الفصل الحادي والثلاثون مضيقًا عيناه ورأسه تتحرك بعدم استيعاب.. ملامح وجهه شاحبة وعيناه التي تتنقل ما بين الفتى وعصام وابيه.. تُظهر بوضوح مدى صدمته في صديق عمره او ما اعتبره هو كذلك بغباءه.. خرج صوته اخيرًا بتشتت : - انت بتقول إيه؟ ازاي يعني ؟ وليه ؟ جاء رد مازن بعفوية: - بقولك الا انت سمعته بنفسك ياعم علاء .. انا امبارح ضربت اللي اسمه سعد وفتحت دماغه عشان اوقفه قبل ما يغز حقنة الهوا في دراع عم حسين ويقتله. - ازاي دا يعني ؟ وإيه السبب اللي يخليه يعمل كدة؟ ولا انت عايز تألف من دماغك وخلاص؟ خرجت منه هادرة وكان الرد من مازن بقوة : - انا مبألفش من دماغي واللي بقولوا دا حصل ساعة ما انت نزلت تصلي في الجامع اللي تحت وسيبتوه هو لوحده و الدنيا ليل والحركة خفيفة في المستشفى. كتم شهقته بكف يده الكبيرة على فمه وعيناه التي اتسعت بزعر.. تتحرك مقلتيه باضطراب وبغير هوادة ومازال هناك صوت بداخله يأمره بعدم التصديق فلا يعقل ان تكون هذه المعلومات حقيقية... قال بحدة : - انت كداب ياللا.. وانا مش ممكن اصدق أي حرف ولا أي كلمة قولتها.. الواض دا كداب ياعصام .. اطرده ولا مشيه أحسن. زفر عصام بقوة وهو يشيح بعيناه عنه وكان رد مازن : - لا بقى انا مش كداب ياعم علاء.. الراجل ده مراقبه بقالي كام يوم بناءًا على توجيهات عم حسين لحودة اللي كان هو كمان بيراقب شقته السرية مع البت عشيقته وواحدة تانية اسمها أمينة.... قاطعه بعنف صارخًا: - أمينة!!! - أيوة أمينة ياعم الحج.. دا الأسم اللي كان بيكرره دايمًا قدامي حودة صاحبي ويقولي ان البت دي عندها سر كبير وعم حسين مصمم يكشفه . كمطارق من حديد... تضرب فوق رأسه كلمات هذا الصغير والتي يلقيها امامهم بتلقائية دون الشعور بخطورتها.. انه يذكر أمينة وسعد بجملة واحدة وعشيقة سرية أيضًا.. فما الذي يربط حسين معهم أيضًا ولماذا يقدم سعد على قتله . نطق اَخيرًا أدهم ذو الملاح المغلفة والغامضة باقتضاب: - انت عرفت مين هي عشيقته ؟ - لا ملحقتش اعرف مين عشيقته.. عشان ساعتها انا كنت براقبه عند محطة البنزين وكان هو راجع من دمياط لما اتصل بيا حودة وقالي انه خلاص هو وعم حسين هايكشفوا الحقيقة ونبه عليا اني اتصل بيه ابلغه قبل ما يتحرك سعد والسواق بتاعه .. بس للأسف سعد هرب بعربية الخشب وملحقتش اللحقه...... نهض عن مقعده صارخًا : - انت بتقول عربية خشب ؟ خلفه ردد أدهم بعد أن نهض هو الاَخر وهو يضغط على حروف كلماته: - انت متأكد من كلامك ده يامازن؟ دا كلام يطير فيه رقاب؟ نهض هو أيضًا يواجههم بثبات وهو يجيب: - طبعًا متأكد من كل حرف بقوله.. وحتى اسأل الدكتور عصام انا اديتلوا الحقنة اللي اخدتها من الكل...... ده قبل ما اخرجه زي القتيل من غرفة العناية بتاعة عم حسين؟ التف الاثنان نحو عصام الذي وضع بدوره الحقنة امامهم على سطح المكتب فقال وهو يومئ لهم بعيناه عليها: - تقدروا تاخدوها وتتأكد بنفسكم من البصمات اللي عليها غير طبعًا بصمات مازن . تحرك ادهم بغضب أعمى يقول : - وانا لسة هاتأكد؟ دا انا هسيح دمه ابن نشوى النهاردة . خرج ذاهبًا من أمامهم بخطواتٍ مسرعة رغم كبر سنه .. علاء والذي لم تستطع قدماه على حمله سقط منهارًا على مقعده : - يعني انا كنت مغفل طول السنين دي ياعصام ؟ وبغباء عقلي ادتلوا الفرصة النهاردة كمان عشان يكمل اللي بيعملوا ويخلص على اخويا؟ طب ليه يعمل معايا كدة؟ انا أذنبت معاه في إيه ؟ عشان يأذيني في أقرب ماليا؟ ليه ياعصام؟ ليه؟ ود عصام لو يخرج مابعقله من افكار واستنتاجات نحو هذا المدعو سعد او حتى يذكر علاء ببعض المواقف الصغيرة لهم بالجامعة والتي كانت تُظهر بكل وضوح الخلل النفسي لهذا الشخص المريض بحقده ولكنه أشفق على علاء.. فيكفيه هذه الصدمة الكبيرة فيمن اعتبره صديق عمره وجاره .. ويكفي ان انزاحت اَخيرًا غشاوة عيناه وليكتشف هو بنفسه بعد ذلك صدق ظنه . ................................. عاد أدهم لحارته بغضبه الأعمى وقد امر رجاله بالبحث عن هذا المدعو سعد بكل الاماكن المعروف ذهابه اليها.. اما هو فتوجه مباشرة لمنزلهم القديم وحينما فتحت له نشوى صرخت مفزوعة لدلوف رجاله داخل منزلها دون استئذان : - في إيه ياحج أدهم ؟ هاجم برجالتك علينا كدة مش تراعي ان البيت له حرمة؟ مال اليها برأسه بملامح وجهه المخيفة والتي لا تظر سوى لإعدائه : - بعد اللي عمله ابنك يانشوى .. ماعدتش ليكم حرمة عندنا في الحارة كلها . خرجت اليهم لبني وهي تضع طرحتها على رأسها تسألهم بخوف : - إيه اللي حصل يامّا؟ دول حكومة دول ولا إيه؟. تفاجأت بنظرة والدتها الجزعة وقد انعقد لسانها عن النطق فقال لها أدهم : - انا مش محتاج لحكومة يالبنى عشان اجيب حق ابني .. فاهمة يانشوى كلامي دا كويس ولا تحبي افهمك؟ رددت نشوى بتلجلج : - انت بس لو تفهمنا ياحج ادهم.. قصدك إيه بكلامك ولا عمايلك انت ورجالتك دي.. بدال ما احنا عاملين كدة زي الطرش في الزفة . خرج فجأة رجال أدهم تباعًا وهم ينفون وجود سعد بداخل المنزل .. مما جعل أدهم يهتف على المرأة بحدة: - ابنك سعد راح فين يانشوى؟ اجابت على الفور: - والنعمة الشريفة ما اعرف. صمت محدقًا بها بنظراته المشتعلة ببراكين الغضب داخله مما جعل لبنى هي التي تجيب: - سعد وصل عندنا هنا قبل ما تيجوا انتوا بساعتين بالظبط.. دخل اوضته عالسريع وخرج بعدها بشنطة هدومه واما سألته انا قالي انه مسافر.. بس ده اللي احنا نعرفه عنه ياحج ادهم وادي رجالتك فتشوا بنفسهم.. عشان تتأكد من كلامي . ضيق عيناه وهو يخاطبهم بلهجة بطيئة ومرعبة بهدوئها: - عايزك تبلغي ابنك يا نشوى .. انه اتكشف خلاص وان حسابه بقى مع أدهم المصري نفسه.. ان شالة حتى لو رجع لبطن امه من تاني برضوا هاجيبه واجيب حق ابني منه.. فاهماني يانشوى انتي وبنتك .. ياللا بينا يارجالة. قال الاَخيرة وذهب من امامهم تاركًا لبنى تضرب بيدها على صدرها وهي تندب : - يادي المصيبة عليكي وعلى ابنك يانشوى .. يامصيبتك السودة يانشوى.. هببت إيه يامنيل على عينك.. هببت في سنينك السودة .. يامصيبتك يانشوى .. يامصيبتك يانشوى. تمتمت لبنى بداخلها: - طول عمري عارفة ان نهايتك سودة ياسعد.. بس ياترى عملت ايه المرة دي عشان تقلب أدهم المصري بجلالة قدره عليك؟ ............................. خرجت زهيرة من غرفة ابنها وهي مستندة على ذراعي سميرة وفجر التي خاطبتها بتحفيز: - شدي حيلك ياخالتي زهيرة عشان خاطر حسين.. إيه ؟ هو انتي مافرحتيش بشوفته بقى؟ ردت زهيرة بصوت لاهث: - فرحت ياحبيبتي طبعًا و فرحت أكتر لما رد عليا.. بس برضوا قلبي بيتقطع عليه.. الواد مدشدش خالص ياعين امه. قالت الاَخيرة وهي على وشك البكاء .. نهرتها سميرة قائلة : - في إيه ياست انتي ؟ عايزة تعيطي تاني ولا إيه؟ دا بدل ما تحمدي ربنا انه قومهولك بالسلامة ونجاه من الموت لاقدر. نظرت اليها بأعين لامعة : - الحمد لله ياحبيبتي على كل حال..بس انا والنعمة ما انا عارفة ارد جمايلكم معايا دي ازاي؟ دا انا لو كان ليا اخت ماكانت هاتراعيني ولاتسهر جمبي زيك كدة ..انتي والست فوزية. ردت سميرة بعتب: - بس ياولية انتي بلاش تخريف.. ما انا اختك فعلًا وبناتي هما بناتك بصحيح ولا انتي نسيتي ياختي؟ ابتسمت زهيرة قبل ان تقبل فجر من وجنتها وترد: - انسى دا ايه بس؟ دول عوض ربنا ليا بعد ماكنت بتمنى بنت واحدة مع الولاد قوم ربنا يرزقني باتنين.. ربنا يتم فرحتي بيهم على خير يارب. تكلمت فجر وهي تنظر امامها بقلق : - دا علاء اللي هناك ده ؟ ومال شكله كدة ما يطمنش؟ تمتمت الاَخيرة بداخلها قبل ان تكمل بصوت عالي لهم : - طب اقعدوا انتوا هنا وانا هاروح اشوفه ردت والدتها وهي تُجلس زهيرة على اقرب المقاعد التي صادفتها: - خليه يجي يروحنا بالمرة.. زهيرة مش هاتتحمل القعدة هنا . عارضتها زهيرة: - ليه بس ياسميرة؟ هو احنا لحقنا نقعد ؟ شددت سميرة بقولها : - الدكتور منبه عليكي ماتجهديش نفسك.. خلينا نروح وترتاحي عشان نقدر نجيبك معانا بكرة تيجي تشوفي حسين ولا انتي عايزة ترجعي للرقدة من تاني وتنحرمي من شوفته؟. حينما صمتت بيأس اعادت سميرة القول لابنتها التي تحركت نحو الذهاب الى حبيبها والذي كان جالسًا في مقعده بجمود.. محدقًا بالحائط الذي امامه وكأنه بعالم اَخر.. حينما جلست بجواره لم يشعر بها وحين لمسته على ذراعه بيدها انتفض مجفلًا فرددت باعتذر: - اسفة ياحبيبي ان كنت خضيتك. مسح بوجهه وهو يطرق برأسه ارضًا : - معلش يافجر متأخذنيش ياحبيبتي.. بس انا بصراحة مجهد شوية وتعبان . ربتت بيدها على ذراعه قائلة بحنان : - الله يكون في عونك ياحبيبي..انت من امبارح مانمتش ولا ارتحت دقيقة .. تعالى روح بقا معانا عشان تنام مدام الحمد لله ان ربنا طمنا على حسين . هز رأسه باعتراض : - لا انا مش عايز اروح انا عايز اقعد اراعي اخويا . قطبت مستنكرة : - تراعي فين تاني ؟ مش كفاية جوز البودي جاردات اللي جابهم عمي ادهم يحرسوه .. هو في إيه بالظبط؟ ومين دا اللي هايئذي واحد تعبان وعامل حادثة؟ هو انتوا مخبين عننا حاجة؟ حدق بوجهها لحظات.. عاجزًا عن النطق واخراج ما بقلبه من ألم ووجع الخيانة التي طعنته في كرامته ورجولته من شخص اعتبره في أحد الأيام اقرب اصدقائه: سألته بقلق : - مالك ياعلاء؟ وشك مخطوف كدة ليه ياحبيبي ؟ إيه اللي تاعبك؟ اجفلها ناهضًا دون الإجابة عن سؤالها.. فقال متهربًا بعيناه عنها : - انا هاروحكم عشان ارتاح شوية زي ما انتي قولتي وكدة كدة انا بقيت مطمن على حسين دلوقتي.. بس انا مش شايف شروق يعني ؟ ردت بابتسامة متسلية: - لا ماهي شروق قالت سيبوني خمس دقايق مع حسين قبل ما اخرج واروح معاكم ؟ .................................. بصوت ناعم كانت تردد بجوار رأسه وهو يستمع لها مغمض العينان : - وحشتني ياحسحس ووحشني كلامك الحلو.. كدة برضوا كنت عايز تسيبني والنعمة لكنت هجمت عليك وقطعت في جلدك بسناني . ابتسامة رائعة انارت وجهه المكدوم وهو مغمض العينان غير قادر على مجارتها وهي تتابع بإغواء: - بيقولوا عليك تعبان قال وكنت هاتدخل في غيبوبة؟ طب بذمتك والنبي بجد كان هايهون عليك برضوا تسيب واحدة زي القمر كدة من غير ونيس.. طب والنعمة لكنت فتحت دماغك تاني بأي حاجة الاقيها قصادي عشان افش غليلي فيك وبالمرة اخليك تفوق غصب عنك.. ايه رأيك بقى؟ ازداد اتساع ابتسامته حتى تألم مصدرًا صوت تأوه.. فرددت مسرعة بلهفة : - الف سلامة عليك ياحبيبي.. والنبي ما اقصد اتعبك.. بس انا بخرجلك اللي في قلبي بس.. عشان تعرف معاناتي وتعبي في اليوم اللي عادى عليا امبارح ده بطلوع الروح. قالت الاَخيرة بدلع كسابق كلماتها.. مما جعله يفتح عيناه اَخيرًا هامسًا بتوعد رغم ضعف صوته : - طب والنعمة لاطلعه عليكي ياشروق .. بس افوق واقوملك . صدحت ضحكتها تجلجل في محيط الغرفة الصغيرة.. ولكنها أجفلت على صوت علاء من خلفها: - بتضحكي على إيه ياشروق ؟ اخويا تعبان الله يرضى عنك . رددت وهي تحاول السيطرة على ضحكاتها : - خلاص ياعم انا خارجة اهو.. انا بس كنت بطمن على خطيبي حبيبي.. ولا اقول جوزي احسن بما ان كتابنا مكتوب.. ردد خلفها بسخط: - ماتخلصي يابت الواد مش حملك وتعبان.. بدل ما يجي عصام يطردك بالزوق احسن . هتفت بتذمر : - ماخلاص ياعم اديني خارجة أهو ..سلام ياقلبي . ختمت جملتها بقبلة على وجنته فاجئته وذهبت مسرعة .. مما جعل انظار حسين متعلقة بها حتى خرجت.. خاطبه علاء المتابع مايحدث مع اخيه : - الله يكون في عونك ياحبيبي .. لو تحب ممكن امنعها ماتيجي تزورك نهائي تاني البت دي عشان ماتتعبكش .. ايه رأيك بقى امنعها ماتيجي ؟ اشرق وجه حسين بابتسامة عريضة لمزحة أخيه الذي شعر بالسعادة لاستجابته للمداعبة ولوجوده حيًا رغم كل ماحدث له بسبب غباءه في عدم كشف هذا الثعبان رغم كل المؤشرات التي كان يتعامى باختياره عن رؤيتها.. تنهد بعمق وهو يخرج خلف شروق وبداخله يصبر نفسه حتى يتعافى أخيه جيدًا فيكشف له باقي الأسرار التى نوه عنها هذا الفتى المدعو مازن . .................................. عاد أدهم لمنزله وهو يزفر متمتمًا بأبشع العبارات غضبًا من عدم عثوره ورجاله على سعد الذي اختفى دون أثر .. لاعنًا سوء حظه لعدم كشفه قبل ان يتمكن من الإمساك به في الوقت المناسب.. همس متعجبًا من هدوء المنزل فهتف بصوتهِ الجهوري : - نرمين .. يانرمين .. انت فين موجودة؟ ساوره الشك وهو يخطوا لداخل المنزل الكبير.. يتذكر انقطاع اتصالها به من وقت أن اخبرها بإفاقة حسين وطمأنها على وضعه.. انها حتى لم تكلف نفسها عناء الذهاب الى المشفى لرؤيته ... هتف بصوت أعلى حتى خرجت اليه إحدى الخادمات من داخل المنزل : - ايوة ايوة ياسعادة البيه ؟ الهانم مش موجودة قال مستنكرًا: - نعم!! ازاي يعني مش موجودة؟ هايكون راحت فين يعني الساعة دي؟ رددت الفتاة : - والله ما نعرف يابيه.. دا انا لولا اني كنت بوضب البيت وشوفتها وهي خارحة بشنطتها الكبيرة من باب البيت مكنتش انا كمان هاعرف . - شنطتها الكبيرة !! صاح بها قبل ان يخطو مسرعًا نحو غرفة نومه فوجد خزانة الملابس خاصتها مفتوحة لأخرها وتقريبًا خالية من معظم ملابسها.. بحث بالصندوق الخشبي الصغير فصعق من خلوه من جميع مجوهراتها وبعض رزمات اوراقه المالية.. يابنت ال..... خرجت سبته وهو يستعيد قول مازن برأسه عن اكتشاف حسين لشقة سعد وعشيقته وامرأة اخرى تدعى أمينة.. اتت برأسه الفكرة مع استعادة وجود السبب الرئيسي لمحاولة سعد الحثيثة لقتل ابنه وطمس الحقيقة .. بغضب حارق ذهب لضرفة ملابسه مخرجُا من أسفل ملابسه المرتبة سلاحه الناري يتأكد من خزانته المحشوة بطلقات الرصاص قبل ان يضعها بسترته خارجًا مرة اخرى لرجاله ..مصدرًا لهم تعليماته الجديدة .......................... بداخل غرفتها وبعد أن أنهت مكالمتها الهاتفية مع صديقتها سحر الساخطة من تصرفات والدتها وتعنت خطيبها في الضغط عليها للذهاب والسفر معه لبلد اخرى للعيش هناك وترك كل شئ خلفها.. كانت جالسة متكومة على نفسها بقلق على حال حبيبها الذي قابلها بعناقه الكبير والغير متوقع امام الجميع وفرحة مشرقة بوجهه تسع الكون لاستفاقة أخيه وتحسن حالته وقت أن رأها صباحًا وهي خارجة من المصعد ..ثم تبدل حاله مائة وثمانون درجة بعد ذلك وكأنه شخص اَخر غير حبيبها.. انها حتى غير قادرة على الضغط عليه لمعرفة ما أصابه اشفاقًا على حالته الغريبة في الحزن والأحباط.. ترى مالذي ازعجه لهذة الدرجة وافقده كل الوان الحياة، - ممكن ادخل؟ اعتدلت مجفلة وهي ترى عمتها التي طرقت بخفة تستأذنها للدخول ودون انتظار اجابتها دلفت واغقلت الباب خلفها.. وهي تبتسم قائلة: - المرة اللي فاتت برضوا كنت خايفة وكأني هاخطفك ساعة مادخلت وقفلت الباب علينا. ابتعلت ريقها وهي تجاهد لإخراج كلمات جيدة دون تلجلج : - ليه بتقولي كدة بس ياعمتي؟ وانا إيه اللي يخوفني منك يعني؟ تبسمت بتسلية وهي تجلس بجوارها : - يعني لتكوني محرجة مني عشان شايفاكي هاتتجوزي الراجل اللي كان بيحب بينتي وهي كمان كانت بتحبه! جحظت عيناها وانفرجت شفتيها بعجز دون النطق بكلمة واحدة ...وأكملت فوزية : - مش دا برضوا اللي مخليكي تستخبي دايمًا مني في اوضتك ولما تشوفيني قدامك تتهربي بعنيكي مني؟ اطرقت فجر برأسها وأسبلت عيناها غير قادرة على مجارتها.. أجفلتها فوزية وهي تمسك بذقنها لترفع وجهها وتقابل عيناها . - ارفعي راسك يابت وحطي عينك في عيني.. هو انت شايفة انك عملتي حاجة غلط ؟ حركت رأسها بالنفي : - لا ياعمتي.. انا معملتش حاجة غلط وعلاء لو ما كنتش متأكدة من اخلاقه ماكنتش ابدًا هوافق ارتبط بيه؟ سائلتها بجرأة: - متأكدة من أخلاقه ولا انتي وقعتي على بوزك وحبتيه؟ حدقت بها قليلًا قبل ان تتمكن من الرد هامسة : - بصراحة انا حبيته ياعمتي.. لكن يعلم ربنا اني عمري ما نسيت فاتن ولا لحظة واحدة من عمري. سألتها : - يعني انت بجد لساكي بتحبي فاتن يافجر؟ اجابت بتأكيد : - طبعًا ياعمتي وربنا العالم وشاهد على كلامي - طب اثبتيلي يافجر انك بتحبيها . - اثبتلك ؟.... اثبلتك ايه بالظبط ياعمتي؟ كررت فوزية بإصرار: - لو بتحبيها بجد اثبتيلي . رددت خلفها بتشتت: - اثبتلك ازاي بس ياعمتي ؟ انا مش فاهمة حاجة!. الفصل الثاني والثلاثون بشبه ابتسامة خاوية تنظر للهاتف الذي يهتز بطنين اتصالاته والتي لم تُعد قادرة على حصر أعدادها.. من وقت ان شحنته بالطاقة وعاد للعمل مرة اخرى.. مستقلية على جانب رأسها وجسدها تنظر اليه بحيرة غير قادرة على الرد وغير قادرة على قفل الهاتف.. وكالعادة اثارت تذمر المرأة جارتها في التخت المجاور: - ياست أمينة ماتردي على التليفون دا اللي عمال هز قدامك بدال ماهو شغال يرن كدة عالفاضي . زفرت ساخطة قبل ان ترد عليها : - في إيه ياستي بس؟ ما انا كاتمة الصوت اهو ضايقتك في إيه انا؟ - يابنتي مضايقتنيش ولا حاجة انا بس مستغرباكي.. مدام انتي مش عايزة تردي ماتقفليه في وشه وريحي دماغك .. قلبت عيناها بسأم وهي تعتدل في فراشها تشيح بوجهها بعيدًا عن المرأة.. والافكار المتوالية مازالت تعصف برأسها.. لاتدري ماذا تفعل الاَن ؟ في بداية الأمر كانت مُصرة على عدم اطلاعه على معرفة مكانها ولكن الاَن وقد اقترب ميعاد خروجها من المشفى وهي لا تملك مأوى سوى بيت زوجها المعروف لعلاء وعصام فقد سبق لهم زيارته.. او بيت والدتها التي لم تكلف نفسها عناء الاتصال بها ومعرفة سبب انقطاع تواصلها معها.. فلا تجد سواه امامها ولكنها ايضًا لا تضمن غدره وخسته.. فما العمل؟ وهو شريكها والخطر الذي يهددها نفس الخطر الذي يهدده هو أيضًا ..خصوصًا بعد ان علمت من شقيقته عن اختفاءه و غضب أدهم المصري عليه وبحثه الحثيث عنه هو ورجاله . صدح الهاتف مرة أخرى بورود مكالمته وكالعادة نظرت نحوه دون حسم امرها للرد أو إغلاق الهاتف.. ولكنها أجفلت على قول المرأة بجوارها: - تاني برضوا التليفون اللي بيرن.. الا بقولك إيه ياختي.. هو انتي مشغلة التليفون القديم دا ليه من الأساس؟ وانت معاكي عدة جديدة باللمس وكبيرة؟ - همم قالتها بقلق وهي تتحسس بكفها تحت الوسادة هاتف حودة فتكلمت بعد أن اطمأنت لوجوده في مكانه: - لا ما انا حاطة كل الأرقام المهمة هنا والتليفون الكبير سايبه بس للتصاوير والنت.. مش عايزة امرمطه احسن يبوظ بسرعة. مصمصت المرأة تلتفت للأمام بعيدًا عنها وتمتمت بصوت خفيض وصل لأمينة: - قال مكالمات مهمة قال.. دا على أساس انها بتكلم حد تاني غير البنية اللي بتيجي هنا؟ عضت على باطن وجنتها غيظًا من هذه المرأة التي تحشر أنفها في مالايخصها.. ولكنها تمالكت نفسها عن الرد فيكفي مايشغل عقلها في التفكير الاَن عن حل لهذه المعضلة العويصة معها.. اين تجد مأوى اَمن لها؟ ................................. وفي مكانٍ اَخر فوق سطح أحد الابنية وقد اتخذ مسكنه فيه بغرفة قديمة في إحدى زوياه منذ أيام .. كان واقفًا مستندًا بظهره على الحاجز الحجري ومازال ممسكًا بالهاتف يحاول معاها في اتصالاته المتكررة بها دون رد حتى هتف بحدة ساخطًا: - ابو شكلك يابعيدة.. ماتردي بقى هي ناقصة قرفك ؟ ردت شريكة السوء التي كانت واقفة بجواره و مستندة بذراعيها على الحافة تنظر للمدينة الساكنة امامها : - لساها برضوا مش عايزة ترد عليك؟ قال من بين أسنانه: - بت ال..... بتعملهم عليا وعايزة تشلني.. فاتحة التليفون وبتشوف الرنات ومع ذلك مابترودش وكأنها بتقولي اتفلق. صمتت قليلًا تاركة وجهها لنسمات الهواء الباردة مغمضة عيناها باستمتاع قبل ان تسأله بهدوء: - طب وانت عايزاها تاني في إيه؟ ما كل شئ انكشف خلاص وبان.. يعني مش فارقة . التفت اليها رافعًا زواية شفته باستنكار: - نعم ياست نيرمين.. شايفك يعني حاطة على قلبك مرواح وجيالي هنا تعملي جو لنفسك تتمتعي بهوا السطح ..ايه ياعين خالتك؟ هو انت نسيتي المصيبة اللي انتي فيها؟ ولا جوزك دا اللي قالب الدنيا عليا وعليكي؟ ولا يوكنش الفلوس اللي سرقتيها منه يابت قوة قلبك؟ التفتت برأسها اليه تواجهه بحدة: - يوه عليك ياسعد.. كان لازم يعني تفكرني بالهم اللي ورايا.. دا انا مصدقت انسى. اعتلى ثغره ابتسامة متهمكة يقول : - تنسي!! طب لما تنسي انتي بقى ياحلوة.. ادهم المصري هاينسى هو كمان؟ باينك عبيطة ومش دريانة بالمصيبة اللى احنا فيها. تنهدت ساخطة وهي تتكتف بذراعيها: - اديني اتنيلت ومزاجي اتعكر بسببك عشان تستريح وماتقولش عليا عبيطة.. ممكن بقى ياابو العريف تقولي كدة.. انت ايه اللي في دماغك إيه بالظبط؟ وليه مُصر تلاقي امينة؟ تناول علبة سجائره من جيب بنطاله وعود صغير من علبة الثقاب ..اشعل به السيجارة التي وضعها في فمه ينفث دخانها عاليًا في الهواء قبل ان يرد: - اولًا انا اللي في دماغي كتير اوي وصعب على واحدة زيك تفهمه.. ثانيا بقى وهو الأهم ..هو اني لازم الاقى امينة عشان اعرف منها هي قالت لهم إيه؟ عايز اعرف الساعة اللي قضتها معاهم حصل فيها إيه بالظبط ؟ ماهو انا ماينفعش اسيب كل حاجة للظروف.. ثم ان ماحدش عارف.. مش يمكن الاقي طريقة تطلعني من كم المصايب اللي عليا دي وارجع فيها لبيتي وحالي ومالي.. مافيش حاجة في الدنيا مضمونة طول مالعقل شغال. قال الاَخير وهو يشير بسبابته بجانب رأسه.. لوت هي شفتيها بغير اقتناع ولكنها سألته: - طب يعني على كدة انت ممكن تبرئني انا كمان بعقلك النور ده؟. صدح ضاحكا بصوته العالي يقهقه ساخرًا منها ..فقال بين ضحكاته: - تتبرئي فين ياهبلة؟ ههه وانتي هربانة بفلوس الراجل والدهب كمان؟ ههههه صكت فمها تشيح بوجهها عنه لكي تتجنب الرد على سخريته برد لاذع.. فأكمل هو ببعض الجدية بعد أن هدأت نوبة ضحكاته: - على العموم انتي لازم تخلي بالك من نفسك وماتخرجيش كتير لحد الدنيا ماتهدى ونشوف لنا صرفة.. الا قوليلي صح انتي غيرتي من اللوكاندة اللي قولتلك عليها؟ - لا مغيرتش ياسعد.. عشان ماينفعش اروح لبيت ستي ولا أي حد يعرفه أدهم .. بس انا شايفة كدة السطح هنا شرح وبرج .. ماتشوفلي صرفة اسكن هنا انا كمان في الأوضة اللي جمب اوضتك . - شرح وبرح ! قالها ساخرًا قبل ان يتابع - لا ياختي ماينفعش نبقى مع بعض عشان ماحدش فينا يوقع التاني .. وبرضوا ماينفعش اللوكاندة ليكي وانتي ست ولوحدك.. شوفيلك سكنة عند أي حد مايعرفهوش جوزك .فاهماني بقى. اومأت برأسها متفهمة وهي تتسائل بداخلها اين يمكنها الذهاب ؟ ............................. في المقعد الخلفي بسيارة الأجرة وهي جالسة بجوارها ولا تعلم عنوان وجهتها.. تنهدت بقلق وهي تنظر من نافذة السيارة للخارج.. لقد مر عدة أيام منذ حديثهم العاصف حينما طالبتها باثبات ولائها ومحبتها لابنتها الراحلة فاتن! تلجلجت معها وهي لا تدري مقصدها حتى سألتها بغموض "- يعني لو طلبت منك تسيبي علاء هاتسيبه ؟" ظلت فجر لبعض اللحظات تحدق بها بعدم استيعاب.. تنتظر منها التراجع عن مطلبها وادعاء المزاح ولكن ملامحها المغلفة زادات من حيرتها . فخرجت اجابة فجر بتشتت: - انت بتتكلمي ازاي ياعمتي؟ هي علاقة حب ولا خطوبة عادية؟ دا جواز وانا مكتوبة على إسمه .. يعني ما ينفعش . بابتسامة بمبهة نهضت من جوارها وهي تقول : - يعني انتي مش عايزة تسيبي حبيب القلب وبتقولي انك بتحبي فاتن! ماشي يافجر. نهضت خلفها توقفها ممسكة بذراعها حتى سقطت دمعة على وجنتها دون ارداتها : - ياعمتي بلاش كلامك ده .. انا لو اعرف ان دا هايرجع فاتن هاعمله ومش هاتأخر .. بس دا ممانوش فايدة وهي دلوقتي عند ربنا .. يعني الحي ابقى من الميت زي مابيقولوا انشق ثغرها بابتسامة جليدية لها قبل ان تخرج بصمت" وتتركها في حالة من الشتات والتخبط استمر لعدة ايام وهي تعاملها بشكل طبيعي أمام الجميع والأغرب انها كانت تمازحها ايضًا معهم ولكن تظل هذه النظرة المريبة منها تخبرها باستمرار الحرب الباردة بينهم.. حتى جاءت اليوم تخبرها بشكل مباشر امام والدتها انها تريدها معها في الذهاب زيارة لأحدى الاقارب من اهل زوجها .. بصفتها تعلم بأماكن المدينة أكثر منها .. الغريب في الأمر انها لم تأخذ ابنتها سميحة وهي الأولى وحتى انها لم تذكر لها العنوان.. ولكن ذكرته بالتحديد أمام السائق؟ فما فائدة مجيئها معها اذن؟ - بس هنا على إيدك يااسطى . استفاقت من شرودها لتجدها تنظر نحوها قائلة بهدوء : - ايه يافجر؟ مش عايزة تنزلي ياعين عمتك؟ احنا خلاص وصلنا . - وصلنا!! قالتها قاطبة حاجبيها باندهاش ازداد أكثر حينما ترجلت من السيارة وهي ترى رقي المبنى السكني التي تتقدم بخطواتها نحوه وهي خلفها تسير كالمغيبة ..دلفت لداخل المبنى الرخامى تلقي التحية على الحراس وهم يرددون التحية خلفها بمودة وكأنها من أصحاب المبنى وليست غريبة عنهم ............................... وفي مكانٍ اَخر بحديقة المشفى وعلى اريكة خشبية تحت ظلال الأشجار الكثيفة كان جالسًا متكتف الذراعين.. راسه مطرقة للأرض نحو اقدامه الممدودة للأمام .. تاركًا نفسه للحزن وقد تمكن اخيرًا بالانفراد مع نفسه بعيدًا عن والدته او شقيقه المريض الذي انتبه رغم تصنع السعادة والمزاح امامه بحزنه وسأله عما به ولكنه كان دائمُا ما ينكر متهربًا منه ومن فراسته .. يخفي بقلبه هذه الغصة المريرة لشعور الغباء الذي تملكه طوال هذه السنوات.. شقيقه الصغير رغم طيبته ودماثة اخلاقه يكتشف العيب وهو المشهور دائمًا بقرب الشبه بينه وبين والده في قوة الشخصية والتحكم يظل اعمى وينساق خلف حمائية كاذبة لشخص مريضٍ استغل هذه العاطفة بكل خبث ودهاء.. كيف كان سيسامح نفسه لوحدث السوء لشقيقه.. موته اهون من هذا الاحساس ! - الجو جميل هنا صح ؟ رفع عيناه نحو محدثه وقد علمه من صوته من قبل ان يراه..اومأ له برأسه بروتينية غير قادر على الرد .. تنهد عصام بصوت عالي قبل ان يجلس بحواره مربتًا على ركبته برفق : - هون على نفسك هون.. احنا عايشين في الدنيا عشان نتعلم . ابتسم بجانبية قائلًا : - اتعلم إيه بالظبط ؟ انا راجل داخل ٣٣ سنة واكتشفت اني طول سنين عمري اللي عدت دي كنت حمار .. يبقى هاتعلم امتى بقى؟ جاء رد عصام حازمًا: - ماتقولش كدة ياعلاء .. انت مش اول واحد تنخدع في صديق .. في غيرك بينخدك في حبيبته وفي غيرك بينخدع في أهله نفسهم .. دي طبيعة النفس البشرية.. ماحدش له سيطرة عليها .. طب مثلًا عندك انا . كنت فاكر خالي دا في مقام والدي.. لكن بعد ما اتجوزت بنته تعالى شوفه بقى.. مطلع عين امي على شوفة البنت رغم انه عارف اني احق من بنته المدلعة في حضانتها واني بيعدي عليا وقت بخاف امسك المشرط لاحسن اسرح من خوفي طول الوقت على بنتي لاتهمل فيها والدتها زي ماعملت قبل كدة كتير واحنا متجوزين.. بس اهو بقى هاعمل ايه يعني؟ حدق به للحظات قبل أن يسأله باهتمام : - هي بنتك عندها كام سنة ياعصام . اشرق وجهه مبتسمًا وهو يجيبه بحب: - بنتي عندها ٣ سنين بس إيه بقى قمر زي البطة كدة ودمها زي السكر عكس امها خالص ..تنكة وشايفة نفسها مش عارف انا على إيه والله. ضحك علاء وقد اندمج معه في الحديث قائلًا بمزاح : - إيه ياعم دا انت شكلك مش طايقها خالص . اشار بإصبعيه على عضمة رقبته قائلًا بإسلوب فكاهي: - دا كدة اهو.. شايف.. كدة هو والنعمة مخنوق منها وهافرقع .. مش عارف انطسيت في نظري واتجوزتها ازاي بجد؟ ولا اكمنها اغرتني بالبس العرياني باين ولا إيه ؟ صدحت ضحكة علاء مقهقهًا حتى دمعت عيناه والاَخر يشاركه: - دا انت باينك مغلول منها ياجدع ؟ - اه والنبي ياخويا ماتفكرنيش.. دا انا قلبي شايل ومعبي . تبادلا المزاح لعدة لحظات اخرى وكأنهم استعادوا صداقتهم القديمة.. حتى اجفلتهم إحدى الممرضات التي أتت اليهم بخطواتٍ مترددة: - يادكتور عصام لو سمحت. - في إيه يانهلة عايزة إيه ؟ فركت بيديها بتوتر وهي تتنقل بعيناها بينه وبين علاء الذي شعر بالقلق: - بصراحة يادكتور انا مكنتش اعرف انكم مخبين عليه ؟ سألها علاء : - هو مين اللي مخبين عليه ؟ في إيه ياانسة؟ رددت بخوف وهي تخاطب علاء: - بصراحة بقى الأستاذ حسين اخو حضرتك سألني عن الولد اللى كان معاه في الحادثة وانا قولتله تعيش انت.. انتفض واقفًا يقاطعها - بتقولي إيه ؟ نهض عصام هو الاَخر ولكن ليسألها بهدوء: - وبعد ما قولتيلوا حصل ايه؟. اجابت متهربة منهم بعيناها: - بصراحة حزن قوي وهو دلوقتي عمال يعيط عليه بحرقة وحتى والده مش عارف يهديه ؟ - يخرب بيتك . قالها علاء وهو يجري مهرولًا نحو المبنى الموجودة به غرفة اخيه.. اما عصام فجز على اسنانه ملوحًا لها بقبضته يقول: - كان لازم يعني تنسحبي من لسانك.. ماينفعش تعملي شغلك وانتي ساكتة؟ روحي ياشيخة ربنا ياخدك. ثم تحرك مسرعًا ليلحق بصديقه . ................................... بدموع الوجع التي لا تتوقف كان يبكى صديقه الصغير.. وهو لايزال عقله لا يستوعب او يصدق الخبر .. ولكن وجع قلبه يخبره الحقيقة : - اه ياحودة .. ادهم وهو يربت على ذراعه بقلبٍ وجل : - ياحبيبي مش كدة هدي نفسك.. دا احنا مصدقنا انك بدأت تتحسن. - انا السبب انا السبب عشان لو مكنتش اخدتوا معايا في مشوار الزفت ده مكانش حصل اللي حصل وراح فيها. صاح عليه أدهم بصرامة: - بس يابني حرام عليك واستغفر ربنا.. دا قضاء الله وقدره.. واحنا مالناش الإعتراض على حكمته. حاول التماسك وهو يجاهد للتوقف.. ولسانه يتمتم بالأستتغفار : - استتغفر الله العظيم.. استغفر الله العظيم يارب تنهد أدهم بعمق وهو يهدهده : - ايوة يابني استغفر واستعيذ من الشيطان الرجيم .. دي كلها أقدار من ربنا. مسح بأبهامه دمعة اخرى وهو يخاطب والده بحدة: - بس دا مكانش قدر ربنا .. شكل العربية اللي دخلت علينا فجأة مايظهرش ابدًا انها حادثة.. لا دي واضح قوي انها كانت قصدانا.. هو انا تليفوني فين؟ والبت امينة صح راحت فين؟ ماتت هي كمان ولا إيه بالظبط؟ حرك ادهم رأسه بعدم فهم : - بت امينة مين؟ احنا منعرفش ان كان معاكم ست ولا نعرف هي راحت فين ؟ وان كان على تلفونك فهو موجود ياحبيبي.. بس دا ادشدش واتكسر خالص. سأله بخشونة - وتليفون حودة راح فين ؟ اجاب ادهم وهو يلوح بكفه : - والله يابني مااعرف بس بكرة هاسأل عليه الشرطة ولازم اعرف بس انت مهتم اوي كدة بيه ليه؟ اجابه على الفور بمغزى: - عشان عليه التسجيلات ولا هي الست نرمين ماقلتلكش باللي حصل؟ انتفض في وقفته واتسعت عيناه سائلًا: - مالها نيرمين ياحسين ؟ هي إيه حكايتها بالظبط البت دي ؟ عشان انا لو شفتها تاني بعد ماهربت من غير سبب هاشرب من دمها . ابتسم يجيبه بسخرية مريرة : - لا هو انت متعرفش ان الزفت سعد اللي أخد فلوس منك زمان عشان يبعد فاتن عن ابنك علاء هو نفسه اللي كان مرافق نيرمين صاحبة اخته قبل ما يزقها على علاء واما تفشل معاه ترمي شباكها عليك انت فتوقعك وتتجوزها .. وهي لساها برضوا عشيقته . فغر فاهه وتدلى فكه وعيناه اتسعت بشكلٍ مخيف وهو يردد وانفاس صدره تصعد وتهبط بحدة : - آيه اللى انت بتقوه ده ياحسين؟ دا كلام خطير اوي يابني . ردد مؤكدًا قوله: - انا شوفتك بعيني وانت بتديلوا الفلوس ومكنتش فاهم ساعتها عشان كنت صغير لكن الشك كان دايمًا بيكبر معايا .. وان كان على نيرمين فدي حكايتها في تسجيلات الفون بتاع حودة.. بس السؤال بقى ياولدي .. انت كنت عارف بالملعوب اللي عمله الزفت ده لما اغتصب فاتن ولبس عصام التهمة عشان يكسر قلب اخويا...... توقفت جملته حينما رأى أخيه واقفًا بجوار الباب بوجه شاحب.. يبدوا انه استمع لمعظم الحديث .. انصعق أدهم على رؤية ابنه الصامت ونظرة عيناه وحدها تتحدث . ............................... حينما انفتح باب الشقة الفخمة استقبلتهم الخادمة الصغيرة بابتسامة مرحبة بهم : - اهلًا اهلًا ياهانم اتفضلوا . توقفت مكانها مندهشة وهي ترى عمتها تدلف لداخل الشقة و ترد التحية على الفتاة : - ازيك ياصابرين عاملة إيه بابت ؟ - صابرين!! همست بالأسم متمتمة بتعجب قبل ان تجفلها عمتها التي عادت لتسحبها و تدلف لداخل المنزل : - شايفاني داخلة مش تدخلي على طول ورايا بدال ماانتي واقفة كدة زي سنفور المحطة . رددت مندهشة: - يقربولك إيه اهل الشقة دي ياعمتي؟ دول شكلهم يعرفوكي من زمان واكنهم عشرة معاكي. ابتسمت فوزية وهي تجلسها على اقرب مقعد وجدته امامها فجلست هي على الاَخر بجوارها تقول : - عشرة فين يابت؟ وانا ساكنة في الصعيد وهما هنا في القاهرة. اهتزت شفتيها فجر وهي لا تجد من الكلام ما ترد به على عمتها التي تغرقها في غموض كلماتها وافعالها المختلفة.. اشرق وجه فوزية فجأة وهي تنظر أمامها: - اهلًا اهلًا يالقمر. التفت فجر نحو ما تنظر اليه عمتها لتجد طفلًا أسمر شديد الجمال بشعره الكستنائي شديد السواد ..عمره يقارب الخمس سنوات وهو يتقدم اليها حتى ارتمى بأحضانها.. وهي تقبله في وجنتيه . ابتسمت فجر وهي تسألها ببلاهة: - يامشاء الله ياعمتي.. الولد اترمى في حضنك واكنه عارفك من زمان ؟ ازداد اتساع ابتسامة عمتها وهي تخرج الطفل من أحضانها و تخاطبه : - بيدو ياقمر سلم على البت الحلوة دي اللي قدامك - واسمه بيدوا كمان ؟ قالتها وهي تدنوا نحو الطفل الذي مد اليها كفه الصغيرة بأدب قائلًا : - اهلًا ياطنت . ضحكت مرحبة وهي تستقبل كفه الصغيرة بكفها: - يااهلا ياحبيبي ياروح طنت انت .... رفعت رأسها فجأة نحو عمتها ثم عادت تدقق جيدًا في ملامح الطفل وقد ارتسم الوجوم على وجهها بشكل جلي .. قبل ان تهتف على عمتها بزعر : - مين ده ياعمتي ؟! الفصل الثالث والثلاثون الوجه الطفولى المستدير ذا اللون البرونزي المحبب للعين والرموش السوداء الكثيفة.. لم يغطوا ابدا على باقي الملامح المعروفة لديها .. لون العسل في عينيه.. الأنف الصغير والمستقيم بعزة وكبرياء.. وجنتية الممتلئتين.. عظام الوجه نفسها تشهد بقرب الشبه العجيب.. فمه الصغير المنفرج بابتسامة مازالت ذكراها صاخبًة بعقلها .. مما جعلها تنتفض عائدة بظهرها للكرسي وكف الصغير مازلت بكفها.. لتسألها بخوف: - مين دا ياعمتي؟ تبسمت فوزيه قائلة بمكر : - ايه فجر؟ هو انتي بتشبهي عليه ولا الولد شكله عاجبك؟ رفعت عيناها من وجه الولد لتنظر لعمتها التي ارتسمت التسلية على ملامحها بوضوح مما جعل فجر تقف مذعورة تتلفت في اركان المنزل وهي تردد : - هو احنا فين بالظبط؟ وانتي جايباني هنا ليه ؟مين يقربلك في البيت ده ياعمتي... توقفت ابصارها فجأة على إحدى الزوايا في الحائط لتتقدم بخطواتها نحو الصورة المؤطرة الكبيرة وهي معلقة على الحائط لتجد الطفل في أحضان إمرأة جميلة وو.......... انتفضت مذعورة وهي تحدق بوجهها في الصورة .. استدارت لعمتها وهي تردد بعدم اتزان : - دي فاتن ياعمتي.. هي اتصورت امتى كدة؟ ومين الولد اللي في حضنها؟ و.... حدقت بالطفل بأعين متسعة قبل ان تعود للصورة المؤطرة مرة اخرى فوجدتها هي نفسها واقفة امامها بابتسامتها الرائعة تقول : - ازيك يافجر! شهقت مفزوعة فاغرة فمها للحظات ترتد بأقدامها للخلف تفرك بعيناها لتتبين جيدًا هل ماتراه الاَن حقيقة ام خيال ولكن الخوف لم يمهلها الاستيعاب لتسقط مغشيًا عليها على الارض ويحاوطها الظلام. .............................. متسمرًا مكانه بمدخل الغرفة كتمثالٍ من الرخام.. وجهه انطفئت فيه الحياة.. شفتاه المطبقتان وعيناه تتحرك بداخلهم مقلتيه باضطراب وكأنه يستجدي منهم التكذيب.. ولكن كيف؟ وهذا مانطق بهِ أخيه.. عن مؤامرة من صديق خائن بالأتفاق مع أبيه؟ نعم أبيه الذي ينظر اليه الاَن بترجي رجل اذنب في حقه.. حق ابنه! وبالتحالف مع الشيطان! - علاء يابني ماتصدقش كلام اخوك.. دا مش فاهم حاجة؟ نظر الى كف ابيه التي اطبقت على ذراعه وهو يسحبه بتمهل لداخل الغرفة قليلًا قبل ان يخرج من صمته ويسأله بتماسك مزيف: - امال الحقيقة هي إيه..بقى؟ ازدرد ريقه أدهم ليردف بخزي وعيناه لاتقوى على النظر في وجه علاء: - انا مش هكدب حسين واقول اني ما ادتلوش فلوس..