روايه تميم رسلان الفصل 4 بقلم أية محمد رفعت حصري

عادت لنوبة بكائها من جديد، فرددت بأنفاسها الهثة جوار رقبته:

_”خرجني من هنا يا “تميم””

حملها بين ذراعيه ثم خرج من الغرفةٍ ليتوجه بها للغرفة الأخرى المخصصة للأطفال، وضعها على الفراشٍ بلطفٍ، فلفت انتباهه نزيف قدميها، تحلى بالثباتٍ والحكمة بالتعامل مع ذعرها المبالغ به، فجذب علبة الإسعافات الأولية وبدأ بتطهير وتضميد جرحها، خطف بعض النظرات الجانبية إليها فرأها تراقب باب الغرفة بخوفٍ وكأن أحدًا سيدخل منه!

وضع العلبة على الفراش فور الإنتهاء منها ثم توجه ليبدل ثيابه، تمسكت بيديه لتشير له بهسترية:

_”ما تسبنيش لوحدي”

جلس “تميم” جوارها والدهشة تسكن خلاياه، فأحتضن وجهها بين يديه قائًلًا باستغراب:

_”في إيه بس يا حبيبتي؟”.

عادت لنوبة البكاء من جديد وهى تتحاشى النظر إليه، فأسند رأسها على صدره مداعبًا خصلات شعرها الفحمي بأصابعه محاولً بث الطمأنينة إليها حتى استكانت تماما بين ذراعيه، فسألها بقلقٍ:

_”ممكن أفهم بقىً إيه اللي للي مخوفك كدا، أنا قلقان عليكي”

بللت شفتيها بلعابها وكأنها تحاول استجماع شجاعتها للحديث:

_”بقالي يومين بحلم بحاجات غريبة أوي، ولما بفتح عيوني بشوفها قدامي”

ظهرت الدهشة جلية على وجهه وهو يحاول استيعاب ما تقول:

_”وفيها إيه؟، ما كلنا بنشوف كوابيس وأحلام وحشة!”

هزت رأسها اعتراضًا على وصفه الهين بما تراه:

_”دا مش حلم يا “تميم”، أنا بقوم وأنا سامعة صريخ البنت اللي بشوفها بالحلم!، أنا مش قادرة أنسى شكلها ول القبر الغريب اللي كانت موجودة فيه”..

مسح على وجهه بيده في محاولة لضبط إنفعالته، ليجيبها بهدوء:

_”إنتي رديتي على نفسك بالبداية وقولتي إنه حلم!”.

بدت أكثر ارتباكًًا وهى تحاول أن تستوعب كلماته المنطقية، سحب كفها ليطبع قبلة عاشقة عليه ليكمل قائًلًا:

_”الفترة اللي فاتت كانت صعبة عليكي، ضغط العملية وكل اللي حصل أكيد سببلك إرهاق عشان كده بتشوفي الكوابيس دي”

وجذب الغطاء ليضعه فوق قدميها ثم ساعدها على التمدد، وجذب هاتفه ليشغل تلاوة كاملة لسورة البقرة مشيرًا لها بثبات:

_”حاولي تقفلي عيونك وتطردي الأفكار دي من دماغك”

وقبّل رأسها بابتسامة هادئة:

_”هغير هدومي وهرجعلك، مش هتأخر عليكي”

أومأت له باستسلام، فتركها وغادر لغرفته، حاولت التغلب علي مخاوفها وتدريجيًا بدأت تشعر براحة نفسية وهي تستمع لأيات ﷲ عز وجل، وكأنها تسللت لأعماق نفسها لتنير قلبها، فأغلقت عينيها لتغفل على صوت الشيخ الفضيل “عبد الباسط…”
****
لملم “تميم” بقايا الزجاج المتناثرة ليضعها بسلة المهملات، وبدل ثيابه لمنامة من اللون الرصاصي، ثم توجه لغرفتها مجددًا، استند “تميم” بجسده على باب غرفتها فاشرقت البسمة من نبع قلبه قبل أن تحتل ثغره وهو يراها تنام بعمق متأمًلًا خصلات شعرها المتناثرة على الوسادة من حولها كالملاك، صعد للجانب الآخر من الفراش، ثم تمدد جوارها بحذرٍ حتى ل يقلقها، جذبها برفق لأحضانه ودثرها بالغطاء، ثم أغلق عينيه بابتسامة عشق وهو يستنشق عبير شعرها المميز، وضعت يديها على صدره براحةٍ فابتسم رغماً عنه على شعورها بها رغم احتياطاته الحذرة بعدم إيقاظها…
****
مرت ساعات طويلة ومازالت بالداخل، جابت “مريمة” الرواق ذهاباً وإياباً وعينيها تراقب باب غرفة العمليات بدموعٍ غزيرة وقلق بالغ على شقيقتها، أما “آمال” فكانت تجلس على المقاعد الجانبية بصدمةٍ كبيرة مما يحدث حولها، استدعت حالتها للقلق فكانت تبكي تارة وتصرخ تارة أخرى بقهر على ابنتها، في حين صعد “جمال” مع والدته و”هدى” للطابق الموجود به غرف العمليات، شجعته “ألطاف” على استكمال طريقه بعدما توقف خوفاً من مواجهة أهلها، وأكثر ما كان يخيفه هو تصرف الأطباء القانوني بناء على إصابتها الخطيرة، رفعت “هدى” يدها لتشير لهم على الطريق الصحيح لغرفة العمليات، فوقف “جمال” محله قائًلًا بارتباك ملحوظ ونبرة مهتزة:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *