عينيكي وطني وعنواني ج5
بقلم أمل نصر

على منضدة خشبية صغيرة بإحدى الإندية الخاصة بعلية القوم كان جالسًا يراقب صغيرته التي تلعب حوله مع أقرنائها من الاطفال.. منتظرًا بشرود اللقاء المرتقب.. لا يصدق حتى الاَن ان تكون حقيقة.. لقد مرت سنواتٍ طوال منذ الحادثة المأساوية التي ظلت عالقة بذهنه دون ان يتمكن من تخطيها والنسيان.. وكانت السبب الرئيسي لتحوله من آنسان عابث الى دكتور جاد لايلتفت سوى لمستقبله والمحافظة على ارث والده الذي كاد ان يفقد صحته حزنًا على اصابة ابنه وحيده.. هذه الإصابة التي نتجت عن الحادثة وجعلته يتأخر في مساعدتها وهو يثق تمام التقة في برائتها وطهارتها.
– في مكان نقعد جمك يادكتور ؟
رفع رأسه على مصدر الصوت فارتد بمقعده للخلف مجفلًا لاتصدق عيناها رؤيتها.. رغم النظارة السوداء التي اكلت نصف وجهها لكنه عرفها.. ملفحة بحجاب طويل على ملابس عصرية ذو ماركات غالية يعلمها هو جيدًا .. وجهها الأبيض ازداد صفاءً ونضارة اكثر من ذي قبل مع ابتسامة رائعة زادته اشراقًا كما اظهرت النظارة الشمسية رقيًها ونضجها.. وتحمل بيدها طفلًا اكبر من ابنته بقليل ولكنه اجمع بين صفات ابيه الشكلية وجمال والدته .. طرقت فجر بقبضتها على المنضدة بقوة:
– هاتفضل متنح لها كدة كتير مش ناوي بقى تقولنا اتفضلوا .
نفض رأسه وهو ينهض عن مقعده بارتباك:
– ااه طبعًا اتفضلوا ياجماعة.
مدت اليه كفها الحرة بابتسامتها المعهودة
– طب مش تسلم الأول يادكتور.
مد كفه المرتجفة يصافحها بتوتر :
– أهلًا بيكي يا فاتن… انتي عاملة إيه؟
– انا كويسة والحمد لله.. انتي اللي ايدك باردة اوي واكنك عيان .
قالتها وجلست على الفور مع ابنها .. نظر هو لكفه التي صافحتها للتو صامتًا ولكنه اجفل على صوت فجر التي هتفت عليه:
– انا واقفة على فكرة قدامك لسة.. ولا اقولك اقعد احسن مش وقت سلام
لم يرد على مزحتها بل أكتفى ان يجلس على مقعده أمامهم وهو مازال مأخوذًا برؤيتها
تكلمت فاتن بمرح:
– انت لسة برضوا مش مصدق ان انا اللي قاعدة فصادك؟
– بصراحة متأخذنيش دي حاجة ولا في الخيال.. خصوصًا كمان لما عرفت انك كنني متجوزة الدكتور منذر .. يعني قرببة من دايرتي وانا اللي بقالي سنين بضرب اخماس في اسداس عن مصيرك المجهول.
خبئت ابتسامتها وهي تتنهد قانطة قبل ان ترد:
– عندك حق فعلًا.. اللي حصل كان اكبر من اي استيعاب او اي منطق.. بس الحمد لله ربنا وضع في سكتي اللي ياخد بإيدي وينجدني.. بس انا عمري مانسيت جميلك معايا ياعصام.
ضيق عيناه متفكرًا :
– جميل ايه بالظبط؟ انا مش فاكر حاجة .
أجابت ممتنة:
– يمكن انت متكونش فاكر.. بس انا لايمكن انسى اللحظة لما…..
توقفت قليلًا متأثرة بذكرة الماضي ثم اردفت:
– لما دخل علاء واشتغل ضرب فيك وانت كل اللي على لسانك فاتن شريفة وملمستهاش.. اتحملت الضرب وانت بتدافع عني في اضعف اوقات حياتي من غير ماترد بضربة واحدة على علاء اللي سابك في الأرض سايح في دمك.. وانت برغم كل اللي فيك كنت رافض مني المساعدة او انقذك.. دا انت حتى فضلت تنتظر والدم بينزف من دماغك.. مش راضي تتصل بحد ينجدك غير بعد ماانا امشي عشان ماتضرش بسمعتي.. كان اهم حاجة عندك انى افضل مستورة ومانفضحش .
ظل ساهمُا بحديثها وهو لا يجد مايرد به عليها وكيف يرد وهذه الحادثة حاضرة في ذهنه كأنها حدثت أمس وجرحهها مازال ينزف بداخله.. صفقت فجر بكفيها لتفيق الاثنان:
– اصحوا ياجماعة اللي فات راح وعدى خلينا في الحاضر .. وشوفوا اجتماعكم النهاردة على ايه من بالظبط.
انشق ثغره بابتسامة مضطربة وهو ينظر نحو الطفل الصغير ليغير دفة حديثهم:
– بسم الله ماشاء صحيح.. ابنك جامع في الصفات اللي هاتخلي البنات تجري وراه لما يكبر.
ابتسمت بإشراق قائلة وهي تنظر نحو الطفل:
– دي حبيبي دا ابن عمري .. عبد الرحمن هدية والده ليا قبل ما يتوفاه ربنا.
– ربنا يخليهولك يارب ويرحم الدكتور منذر.. دا كان من احسن الناس خلقًا والله حتى في شراكته معانا كان في منتهى الإخلاص والتفاني .
تبسمت ترد على كلماته :
– اه شركته ليكم.. جينا بقى للمهم.. عشان انا كنت عايزة اتكلم معاك في الموضوع ده.
اومأ برأسه:
– حقك طبعًا.. انا جايب معايا النهاردة كل حسابات الشهور الي فاتت.. دا غير طبعًا اني عايزك تطلعي على كل التطورات اللي حصلت في الفترة دي وخصوصًا قسم الدكتور منذر…
قاطعته فجر.
– بس بس ياعم انا معنديش دماغ للتفاصيل بتاعتكم دي.. ايه رأيكم اخد عبد الرحمن ونروح نلعب مع الأمورة نانيس بنتك.؟
نهضت من جوارهم لتعلب مع الطفلان بحرية وسعادة متناسية الزمان والمكان حتى اتاها اتصاله فردت ضاحكة:
– الوو ياحبيبي عامل ايه؟
اتاها صوته الغاضب :
– انتي فين يافجر؟
ردت مرتبكة :
– يعني هاكون فين يعني رحلت مثلًا ؟ هو انت بتسأل عليا ليه؟
وصلها صوت زفره طويلة وحادة قبل ان يهتف بغضب:
– عشان انا روحتلك مدرستك وسألت عليكي قالولي خرجت من يجي ساعتين وفي البيت مش موجودة وعند حسين وشروق في المستشفى برضوا مش موجودة.. قاعدة فين يافجر دلوقتي ؟ جاوبيني حالًا .