عينيكي وطني وعنواني ج2

بقلم أمل نصر

الفصل التاسع

بخطواتٍ مثقلة وذهنٍ مشتت تخطت الباب الخارجي للمدرسة.. لاتتمنى العودة للمنزل الذي هي واثقة تمام الثقة الاَن ..أنه اصبح خلية نحل تعُج بالأهل والأقارب والجيران وهن يتضافرن مع والدتها لمساعدتها والتهنئة لحفل الخطوبة الذي تقرر إقامته فوق سطح المنزل..لقد تمكنت من الخروج صباحًا بأعجوبة ..متحججة بوضع طارئ في المدرسة لا تستطيع الإفلات منه أو التغيب عنه ..فهي أرادت الخروج وبشدة لتتنفس هواءً اخر .. بعيدًا عن محيط هذا الرجل الذي توغل بخبثه داخل عقول أفراد أسرتها .. أسبوع كامل مر على خروج إبراهيم من المشفى وهذا الرجل يأتي يوميًا للإطمئنان عليه ومداعبته..فتعلق بيه الطفل الصغير كما تعلق بهِ من قبل أبيها ووالدتها..كما تعلقت بهِ شقيقتها شروق الذي اعتبرته أخيها من وقت ان قُرأت فاتحتها على أخيه حسين ..وكأنها كانت تنتظره طويلًا ليقوم معها بدور الشقيق الأكبر .. فاندمجت الأسرتان بكمياء نادرة وأصبحت الشقتان مفتوحتان أمام بعضهم وكأنهم عائلة واحدة .. لم يتبقى لها في المنزل سوى غرفتها المحصنة عنه وعن والدته التى كلما رأتها لمحت لها بسذاجة وكأنها لاتفهم مايدور بعقل المرأة.. كل ما تمُر بِه الاَن فوق طاقتها وفوق إحتمالها.. حتى صديقتها الغالية سحر التي كانت تلجأ لها معظم الأوقات فتستطيع بذكائها وخفة ظلها ان تخفف عنها وتُدخل السرور بقلبها ..إبتعدت هي الأخرى عنها مضطرة في رحلة سفر مع والدتها لبلدتهم لحضور حفل زفاف إحدى أقاربهم ولم تعُد حتى الاَن .
تنفست بعمق وهي تعتلي الرصيف المؤدي لموقف الباصات حتى تستقل إحداهم ..فلا داعي للهروب أكثر من ذلك والتنصل من واجباتها تجاه أسرتها وشقيقتها فى مناسبة هامة كهذه .. تباطئت خطواتها حينما لفت نظرها وقوف هذه السيارة الرياضية باهظة الثمن بجانب الرصيف وبمنطقة كهذه تبدوا السيارة غريبة عن المكان وسكانه والمدرسة الحكومية أيضًا.. قدمت بخطواتها تتخطاها دون ان ترفع عيناها ناحية السائق ولكنها توقفت مجفلة حينما سمعت من يهتف باسمها من الخلف عن قرب ..استدارات اليه فوجدته هو نفسه هذا الغريب مدير المشفى الذي رأته سابقًا فسألها بكل جرأة عن فاتن .. وقد ترجل من السيارة بأناقة تليق به وبمكانته ..فقال بتردد :
– ااا ممكن كلمتين لو سمحتي يا أنسة فجر؟
ظلت صامتة لبعض اللحظات مبهوتة لا تستوعب مطلبه.. فخطا يقترب منها قليلًا يكرر:
– أسف لو خضيتك أو افتكرتينى مجنون.. بس انا بجد محتاج اتكلم معاكي ضروري.
خرج صوتها المندهش تلوح أمامه بكفها :
– تتكلم معايا في إيه بالظبط ؟ انا بيني وبينك إيه عشان يبقى في مابينا كلام ضروري؟
– انا عارف ان مافيش مابينا حاجة ..بس انا غايب بقالي سنين طويلة عن البلد وكان يهمني اعرف منك……اللي مقدرش اسأل حد غيرك عنه ..ارجوكي اركبي معايا وانا اوعدك مش هاخد من وقتك كتير .
برقت عيناها وهتفت بحدة:
– اركب معاك فين انت اتجننت ؟ اعرفك منين انا عشان اخرج معاك واكلمك عن اللي فاتك فى سنين غربتك بعيد عن البلد .
تكلم بمهادنة وقد كان حديثه يبدوا كرجاء
– انا اسف حقيقي بجد .. بس لو مش عايزة تركبي معايا خلاص ممكن ندخل الكافيه اللي موجود هناك ده اَخر الشارع ..بس أرجوكي ماتكسفنيش ..انا مافيش قدامي غيرك وانتي انسانة واعية جدًا لتصرفات البنى الادم إللى بيكلمك..ان كان كويس ولا وحش.
بصرت بعيناها الى الكافيه الذي لوح إليه بكف يده ناحيته..فعادت تنظر الى وجهه جيدًا فوجدته شاحبًا وعيناه حمروان وكأنها لم تذق طعم النوم منذ عدة ليال ..تعجبت لحال هذا الرجل الغريب وتصرفاته الأغرب معها.. فوجدت نفسها تخبره ببعض الطف:
– انا أساسًا متأخرة على خطوبة أختي ..يعني مش فاضية للخروج ولا الكلام أصلًا.
طرق بعيناه أرضًا بخيبة أمل قبل ان يرفعها ثانية اليها فقال:
– طب ممكن نخلي القاء يبقى في يوم تاني ؟!
خرج ردها بسؤال :
– طيب ممكن انت بالظبط تفهمني؟ ..عرفت توصلي ازاي؟ولا عرفت تجيب عنوان مدرستي اللى بشتغل فيها منين ؟
هز اكتفاهِ يجيب بسهولة :
– عادي ..سألت عنك وعرفت !
…………………………….

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *