قدر لا يشبه ج2

بقلم سيلا وليد

التفت إليها محمود بحدة، لكنه لم يرد.
كان الغضب قد ملأ صدره، إلا أن شيئًا آخر كان يضغط عليه من الداخل…
الخوف.. الخوف على ابنته من تهديد امرأة لم تأتِ لتطلب، بل جاءت لتأمر وتهدد وتشتري صمتهم بالمال… وفجأة كلمات منال التي اصبحت نيران تشتعل داخل صدره
_انت اتجننتي يامنال، واعية للي بتقوليه
بنتي اه ممكن تعجب وكام صورة، بس عمرها ماتعمل حاجة غلط
حاولت منال اشعال اكثر
_اه مش بتعمل حاجة غلط فعلا، بدليل الاحضان والبوس، ايه يامحمود، لو ناسي الصور عندي منها، مشفتهمش كان مع بعض ازاي، استغفرالله العظيم، انا لي ولايا ومش عايزة اتكلم، لم بنتك يامحمود، مش ناقصة فضايح، سمعتها تضر بناتي، واديك شوفت البت جوزها طلقها، علشان سمعة بنت عمها، مش دا اللي حصل

في منزل محمد…
جلست نور في إحدى الغرف، والهاتف بين يديها.. تتحدث به
تستمع الى  صوت بسيوني من الطرف الآخر دافئًا ومليئًا بالشوق فقالت:
— بجد شايفني حلوة؟
_حلوة بعقل، دا هموت واوصلك
ضحكت نور بخجل… فتابع بسيوني
— حلوة وست الحلوين يا نور… مش عارف أوصفلك فرحتي إزاي. من يوم ما أمي قالتلي إنك اطلقتي وأنا مش مصدق نفسي… أخيرًا يا بت بقيتي حرة.
اختفت ابتسامتها للحظة، وقالت بصوت مثقل بما عاشته:
— أنا تعبت يا بسيوني… تعبت أوي. كل ما أفتكر إنك سافرت وسيبتني لغيرك، بضايق.
تنهد بسيوني بحزن مصطنع
— يا قلب بسيوني… ما أنا سافرت علشان أجيب الفلوس ونبني دار لينا لوحدينا. ولما رجعت، لقيتك اتجوزتي.. حتى مقدرتش اقعد شهر كامل في البلد
— أعمل إيه في أمي بس؟ كان أهم حاجة عندها اللي يدفع أكتر.
— ولا يهمك… اللي فات مات. إحنا ولاد النهارده.
سكت لحظة، ثم عاد يمازحها:
— قوليلي بقى… إنتِ لسه حلوة كده زي زمان؟
ابتسمت نور، وراحت تمرر أصابعها في شعرها.
— وأحسن كمان… تخنت شوية، مش كنت عايزني أتخن؟
ضحك وقال بمراوغة
— الله الله… طيب ما تفتحي الكاميرا كده يا نوري.
ضحكت وهي تهز رأسها.
— مينفعش، أنا قاعدة بلبس البيت، وكمان أمي في بيت عمي وممكن تدخل فجأة.
— قولي لها بتكلمي أختك… يلا، أصلِك وحشاني.
ترددت للحظات، ثم قالت بدلال:
— طب غمض عينيك.
— حاضر.
فتحت نور الكاميرا، وحين فتح بسيوني عينيه، اتسعت ابتسامته.
كانت تجلس فوق الفراش بثوب منزلي أزرق يصل إلى ركبتيها، بفتحة صدر مثلثة، وقد تركت شعرها منسدلًا حول وجهها.
ظل ينظر إليها بصمت للحظات، قبل أن يقول بصوت امتلأ إعجابًا:
— إيه الجمال ده يا بت؟! إنتِ كده احلويتي أوي.
اتسعت ابتسامتها، وكأنها كانت تنتظر منه تلك الكلمات منذ سنوات.
— بجد يا بسيوني؟
— بجد يا روح بسيوني… ده أنا كده لازم أنزل مصر حالًا.
ضحكت بخجل، بينما تابع هو حديثه معها، يغدق عليها بكلمات الاشتياق والإعجاب، ويذكرها بأيامهما القديمة، حتى شعرت نور بأن السنوات التي مرت بها لم تكن موجودة.
نسيت للحظات زواجها السابق، ووجعها، وكل ما عاشته من قسوة.
كانت تضحك كأنها عادت فتاة صغيرة…
وكأن قلبها لم يعرف رجلًا من قبل
بقلم سيلا وليد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عند عمران
وصل إلى منزل فريد كالمجنون، بعد أن هاتف ليلى عشرات المرات، لكن هاتفها ظل مغلقًا. كان قلبه يخبره أن هناك شيئًا خطيرًا حدث، شيئًا لا يريد عقله حتى أن يتخيله.
طرق الباب بعنف حتى ارتجَّ الخشب تحت قبضته.
انتفض فريد من نومه، ونهض مترنحًا قبل أن يقترب من الباب ويفتحه، وما إن فعل حتى دفعه عمران بقوة، ودلف إلى الداخل كالإعصار.
_ليلى!
تلفت حوله بجنون.
_ليلى… ليلى إنتِ فين؟!
لم يجبه أحد.
اتجه فريد إلى الأريكة وجلس عليها، يمسح وجهه محاولًا استيعاب ما يحدث، بينما استدار إليه عمران، والغضب يشتعل في عينيه.
_مراتي كلمتني الصبح، وقالت إن مامتك تعبانة وهتروح معاها للدكتور. تسع ساعات يا فريد! تسع ساعات وهي عند الدكتور! أنا انشغلت باجتماعاتي ويومي الطويل، ولما جيت أكلمها التليفون كان بيدي جرس… وبعدها اتقفل!
اقترب منه خطوة.
_مراتي فين؟!
رفع فريد عينيه إليه ببرود.
_معرفش.
تجمد عمران للحظة، وكأن الكلمة أشعلت آخر ذرة عقل بداخله.
انقض عليه، أمسكه من تلابيبه وجذبه نحوه.
_يعني إيه معرفش؟! يلا… مامتك فين؟!
أبعد فريد يده بغضب، ثم أخرج ورقة مطوية من جيبه ومدها إليه.
_معرفش… كنت في الشغل، ومعرفش إيه اللي حصل. رجعت لقيتها سايبة الرسالة دي.
التقط عمران الورقة، وما إن وقعت عيناه على كلماتها حتى بدأ يقرأها بسرعة، وكل سطر فيها كان يقتطع جزءًا من قلبه.
“فريد، . ثريا راحت لأبوك، ومعرفش اتفقت على إيه. جارتنا أم محمد كلمتني وقالت إن فيه ست بمواصفات ثريا راحت لأبوك، ومرات عمك الحيوانة مش هتسكت. لازم أحمي أختك من أبوها وثريا. هي هددتني لو مابعدتش عن ابنها هتموتها. أوعى عمران يعرف حاجة، لو سألك قوله معرفش.”
ارتخت أصابع عمران.. وسقطت الورقة من يده.
توالت الصور في رأسه دفعة واحدة…
الرجل الذي أخبره بصعود والدته إلى منزل فريد.
ثم اختفاء ليلى.. هاتفها المغلق.
الساعات الطويلة التي مرت دون أن يسمع صوتها.
ثم همس، وكأن الكلمات خرجت من بين اختناق صدره:
_أمي… هددت ليلى؟
جلس فريد أمامه، وأخفض عينيه.
_آه.
رفع عمران عينيه إليه.
_ومش بس كده… قالت لها كلام وحش أوي، وعرضت عليها فلوس علشان تبعد عنك.
صمت لحظة، ثم أكمل:
_قالت لها إنك هتقضي كام يوم وترميها… وإنها مش أكتر من نزوة في حياتك.
شهق عمران ببطء، كأن أحدهم سدد لكمة في صدره.
لم يكن ما يؤلمه كلام والدته وحده…
بل أن ليلى سمعته.
ليلى التي كانت تراه عالمها كله، سمعت أقسى ما يمكن أن يُقال لامرأة تحب زوجها.
استند عمران إلى الجدار، وأغمض عينيه للحظة.
ثم فتحهما وقد تحول الوجع فيهما إلى تصميم مخيف.
أخرج هاتفه واتصل بعلي.
_علي… تعالى لي فورًا.
_فيه حاجة؟
_هننزل بلد ليلى دلوقتي.
_دلوقتي؟!
_لما تيجي هتعرف.
أغلق الهاتف واستدار نحو الباب
وصل الى الفيلا، دلف كالثور الهائج يدفع الباب على والدته بغضب
_مراتي فين
عبس وجهها وهدرت به بحدة
_من امتى بتدخل علي كدا، ايه قلة الذوق اللي بتعملها دي، امبارح تغلط في صاحبة مامتك والنهاردة تقتحم خلوتي
انحنى يغرس عيناه بعيني والدته
_النهاردة… صدمتي فيك، اكبر قلم اخدته في حياتي، حتى حسيت اني قرفان من نفسي
_عمران اتجننت، ازاي تكلمني كدا
_مراتي فين ياماما
_وانا ايه اللي عرفني، مايمكن لقيت واحد احسن منك
كلمات رغم انها كلمات من حروف ولكنها حرقت عمران، مما جعله يرتد بجسده للخلف وكأن والدته صفعته بقوة
_دا رأيك في مرات ابنك
_البنت دي أنا مش معترفة بيها، سمعتني، ودا اخر كلام عندي
طيب اسمعيني ياثريا هانم، قالها بصوت مختنق ثم، اشار بيده على المنزل
_مش انت خايفة على العز والجاة
على إمبراطورية الزيني
خرج لدقيقة واحدة، ثم عاد اليها، والقى كل الاوراق أمامها
_مبروك عليكي العز والجاه، انا اخترت سعادتي وحياتي
وانت عيشي جوا الفلوس، يارب تكوني مبسوطة
قالها واستدار مغادرًا، نظر للأوراق امامها
وهتفت بتقطع
_عم. ران
لكنها كان قد غادر، المنزل بأكمله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد ساعات…
وصل إلى بلدة ليلى في منتصف الليل.
