قدر لا يشبه ج2

بقلم سيلا وليد

بكت ليلى بشهقات متقطعة، ثم نهضت فجأة، وكأنها تهرب من كلمات والدتها قبل أن تخنقها أكثر.
تعثرت خطواتها وهي تتخبط في طريقها، لا ترى أمامها من شدة الدموع التي غمرت عينيها، حتى دلفت إلى أول غرفة نوم قابلتها.
أغلقت الباب خلفها، ثم هوت على الفراش بجسد مرتجف، وانفجرت في بكاء مكتوم سرعان ما تحول إلى شهقات موجعة.
كيف لها أن تبتعد عنه؟
كيف يمكنها أن تستيقظ يومًا ولا يكون عمران أول من تبحث عنه عيناها؟
هل ستتحمل أن تمر الأيام من دونه؟
هل تستطيع أن تغمض عينيها في الليل دون أن تسمع صوته وهو يطمئنها، أو تشعر بيده تحيط بها، أو تتذكر ابتسامته التي كانت آخر شيء تراه قبل أن يغلبها النوم؟
وضعت كفيها على وجهها، لكن دموعها لم تتوقف.
كلما حاولت أن تقنع نفسها بأنها ستنساه، باغتها وجهه في ذاكرتها.
ابتسامته…نظراته…صوته حين ينادي اسمها…
وذلك الدفء الذي كانت تشعر به كلما احتمت بين ذراعيه، وكأن العالم كله يصبح أهدأ لمجرد وجودها في حضنه.
التفتت على جانبها، ثم احتضنت نفسها بقوة، تحاول أن تمنح جسدها شيئًا من الأمان الذي اعتادت أن تجده معه.
لكن لا شيء كان يشبه عمران.
لا شيء كان قادرًا على ملء ذلك الفراغ الذي بدأ يتسع داخل صدرها.
انهمرت دموعها بغزارة، حتى ابتلت وجنتاها ووسادتها، بينما خرج اسمُه من بين شفتيها كأنها تستغيث به:
_ عمران…
ثم أغمضت عينيها، وما زالت دموعها تنساب بصمت.
_ وحشتني…
قالتها بصوت خافت مبحوح، قبل أن تغلبها غفوة مثقلة بالحزن.
نامت ليلى وهي تحتضن نفسها، وقلبها ما زال متعلقًا برجلٍ قررت الحياة أن تنتزعه منها… رغم أنها لم تتوقف لحظة عن حبه.

بمنزل محمود المختار
اقتربت ثريا من منال بعدما تعرفت على هويتها
_محمود المختار فين
دققت منال بها ثم تسائلت
_عايزة محمود المختار ليه 
_علشان بنته… قالتها وهي تثبت عيناها بعيني منال
في تلك اللحظة وصل محمود، توقف حين وجد تلك السيدات
صعد سلم منزله، فصاحت منال
_الهانم دي عايزاك يامحمود
_هانم… قالها وهو يقترب من باب منزله، فتح الباب وتوقف يتطلع اليهم
_خير ياهانم عايزة ايه
اقتربت منه تدق الارض بكعبها العالي
نظرت بعيناها لداخل البيت ثم قالت
_انت ابو البت اللي اسمها ليلى
_البت اللي اسمها ليلى… تقصدي ايه
_هنتكلم على الباب
ــــــــــــــــــــــــــ
ابتعد محمود عن الباب، وأشار إليها أن تدخل، فدلفت إلى الداخل بخطوات واثقة، راحت عيناها تتجولان في أرجاء المكان باحتقار واضح، وكأنها لم ترَ سوى ما يؤكد في داخلها أن ابنته لا تليق بابنها.
توقفت أمام محمود، وظلت تنظر إليه للحظات، ثم أخرجت من حقيبتها رزمة من النقود، وألقتها أمامه بلا اكتراث.
— خد دول… وخلي بنتك تبعد عن ابني.
رفع محمود عينيه إليها ببطء، وقد انعقد حاجباه من شدة الاستغراب.
— إنتِ مين يا ست؟
اقتربت منه حتى لم يعد يفصل بينهما سوى خطوة، وقالت بنبرة متعالية لا تخلو من الغضب:
— أنا أم عمران بيه… اللي بنتك بتجري وره
صمتت تحدقه ثم تابعت بحدة:
— أنا جيت لك لحد عندك بنفسي، بحذرك بنتك تبعد عن ابني، ومترجعوش تعيطوا و. مستحيل أقبل بيها في عيلتي… خليها تعرف مقامها وتبص على قدها.
قالتها، ثم استدارت لتغادر، لكنها توقفت حين وقعت عيناها على منال الواقفة بالقرب من الباب، فحدقتها بنظرة طويلة ذات مغزى، قبل أن تخرج.
لحقتها دولت ومنال سريعًا.
أما محمود، فظل واقفًا مكانه للحظات، وعيناه معلقتان بالنقود الملقاة على الأرض.
“بنتك تبعد عن ابني…”
كانت الجملة تدور في رأسه، وكل مرة تتردد فيها كانت تشعل النار في صدره أكثر… بقلم سيلا وليد
انحنى والتقط النقود، ثم أسرع خلفها.
— استني عندك يا ست!
استدارت ثريا، وقبل أن تتحدث، كان محمود قد ألقى النقود في وجهها، فتساقطت حولها.
اقترب منها، وعيناه تشتعلان غضبًا وكرامة.
— إحنا كرامتنا مش للبيع… ومش هبيع بنتي عشان شوية فلوس.
ثم أشار نحو النقود على الأرض.
— ومادام خايفة على ابنك من بنتي للدرجة دي، يبقى إنتِ اللي تبعدي ابنك عنها!
اشتعل وجه ثريا، بينما جاءت منال مسرعة وهي تقول:
— إيه دا يا محمود؟! ما تسمع منها وخلاص!
استدار إليها بعنف.
— منال… دي أم الراجل اللي اتصور مع ليلى، واللي الصور بتاعته وصلت لنا.
ثم أضاف بمرارة:
— روحي لابنك خليه يتقي ربنا في بنات الناس
صرخت ثريا بغضب:
— بنتك هي اللي عملت كل ده! هي اللي لعبت على ابني وصورته!
ارتفعت نبرة محمود:
— اخرسي يا ست!
اقتربت منه ثريا، وقد فقدت آخر ذرة من هدوئها، وقالت بتهديد صريح:
— بنتك لو قربت من ابني تاني… هموتها!
تجمد محمود للحظة، ليس خوفًا، وإنما من هول ما سمعه.
لكن ثريا لم تنتظر ردًا، استدارت وغادرت سريعًا، يتبعها دولت.
ما إن وصلت ثريا إلى سيارتها حتى جلست في المقعد الخلفي، وأغلقت الباب بعنف، ثم أخذت تزفر بغضب، وملامح الاشمئزاز لا تزال مرتسمة على وجهها.
قالت منال التي توقف بجوارها على باب السيارة
— اهدي يا مدام… البت مقصوفة الرقبة دي فين دلوقتي؟ إزاي هربت من أبوها؟ إحنا لحد دلوقتي مانعرفش عنها حاجة.
التفتت ثريا إليها
— بقولك ايه؟
— أيوه يا هانم؟
أخرجت ثريا المال مرة أخرى، ومدته إليها.
— تاخدي كام وتساعديني أبعد البنت دي عن ابني؟
نظرت منال إلى النقود، ثم رفعت عينيها إليها سريعًا.
— لا يا مدام… مش عايزة فلوس.
رفعت ثريا حاجبها.
— أومال عايزة إيه؟
ابتسمت منال ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيها.
— هعملك اللي إنتِ عايزاه… قوليلي بس عايزة إيه، وأنا هتصرف.
ظلت ثريا تنظر إليها للحظات، ثم أعطتها النقود.
— معرفش… اتصرفي. وخدي الفلوس دي، إنتِ أولى بيها.
أمسكت منال بالنقود، وانخفضت عيناها إليها، قبل أن تقول بخضوع:
— تحت أمرك يا هانم.
عند محمود
ظل محمود يتحرك في الغرفة ذهابًا وإيابًا، والغضب يأكل ملامحه.
— أنا قولت البنت مالهاش غير الجواز… إنتِ فين يا وفاء هانم؟! شايفة فضايح بنتك وصلت لفين؟
دلفت منال في تلك اللحظة، وما إن سمعت حديثه حتى أسرعت بإضافة الزيت إلى النار:
— لو منك، أنزلها مصر وأحط رجلي على رقبتها. دي بنت معدومة الأخلاق… ما صدقنا الناس هديت ونسيت اللي حصل!
_محمود انا بقيت اخاف على سمعتنا يااخويا، استغفر الله، الست قالت لي برة كلام مش كويس، قال ايه بتبات معاه لوحدهم، خليك ساكت كدا، لحد ماتحمل من الحرام

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *