عينيكي وطني وعنواني ج2
بقلم أمل نصر

تحركت مقلتيها بغير هوادة تتنقل في النظر ما بينهم دون تصديق ولا استيعاب حرف واحد مما ذكره علاء الذي يتحدث بثقة والاَخر متكتف الذراغين أمامهم في جلسته بوجهٍ جامد مغلف بالغموض.. ولكنه لا ينكر!… صاحت فجأة وقد فقدت السيطرة لدرجة أجفلت من حولهم .. انتوا بتشقطوني لبعضكم زي الكورة.. ماتفهموني بالظبط ايه معنى كلامكم ده؟
فك قليلًا جموده حينما شعر بنظرات الفضول التي كانت تَشع من بعض الأشخاص على الطاولات القريبة منهم فقال بتوتر :
– ارجوكي يااَنسة فجر وطي صوتك شوية.. الناس بتبص علينا.
قالت بصوت خفيض من بين اسنانها :
– طبعًا أكيد.. يهمك قوي رأي الناس اللي من عينتك .. لا تشوه صورتك اللي بتلمع قدامهم .. طب وهي؟ ماخفتش عليها ليه؟ ولا هي كانت لعبة ما بينكم ولا رهان ولا إيه بس ؟ انا دماغي هاتنفجر من دايرة الالغاز دي ..قالت الاَخيرة بمغزى وقد انتقلت نظرتها مرة أخرى لعلاء الذي رد باستياء:
– في إيه ياست الأبلة بس؟ ما انا قولتك
على اللي فيها.. تحبي افسرلك اكتر؟ ماشي ياست البنات .. انا كنت مجرد واحد مغفل بيحب البت جارته وواقع على بوزو فيها وكنت ناوي اتجوزها بحلال ربنا .. بس ابويا كان واقف في الموضوع.. قوم إيه بقى؟ فجأةً كدة اشوف بعيني خيانة المحروسة ليا مع ابن البهوات اللي كنت فاتحله بيتي وأكل من عيشي وملحي..
– انا ماخونتكش
قالها مقاطعًا بحدة .. اثار انتباه الاثنان فاستطرد متابعًا :
– ايوة ماخونتكش وفاتن اشرف واحدة شوفتها في حياتي كمان .
اهتزت رأس علاء بابتسامة ساخرة .. أما فجر فقالت بتعب :
– امال أيه بس؟ هو انتوا مش راضين تريحوني ليه وتقولوا الحقيقة؟ ما هي خلاص راحت عند اللي خالقها ومافيش مسئولية على حد فيكم .
– انا هاحكيلك بكل اللي حصل يا فجر وياريت بس تسمعيني كويس .. بس في البداية كدة ياريت اخينا ده ما يقاطعنيش نهائي لحد اما اخلص كل كلامي .
التفتت الى علاء محذرة فرفع كفيه باستسلام يمط شفتيه :
– تمام خالص ياعم .. انا هافضل قافل بوقي للنهاية واحكي انت وألف ياباشا على كيفك !
تجاهل عصام تهكمه وفضل التحدث مباشرةً :
– في البداية كدة انا حابب اوضح معلومة .. انا فعلاً كنت معجب بفاتن لأنها كانت بتمثل قدامي صورة حية لجمال بنت البلد اللي كنت بشوفها في السينما والتلفزيون.. لكن إعجابي ده عمره ما اتخطى انها تخص صاحبي وهاتبقى زوجته رغم علمي بمعارضة والده الشديدة ومعارضة والدها اللي كان مُصر يجوزها لابن عمها زينهم في البلد .
قطعت صمتها تسأله متفاجئة:
– نعم!! وانت عرفت حكاية ابن عمها زينهم منين بقى ؟
علت زاوية فمه المغلق بشبه ابتسامة قائلًا:
– ماهو دا بقى هو اصل الموضوع !
ظهر الاهتمام جليًا على وجه الاثنان .. فتابع هو :
– عشان اريحكم من الأسئلة.. انا هاحكي اللي حصل بالتفصيل .
( توقف بسيارته المكشوفة أمام المحل المشهور والذي توسط الشارع الكبير ضمن مجموعة من المحلات في هذه المنطقة المعروفة .. فترجل منها بخيلاء وكأنه يمتلك المكان.. حينما دلف لداخله استقبله العمال بالترحاب الشديد وذلك لتبسطه في الحديث معهم .. حتى خرج إليه الرجل المهيب .. صاحب المكان .. رحب هو الاَخر بابتسامة عريضة :
– أهلًا يادكتور.. نورت المحل يابطل .. دا إيه الزيارة المفاجأة دي ؟
تبسم الاَخر بإشراق وهو يرد التحية بالمصافحة :
– دا نورك ياعمي أكيد.. انا جيت النهاردة مخصوص عشانك انت .
اشار له ليجلس امامه وجلس هو خلف المكتب فسأله بدهشة :
– جاي عشاني انا.. يارب يكون خير .
– اكيد طبعًا خير ياعمي.. انا عايز اطمنك على علاء عشان كنت عنده امبارح فى زيارة وشوفته بنفسي .
رد متلهفًا :
– صحيح يابني ..يعني هو كويس في الجيش كدة ومرتاح ولا يكونش تعبان؟ ابوس إيدك يابني طمني.. دا مقاطعني عشان الموضوع إياه ومابيرضاش يتصل ولا يبل ريقي منه بكلمة.. ولا اكني عدوه.
– معلش ياعمي .. هو واخد على خاطره منك وانا بصراحة رغم اني متفهم موقفك .. لكن برضوا متعاطف معاه .. اصله بيحب البنت أوي ومتعلق بيها.
– انت كمان هاتعوم على عومه ياعصام.. دا بدل ما تعقله.
– الله ياعم ادهم .. هو انت هاتزعل مني انا ولا ايه؟ دا يدوبك بس واسطة خير مابينكم.
– طب ياخويا ياواسطة الخير.. طمني على احوال صاحبك بقى .
ظلت جلستهم الودية في الحديث عن علاء واحواله في الجيش لعدة لحظات .. قبل ان يغادر عصام وقد طمأن الرجل على احوال ابنه العنيد .. دلف لسيارته وادار المحرك وهو يقود بالبطئ حتى تمكن بالخروج بها إلى الشارع الرئيسي وقبل ان يسرع تفاجأ بمن تصدرت بجسدها امام السيارة فضغط على.مكابح السيارة بعنف حتى اصدرت صريرًا .. اخرج رأسه لها هاتفًا بجزع :
– انتي اتجننتي يافاتن؟ عايزة تضيعي نفسك وتوديني في داهية ؟
وكأنها لم تسمع .. لفت حول السيارة حتى فتحت الباب الأمامي وجلست بغير أذن قائلة بخوف:
– نزل غطا العربية ياعصام.. وخرجني من هنا بسرعة الله يخليك قبل ابويا مايشوفني.
– ليه هو في إيه … ؟
– ابوس إيدك بسرعة .. إنت لسة هاتستفسر .
أذعن لصيحتها ليغلق الجزء المكشوف من السيارة وادار المحرك بسرعة لتقطع السيارة الشارع الرئيسي وبعد ان تجاوزته.. تكلم عصام بقلق :
– ممكن بقى تقولي في إيه عشان افهم اللي حصل .
رفعت وجهها المغرق بالدموع فخرج صوتها بنشيج مكتوم :
– عمي زينهم وابنه فتحي.. جاين عندنا النهاردة يقروا فاتحتي مع ابويا .
– يانهار ابيض.. انت بتقولي إيه؟
– والنعمة زي ما بقولك كدة يا عصام .. انا رفضت ومنعت الأكل والشرب كمان .. بس أبويا مُصر يجوزني ويرتاح مني.. خصوصًا بعد ما سمع من عمي ادهم لما حذره وقالوا ابعد بنتك عن ابني .. وعلاء سابني وراح الجيش .. انا هاموت لو اتجوزت حد غيره ياعصام .. ابوس إيدك شوفلي صرفة . انت أهلك ناس واصلين يعني تقدر تتصرف في موضوع الجيش ده.
– أيوة يابنت الناس انا معاكي .. بس الحاجات دي بتاخد وقت وانتي بتقولي ان النهاردة قراية فاتحتك.. نحلها ازاي دي بس؟
باطراف اصابعها مسحت دماعتها بعنف فقالت بتصميم:
– انا خرجت هربانة ومش راجعة البيت تاني غير وانا في عصمة علاء عشان ما حدش يملك يجبرني على حاجة تاني.
ضرب بكفه على المقود وهو يردف بعصبية :
– ياادي الداهية السودة.. انتي مجنونة يابنتي؟ وعايزة توديني في مصيبة معاكي؟
ازداد بكاءها المرير بشكل اثار حنقه من نفسه .. فقالت من بين بكاءها:
– انا مكانش قدامي حل غير كدة.. وانا عارفة ومتأكدة اني لو رجعت دلوقتي.. ابويا هايكسر عضمي عشان هربت وبرضوا هايجوزني فتحي ابن عمي غصب.. ترضهالي دي ياعصام .
استغفر للحظات قبل أن يسألها بضيق :
– طب انتي عندك مكان يابنت الناس تقعدي فيه على ما اتصرفت انا ووالدي مع علاء بظروف جيشه دي وخرجناه أجازة ؟.
حركت رأسها نفيًا :.
– كل عنوانين قرايبي واصحابي ابويا يعرفهم .. وانا معرفش حد تاني يساعدني .
ردد خلفها بقلة حيلة:
– يعني كدة انا لبست .
زفر بضيق وهو ينظر امامه للطريق .. فتابع بعد قليل بحزم :
– اسمعي يا فاتن .. انا مقدرش ادخل بيكي بيتنا .. ولا اعرف اقعدك عند حد اعرفه.. بس ممكن اقعدك في شقتي وانا اقعد في بيت العيلة ..لكن كمان اخاف على سمعتك..
قاطعته بلهفة:
– وايه اللي هايمس سمعتي بس وانت هاتسكن عند اهلك؟ قعدني هناك يومين وحاول تتصرف انت وتنزل علاء اجازة بسرعة من الجيش .. عشان يخف الحمل دا من على ضهرك.
– هز رأسه بقلة حيلة وهو يلتفت مرة اَخرى للقيادة فقال مستسلمًا :
– لله الأمر من قبل ومن بعد .
………………………