ترجل من سيارته، وقلبه يغلي كمرجل، حتى شعر أنه لو وقف أمامه العالم كله فلن يستطيع منعه من الوصول إليها.
اتجه إلى منزل محمود.
طرق الباب بعنف، فاهتز المنزل من صوته.
كان محمود متمددًا على الأريكة، فهبَّ فزعًا من نومه.
_يا ساتر! حاضر… حاضر، جاي.
فتح الباب، وما إن رأى عمران أمامه حتى عقد حاجبيه.
_إنت مين وعايز إيه؟
خرج صوت عمران باردًا، لكنه كان أخطر من الصراخ:
_أنا جوز البنت اللي إنت ما اديتهاش حتى فرصة تدافع عن نفسها.
تراجع محمود خطوة.
لكن عمران تقدم.
_جوز البنت اللي رميتها برة حضنك… وسيبت كلاب السكك ينهشوا في لحمها، ونسيت إن البنت اللي إنت رميتها برجلك دي… تربيتك.
ارتجف فك محمود.
واصل عمران، وصوته يحمل اختناق رجل جاء يحمل في صدره وجعًا أكبر من الغضب:
_جوز البنت اللي وقعت هيبتي تحت رجليها من ضحكتها الطفولية… ومن عينيها اللي عمرها ما عرفت الكذب.
اقترب أكثر، وغرس عينيه في عيني محمود.
_وفي الآخر… أبوها صدق شوية صور.
صمت لحظة.
_صدق ناس… ونسي بنته اللي رباها بإيده.
لمعت عينا محمود، لكنه لم يستطع الرد.
قال عمران بصوت أخفض:
_ولولا إنك أبو أغلى ما أملك… كنت عرفتك يعني إيه تكون أب.
وصل محمد في تلك اللحظة، وقد أفاق على الضجيج.
_محمود! فيه إيه؟
ثم وقعت عيناه على عمران.
_إنت؟
استدار عمران إليه ببطء.
_أهو جوز العقربة جه.
قطب محمد جبينه.
ابتعد عمران عن محمود خطوة، ثم صاح:
_مراتي فين؟!
_مرات مين يا جدع إنت؟ مش إنت صاحب الأرض؟
صرخ عمران بصوت ارتجت له جدران المنزل:
_أنا بسألك عن مراتي!
ثم أشار إلى محمد
_اسأله…خليه يسأل مراته الحرباية ودّت مراتي فين!
تغير وجه محمود فجأة.
_إنت ابن الست اللي جت النهارده؟
التفت إليه عمران.
_أنا مش ابن ست.
تقدم خطوة.
_أنا اسمي عمران الزيني.
في تلك اللحظة رن هاتفه.. لم يلتفت إليه.
رن مرة أخرى.
أخرجه أخيرًا، فوجد اسم فريد يضيء الشاشة.
رد بسرعة:
_أيوه.
جاءه صوت فريد متوترًا:
_ليلى مش في البلد يا عمران بيه.
تجمد مكانه.
_يعني إيه؟
_ليلى في إسكندرية… عند قرايب أمي. معرفش البيت فين، بس هبعت لك الاسم.
أغمض عمران عينيه، ثم قال بسرعة:
_بسرعة يا فريد.
أنهى المكالمة واستدار للمغادرة.
في تلك اللحظة خرجت منال، تعقد حجابها على عجل.
_إيه الزعيق ده؟ إيه اللي بيحصل هنا؟
توقف عمران على درجات المنزل، ثم استدار إليها.
كانت عيناه كفيلتين بجعل الكلمات تموت في حلقها.
_الصبح…صمت لحظة.
_قدامك لحد الصبح.
اقترب منها خطوة.
_تلفي على كل بيت في البلد… بيت بيت، وتبرئيها من الاتهامات القذرة اللي رميتيها بيها.
رفع إصبعه أمامها.
_ورب العزة… لو معملتيش كدا، وعرفت إنك أذيتيها أو وصلتي لها بأي شكل، لأبكيكي على ابنك، ولأطلعك من البلد دي بفضيحة تخلي سيرتك على كل لسان.
ثم رمقها باحتقار.
_حقيرة… همس بها وغادر.
وصل إلى علي الذي كان ينتظره بجوار السيارة، عاقدًا ذراعيه.
_على إسكندرية حالًا يا علي.
_دلوقتي؟ يا عمران إحنا من إمبارح على الطريق!
نظر إليه عمران، وكانت عيناه تحملان خوفًا لم يره علي فيهما من قبل.
_مش هرجع البيت غير وهي معايا.
ثم أضاف:
_اتصل بأي حد في الشرطة… خليه يوصل لعنوان الراجل ده.
_حاضر.
تحركت السيارة في ظلمة الليل.
وكان عمران طوال الطريق لا يفعل شيئًا سوى النظر إلى هاتفه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *