وادي النسيق
بقلم شاهندة

قالت لين بإبتسامة:
مش للدرجة دى ياسو..هي صحيح عصبية وحمقية ولسانها أطول منها بس قلبها طيب..إنتى نسيتى مين اللى وقف جنبى فى أزمتى..هي طبعا..انا مش حكيتلك هي عملت معايا إيه؟
قالت سها بسخرية:
والله يالين انا مبقتش فاهماكى..إنتى طيبة ولا هبلة..ذكية ولا عبيطة.
قالت لين بإستنكار:
مين دى اللى عبيطة؟ما تاخدى بالك من كلامك ياسها.
قالت سها:
طيب خلاص متزعليش..بس والله إنتى على نياتك اوى لما تقولى على شاهيناز كدة..شاهيناز طيبة؟؟دى حية وسمها بيلدغ من تحت لتحت..بكرة الأيام تدور وتقولى كان عندك حق ياسها.
قالت لين:
طيب سيبينا من شاهى ومواويلها وقوليلى..فيه حفلة بالليل فى بيت صافيناز..ها هتيجى معايا؟
قالت سها بإستنكار:
حفلة تانى..وملل تانى وكعب فى الآخر يتكسر وراجل يطلعلى ويفكرنى سندريلا..لأ ..شكرا ياستى.
عقدت لين حاجبيها قائلة:
كعب إيه وراجل مين..وإيه حكاية سندريلا دى كمان؟
أطلقت سها ضحكة ثم قالت:
هو أنا مقلتلكيش؟
إزداد إنعقاد حاجبي لين قائلة:
قلتيلى إيه بس؟
قالت سها بإبتسامة واسعة:
هقولك يالولو..هقولك على ليلة قابلت فيها فارس احلامى وبعبطى كالعادة مشيت..ومسبتلوش أي حاجة يوصلى بيها غير كعب جزمة مكسور..تقريبا كدة زي حكاية سندريلا..بس فى الحكاية الأمير لقى أميرته..أما فى الحقيقة..فسندريلا بتضرب نفسها بالجزمة إنها مديتلوش رقم تليفونها.
قالت لين بحيرة:
إنتى بتقولى إيه؟انا مش فاهمة حاجة خالص.
ضحكت سها مجددا وهي تقول:
تعالى ياأختى نقعد فى حتة وأنا أفهمك كل حاجة.
********************
كان خالد يتأمل شقة جورية البسيطة ولكن فى نفس الوقت أنيقة تماما كصاحبتها..تحمل حقا الكثير والكثير من روحها..التى ورغم قصر المرات التى قابلها فيها..والتى لا تتعدى المرتين..إلا أنه يشعر أنه يعرفها وكأنها تربت على يديه..يحفظ سكناتها..إنتبه إلى وجود دفتر رسم كبير يقبع على الأريكة..إتجه إليه ببطئ ورفعه ليمسكه بين يديه ..تأمل واجهته الرقيقة ليدرك مدى رقة صاحبته..حتى فى إختيارها لدفتر رسم بسيط..كاد أن يفتحه لتتوقف يده فى الهواء وضميره يؤنبه بشدة..فهذا الدفتر قد يحمل بعض أمورها الشخصية..كاد أن يضعه مجددا فى مكانه ولكن فضوله تجاهها غلبه..ليفتحه بهدوء وما إن فتحه حتى تمنى لو لم يفتحه مطلقا..فهناك وبين ورقاته قبع هو فى أماكن مختلفة..بجسده وروحه التى لم يعريها لأحد..جسدت جورية كل حركاته وسكناته..ضحكاته التى لم يراها أحد سواه..شروده ..نظرات عشق لم ينظر بها إلى أي فتاة من قبل..أهكذا سيكون عندما يعشق إحداهن؟ما هذا؟إنه هو.. يقف عارى الجزع ..تلفح الشمس بشرته..يتصبب العرق من وجهه..وهو يمسك بالفأس..هل هذه هي صورته كمزراع؟ياالله كم تبدو الصورة حية للغاية وكأنه متجسدا أمامه..إنها فنانة بارعة..لا يستطيع أن ينكر هذا.. عقد حاجبيه وهو يرى محيط تلك الصور ..يشبه كثيرا محيط تلك الأحلام التى تراوده عن تلك الفتاة..بل تكاد تكون متماثلة..هاهي الطاحونة الزرقاء ..وهاهو الكوخ الصغير المجاور لإسطبل الخيل..وها هو ذلك النهر الصغير وتلك الشجرة الكبيرة بجواره..ماالذى يعنيه هذا ؟شعر بألم فى رأسه..وهذا الصداع يعاوده من جديد..وضع يده على جبهته يدلكها بخفة..ليتجمد فى مكانه تماما وهو يستمع إلى صوت ضحكاتها الصادرة من غرفتها حيث تساعدها ليلة على تبديل ملابسها والتمدد فى سريرها..إنها تشبه ضحكات فتاة أحلامه..لا ..لا تشبهها..إنها هي..تبا..ما الذى يحدث؟..إنه ضربا من الجنون..كاد أن يضع الدفتر من يده..ولكنه توقف حين رأى صورتها معه..كانا يقفان معا يتأملان مشهد غروب رائع..لم يلفت إنتباهه هذا المشهد الخيالي وإنما ما لفت إنتباهه هو لون شعرها ..مختلف عن لونه الآن..يشبه تماما لون شعر فتاة أحلامه ومطلقة عنانه مثلها تماما..أما فى الحقيقة فدائما ما ترفعه على هيئة ذيل حصان مع تغيير لونه بالطبع..من الكستنائي إلى البني المائل للحمرة قليلا ..ليشعر بالرهبة..يتساءل فى صمت عن كنه ما يحدث..والذى ليس عنده له تفسير آخر سوى أنه فى ورطة كبيرة جدا..وأنه يجب أن يخرج من هذا المكان على الفور..ليعيد جمع شتات نفسه التى تبعثرت منذ أن رآها..والأدهى هذا الدفتر والذى هو عبارة عن تجسيد لأحلامه على ورق..ليتركه من يده..ثم يلقى نظرة أخيرة على باب الحجرة المغلق والذى يضم بين جنباته أخته ليلة وتلك الفتاة التى أربكت حياته بشدة..جورية..ليتجه بعدها إلى باب المنزل..يفتحه ويخرج منه مغلقه خلفه قبل أن يتجه بخطوات مسرعة تجاه سيارته وكأن شياطين الدنيا كلها فى إثره.