس عطيات... دي بنت عمك. ست اتربت معاك وعاشت سنين على إنها الوحيدة. أنا مش هقدر أكسر قلبها. مش هقدر أبقى اللي خربت بيتها. أنا موافقة أعيش زوجة علي الورق ، بس مش عايزة أبقى سبب وجعها." جواد بص لها بعيون مليانة وجع وإعجاب وحب كبير لا يوصف، بقلب داب من طيبتها. دي بنت بتحبه وبترفضه عشان خاطر واحدة بتأذيها كل يوم. مين الإنسانة دي؟ بنت قلبها دهب. جواد قال بصوت واطي كله إعجاب وحب: "إنتي أطيب واجمل بنت شافتها عيني ." عطر همست بقلب بيعيط وحب مكتوم: "متظلمش عطيات يا جواد. عشان خاطري.. خليني جنبك زوجة على الورق وبس ." وسابته ونزلت، ودموعها بتنزل على خدها بوجع وحب صادق. من ورا باب السطح الخشب، كان في عينين سودا بتلمع في الضلمة بغل وحقد. عطيات كانت صحيت على غياب جواد من جنبها، وطلعت وراه بقلب شكاك مولع. سمعت كل كلمة بقلب بيتكسر. سمعت جوزها بيقول "عايز جوازنا يبقى حقيقي"، وسمعت البنت اللي كرهتها بترفض. مش بترفض لأنها بتكرهه. بترفض عشانها هي. بدل ما الكلام ده يلين قلبها، زوّد النار فيه بوجع أكبر. عطيات حست إن الرفض ده إهانة أكبر من أي حاجة، بقلب مجروح وغيرة عامية. البنت دي، اللي دخلت بيتها زي ضيفة، بتتصرف كأنها أميرة بتتنازل. وجواد، جوزها هي، بيبص للبنت دي بالطريقة اللي كان زمان بيبص لها بيها. رجعت أوضتها وهي بتتنفس بصعوبة وقلبها مولع بنار الغيرة، وقعدت على السرير في الضلمة ودبرت بقلب أسود. تاني يوم، عطيات كانت هادية بشكل مريب ببرود يخوف. بقت تعامل عطر بلطف مصطنع كله سم، تحط إيدها على كتفها وتقول لها بنبرة مزيفة: "انتي بنت حلال يا عطر" والخدامات استغربوا بقلق. وعطر حست بقلق غريب، زي اللي بيشوف الهدوء قبل العاصفة بقلب مقبوض. بعد أسبوع، جه لدار الجبالي ضيف جديد. شاب اسمه سالم، ابن خال عطيات، جاي من القاهرة يقعد كام يوم. شاب طويل رفيع، وعينيه بتتحرك كتير ومش بتثبت على حاجة بنظرة خبيثة. كان بيضحك ضحكة عالية وبيتكلم مع الستات كأنه من أهل البيت بجرأة مش مريحة. عطيات كانت بتقعد معاه ساعات في الصالة، وبتكلمه بصوت واطي، وبتضحك ضحكة صفرا. عطر كانت حاسه إنهم بيرتبوا لحاجة.. قلبها بيخبط بخوف. حاجة مش مظبوطة بقلب حاسس بالخطر. وفي يوم الخميس، كان جواد مسافر لمركز المحافظة عشان اجتماع مهم هيرجع منه بالليل. الدار كانت هادية، والليل وصل بجو تقيل. وعطر كانت في أوضتها بتطرز منديل صغير بيد حنينة وقلب بيحب، منديل كانت بتعمله لجواد من غير ما تقول له، حاجة صغيرة تشكره بيها على كل حاجة حلوة بيعملها عشانها . سمعت خبط على الباب بقلب اتنفض. عطر قالت بخوف خفيف: "مين؟" عطيات قالت بصوت حنين غريب كله خداع: "أنا يا عطر. ممكن تيجي ثواني؟ عايزة أوريكي حاجة في أوضة الخزين." عطر تنهدت وقامت بقلب طيب رغم قلقها. يمكن عطيات عايزة تعمل صلح. يمكن ربنا هداها. خرجت، وعطيات مسكتها من ذراعها وخدتها تحت للأوضة بتاع الخزين اللي في آخر الممر بمسكة غريبة. فتحت الباب وزقتها جوه، وقفلت عليها بسرعة بالمفتاح من برا. وفجأة، عطر سمعت صوت حاجة بتتحرك وراها بقلب وقع. لفت، لقيت سالم واقف وراها في الضلمة وهو بيبتسم ابتسامة وحشة كلها خبث، وقال بنبرة لزجة: "منورة يا ست عطر؟" عطر اتجمدت والدم نشف في عروقها بفزع كبير، وقالت بصوت مرتعش من الرعب: "إنت... إنت بتعمل إيه هنا؟" سالم قال بصوت عالي، عالي أوي، عشان اللي برة يسمع بنبرة تمثيل رخيص: " انا هنا عشانك ." وقبل ما تفتح بقها، سمعت صوت عطيات برة بتصرخ بأعلى ما فيها بتمثيل فاضح: "يا ناس! يا أهل الدار! الحقوا.. عطر معاها راجل في أوضة الخزين !" حاولوا يفتحوا الباب وكان مقفول بالمفتاح من برا. كسروا الباب عليهم. ودخلت عطيات مع نص ستات الدار، وجمع من الرجالة اللي كانوا في الحوش بعيون مصدومة. عيون الكل اتجهت لعطر وللراجل الواقف جنبها. وعطيات حطت إيدها على صدرها وبدأت تعيط بصوت عالي كله كدب وتمثيل، وقالت: "يا فضيحتي! يا عار عيلتنا! شفتها بعيني! شفت بنت الغريم في حضن سالم .. في دار جوزي وهو مسافر!" عطر وقفت بوشها الأبيض زي التلج، وقلبها بيتقطع من الظلم، وصوتها خرج ضعيف مبحوح بالوجع: "ده كدب. أنا ماعرفش الراجل ده. أنا ماجيتش هنا برضاي. عطيات هي اللي..." عطيات زعقت بتمثيل وقسوة عشان تغطي كدبها: "بتكدبي! جبتيه بنفسك! وكنتي مستنياه!" الهمس ملا الأوضة. الرجالة بصوا لبعض، والستات حطوا إيديهم على أفواههم بصدمة. وواحدة قالت بصوت مسموع كله ظن: كنت عارفة إن البنت دي مش مظبوطة.. ولسه لما جواد بيه يعرف." عطر حست إن الدنيا بتدور بيها بوجع يهد القلب. الكلمة اللي في الصعيد مفيش أتقل منها كانت اتقالت عليها قدام الكل. شرفها. الحاجة الوحيدة اللي أمها علمتها تحميها بحياتها. بصت حواليها، لقت عيون كلها حكم قاسي. وعيون الستات اللي كانوا بيحبوها ومالقتش فيهم حد يقف جنبها بوجع وحدة كبير. وفي اللحظة دي بالذات، سمعوا صوت عربية بتركن في الحوش، وصوت خطوات تقيلة بتطلع السلم بسرعة بلهفة ورجولة. جواد رجع. **الفصل الخامس: ** الزحمة اتفتحت قدامه زي البحر بهيبة حضوره. جواد دخل الأوضة وعباءته مترابة من سكة السفر، وعينيه بتدور في الوشوش بقلق كبير لحد ما وقعت على عطر بقلب اتقبض. لقاها واقفة في نص الأوضة، لوحدها وسط ناس كتير بقلب موجوع لكن راسها مرفوع بكرامة. وشها أبيض، وإيديها متشابكة قدام صدرها، وعينيها مليانة دموع بس مرفوعة. ماكانتش بتبص في الأرض. كانت واقفة زي اللي اتظلم ومش هيطأطئ راسه بوجع نقي وكرامة تذوب القلب. قلبه اتقبض بوجع عليها. جواد قالها بصوت هادي، هادي بشكل يخوف لكن جواه نار بتحميها: "إيه الحكاية؟" عطيات اترمت على صدره وهي بتعيط بتمثيل ونبرة مكسورة كدابة، وقالت: "يا جواد! الحقني! شفتها بعيني في حضن سالم ! دخلته الدار في غيابك ! أنا شاكة فيها من أول يوم، بس كنت ساكتة عشان خاطرك!" جواد شال ايديها من على صدره بإيده وبعدها على جنب بحزم بارد، من غير ما يبص لها، وقال: "متتكلميش انتي يا عطيات." وبعدين مشي لحد سالم بخطوات تقيلة هيبة. الشاب وقف مكانه والدم نشف في وشه بخوف، لكن حاول يبتسم بتوتر. جواد سأل وعينه ثابتة عليه: "انت بتعمل ايه هنا ؟" سالم بص لعطر وبعدين لعطيات وبعدين لجواد بخوف، وقال كدب: "هي. هي قالت لي أستناها هنا." حكايات الكاتبة ملك إبراهيم جواد هز راسه ببطء بذكاء هادي، وسأل: "ودخلت الاوضة دي ازاي ؟" سالم قال بسرعة: "الباب كان مفتوح." جواد سأل بنبرة اختبار: "متأكد؟" سالم أكد بخوف: "أيوه." جواد لف لواحدة من الخدامات اللي واقفة عند الباب بقلب طيب، وقال: "يا أم حسن، تعالي هنا." الست العجوزة اتقدمت وإيديها بترتعش بخوف. جواد قال لها بصوت كله أمان: "الباب ده بيكون مقفول بالمفتاح على طول.. وعطر معهاش مفتاح للباب ده..؟" أم حسن بلعت ريقها وبصت لعطيات بخوف، وبعدين بصت لجواد وللوشوش اللي حواليها بقلب متردد. وجواد قال لها بصوت أحن يطمنها: "ماتخافيش. قولي الحق. ما حدش هيأذيكي في دار الجبالي طول ما أنا عايش." أم حسن أخدت نفس بشجاعة، وقالت بصوت واضح رغم خوفها: "أنا شفت بعيني ست عطيات وهي بتسحب الست عطر ودخلتها أوضة الخزين وقفلت عليها بالمفتاح من برة وخبت المفتاح في جيبها." الصمت نزل على الأوضة زي حجر تقيل. جواد لف لعطيات بنظرة حادة موجوعة، وقال: "المفتاح في جيبك دلوقتي؟" عطيات وشها اصفر بخوف ، وقالت بتلعثم: "أنا... أنا... ده كان..." جواد قال بحزم: "طلعيه." عطيات قالت بصوت واطي مرتعش: "جواد..." جواد قال بنبرة آمرة لا ترد: "طلعيه." إيدها دخلت جيب جلابيتها ببطء بيد بترتعش، وطلعت مفتاح نحاس كبير. وقع من أيدها على الأرض. رنّ رنة عالية في الصمت. جواد حط عينه على سالم بنظرة تخوف، وقال: "وانت يا ابن الناس. هتقول الحقيقة من نفسك ولا اخليك تقولها بطريقتي ؟" سالم رجليه كانت بتترعش بذعر، شاف نظرة جواد، النظرة اللي كل واحد في البلد عارف تعني إيه. نظرة مفيهاش غضب، فيها حكم يهد. سالم قال وهو بيرتعش وينهار: "يا كبير... أنا... أنا... هي عطيات اللي طلبت مني اعمل كده ." وأشار لعطيات وهو خايف، وقال: "هي اللي قالت لي.. قالت لي أدخل هنا وأقول إن عطر عشقتي. !" الهمس اتحول لصوت عالي بدهشة. الستات بدأوا يعوجوا بؤقهم بغضب وهم بيبصوا لعطيات بذهول وصدمة. والرجالة تراجعوا خطوة، مصدومين ان عطيات هي إللي رتبت لكل دا. عطيات صرخت بجنون وإنكار: "كداب! كداب ابن كداب!" بس جواد رفع إيده بحزم، فسكتت بخوف. وبعدين لف للجمع كله ووقف في النص بهيبة ورجولة، صوته كان هادي، بس كل كلمة فيه كانت زي الضربة بحق: جواد قال بصوت عالي تقيل كله حق ورجولة تحمي قلبها: ". اللي حصل النهارده مش مجرد غيرة بين ستات. ده اتهام في شرف بنت، وفي الصعيد الشرف مش لعبة. عطر دخلت الأوضة بخدعة، واتقفل عليها الباب بالمفتاح، وواحد جبان اتدفع له عشان يتهمها في شرفها ." بص حواليه بنظرة حق، وقال: "وعطر دي مراتي. وأنا أعرفها أكتر من أي حد فيكم. دي بنت ما رفعتش صوتها على حد في بيتي، وكانت بتتحمل الإهانة يوم بعد يوم وماتكلمتش.. وهي كانت بتغطي على اللي ظلمها. واللي بتغطي على عدوها ماتبقاش خاينة. تبقى أشرف منا كلنا." عطر كانت سامعة وإيديها على بقها بذهول ودموع فرح، والدموع نازلة على خدها زي المطر بدفا وحب كبير. مفيش في عمرها حد وقف قدام الدنيا وقال عنها كده بحب يحمي. جواد لف لعطيات تاني، ونظرته كانت وجع أكتر من غضب بقلب موجوع على العشرة، وقال: "يا بنت عمي. إحنا اتربينا مع بعض. أنا كنت بحبك. كنت فاكرك طيبة. بس إنتي اخترتي تعملي حاجة ما أقدرش أسامحك عليها. إنتي ظلمتي بنت بريئة، وبعتي شرف ست، وبعتي كمان حق العشرة اللي كانت بينا." عطيات اتشنجت وقالت بانهيار وحب متملك: "جواد... أنا بحبك! أنا ست دارك! أنا بنت عمك! هتسيبني عشان واحدة جت من الشارع؟" جواد قال بنبرة حاسمة لكن موجوعة، وقال: "هي ماجتش من الشارع. هي جت بكلمة الكبار، ودخلت قلبي بأخلاقها. وإنتي اللي خسرتي كل حاجة بإيدك." أخد نفس عميق، وبصوت واضح قدام الكل كله حق، قال: "إنتي طالق يا عطيات. طالق. طالق." الكلمة نزلت وماحدش اتنفس بصدمة تقيلة. عطيات وقعت على ركبها، وعيطت عياط حقيقي المرة دي، عياط واحدة خسرت كل حاجة بوجع يكسر القلب. أمها وعمتها جريوا عليها وسندوها، ومشيوها من الأوضة وهم بيبصوا لجواد نظرات مليانة عتاب. بس ما حدش اتكلم. كلهم عارفين إنه قال الحق. سالم اتمسك من إيد اتنين من الرجالة وسحبوه بره عشان يتحاسب. والجمع بدأ يتفرق بالراحة، والستات بيبصوا لعطر نظرات اعتذار وخجل وحب. أم حسن قربت منها ومسكت إيدها بحنية أم وباستها بدموع، وقالت: "سامحيني يا بنتي إني سكتّ ومدافعتش عنك من اول لحظة." عطر حضنتها وهي بتعيط بقلب أبيض مسامح، وقالت: "شكرا يا أم حسن. إنتي قلتي الحق.. ربنا يباركلك " وفضلت الأوضة فاضية، وفي نصها اتنين بس بقلوب بتدق لبعض. جواد وعطر. وقفوا قدام بعض ساكتين لحظات بقلوب مليانة حب ودموع. هو بص لها بعيون مليانة اعتذار وحب حنين، وهي نزلت عينيها بخجل وردي جميل. جواد قال بصوت مبحوح كله ندم وحب: "أنا آسف. آسف إني ما كنتش هنا. آسف إني سبتك لوحدك . كان لازم أحميكي." عطر رفعت عينيها بدموع بتلمع حب، وقالت بصوت دافي كله امتنان وحب: "إنت حميتني