قصة روعة

ـ “شهد، أنا هتجوز عليكِ.”
الجملة خرجت من يوسف بهدوء غريب، هدوء مكنتش متعودة عليه في الحاجات اللي ممكن تقلب حياة بني آدم رأسًا على عقب، كنت قاعدة قدامه على السفرة، بحضر الشاي وبحكي له موقف حصل معايا النهارده، وفجأة رمى الجملة دي وسط الكلام وكأنه بيقول الجو حر أو بيسألني عايزة أتعشى إيه.
بصيتله يمكن ثانيتين، يمكن عشرة، يمكن دقيقة كاملة.
مش عارفة، كل اللي أعرفه إن عقلي وقف عن التفكير.
وقلبي انقبض لدرجة وجعتني فعلًا، استنيت يضحك، يقولي بهزر، يقولي مالك اتخضيتي كده ليه؟
بس فضل قاعد مكانه، عينيه ثابتة على كوباية الشاي اللي قدامه.
بلعت ريقي بالعافية:
ـ نعم؟
رفع عينه ناحيتي للحظة قصيرة وقال:
ـ زي ما سمعتي.
ضحكت، والله ضحكت، مش عشان الموضوع مضحك، بس ساعات الصدمة بتعمل كده.
ـ لا استنى، يعني إيه هتتجوز عليا؟
سكت شوية وبعدين قال:
ـ أمي مصممة.
أمه مصممة، بس؟ الجملة دي وبس، كأن أمه هي اللي متجوزاني
كأن أربع سنين جواز اختصرهم في كلمتين.
قومت من مكاني وأنا حاسة إن نفسي مخنوق.
ـ طب وأنا مالي إن أمك مصممة؟
رفع عينه ناحيتي لأول مرة من بداية الكلام.
ـ شهد…
ـ لا يا يوسف رد عليا، وأنا مالي إن أمك مصممة؟
سكت، وسكوته كان أبشع من أي إجابة ممكن يقولها.
لفيت ودخلت أوضتنا وقفلت الباب ورايا.
وأول ما الباب اتقفل، عيطت.
مش عياط هادي، العياط اللي بيطلع من قلب موجوع ومش فاهم.
لأن أصعب حاجة على أي بنت مش إنها تخسر، أصعب حاجة إنها تحس إنها مبقتش كفاية.
وأنا طول الأربع سنين اللي فاتوا كنت بحاول أبقى كفاية، بحاول أبقى زوجة كويسة، وبنت كويسة لأهله، وبحاول أتحمل كل كلمة، كل نظرة، كل تلميح، خصوصًا من أمه.
أم يوسف عمرها ما حبتني، كانت محترماني قدام الناس، لكن بيني وبينها؟ كنت حاسة دايمًا إن فيه حاجز، وكل سنة كانت بتعدي من غير أطفال كانت بتكبر الحواجز أكتر.
في أول سنة جواز كانت بتقول:
ـ معلش يا بنتي لسه بدري.
في السنة التانية:
ـ ربنا يرزقكم قريب.
في التالتة:
ـ روحتوا لدكاترة؟
أما في الرابعة، بطلت تخبي أصلًا، بقت تقول اللي في قلبها مباشرة.
فاكرة يوم عيد، العيلة كلها متجمعة السنة اللي فاتت.
كل البنات قاعدين بأطفالهم، وأنا قاعدة لوحدي.
وفجأة قالت قدام الكل:
ـ البيت من غير عيال ملوش روح.