يا جواد. حميتني قدام كل الناس. ما حدش في حياتي عمل كده عشان.. دافعت عني وعن شرفي ." جواد قال بصدق رجولي: "ماكنتش بحميكي. كنت بقول الحق.. انتي أشرف بنت قابلتها في حياتي يا عطر" عطر قالت بابتسامة رقيقة تدوب القلب: ربنا يجبر بخاطرك زي ما جبرت خاطري قدام الناس ." ابتسم ابتسامة صغيرة، وحنينة تريح القلب، وقال: "قبل كده قولتي إنك مش هتبقي سبب وجع ست تانية. ودلوقتي.. دلوقتي ماعدتش في ست تانية. مفيش غيرك علي ذمتي يا عطر" عطر رفعت وشها وبصت له بعيون واضحة، من غير خوف ولا حرج، بعيون كلها حب صادق بيبرق، وقالت: "انا موافقه اكون مراتك يا جواد.. جوازنا لو كان بدأ بالتار، فأنا عايزاه يكمل بالحب. موافقة أبقى مراتك بجد." الكلام ده كان أحلى حاجة سمعها في عمره بفرحة لا توصف. جواد مد إيده ببطء، كأنه خايف الحلم يهرب بلهفة حنينة، ومسك إيدها الصغيرة بين إيديه الخشنة. وإيده كانت بتترعش من الحب. جواد همس بصوت كله وعد وحب يحمي العمر كله: "وأنا عمري ما هسيبك. ولا هسمح لحد يزعلك. ولا هخليكي تعيطي ولا تحزني تاني ابدا." عطر ضحكت وسط دموعها، ضحكة صافية بفرحة قلب. وبعد أسبوع، عطيات سابت الدار ورجعت بيت أبوها بعد ما الطلاق تم رسمي. وفي الليل، دخلت عطر اوضتها اللي كانت بتنام فيها لوحدها.. الاوضه كانت منورة بقناديل صغيرة بنور دافي رومانسي، والستاير الحمرا مفرودة، والورد مليان الأرض بريحة حب. جواد كان واقف ينتظرها بقلب بيدق شوق. دخلت وعينيها بتلمع بفرحة وخجل، ووشها مستحي بحمرة خجل. وقفت قدامه وهي بتلعب في طرف كمها بخجل جميل. جواد قال بابتسامة حنينة كلها حب وذكريات دافية: "فاكرة لما اتصدمتي لما دخلت عليكي. وانتي لابسة بيجامة." وشها ولّع بخجل وردي، وقالت: "إنت لسه فاكر؟" جواد قال بحب صادق يدوب القلب: "مش هنسى الليلة دي طول عمري. دي الليلة اللي قلبي اتولد فيها." عطر ضحكت ومدت إيدها ليه بحب كبير. وجواد خدها، وضمها لصدره بحضن دافي آمان، ولأول مرة حسوا إن الدنيا كلها هادية وقلوبهم مطمنة. وعطر حطت راسها على كتفه وقالت بهدوء وحب هادي: "جواد... تعرف ان انا كنت فاكراك راجل عجوز." جواد ضحك ضحكة عميقة دافية من القلب، وقال: "عشان كده استغربتي لما دخلت عليكي الاوضة أول مره ." عطر ضحكت وهي بتفتكر.. و غمضت عنيها جوه حضنه. ومن بعيد، كان القمر طالع في السما بضوء هادي يباركهم، والغيطان ساكنة، والليل بيحرس اتنين لقوا بعض في وسط الخصومة والتار بقلوب بيضا. حب بدأ بالصبر، وكبر بالأمانة، وعاش بعد كده في دار الجبالي سنين طويلة، والناس بتقول عليه حكاية: حكاية "البنت " اللي مسحت التار بقلب أبيض طيب، و"جواد" اللي عرف يختار الحق لما كان الباطل أسهل.. وحياته بقت أحلي مع اللي قلبه اختارها... حكايات الكاتبة ملك إبراهيم. **النهاية**