انا فعلًا دفعتله.. بس دا لما اقنعني ان البنت لايفة على صاحبك كمان.. ومعلقاكم انتوا الاتنين في حبالها. قال حسين من خلفهم : - وطبعًا انت ماصدقت ياابوعلاء ولقيتها فرصة عشان تبعد بنت النجار الغلبان عن ابنك . اضطرب ادهم عن الرد عليه فجاء صوت علاء يكمل على قول أخيه: - قولتلته اثبت لعلاء وخليه يشوف خيانتها بنفسه صح ياابويا؟ حرك رأسه بالرفض قبل ان يقول بتوسل: - والله يابني ماكنت اعرف الكلام اللي قالوا اخوك دلوقتي.. سعد قالي ان البنت هربت من عريسها الصعيدي وقاعدة مع عصام في شقته اللي مأجرها للأُنس والفرفشة.. عايزني كأب.. هافكر في أيه بس ساعتها؟ غير ان ابني يشوف حقيقة البنت اللي عايز يتجوزها ويعرف أخلاقها. تكلم علاء بصوتٍ يقطر بالمرارة: - كدة من غير بينة! صدقت على البنت وادتلوا فلوس عشان يعمل جريمته ويلبسها في عصام واعيش انا من بعدها بوجع الخيانة من صاحبي والبنت اللي كنت عايز اتجوزها.. هونت عليك. - مساء الخير قالها عصام وهو يتقدم لداخل الغرفة بتوجس من هيئتهم لم ينتبه عليه علاء وهو يتابع مع أبيه: - طب ليه تعمل فيا كدة ؟ ليه تسيبني اتعذب في مرارة الخيانة والظلم لناس بريئة...انا فتحت دماغ صاحبي وشاركت في ظلم البنت اللي اتدبحت بسببك انت والنجس سعد.. عايزني ابص في وشك ازاي دلوقتي ؟ ولا ابص لوش انا في المراية ازاي بس ؟ وانا حاسس بالعجز والمُر اللي سكن جوايا منك . التفت فجأة نحو عصام الذي تسمرت أقدامه عن التحرك بالقرب منهم قائلًا بهذيان: - خدت بالك ياعصام؟ دا بيقولك ان ادالوا فلوس عشان يبعد البنت عني؟ شوفت بقى ياسيدي .. اديني اَخيرًا صدقت انك برئ واني فتحت دماغك ظلم.. حقك عليا ياصاحبي . نزع ذراعه بحدة من أبيه ليتقدم نحو عصام وبحركة مفاجئة يقبل رأسه وهو يردد كالمذبوح بكلماته: - حقك عليا من تاني ياصاحبي .. بس دي غلطتك انت عشان كنت مصاحب واحد حمار.. زي ماهي كانت غلطة فاتن برضوا عشان حبت واحد عاجز زيي.. تحركت رأس عصام بعدم فهم بين الثلاثة قبل ان ينتهد مربتًا على كتف علاء قائلًا بإشفاق على حالته: - اهدى ياعلاء وريح نفسك شوية.. انا مسامحك من زمان.. أي واحد في وضعك كان لازم هايعمل نفس اللي عملته . اقترب ادهم بخطوات مثقلة نحو ابنه الذي انتفص للخلف يتجنب لمسته : - ياحبيبي اهدى على نفسك شوية.. انا مقدر صدمتك بس كمان عايزك تسمعني وتفهم موقفي.. قاطعه بحدة قائلًا : - افهم ايه تاني ماخلاص؟ كل المستور انكشف وبان ياعم الحج.. ياراجل دا انت شوفتني بعينك وانا بطردها من المحل وشوفت عذابي وانا فاقد الثقة في كل الناس بعدها.. طيب مصعبتش عليك البنت ولا صعب عليك ابوها اللي متحملش اللي حصل وساب البلد وهج بعيلته عشان يهرب من جبروتك ويتخلص من بنته اللي شالت مصيبة أكبر من طاقتها وهي كانت عيلة يدوب ١٨ سنة . هتف ادهم يرد بصوت مبحوح - يابني كنت فاكرها مش كويسة وكل اللي كان في دماغي اني انجدك منها. صاح عليه هادرًا: - ماتغيرش الحقايق .. انت كنت عايزها كدة عشان يبقى ليك حجة تقنع بيها نفسك باللي عملته مع الوس....... سعد.. انت مذنب زيك زيه حتى لو مكنتش عارف باللي عمله.. صمت قليلًا وهو ينظر بقوة لأبيه الذي تغضنت ملامحه بالأسى والندم الشديد.. ثم تابع : - انا كل ما ابص في وشك دلوقتي هافتكر خيبتي وافتكر اني كنت مخدوع طول السنين اللي فاتت . اختنقت الكلمات في حلقة ولم يعُد قادرًا على التفوه ببنت شفاه.. خرج مسرعًا من أمامهم ليهتف عليه والده بجزع وحينما لم يرد التفت أدهم نحو عصام : - ابوس إيدك ياحبيبي حصله.. انا رجلي مش شلاني عشان اوقفه . حرك عصام رأسه بغير فهم قبل أن يغادر مسرعًا خلف صديقه.. خطا أدهم بتثاقل نحو أقرب المقاعد ليسقط عليه بتعب.. التفت نحو حسين والتقت عيناه بعينيه قبل ان يشيح بوجهه هو الاَخر عن ابيه غاضبًا.. أطرق أدهم يضع كف يده على رأسه وقد تراكمت هموم العالم أجمع فوق ظهره ......................... رفرفرت رموشها وهي تستعيد الرؤية وتستفيق من غشيتها على اثر رائحة العطر القوية التي اخترقت حواسها.. لترى عمتها جاثية على عقبيها امامها وهي مازالت ممسكة بزجاجة العطر: - الحمد لله اَخيرًا فوقتي بعد ما وقعتي قلبي عليكي يافجر. حاولت استعادة ذهنها وهي تنظر لسقف المنزل الغريب لتنزل بأعينها فوجدت نفسها مستلقية على أريكة اثيرة ناعمة الملمس .. ازدردت ريقها لتتكلم وقد استعاد عقلها المشهد الاَخير الذي راته عيناها . - عمتي هو انا كنت بحلم ولا حصل ايه بالظبط ؟ انا اتهيألي زي ما اكون شوفت فاتن! قلبت عيناها فوزية وهي تجيبها : - هي ماكنتش حلم ياعين عمتك ولا انتي نسيتي الولد كمان وافتكرتيه تهيؤات؟. جحظت عيناها وهي تنهض بجذعها لتجلس مستقيمة: - يعني اللي شوفته جد وحقيقي! طب ازاي؟ صدر الصوت الناعم من خلفها : - ها اكلمك بقى ولا هاترجعي يغمى عليكي من تاني؟ التفت رأسها اليه بحدة فوجدتها تضحك وهي حاملة طفلها: - طب بذمتك ياشيخة.. في عفريت حلو كدة؟ برقت عيناها بصدمة وهي تجدها تتقدم لتجلس امامها وتردف : - يابنتي مالك مسبهلة بصدمة كدة ليه؟ انا فاتن قدامك اهو وماموتش . همست بتردد وهي تتنقل بعيناها بينهم : - طب ازاي ؟واحنا حضرتا جنازتك في الصعيد وعمتي اللي قدامك دي كانت مقطعة نفسها من العياط عليكي ؟ نهضت فوزية عن الأرض لتجلس بجوار ابنتها مطرقة الرأس وكانها استعادت الذكرى .. فردت فاتن وعيناها على والدتها: - عمتك كانت مقطعة نفسها بكى على الوضع كله ياحبييتي .. ماهو اللي حصل ماكنش قليل عليها برضوا . وهو إيه اللي حصل ؟ سألتها بدون تفكير مما اثار ابتسامة ماكرة من فاتن : - ياسلام.. يعني انتي متعرفيش باللي حصل ؟ ولا هاتقولي انك نسيتي؟ اسبلت عيناها ترد على كلماتها بحرج: - لا طبعًا فاكرة .. بس انا عرفت من عصام ان علاء برئ وان اللي حصل معاكي كانت متدبر بمكيدة هو نفسه لحد دلوقتي ما يعرفش مين اللي عملها فيكم؟ - بس انا كنت عارفة باللي عملها؟ - كنت عارفة! قالتها مصدمة وأكملت : - طب هو مين يافاتن؟ خلينا نعرفه ونرتاح بقى . اجابت ببساطة : - سعد . - سعد!! صرخت بالأسم فجر مصعوقة : - انتي بتتكلمي جد يافاتن؟ هو إيه حكاية البني أدم ده بالظبط ؟ وانتي إيه اللي خلاكي ساكتة من غير ماتكشفيه وتفضحيه وتجيبي حقك منه الوس.... ده؟ راقبتها فجر وهي تقبل ابنها و تطالبه بالذهاب لغرفته للعب بألعابه هناك .. وبعد ذهاب الطفل سألتها مرة أخرى بلهفة: - ماتجاوبي يافاتن بقى.. إيه إللي خلاكي سكتي ؟ تنهدت عاليًا قبل ان تجيبها : - عشان للأسف أنا نفسي معرفتش غير في اليوم اللى كنت هاسافر فيه مع ابويا الصعيد.. ولو قولتلك عرفته ازاي مش هاتصدقي؟ - قطبت حاجبيها تسألها بحيرة : - ازاي يعني ؟ ممكن تحكيلي . - هاحكيلك في فناء منزلهم الفسيح كانت جالسة على بسطة اسمنتية صغيرة منزوية على نفسها.. ضامة ركبيتها الى صدرها وهي مستندة بذقنها عليهم وكأنها بعالم اخر .. غير شاعرة بسخونة الشمس عليها بعد أن انهار عالمها الوردي وانتهت قصة عشفها بمأساة تقترب من الفضيحة.. ولم يتبقى لها شئ بعد ان عادت الى ابيها بعد تهربها منه لأيام تتلقى عقابها بالركلات والضرب المبرح رغم تعللها بالأختفاء لدى إحدى صديقاتها.. هربًا من الزواح بابن عمها الذي اصر والدها حفظًا لكرامته بالسفر الى الصعيد وعقد قرانها عليه بالإجبار.. ولتتحمل وزر فعلتها.. فهي من أخطأت وهي من عليها دفع الثمن غاليًا حتى لو كان عمرها. - الشمس سخنة عليكي يافاتن. رفعت رأسها مجفلة على الصوت المتردد لتمسح بإبهامها الدمعات المتساقطة على وجنتها وقالت : - سعد! انت واقف هنا من أمتى ؟ خطا ليقترب منها قائلًا : - انا هنا عشان عمي بدر بعتني لخالتي فوزية ابلغها بميعاد العربية اللي هاتيجي تلم العفش بتاعكم وتروح بيه عالصعيد . اومأت برأسها وهي تعود لوضعها فاقترب أكثر فاردًا كف يده امامها لتنهض: - قومي يافاتن وكل مشكلة وليها حل.. وانا سداد . رفعت رأسها اليه ناظرة باستفهام : - مشكلة إيه اللي تقصدها؟ وانه حل دا اللي انت سداد فيه ؟ تحركت عيناه يسارًا ويمينًا قبل أن يجيبها بصوت خفيض: - انت عارفة قصدي على إيه يافاتن ؟ ولا انتي ناسية إن علاء صاحبي وبيحكيلي على حاجة؟ على الفور احترقت مقلتيها بدمعة ساخنة تشيح بوجهها عنه لتخفي هذا الألم العاصف بقلبها فتابع هو : - انا مش بقولك كدة عشان اجرحك.. انا بقولك كدة بس عشان تعرفي طينة البني أدم اللي باعك بسهولة وسلمك لصاحبه يبقى إيه؟ احنا غلابة يافاتن وملناش غير بعض . حدقت مندهشة فاأكمل : - ايوة يافاتن.. انا عايزك تعرفي كويس اني بعشق التراب اللي بتمشي عليه وطول عمري ساكت ومش قادر اتكلم لتكسفيني .. بس انا بقولهالك اهو .. انا راضي بيكي مهما حصل. تكلمت بحرقة: - مهما حصل ازاي؟ لهو صاحبك مشرحلكش الوضع اللي شافني فيه؟ هاتقبلها ازاي دي على كرامتك؟ قال مسرعًا: - انا قابل بأي حاجة منك يافاتن؟ عشان تعرفي بس اني عارفك وعارف اخلاقك.. انتي عيلة صغيرة واكيد الكل..... عصام هو اللي عمل فيكي الملعوب ده . - عصام معملش حاجة... قاطعها بحدة - انت لساكي برضوا مصدقاه؟ ماتفوقي بقى يابنت الناس واعرفي كويس اننا لعبة في ايدين الناس دي ..قومي معايا يافاتن وانا هاقنع عمي بدر بجوازنا .. انا خلاص ربنا فرجها عليا وهاعمل ورشة نجارة كبيرة تعيشنا ملوك.. قرب كفه اكثر وهو يردف بلهجة مقنعة: - قومي يافاتن وانا مش هاسمح لابوكي يأذيكي ابدًا طول ماانا عايش على وش الدنيا . وضعت يدها بكفه مترددة لتنهض..فاطبق عليها بقوة لتنهض فقربها منه بجموح والتمعت عيناه بالرغبة نحوها ارتجفت هي تبتعد عنه بدفاعية ولكن اشتعل ذهنها برائحته لتتذكر اين اشتمتها قبل لك ..لم ينتبه وهو يقربها منه مرة اخرى قائلًا بحرقة : - اه لوتعرفي انا بحبك قد ايه؟ اه لو تعرفي انا مستعد اعمل إيه عشانك ياترضي عني يافاتن؟ برقت عيناها بوحشية بعد أن تأكدت من ظنها لتدفعه بكفيها على صدره تبعده عنها بعنف وهي تخاطبه بازدراء : - وانا عندي الموت اهون من إني اتجوز واحد ندل وجبان زيك! استفاق من نشوته وكلماته خرجت بغير تصديق: - ازاي يعني؟ هو انت ناسية ابوكي هايعمل فيكي ولا ابن عمك لما يتجوزك ويكتشف الحقيقة : قالت بتحدي: - عارفة ياسعد.. وانا مستعدة وجاهزة للي يعملوه فيا ان شالله حتى يقطعوا من جلدي .. بس دا برضوا عندي اهون من أن اطل على خلقتك العكرة دي. بصقت كلماته وذهبت لتدلف داخل منزلها ويسقط هو محلها على البسطة مذهولًا مصعوقًا من قولها الجارح وازدراءها له"" قالت فجر وهي تمرر عيناها على انحاء المنزل الفخم ذو الاثاث الراقي: - انا فاكرة بنفسي لما ودعتك في العريية اللي مسافرة عالصعيد وبعدها اتصلت بيكي وقولتيلي انك في مصيبة وطلعتي حامل كمان.. وبعدين انقطعت اخبارك وكل حاجة عنك لحد اماسمعت انك ..... اتوفيتي بحمى شديدة .. ايه اللي حصل بقى وقلب الوضع . تدخلت فوزية : - اللي حصل احكيلك انا عنه يابنتي.. اصلها كانت في الأيام دي واكنها واحدة تانية غير بنتي اللي اعرفها .. كانت بتتحدى ابوها وترفض ابن عمها بكل قوة واكنها بتستفزه عشان تخرج شياطينه عليها لدرجة انها قالتلوا كدة بالفم المليان انها حامل من واحد ماتعرفوش .. شوفي انتي بقى وضع ابوها لما يسمع كدة من بنته هايظن فيها إيه؟ - ضربها؟ - ضربها دا إيه؟ قولي عدمها العافية وهي ماكننش ساكتة معاه واكنها بتحرضوا بالقوة عشان يقتلها لحد اما طبت ساكته بين إيديه وانا افتكرتها ماتت وهي بتنزف من كل حتة في جسمها .. قلبي وجعني عليها ماقدرتش اسكت واسيبها تموت بالبطئ وهي بتنزف .. استعنت على ربنا واخدتها على الوحدة عشان الحقها من الموت وقابلنا هناك الدكتور منذر اللي شخط فيا اول ماعرف حالتها وفهم اللي بيها.. وهددني انه يبلغ عننا لو حد قرب لها من تاني.. و انا بقى كنت فاقدة الأمل "" على سرير المشفى كانت ممدة كجثة هامدة لا تشعر بشئ .. بعد أن انقذها الرجل الاربعيني وهي على حافة الموت.. بقلب منفطر على حال الفتاة الصغيرة التي لا يتجاوز عمرها الثامنة عشر .. صاح على والدتها : - انتوا اتجننتوا ياست انتي؟ اقسم بالله انا ممكن ابلغ عنكم دلوقتي واوديكم في داهية انتي واللي عمل فيها كدة ردت فوزية الجالسة على أرض الغرفة تبكي وتندب: - بلغ واعمل اللي انت عايز تعملوا يادكتور .. انا خلاص بنتي ضاعت واللي كان كان . هدر عليها : - بطلي ندب بقى وفوقي.. البنت محتاجة رعاية .. احنا وقفنا النزيف بصعوبة دلوقتي .. لكن وربنا لو رجعت تاني ولا عرفت انها اتأذت منكم ما هارحمكم . ردت مقررة بيأس : - اطمن يادكتور مش هاتسمع عنها حاجة .. عشان هي خلاص انكتبت شهادة وفاتها وابوها مش هايستريح غير لما يخلص عليها . - لا بقى دا انا ابلغ عنه احسن قالها وهو يلتف نحو مكتبة يتناول الهاتف فأوقفه صوت همهاماتها.. خطا ليقترب منها مستفسرًا : - عايزة حاجة يافاتن . همست بضعف : - ابوس إيدك يادكتور ماتبلغ عن ابويا.. خليه يريحني بقى والنبي.. ابويا غلبان وانا عايزة الراحة بقى .. ابوس ايدك يادكتور. حرك رأسه بغير تصديق: - يابنتي ماينفعش كلامك ده .. مامتك بتقول انه مصر على قتلك. اومأت موافقة: - وانا استاهل يادكتور وقابلة وراضية.. والنبي ماتبلغ عنه خليه يربي خواتي.. كفياني بقى أذية ليه ؟ انا عايزة استريح بقى وهو اللي هايرحني . استقام بجسده يتنقل بعيناه بينهم بعجز لا يدري ماالعمل ماهذا الوضع الغريب ..الفتاة مصرة على الانتحار بيد والدها ..والمرأة مستسلمة للأمر وعاجزة عن الدفاع عن ابنتها الصغيرة من بطش ابيها . فما الحل وكيف له ان يترك هذه الزهرة البريئة لهذا المصير البائس . احتدت عيناه فجأة وهو يخاطب المرأة : - انا عندي الحل. الفصل الرابع والثلاثون - والحل كان إيه بالظبط؟ قطبت بحيرة فجر تسأل عمتها التي تبسمت قائلة براحة: - الحل بتاعه ياحبيبتي كان النجدة اللي جات من عند ربنا.. الدكتور منذر قالي كدة بالمفتشر.. مدام كدة كدة ابوها هايقتلها يبقى تخرجي من عندي تبلغيه بوفاتها وسيبي كل حاجة بعد كدة عليا وانا هاتصرف. سالتها مذهولة : - ودا اتصرف ازاي بقى ؟ - عرف يتصرف بمعرفته وجاب جتة بنية ميتة بقالها شهور في تلاجة المستشفى وماحدش يعرف لها أهل .. وطبعًا في التغسيل والكفن ماحدش حضر معايا ولا حتى ابوها اللي ربنا وحده عالم كانت حالته ازاي ساعتها. قالت الاَخيرة بنبرة حزينة فاأكملت على قولها فجر: - ياعيني.. دا تلاقيه افتكر ان هو السبب في موتها . اردفت فوزية : - مع إن الدكتور منذر كتب في تقرير شهادة الوفاة انها حمى شديدة لكنه برضوا فضل عايش بعقدة الذنب ناحيتها لحد دلوقتي.. ياللا بقى.. ماهو مكانش في حل غير كدة.. اصله ياحبيبتي كان بين نارين.. يايجوزها ابن عمها يايقتلها ويتنقم لشرفه حسب اعتقاده. - طب وانتي روحتي فين بعدها يافاتن؟ اشرق وجهها بابتسامة جميلة تجيب: - انا ياستي اخدني على جمعية خيرية هو كان عضو فيها هناك في المحافظة.. فضلت مستخبية فيها وتحت رعايته بالشهور .. عرف حكايتي وساعدني بحنيته وطيبة قلبه اني اتخطى الحزن اللي عشش جوايا وارجع انسانة طبيعية بالتدريج ..امي كانت بتيجي سرقة فيها عشان تشوفني.. المهم اني فضلت في الجمعية دي لحد اما جه اليوم اللي قالي فيه انه مسافر وراجع على بلده في اسكندرية.. ساعتها الدنيا دارت بيا وخوفت قوي لايسيبني وينساني.. اصلي كنت زي الغريق اللي اتعلق بقشاية.. وكان هو ألاَمان بالنسبالي.. مااتكسفتش منه وانا بنهار قدامه عشان مايسبنيش.. فكان رده انه طلب يتجوزني عشان يقدر ياخدني معاه ويسافر بيا.. وانا وافقت واتجوزتوا.. قعدت تقريبًا سنة على زمته وهو مراعي حالتي النفسية من غير ما يلمسني.. لحد اما روحتلوا بنفسي وطلبت حلالي منه.. عشت في حضنه احلى سنين عمري.. وربنا رزقني بعدها بكام سنة بعبد الرحمن اللي كمل فرحتي وسعادتي كمان. رغم ارتياحها بما سمعته من حكايتها ولكنها لم تقدر على كبح سؤالها الفضولي : - بس انتوا قولتوا انه كان في الأربعينات.. يعني تقريبًا ضعف عمرك.. فرق السن الكبير ده معملش حاجز مابينكم . هزت رأسها بالنفي قائلة بابتسامة: - ابدًا يافجر.. هو كان ذكي ودايمًا متفهم وضعه معايا.. دا غير انه خلاني أكمل تعليمي.. منذر اساسًا كان واهب نفسه للعلم.. طب هاتصدقيني لما اقولك اني كنت اول بخته.. على فكرة انا جوزي كان دكتور كبير ووصل انه بقى مشارك في مستشفى استمثاري مشهورة هنا في السنتين اللي فاتوا دول.. امال انا ايه اللي جابني على القاهرة؟ - كان!! لهو راح فين بالظبط؟ قالتها بتوجس لتفاجأ بتغضن ملامح وجه الاثنتان قبل أن تجيبها بحزن: - ماهو للأسف بقى.. ان عمر السعادة ما بتدوم.. جوزي من ست اشهر بس يافجر اتوفى بسكتة دماغية. ارتشعت شفتاها وزاغت عيناها بينهم وكان وقع الخبر على رأسها كالصاعقة ............................... في شقة قديمة ومتواضعة الاثاث .. دلفت تجر معها حقيبتها الكبيرة بخطواتٍ مترددة مع خالتها التي كانت تتمختر بخطواتها وعباءتها المنزلية المحكمة على تفاصيل جسدها البدين.. يصدر صوت اساور يدها بصخب وهي ترحب بها: - ادخلي ياغالية يابنت الغالية ادخلي ..هو انتي غريبة ياعين خالتك؟ بقلب مرتجف جلست على اقرب أريكة وجدتها أمامها سندت الحقيبة بالقرب منها وهي تتلفت في انحاء الشقة المزينة بالمصابيح الصغيرة الملونة في بعض زوياها .. وبعض النساء التي تغدوا وتجئ أمامها وهي لا تعلمهم ثم استقرت أبصارها على المرأة الخمسينة وهي تحدثها وعلى وجهها الممتلئ والمزين بالوان المساحيق المتعددة ابتسامة عريضة يتخللها الانبهار - عاش من شافك يامرمر.. احلويتي وادورتي وبقيتي هانم بحق. هزت رأسها قائلة بتوتر : - تشكري ياخالتي.. دا انتي اللي عنيكي حلوة ومابتكبريش ابدًا . صدحت ضحكتها الرقيعة بصخب قبل أن ترد: - يالهوي عليكي وعلى كلامك الحلو يابت يانيرمين .. امال انا بحبك ليه يابت ؟ عشان طالعالي .. ياما كان نفسي المصيبة بنتي تاخد نص حلاوتك ولا نباهتك.. لكن اعمل إيه بقى فيها؟ فقرية زي اللي جابها . سالتها بفضول: -طب هي على كدة لساها برضوا مختفية ولا اتكلمت حتى في التليفون نهائي زي ماقولتيلي؟ - لا والنبي ياحبيبتي ابدًا.. بس يعني هي هاتروح فين؟ هاتلف تلف وتلاقيها دخلت علينا زي القرد.. ايد ورا وأيد قدام.. بلا خيبة اللي مافي مرة فرحت قلبي بحاجة عليها القيمة.. هاتعيش وتموت في الفقر بدماغها اللي زي الصرمة القديمة دي. فتحت فاهها لترد ولكنها انتبهت على امرأتين تخرجن بكامل زينتهن وملابس شبه عارية.. القين التحية بميوعة قبل ان يغادرن لخارج المنزل.. التفت نيرمين نحوها تخاطبها بصدمة: - انا مش سألتك قبل ما اجيلك ياخالتي وقولتيلي أنك خلاص بطلتي الشغل ده.. ممكن بقى تفهميني ايه دول؟ لوكت فمها بالعلكة وهي تجيبها بتوتر: - يابت ما انا بطلت صح شغل هنا في بيتي.. بس بقى البنات اللي بتلقط رزقها برة البيت دي.. ايه دخلي انا بيهم بقى؟ غير اني اخد عمولتي.. ولا انتي عايزاني اموت من الجوع يانيرمين؟ هزت رأسها قائلة بقلق: - يعني انتي متأكدة انك بطلتي شغل هنا في البيت؟ ابوس إيدك ياخالتي.. هما يومين هاقضيهم معاكي قبل ما اتصرفلي بسفرية بعيدة.. مش عايزة عوق ولا فضايح.. دا انا بقول ياحيطة داريني. - ماخلاص يابت.. هو انتي هتعمليها حكاية؟ قولتلك مافيش يبقى تطمني.. اما اقوم اعملك حاجة بقى تاكليها قالت الاَخيرة وهي تنهض من أمامها على الفور نظرت في اثرها تتمتم بقلق: - اطمن!!.. هو انا طول ما انا ماقاعدة في البيت اللبش ده هايجيني قلب اطمن ولا اشوف راحة ابدًا.. منك لله ياللي شورت عليا الشورة المهببة دي!! ............................ حدقت بوجهها جيدًا وهي تسألها بمكر: - مالك يافجر وشك اتخطف كدة ليه؟ لدرجادي انتي زعلتي على الدكتور منذر؟ ازدردت ريقها وخرج صوتها بصعوبة: - اه طبعًا لازم ازعل امال ايه يعني؟ انا أسفة يافاتن البقية في حياتك . بوجه مغلف ردت باقتضاب: - في حياتك الباقية يافجر . اسبلت عيناها وهي تفرك بكفيها والأثنتان يرمقنها بنظرلت متفحصة.. ليسود الصمت بينهم لعدة لحظات ..قبل أن تقطعه فاتن : - لدرجادي بتحبيه يابت؟ رفعت رأسها مجفلة تقول: - همم.. تقصدي إيه يافاتن؟ - قصدي على علاء طبعًا امال هايكون مين يعني؟ فتحت فاهها واغلقته مرة أخرى لتطرق برأسها ارضًا وهي لا تقوى على النظر بعيناهم.. ليعود الصمت مرة اخرى بينهم قبل ان تنهض فاتن متمتمة: - لساكي طيبة وعبيطة زي ما انتي! رفعت رأسها وقبل ان تعي صحة ما سمعته وجدتها تجلس بجوارها تقربها بذراعيها نحوها وهي تقبلها من وجنتها : - طب ولما انتي بتحبي اوي كدة.. ما تقولي اه يابت هو عيب؟ حدقت بها مندهشة قبل ان تلتفت نحو عمتها الواضعة كفها على جانب وجهها تتبسم بتسلية.. فقالت مشيرة بسبابتها نحوها: - ماهي عمتي كانت عايزاني اسيبه عشان اثبت لها اني بحبك وانا كنت فاكراكي ميتة.. اشحال دلوقت لما اتأكدت انك صاحية وماموتيش؟ ضغطت باصابع يدها على وجنتيها برفق تشاكسها : - هو جزمة يابت ولا فستان عشان لما ارجع اخدهم من تاني؟ دا جوزك يامنيلة على عينك يعني مش خطيبك وبس كمان قطبت بحيرة تسألها: - يعني إيه؟ قبلتها بشغف وهي ترد بابتسامة دافئة : - يابت انا اتجوزت من زمان وعيشت حياتي مع راجل نساني الدنيا بحالها ..مش بس حب المراهقة والظروف الوحشة معاه.. يعني عمتك كانت بتلاعبك ياعبيطة. - والنبي بجد؟ قالتها ببؤس وهي ترتمي بأحضانها باكية مما اثار ضحكة صاخبة من فاتن ووالدتها وهي تشدد عليها بذراعيها وتردف بحرقة: - وحشتيني اوي يابنت اللذينة ووحشتني طيبتك وحنيتك دي. خرجت من أحضانها وهي تمسح بأبهامها الدموع الساقطة منها على الوجنتين تهتف ساخطة : - دي عيشتني ايام سودة وطب والنبي من ما انا مسمحاكي ياعمتي. ازدادت ضحكات الاثنتان وفوزية تشاكسها: - طب وانا اعملك ايه بقى ان كنتي صدقتي ودماغك لفت من اول ما شوفتيني؟ لهو انتي فاكراني كنت هاقدر اعمل فيكي المقلب لولا اني شوفت ترددك ده وخوفك مني؟ طب ليه يابنتي ؟ دا حتى كل حاجة نصيب. - انا عارفة ياعمتي.. اهو لقيت نفسي متلخبطة ومكسوفة لما اتفاجئت بيكي في ليلة كتب كتابي واكنك ظبظتيني في تهمة متلبسة. - ياحبيبة قلبي . قالتها فاتن وهي تجذبها مرة اخرى اليها تضمها بشوق.. فخاطبتها فجر معاتبة: - هونت عليكي يافاتن تسيبني السنين دي كلها من ماتشوفيني ولا اشوفك.. ولا مرة وحشتك فيها؟ قالت مبتسمة : - مين قال كدة بقى؟ انا كنت كل مااشتقالك اطل عليكي واراقبك من بعيد . - ازاي ؟ همت لترد ولكن اوقفها صوت الهاتف الذي كان يصدح بورود مكالمة.. - دا تليفونك يافجر؟ اومأت برأسها وهي تخرج الهاتف من حقيبتها فقطبت مندهشة وهي تجيب على الرقم الغريب - الو مين معايا؟ ........... لا طبعًا ماشوفتوش ولا قابلتوا من الصبح ...... ايه اللي حصل ياعصام؟.......... ازاي يعني ماتعرقش مكانه؟ هايكون راح فين بس؟ .......... طبعًا ححاول اتصل بيه واشوفه راح فين ؟....... ماشي ياعصام . انهت المكالمة سريعًا لتنهض عن كرسيها قائلة بقلق: - طب عن اذنكم ياجماعة.. انا لازم اروح على بيتنا حالاً ... علاء خرج من الصبح غضبان وماحدش عارف طريقه فين؟ ................................ تتلاعب بأصابع يده السليمة وهي تمازحه بدلال لعله يستجيب لها يبتسم: - ياحسحس.. ياابو دم تقيل انت مش ناوي بقى تفك كرمشة وشك دي.. مش لايق عليك ياعم . رد بصوته الأجش: - هو ايه اللي مش لايق عليا؟ قالت بدلال: - التكشيرة.. بصراحة انا اول مرة اشوفك مدايق كدة .. في كل خناقتنا مع بعض مافيش مرة وشك اتقلب فيها بالشكل ده. اعتلت زاوية فمه ابتسامة مستخفة وهو يرد: - يمكن عشان ماكنتش موجوع قوي بالشكل ده.. ماهي خنقاتي معاكي مهما كانت اسبابها تيجي ايه في اللي انا حاسس بيه دلوقت! - حاسس بإيه ياحسين؟ قول ياحبيبي على اللي مزعلك وخرج اللي جواك . تجاهل سؤالها ليجيب بسؤال غيره : - بقولك إيه انتي مش ملاحظة ان علاء اتاخر اوي؟ هو راح فين؟ دي اول مرة يغيب فيها عني كل ده. اخفت ارتباركها وهي تحاول الإجابة ببعض الثبات : - ما انا قولتلك ياحبيبي.. عمي ادهم اتصل بيا وبلغني ان علاء روح البيت عشان يرتاح شوية من تعب الايام اللي فاتت واكيد خدته نومه. قال بتشكك : - عمك ادهم برضوا اللي بلغك؟ امال هو راح فين بقى؟ مختفي هو كمان.. دا حتى عصام مرجعش يطل عليه من الصبح . ردت ممازحة بتصنع : - الله الله هو انت لحقت تزهق مني ياسي حسين ولا إيه؟ بقى لما اتواضع انا النهاردة بجلالتي وقدري واتبرع بالأنفراد بيك .. تفتكرلي انت فلان وعلان واكني مش مالية عينك ولا سادة الفراغ اللي جواك . - فراغ إيه إللي انتي سداه ؟ - نعم ! كرر باستفهام : - بسألك عن الجملة الاَخيرة دي.. ايه معناها ؟ اهتزت كتفاها بعدم اكتراث: - انا عارفة ؟ انا بسمعها كدة وخلاص. فلت كفه من يدها ليضغط بابهامه وسبابته على وجنتها بغيظ: - ولما انتي مش فاهمة معنى الجملة بتكرري ليه زي البغبغان؟ هي لماضة وبس . صاحت ضاحكة وهي تدفع يده : - بس ياعم الله .. هو انت شايفني عيلة صغيرة ؟ بابتسامة مستترة هتف متصنعًا الجدية : - العن وامر.. العيلة هاتكبر .. لكن انتي بعقلك الهايف ده هاتجنني امي العمر كله. ضحكت بمرح حتي جعلته يتخلى عن عبوسه ويشاركها الضحك وهي تردف بغرور: - ربنا ما يحرمك مني يارب . ................................... وفي الجهة الأخرى كان الوضع في شقة علاء على اشده.. أدهم الذي اتعبه البحث مع رجاله حتى استسلم مضطرًا للأنتظار المر مع شاكر وزجته التي لم تستطع التخلي ولو لحظة عن زهيرة خوفًا عليها لتنتكس وتعود للمرض مرة من الخوف والقلق على ابنها الذي اختفى عن رؤيتها ولم يرد ولو على اتصال واحد منها في ظاهرة لم تحدث طوال حياته مهما مر عليه من أحداث.. عصام الذي ترك عمله في المشفى بعد معرفته بعدم عودة علاء من وقت ان غادر المشفى ولم يستطع اللحاق به .. كان واقفًا بسيارته امام البناية مع فجر التي شرح لها مشهد الصباح وما فهمه من كلمات علاء معه. - انا قولت بس اشرحلك واقولك على اللي حصل بما انك شهدتي على الموضوع من اوله. متكتفة الذراعين تهز برأسها وكأن كثرة الصدمات افقدتها حس الإجفال أو الإندهاش . اردف عصام : - يافجر انا قولت اشرحلك عشان تفهمي وتطمنيني عليه لما يوصل .. انا لولا بس ان بنتي الصغيرة النهاردة بايتة عندي ماكنت اتحركت من مكاني في انتظاره تنهدت قائلة بتعب : - روح ياعصام وانا هاتصل بيك واطمنك لما يوصل.. هو اكيد هايرجع.. مهما كانت الصدمة كبيرة عليه لكن اكيد هايرجع.. مش كدة برضوا؟ - ان شاء الله يافجر يرجع.. حس المسؤلية عند علاء اكبر من أي جرح واي هموم . بعد ذهاب عصام وتركها في انتظار حبيبها الذي لم تمل تكرار الاتصال عليه رغم عدم اجابته.. حتى اقتربت الساعة للحادية عشر مساءًا وكاد الانتظار ان يعصف بقلوب الجميع .. دلف فجأة لداخل شقته مكفهر الوجه القى التحية من تحت اسنانه ذاهبًا نحو غرفته ليغلق بابها عليه.. ولم يبالي بنداء والده وتوسلات والدته او حتى شاكر وزوجته .. حتى وصلهم صراخه من داخل الغرفة: - انا تعبان ومش عايز اشوف ولا اكلم حد.. ممكن بقى تسيبوني في حالي . خرج صوتها بارتجاف: - حتى انا ياعلاء مش عايز تسمع صوتي ؟ ساد الصمت فقالت بارتجافٍ أكثر: - علاء.. انا مش هاتحرك من هنا غير لما تفتحلي.. ان شالله حتى ابات جمب باب الاوضة . شهقت باكية : - افتحلي ياعلاء عشان اطمن عليك.. ياحبيبي انا قلبي هايوقف من الخوف والقلق.. ضربت على باب الغرفة صارخة: - ياعلاء افتح بقى وماتتعبش اعصابي اكتر من كدة...افتح يا علاء..... شقت مخضوضة حينما تفاجأت بفتح الباب وهو يجذبها بسرعة للداخل ويعاود اغلاقه مرة اخرى بقوة. لم تصدق عيناها وهي تنظر الى وجهه العابس امامها.. وقد ارتسم الألم عليه بقوة.. تقدمت نحوه صامتة بتردد حتى اقتربت تتناول كفه الكبيرة ترفعها اليها بين كفيها تداعبها بحنان وهي ترجوه بعيناها ليهدء بركان الغضب بداخله .. قبلتها برقة وهي تخاطبه: - حاسة بيك وواجعني اللي واجعك.. بس عايزاك تهدى.. عقد حاجبيه وارتفعت صوت انفاسه الحادة رغم صمته.. لدرجة اشعرتها بالخوف من غضبه.. اجفلها فجأة حينما جذبها ليضمها اليه بقوة حتى تألمت عظامها ورغم ذلك بادلته العناق علّه يهدأ حتى شعرت بأصابع يده وهي تتخلل خصلات شعرها حتى جذب رأسها للخلف والتقت عيناها بعيناه وانفاسه الحارة تلفح وجهها ودون سابق انذار قبلها.. بادلته قبلته مستجيبة لنداء احتياجه لها حتى فصل نفسه عنها مرغمًا حينما تساقطت دماعته على وجنتها ليدفن رأسه في شعرها...ويشدد من عناقه لها مرة اخرى وهي تربت على ظهره بحنان. - انا جمبك ياحبيبي ومش هاسيبك .. اهدى بس انت اهدى . الفصل الخامس والثلاثون خرج من منزله يضم سترته الثقيلة حول جسده علها تخفف بدفئها برودة الجو الشديدة في هذا الوقت المبكر من اليوم.. وصل لدراجته النارية ليقف مستندًا بجسده عليها.. ثم فرك بكفيه يدفئهم قليلًا قبل أن يتناول هاتفه من جيب بنطاله يتصل بأحد الأرقام.. فتجيبه صاحبة الإتصال: - الوو........ صباح الفل ياخالتي........ في نعمة والحمد لله المهم البنات صحيوا؟.......... تمام ياخالتي فطريهم بقى وجهزيهم عقبال انا مااشق ريقي بلقمة من عربية الفول اللي في اَخر الشارع ......... وبعدين بقا ياخالتي متزعلنيش منك هما كدة كدة في طريقي يبقى ايه لزوموا بقى المواصلات والزحمة؟ حمد لله المكنة شديدة وتتحمل المسافات.......... تمام بس حاولي تجهزيهم بسرعة عشان مايتأخروش على ميعاد المدرسة ........ ربنا يرحمه ويبشبش الطوبة اللي تحت راسه يارب......... ماشي سلام ياخالتي انهى المكالمة واستدار بخطواته لكي يقطع الشارع ليصل للعربة في اَخره التي سيتناول طعام افطاره عليها.. ولكنه توقف محله حينما لمح شبح الجسد الصغير ملثم الوجه وهو يتلفت حوله بخوف كي يصل لوجهته بخطوات مسرعة.. ابتسم بزاوية فمه وهو يتناول الهاتف مرة ليتصل برقم اَخر: - الوو .....ايوة ياعم علاء انا مازن....... معلش بقى ان كنت صحيتك بدري اوي بس المعلومة دي ماينفعش تستنى........ سعد دخل الحارة قدامي دلوقت متلتم زي الحرامية وزمانه وصل بيتهم .............بسرعة بس والنبي تعالي عشان اللحق انا مشواري واوصل البنات اخوات حودة الله يرحمه لمدارسهم ........... تمام وانا هتابعك بالتليفون ........... تسلم يارب . اغلق الهاتف ليفرك مرة أخرى كفيه مبستمًا بحماس في انتظار المعركة! ............................ خرجت من غرفتها لتجد والدها ووالدتها وعمتها فوزية على منضدة الطعام يتناولون وجبة الإفطار في انتظارها.. القت التحية بوجه عابس وهي تجلس بجوارهم على أحد المقاعد : - صباح الخير ياجماعة رددوا خلفها التحية وهي انكبت تتناول طعامها بغير شهية.. شاكسها أبيها: - ماتفردي يابت بوزك اللي قالباه كده عالصبح من غير سبب ولا يكون في سبب؟ ردت محرجة : - يوه يابابا هايكون في إيه يعني ؟ عادي . أردف بابتسامة ساخرة: - عادي برضوا؟ ولا يكونش زعلانة مع سي علوة يابت وانا مش داري؟ ازداد عبوس وجهها والذي اكتمل بحمرة الخجل التي زحفت لوجنتيها.. تدخلت فوزية : - يالهوي عليك ياشاكر.. ماتهمد بقى ياخويا وماتكسفش البنية.. اللي يينها ويين خطيبها دي خصوصيات ملناش احنا فيها. مصمصت سميرة بشفتيها: - خصوصيات ايه بلا نيلة.. دا العيال من ساعة ماخطبوا بعض والمصايب شغالة ترف على ادمغتنا بالكوم.. مرة بحادثة حسين وكملت بالزعلة الكبيرة لعلاء ووالده.. اموت واعرف ايه اللي بينهم.. مش ناوية برضوا تتكلمي يافجر؟ تاففت ناهضة : - تاني ياماما السؤال ده ماقولتلك ماعرفش.. انا رايحة اجهز عشان احصل شغلى بقى. رددت سميرة من خلفها : - برضوا انتي ماتعرفيش ياست الابلة! اقطع دراعي ان ماكنتي عارفة وبتستهبلي. لكزتها فوزية : - ماتسيبها ياولية هو انتي هاتموتي لو معرفتيش؟ فتحت فاهها لترد ولكن سبقت فجر وهي تهتف على والدها فجأة قبل الدلوف لغرفتها: - ماتمشيش يابابا قبل ماتاخدني توصلني معاك.. عشان علاء اتصل وقالي انه خرج بدري على مشوار مهم . دوت ضحكة ساخرة من شاكر وهو يتلاعب بحاجبيه: - ايوة بقى قولي.. يبقى عشان كدة قالبة وشك يا أبلة فجر. دبت أقدامها على ألارض بغيظ قبل ان تذهب لداخل غرفتها متاففة.. تساءلت سميرة بفضول: - يااخويا انه مشوار دا اللي يخرجه بدري كدة والساعة مجابتش سبعة الصبح؟ ............................................ توقف على مدخل الحارة بسيارته التي قادها بسرعة شديدة حتى يصل.. وجد مازن في انتظاره بجوار دراجته البخاربة وبجواره اخوات حودة.. اسرع اليه وهو يترجل من باب السيارة قائلًا: - حمد لله انك وصلت عشان اللحق اوصل انا البنات لمدراسهم . تابع وهو يقترب من أذنه يهمس: - وكويس عشان تحصله قبل مايمشي. سأله بهمس هو الاَخر وبأطراف اصابعه يمسح على شاربه بتحفز: - هو فين دلوقتي؟ - خرج من بيتهم جري على ورشته من يجي عشر دقايق بس.. يعني يدوبك تلحقه . اربت بكفه على اكتاف مازن قبل أن يتحرك قائلًا : - تمام يابطل.. اتحرك انت بالبنات وانا هشوف شغلي . - ربنا يقويك . تمتم بها قبل ان يذهب مهرولًا نحو الفتيات.. كم ود الأنتظار ليرى بنفسه عقاب الخائن ولكنه لن يتقاعص عن تأدية واجبه في توصيل الفتيات.. وبعدها يعود على الفور ليرى وليضحي بيوم من العمل . ............................... بداخل ورشته الخالية من العمال تناول سريعُا بعض النقود الورقية من خزانة امواله الخشبية ليضعها في جيوب سترته الثقيلة وأيضًا في جيبي بنطاله .. ثم أغلقها على عجالة كي يستطيع الخروج من الحارة بعد أن أتم مهنته برؤية والدته وإعطاءها بعض النقود لإعالتها .. زفر حانقًا على وضع حاله الاَن وهو مهدد ومتخفي كاللصوص داخل حارته.. بعد ان كان يسير بها متبخترًا كالملوك في سنواته الاَخيرة وقد تيسرت حالته المادية بفضل نجاح مشروع ورشته.. ورشته المتوقفة من العمل الاَن بفضل هذا الملعون الذي سرق في البداية فرحته بخطبته لشروق النسخة الاَخرى من حب عمره ثم تسببه في كشف أمره بالبحث في دفاتره القديمة واخراج اسرار ظن هو انها اندفنت مع مرور السنوات .بخطوات مسرعة وصل للخروج من الباب الخارجي.. اغلقه من الخارج بقوة ثم استدار وهو يغطي وجهه.. خرجت منه شهقة قصيرة مجفلة.. وهي يراه امامه بطوله المهيب وعرض جسده المتحفز وكأنه مصارع وعلى وشك خوض مبارة مع أحد خصومه.. خرج صوته وكانه يسأل نفسه: - علاء !! بابتسامة متهكمة حرك رأسه قائلًا: - إيه خضيتك ؟ ازدرد ريقه وهو يجاهد الثبات امامه في الرد: - وإيه بس اللي هايخضني منك... ياصاحبي؟ - صاحبي!! رددها واعتلى شفته ابتسامة جانبية قبل ان يطرق بوجهه فتحركت اقدامه ليقترب بخطوات بطيئة نحوه كنمر يحوم حول فريسته.. ملامح وجهه المظلمة جعلت الخوف يزحف تحت جلده.. فتضخ الدماء السريعة لقلبه لدرجة جعلته يسمع صوت دقاته.. يحاول السيطرة على ارتعاش قدميه في الأسفل وهو يراقب خطواته حتى تفاجأ به يجذبه من تلابيب قميصه بعنف لتلفح انفاسه الهادرة وجهه.. يحدثه بلهجة مخيفة جازًا على أسنانه: - يعني انا كنت صاحبك بجد ياسعد؟ ارتجف مذعورًا وخرج صوته باهتزاز : - في إيه ياعلاء؟ جرا إيه بس مالك؟. مال إليه برأسه قائلًا بفحيح: - اقولك جرالي إيه.. اللي جرى اني ربيت في حضني حية ضعيفة.. دفيتها وحميتها من أذية بشر ولما كبرت واشتد عودها لدغتني انا ولدغت حبايبي.. حبايبي اللي دفعوا تمن قربهم مني بسبب إني اَمنت لواحد زيك.. وانا عارف بعقد النقص اللي جواك وبرضوا بغباءي كنت بحاوط عليك.. شفقة بجسمك الضعيف. سيطر الرعب عليه وجعل كلماته تخرج بتلجلج: - بببب ييييعلاء.. انت قولت بنفسك اني جسمي ضعيف.. يعني ماتاخدنيش بذنب وانت اكيد فاهم غلط . رفع حاجبه وابتسم بشر : - ماانت فعلًا جسمك ضعيف بس انا بقى عندي رغبة انفضك النهاردة يمكن بأذيتك تهدى شوية النار اللي جوايا. - يعني إيه؟ خرجت بصدمة وعدم استيعاب قبل ان يباغته بضربة قوية برأسه كادت تشطر جبهته نصفين وبعدها توالت صرخاته العالية بقلب الحارة وهو لا يقوى على ملاحقة الضربات ولا يعرف من أين تأتي!!! ......... .... .......... بطرق قوي على باب المنزل الكبير فتحت الخادمة للرجل وهو يسالها بلهاث : - عم ادهم فين يابت ؟ صحيه بسرعة . خرج له ادهم من قلب المنزل بجلبابه المنزلي وهو يجفف شعر رأسه بفوطة صغيرة : - مالك ياحوكشة بعمك ادهم؟ وعايزها تصحيني بدري ليه اوي كدة؟ دلف الرجل لداخل المنزل يردف بكلمات غير متزنة : - الحق ابنك علاء ياعم ادهم.. ماسك في سعد صاحبه ضرب وعجن لما هايخلص في إيده ؟ هتف مجفلًا : - انت بتقول مين؟ سعد؟ طب اجري بسرعة انده للرجالة.. على ما أنا غيرت الجلبية ولبست غيرها.. وعلى طول الحقوه لايخلص في إيده.. انا عايزه حي مش ميت . - هوا يامعلمي. هتف بها الرجل وهو يهرول للخارج وعاد ادهم بخطواته السريعة لداخل المنزل وهو يتوعد لهذه المدعو سعد. .............................. وفي الخارج ووسط الحارة بعد ان خلصوا سعد من تحت يده بصعوبة وهو يقاوم للإفلات منهم رغم كل مافعله بغريمه المغرق وجهه بالدماء وجسده لايقوى على الوقوف للولا المساندة.. كانت تتردد كلمات الرجال بلومٍ مشوب بالدهشة: - اهدي يابني مش كدة حرام عليك دا كان هايخلص في إيدك. - ياعم سيبوني ياعم انا لسة ناري مابردتش - صلي عالنبي هو قدك ولا حملك يابني! - عليه افضل الصلاة والسلام.. طب سيبوني طيب وانا مش هاكلمه تاني... واخدينه على فين ابن المضايقة ده؟هتف عليه الرجل المتشبث بذراعه بقوة : -يابني هايوده لامه اللي بتصرخ من بيتها عليه.. انت بس لو تقول لنا عمل معاك إيه عشان تقلب عليه القلبة السودة دي؟ حدق بالرجل صامتًا وهو يقاوم مرة أخرى لإفلاته .. فتابع الرجل المتشبث بظهره من الخلف : - كفاية بقى هديت حيلي ياعلاء وانا عايز اسيببك بس خايف لتتهور عليه من تاني.. دا انت مرمغت وشه في التراب وخليت جسمه شوارع .. اشحال ان ماكنتوش كبار و اصحاب كمان! صرخ يقاومهم بجنون : - مش صاحبي.. مش صاحبي ياجدعان .. دا زرعة شيطاني وانا اكتشفت حقيقتها بس دلوقتي . - إيه اللي حصل ياجماعة في إيه؟ قالها ادهم وهو يقترب منهم وعيناه تجوب جمع الاشخاص الملتفة حولهم .. هتف عليه أحد الرجال: - تعالى ياادهم ياكبير الحارة شوف ابنك يمكن تسكته ولا تسيطر عليه.. دا كسر سعد وبرضوا مصمم يخلص عليه . رمق ابنه بنظرة سريعة قبل ان يسأل الرجال بلهفة: - طب هو فين دلوقتي مش شايفه يعني؟ ................................... بداخل المحل الكبير للاداوت الصحية والخاص بأدهم الاب ضرب بكفه على فخذته وهو يرمق ابنه بغيظ بعد ان انفض جمع الرجال: - يعني بس لو كان ربنا قدرك وادتني فكرة من الأول.. مش كان زمانه دلوقتي بقى تحت يدي بدل ماهو هرب كدة من الرجالة واستغفلهم ويعالم امتى بقى هانقدر نجيبه من تاني؟ نظر اليه باستخفاف قبل ان يشيح بوجهه للأمام بعيدًا عنه.. ليثير الغضب بداخل أدهم : - بلاش النظرة دي ياعلاء.. انا عارف انك زعلان مني وليك حق.. رغم اني ماكنتش اعرف بالمصايب اللي عملها الكل... ده غير دلوقتي.. عارف اني غلطت زمان معاك بس ربنا العالم انا حاولت قد ايه اكفر عن غلطي.. بدليل اني لما حسيت بس بميل حسين لشروق بنت شاكر وميلك انت لفجر.. جريت بسرعة وطلبتهم من غير انتظار.. رغم معرفتي القديمة بصلة قرابتهم مع بدر الصعيدي ومراته وبنته.. ضرب بكفه على سطح المكتب غاضبًا يقطع استرساله في الكلام بحدة: - بقولك ايه ياحج.. قفل على كلامك ده عشان ما انا ماعنديش مرارة اسمع .. تمام.. وعن اذنك بقى عشان ماشى . نهض ليغادر سريعًا ولكن نداء ادهم بإسمه اوقفه ليردف قائلًا برجاء : - كدة على طول خارج ياعلاء! دا انا مصدقت اشوفك يابني وماصدقتش فرحتي لما حكالي الواض حوكشة على اللي عملته في سعد.. عشان تاخد بتارك منه استدار اليه يرد بلهجة ذات مغزى: - وانت بقى افتكرت اني طفيت ناري بضربه فاهصفالك انت بعد كدة؟ لا أصحى ياحج ..انا دخلت المحل هنا عشان بس مكسفكش قدام الرجالة.. لكن اللي في قلبي ناحيتك مازال موجود وماتغيرش.. فاهم ياوالدي .. موجود وماتغيرش . بصق كلماته الاَخيرة وخرج مغادرًا على الفور.. تاركًا أدهم يعض اصابع الندم من خلفه .................................. - سيبته! يخرب بيتك . صاحت بها مجفلة نحو صديقتها الجالسة أمامها بجمود تتلاعب بيدها مكان خاتم خطبتها.. وقالت : - هو دا اللي كان لازم يحصل من الاول.. اساسًا احنا مكناش لايقين على بعض . ردت مستنكرة: - مش لايقين ليه بقى ياغبية؟ هو انتي يابت اتجننتي ولا عقلك طار منك؟ بقى اغيب عنك يومين ياسحر الاقيك تنيلي الدنيا؟ التفت اليها تهتف حانقة: - مكانش نافع يافجر.. انا حاولت لكن مافيش فايدة.. هو من عالم وانا من عالم تاني.. هو منفتح وانا مقفلة هو شكله وسيم ومهتم بنفسه وانا ابلة عجوزة في نفسي . لكزتها بقبضتها على كتفها قائلة بحزم: - بس يابت اسكتي وبلاش عبط.. انتي مشيتي ورا كلام الناس اللي استكترته عليكي وهزوا ثقتك في نفسك.. قولتلك من الاول.. فوقي لنفسك ياسحر.. رمزي بيحبك . بتسمت بسخرية: - ماعدتش له فايدة خلاص .. ببحبني بقى ولا بيكرهني.. اهو كل واحد راح لحال سبيله . هزت رأسها برفص: - انا مش مصدقة كلامك ده ومش متخيلة ابدًا ان دي تكون النهاية.. اكيد في حل.. فاهمة . مطت شفتيها بعدم اقتناع فلكزتها مرة أخرى على ذراعها بغيظ: - والنبي الله يخليكي بلاش الامبالاة دي انا مش ناقصة.. هو انا هاخلص من المصايب دي بس امتى ياربي. ابتسمت بتصنع تغير دفة حديثهم وسالتها: - ليه هو الأستاذ علاء لساه برضوا زعلان من والده ؟ زفرت بتعب: - والنبي ياختي ماتجيبي سيرته ولا تفكريني بيه.. دا خرج...... قطع جملتها اتصاله.. فضحكت سحر ساخرة: - مش عايزاني افكرك بيه؟ طب اهو اتصل ياختي يفكرك بنفسه. تحمحت تقول بإحراج وهي تتناول الهاتف: - رغم اني متغاظة منه بس ماينفعش اسيبه يرن صح. ردت سحر ساخرة : - عندك حق فعلًا... عيب ! ضربتها بقدمها وهي تنهض على ساقها.. فتاوهت الأخرى.. اشارت لها لتخفض صوتها قبل أن ترد بجمود تحول للهفة وقلق: - الووو...... اهلا بيك ياعلاء............انت بتقول إيه ياحبيبي؟ ........... لا طبعًا انا هستأذن واجيلك حالًا.......بلا مدرسة بلازفت . اغلقت المكالمة وهي ترفع اشيائها على عجالة .. طب احنا نكمل كلامنا بعدين ياسحر.. عشان معايا مشوار مهم ...ماشي ... نظرت في أثرها وهي تردد بمرح : - ماشي ياختي ماشي.... اه ياجبانة. ........... ................. ... - ااااه... براحة يابت. صرخ بها نحوها وهي تضغط بالقطنة والمطهر على خدوش وجهه والكدامات ..تمتمت ترد بتركيز : - اصبر شوية واتحمل ياسعد.. دا لسة باقي كتير. جز على أسنانه من الألم يقول: - لسة إيه تاني؟ انا تعبت وماعدتش متحمل . تنهدت قانطة وهي تلتف للجهة الأخرى تتناول قطنة أخرى وتضع عليها المُطهر: - يعني اعملك ايه؟ ما انا بحاول اخلصك اهو.. بس انت وشك متبهدل خالص ومافيهوش مكان سليم . - وشي بس! قالها وارتجف وجسده يستعيد هجوم علاء عليه وهو يزأر كالوحش. يكيل له بالضربات واللكمات على جميع جسده..دون رأفة ورحمة بجسده الصغير .. بمقارنة بجسده الضخم .. لقد مرت هذه اللحظات المريرة لتذكره بمأساته وهو صغير قبل أن يحظى بحمايته.. لينقلب عليه الوضع الاَن وهو كبير .. وينال من كرامته وكبرياءه الذي صنعه لنفسه طوال السنوات الماضية.. الإهانة في ضربه وهو يصرخ لكي يهب أهل الحارة في نجدته لعدم استطاعته صد ضربة واحدة منه.. هو الذل بعينه. - هو انت بتبكي ولا إيه ياسعد؟ أجفل من شروده ليمسح بطرف قميصه دمعة هاربة من عينه.. تحمحم يتكلم بخشونة: - دي بس من الوجع الشديد في كف إيدي. ردت مستنكرة : - يابن الناس ما انا قولتلك من الأول روح المستشفى وانت اللي مردتش . صاح عليها رافضًا: - ومش هاروح يانرمين.. مش عايز حد يشوفني ولا الاقي شفقة من حد.. من هنا للصبح لو ماتحسنتش هاروح لدكتور براني اطمن واشوفها . اومأت برأسها تتابع ماتفعله لتتجنب غضبه .. فسألها : - هي البت دي لساها برضوا مرجعتش ولا في عنها خبر؟ - قصدك أمينة.. لا مارجعتش ياسعد بس انا خليت خالتي تتصل بيها.. ردت عليها لكن ماقالتش برضوا عن مكانها . اخرج سبة من فمه زافرُا قبل ان يرد : - مسيرها توقع تحت إيدي بت ال...... وان ماكنت ادفعها التمن غالي هي والزفت حسين مابقاش انا .. مدام كدة كدة خرابانة يبقى انتقم لنفسي صح بقى قبل ما اهج واهرب من هنا خالص. أوقفت ماتفعله لتسأله برجاء: - وانا كمان هاتلاقيلي متوى اهرب ليه ياسعد . اومأ برأسه : - هالاقيلك يانيرمين.. مدام انت شاطرة وبتسمعي الكلام الفصل السادس والثلاثون ترجلت من سيارة الأجرة أمام البناية التي تقطنها والدتها.. وهي تتحامل على اَلام جسدها وذراعها معلق برباط طبي.. لفتت اليها انظار البشر الفضولية في منطقتهم من رجال ونساء اعتادت على نظراتهم المزدرئة لها ولوالدتها المعروفة لديهم مهنتها ولكن لا يجرؤ أحد على مواجهتها ولا الإحتكاك بها لسلاطة لسانها ودنو اخلاقها في الرد.. بصعوبة تمكنت من اعتلاء الدرج الأسمنتي حتى وصلت لشقتهم وقبل أن تمتد يدها نحو جرس المنزل.. تفاجأت بفتح الباب وخروج إحدى الفتيات الغريبة عنها تتفوه لمحدثتها في الداخل: - من عنيا ياأبلتي.. اتصلي انت بس في المصلحة وانا تحت أمرك. رمقت أمينة بنظرة مندهشة قبل أن تتخطاها لتخرج وتردف بصوتها العالي ساخرة: - دا باين جايلك وارد جديد يا ابلتي.. بس دي متكسرة خالص ياعيني ههههه نظرت في أثر الفتاة أمينة بقرف وهي تغادر وتنزل الدرج.. قبل أن تلتف لداخل منزلهم فوجدت والدتها أمامها اتت لترى ماتقصده الفتاة هتفت متفاجأة بإسمها.. قبل أن تشهق وتضرب على صدرها بجزع: - يانهار اسود.. إيه اللي حصلك يابت ؟ ردت بسأم وهي تلوح بيدها لمساعدتها: - والنبي يامّا دخليني الأول وبعدين اسألي. اقتربت محاسن تلف ذراعيها حول ابنتها لتساعدها وهي تتمتم بتأنيب: - تغيبي تغيبي وترجعيلي بمصيبة.. نفسي في مرة واحدة بس تفرحيني بدخلتلك عليا. تأوهت بألم قائلة: - والنبي دخليني الأول يامّا.. هو حرام تدخليني من غير ما تأنبي ولا تقطمي فيا.. طب راعي حتى تعبي. مصمصمت تلوك بفمها وهي تغمغم : - خشي ياختي خشي.. وانتي من امتى بس الكلام كان بيجيب فايدة معاكي؟! .................................. بداخل غرفتها كانت تتحدث في الهاتف حينما سمعت جلبة في الخارج.. اتجهت بخطوات خفيفة حتى وصلت الى الباب تفتحه بمواربة.. لتتبين صدق ظنها حينما رأتها تدلف مع والدتها.. همست لمحدثها بمرح: - العصفورة جات اخيرًا ياسعد. وصلها صوته المتلهف: - امينة رجعت صح يابت ولا بتهزري؟ اجابت مبتسمة بانتشاء: - بقولك قاعدة برة وانا شوفتها دلوقتي وهي داخلة مع امها.. دراعها متربط وبتمشي بالعافية دا باينه من أثار الحادثة. اجابها من الناحية الاَخرى: - حلو اوي... عايزك بقى ياشاطرة تعملي معاها زي مافهمتك بالظبط يانيرمين.. ماشي. أومأت برأسها موافقة: - تمام تمام.. طب اقفل انت دلوقتي وانا هبلغك بالجديد اول بأول. اغلقت الهاتف وتنفست عاليًا قبل ان تخرج لها من الغرفة.. لتجدها مستلقية على الاَريكة بتعب ووالدتها بجوارها تخاطبها بسخط: - يابت قولي اللي حصلك ده حصل ازاي؟ وما اتصلتيش ليه تقوليلي عشان اجيلك؟ هو انا مش امك يامنيلة على عينك؟ أجابت وهي مغمضة عيناها: - والنبي يامّا ارحميني دلوقتي انا مش حمل الكلام معاكي.. مشوار المستشفى هد حيلي وزود تعبي تاني . - حمد الله على سلامتك ياامينة. فتحت عيناها مجفلة على صاحبة الصوت تردد قاطبة الحاجبين بدهشة : - نيرمين!!! انتي إيه اللي جابك هنا؟ .................................. تسير برواق المشفى بخطوات مسرعة وعقلها يعمل في عدة اتجاهات.. بعد ما حدث وانكشف السر اخيرًا بظهور فاتن.. ماذا يجب عليها أن تفعل الاَن؟ اتخبره بوجودها على قيد الحياة.. أم تتجاهل الخوض في الموضوع خصوصًا مع رغبة فاتن في التخفي عن الجميع سوى عن واحد فقط! وماذا عنه لو علم هل سيرق قلبه اليها مرة أخرى وينساها ام أن مرور السنوات قد ساهم في نسيانها من ذاكرته الى الأبد.. ولكن هل يعقل؟ نفضت رأسها لتجلى عنها بعض هذه الأفكار وهي تتجه لغرفة حسين في المشفى والتي اصبحت المقر الرئيسي له فيها الاَن بجوار اخيه. طرقت بخفة قبل أن تفتح الباب لتُقلي التحية على الجميع. - صباح الخير. ردت زهيرة الممسكة بطبق الفاكهة تطعم منه ابنها المصاب ومعها شروق وحسين أيضًا.. دلفت تقبل المرأة على رأسها قبل أن تتجه لحسين تطمئن عليه. - عامل ايه النهاردة ياحسين؟ أجابها حسين بابتسامة ودودة وقد استعاد وجهه بعض صفائه ورونقه - الحمد لله ياستي..ادينا بنقاوح مع التعب عشان نقف على رجلينا من تاني. قالت بابتسامة محفزة: - شد حيلك ..انا كمان شايفة ان في تحسن.. ربنا يقويك أكتر وتخرج من عزلتك هنا في المستشفى. رفع كفه وعيناه للأعلى بتمني والتفتت هي نحو زهيرة تحدثها: - وانت كمان ياخالتي عيني باردة عليكي.. باين كدة تحسن حسين انعكس عليكي انتي كمان . زهيرة بابتسامة راضية: - ياه يابنتي.. دا انا روحي ردت فيا من ساعة مافاق.. هو احنا كنا فين وبقينا فين بس؟ تمتمت بالحمد وهي تتنقل نحو شقيتها الجالسة بركن وحدها تكتم ابتسامتها: - نعم ياحلوة وانتي قاعدة لوحدك وساكتة ليه؟ ذهبت عيناها نحوه قبل أن تجيبها: - ماانا قاعدة مؤدبة أهو يافجر.. فيها حاجة دي؟ حدقت بها مندهشة قبل أن تنقل عيناها نحو حسين الذي مالت رأسه يتمتم بملامح متهكمة اثارت ضحكة شروق: - مؤدبة!! التفتت فجر باستفسار نحو زهيرة التي تبسمت لمناكشاتهم وقالت : - والنبي يابنتي اهو من ساعة ما قعدت وانا شايفة الحركات والنظرات دي مابينهم ومافاهمة حاجة. تبسمت فجر هي الاَخرى تخاطبها: - ولا هاتفهمي ياخالتي.. كبري انتي مخك منهم.. دول دماغهم لوحدهم.. المهم انا مش شايفة علاء يعني هو راح فين؟. تحمحم حسين يجيبها ببعض الجدية: - علاء خرج من شوية يشوف حسابات المستشفى . تحركت لتغاد الغرفة: - طب انا هاخرج شوية اطل على واحدة اعرفها هنا على ما وصل هو . ..................... مطرقة رأسها في الأرض تتكلم بلهجة منكسرة وصوت خفيض : - انا عارفة انك مستغربة قعدتي هنا وأكيد كمان مش طايقة تبصي في وشي.. بس اعمل ايه انا بقى؟ بعد حسين ما كشفني وعرف كل البلاوي القديمة عني بسببك.. شددت على أحرف الكلمة الاَخيرة قبل ان تتابع : - أضطريت اهرب واسيب الجمل بما حمل لجوزي. سألتها غاضبة: - وانت ضاقت عليكي الدنيا بقى ومالقتيش غير هنا عند أمي عشان تقعدي وتقرفيني. صكت اسنانها وهي تكتم غيظها: - كتر خيرك ياأمينة.. بس انا ياحبيبتي مش جاية اقرفك ولا حاجة.. انا جاية هنا عشان دا المكان الوحيد اللي مايعرفوش عني أدهم.. ماانتي عارفة اللي فيها . أشاحت أمينة بوجهها تزفر غضبًا فهمي تعلم مقصدها.. وهو سمعة والدتها وتعمدها عدم ذكر اسمها أمامه.. عادت تخاطبها بتحذير: - بس ماانا مش مأمناكي يانيرمين عشان عارفة علاقتك بسعد.. وانا مش عايزاه يعرف عني حاجة . رفعت رأسها ترد بمسكنة: - خلاص ياأمينة لا عاد ليا علاقة بسعد ولا غيره.. بعد ماراح مني كل حاجة في عز جوزي.. انا بس دلوقتي بقول ياحيطة داريني.. واسألي والدتك قبل اجيلها نبهت عليها بإيه.. انها ماتشتغلش خالص هنا في البيت طول ماانا موجودة. غمغت بابتسامة ساخرة: - على أساس ان أمي بتسمع الكلام ولا هاتنفذ؟ التفتت اليها تخاطبها بحزم: - اسمعي اما اقولك انا مش هاطردك عشان عارفة معزتك عند امي.. لكن والنعمة يانيرمين ماتفكري تأذيني عن طريق الكل....... سعد لكون مسودة عيشتكم وانتي عارفة انا اقصد إيه. زامت شفتيها تكبت غضبها ولتعود بمسكنة قائلة: - اطمني ياأمينة.. مش هأذيكي ولا اقرب ناحيتك خالص ولا ليا دعوة بيكي أساسًا.. مع إني كان نفسي نعيد مع بعض زكريات زمان.. دا احنا كنا اخوات مش ولا خالة. رمقتها باستنكار غير مصدقة طلبها قبل ان تعود لإريكتها مستقلية مرة أخرى متجاهلة الرد عليها. ................................. طرقت بقبضتها على الباب الذي فُتح وحده على الفور لتجد طفلة رأئعة الجمال أمامها ببشرة حليبية على وجه مستدير وعينان زرقاون ووجنتين ممتلئتين.. دنت فجر تداعبها بمرح : - يانهار ابيض عالجمال .. انتي مين ياقمر؟ غمغت الطفلة بصوت خفيض ولغة محببة وغير مفهومة.. جعل فجر تدنو أكثر نحوها مرددة: - بتقولي إيه مش فاهمة. دوت ضحكة رجولية من الداخل وصوت صاحبها يهتف: - ماتحاوليش يافجر مش هاتفهمي الأسم ناديها ناني أحسن. قبلتها من وجنتها وهي تدلف بها للداخل مرددة بحبور: - ايه الحلاوة دي ياعصام .. تقربلك دي ولا إيه؟ أجابها بسعادة وفخر: - دي بنتي يافجر.. ايه رأيك فيها؟ شهقت تقبلها مرة أخرى بمودة: - انت بتسألني عن رأيي؟ دي قمر ياعم ربنا يخليخهالك.. بس ناني دا اسمها الحقيقي ولا الدلع؟ - لا الدلع.. اسمها الحقيقي نانيس. - نانيس ! رددته بدهشة مع ضحكة مستتردة فأردف هو بغيظ: - ماهو دا الأسم اللي اصريت عليه والدتها ياستي.. قال ايه؟ اسم زهرة فرعونية.. على اساس انها بتحب بلدها قوي. ازداد اتساع ابتسامتها وهي تداعب الفتاة مرددة: - وانت زعلان ليه بس؟ دي أحلى زهرة قابلتها في حياتي.. ربنا يحرسها من كل شر. غمغم بصوت خفيض : - حمد لله ماطلعتش شبه امها. انتظرت هي لحظات في مناكفة الطفلة مترددة قبل أن تلتفت نحوه بجدية: - انا كنت جايالك النهاردة في حاجة مهمة ياعصام . ترك الأوراق من يده التي كان مشغول في قرائتها على سطح المكتب يعطيها اهتمامه: - انا تحت أمرك يافجر.. قولي اللي عايزة تقوليه. اجمعت شجاعتها وهي تأخذ شهيق طويل قبل أن تقول : - كنت عايزة أتكلم عن الدكتور منذر الله يرحمه اللي كان شريكم هنا في المستشفى ! واحكي عن حاجة مهمة عرفتها بس قريب . قطب حاجبيه يسألها بدهشة: - حاجة إيه بالظبط يافجر؟ .................................... عاد اليهم بداخل الغرقة وهو يتحدث في الهاتف من تحت أسنانه: - ياعم الحج بقولك معرفش غار فين؟ هاعرف،منين انا بس؟ ............ لا ياوالدي مازن مايعرفش عشان سعد اختفى من الرجالة كلهم وقت الخناقة............. ماشي ياابويا حاضر هارد عليك لما اعرف أي معلومة........... كويس النهاردة حسين والحمدلله................ وفجر وشروق والجميع كويسين كمان.............الحمدلله طبعًا هي دلوقتي احسن من الاول............ تمام هاخلي بالي منها ......... سلام بقي ياوالدي الله يخليك. بعد ان اغلق المكالمة انتبه لنظرات الجميع المثبتة عليه.. قال حسين بابتسامة ذات مغزى : - الكلام الاَخير ده كان على الست الوالدة صح؟ أشاحت زهيرة بوجهها عنه غاضبة وتبسم علاء قائلًا : - ويعني دي اول مرة ؟ ماهو على طول بيسأل. هتفت غاضبة: - بقولكم ايه انتوا الاتنين.. انا مش ناقصة مقلتة ولا هزار منكم.. لموا نفسكوا احسن . الجمتهم عن الرد فضربت بكفيها شروق صائحة بمرح: - ايوة كدة يازهيرة ياجامدة انتي.. اديهم على دماغهم . رد حسين : - خليكي في حالك انتي يامؤدبة. - حاضر قالتها بأدب لتعود محلها مدعية الخجل وابتسامة مستترة جعلت علاء يتسائل باستفسار: - هو في إيه؟ فردت زهيرة كفيها بقلة حيلة وأجابه حسين: - لا ياحبيبي ماتشغلش نفسك انت.. دا حوار كدة مابينا. اومأ برأسه: - حوار مابينكم!! اه تمام.. طب انا كلمت فجر وقالتلي انها داخلة المستشفى هنا .. هي لسة ماوصلتلش على كدة ولا إيه؟! ................................. - بتقولي مين ؟ هتف بها وهو ينهض عن مقعده خلف المكتب بعنف ليلتف حوله ويتابع : - هو انت بتهزري ولا بتتكلمي جد ؟ تنهدت قانطة وهي تحاول انتقاء كلماتها: - وانا ايه اللي هايخليني اهزر بس في حاجة زي دي؟ هو انت تعرف اني تافهة للدرجادي؟ هتف بغير تصديق: - مش تافهة يابنتي بس انا اصدقك ازاي ؟ وانتي جاية تقوليلي ان فاتن عايشة وكمان كانت متجوزة الدكتور منذر اللي كان شريكي في المستشفى اومأت رأسها بتعب: - انا عارفة انك مش مستوعب ودا حقك طبعًا.. بس انا بتكلم بجد.. دا انا لولا اني قابلتها بعيني في بيتها واتكلمت معاها وربنا ماكنت هاصدق.. ولو فرضًا كنت بكدب مثلًا هاتبلى ليه انا على راجل محترم زي الدكتور منذر حسب ماعرفت يعني عن سمعته؟ سقط على الكرسي المقابل لها امام المكتب وهي يردد بذهول: - انا طبعًا مابقولش عليكي كدابة.. انا بس مستغرب ايه اللي لم الشامي عالمغربي.. ومن ناحية سمعة الدكتور فهو فعلًا كان راجل محترم الله يرحمه وينضرب بيه المثل في الطهر والنقاء كمان.. ورغم انه كان دايمًا بيخبي حياته الخاصة عن الجميع.. بس احنا كان ظننا انه عشان ملتزم يعني.. لكن يطلع متجوز فاتن اللي اتضح انها مامتش.. بصراحة بقى دي حاجة ولا في الخيال . استراحت بوجنتها على كف يدها المستندة على طرف المكتب بتعب وهي تنقل نظراتها منه والى الطفلة الصغيرة وهي تلعب على أرض المكتب بألعابها.. ثم ما لبثت ان تعتدل بجلستها تتناول حقيبتها تبحث عن شئ ما وهي تقول: - بقولك إيه ياعصام.. انا عارفة انك لايمكن هاتصدق غير لما تشوف بعينك او تسمع بودانك صح؟ - صح ايه؟ رددها بعدم فهم وهو يراها تتناول الهاتف تضغط على أحد ارقامه ثم ردت على محدثتها في الجانب الاَخر: - الوو ياحبيبتي ازيك ... تمام بخير الحمد لله.... بقولك ايه طيب.. ماتاخدي تكلمي الدكتور عصام بنفسك....... مدت بيدها اليه تناوله الهاتف قائلة: - اتفضل اتأكد بنفسك . تحركت رأسه بالرفض القاطع : - لالالا انا مش عايز اكلم حد... انتي عايزاني اكلم مين اساسًا؟ صاحت عليه حازمة: - امسك ياعصام وبطل خوف بقى.. هي تاكلك في التليفون. تناول الهاتف بإيدٍ مرتعشة وخرج صوته باهتزاز ليفاجأ بصوتها الناعم الدافئ : - الوو ياعصام.. انت خايف ماتكلمني ولا إيه؟ سقط من يده الهاتف وكأنه حية على وشك ان تلسعه ونهض عن مقعده ينظر لفجر بأعين متسعة من الخوف والدهشة وصدره يصعد ويهبط بتنفس مضطرب.. تناولت هي الهاتف من على الارض قائلة بسخط: - ايه ياعم بترمي التليفون بقلب جامد كدة مش خايف لايتكسر - وهو بيرميلك التليفون ليه؟ التفت الاثنان على الصوت الخشن وصاحبه واقف على مدخل الباب المفتوح بيد الطفلة الصغيرة. اغلقت هي المكالمة سريعًا فردت بارتباك: - علاء! لا ياحبيبي دا بس وقع منه من غير ما يقصد..هو انت وصلت أمتى؟ ردد بوجه جامد قبل ان يتناول الطفلة يرفعها للأعلى ويقبلها: - انا حالًا واصل ياستي..والقمر دي هي اللي،فتحتلي باب المكتب.. ايه ياعم عصام الحلاوة دي جايبها منين بس؟ رد عصام بتشتت وهي يعود لجلسته خلف المكتب: - هاا... اه ياحبيبي اتفضل اقعد هنا على الكرسي الفاضي ده. جلس علاء وهو ينظر اليه بتفحص قبل ان يلتفت لفجر مستفسرًا: - دا ماله ده؟ مطت شفتيها واهتزت كتفاها تجيب : - معرفش انا ماله... اسأله انت؟ - أسأله انا !! قالها باستنكار قبل ان يتابع : - طب انتي جيتي هنا ليه؟ مش قولتي انك رايحة تزوري واحدة عيانة. ردت متناسية: - قولت لمين اني رايحة لواحدة عيانة؟ عاد بجسده لخلف المقعد ناظرُا اليها بتشكك مما جعلها تتدارك نفسها وتتذكر : - اااه.. انت قصدك على حسين وخالتي زهيرة.. معلش لو كنت نسيت.. انا فعلًا زورت واحدة زميلة هنا في الدور التاني وبعدها جيت هنا اسأل عصام عن حالة حسين واطمن يعني. - تطمني من مين؟ دا شكله مش معانا اساسًا او اكنه مضروب على دماغه .. عصاااام . قال الاَخيرة وهو يضرب بكف يده على سطح المكتب بقوة مماجعله ينتبه مجفلًا : - في ايه بس ياعلاء ياأخي مالك؟ رد ممازحًا: - هو انت بعد دا كله ولساك بتسأل؟ بقولك ايه يابني.. نصيحة كدة خد بالك من الأمورة الصغيرة لامها تشلوحك في المحاكم . تقبل مزاحه يرد بابتسامة: - لا ياسيدي اطمن... احنا واخدين اجازة اليومين دول من المحاكم اصل امها في رحلة لإيطاليا مع جماعة اصحابها.. شالله ماترجع تاني. غمغم الاَخيرة بصوت خفيض اثار ضحكات الاثنان . بعد مغادرة علاء وفجر.. ظل عصام على حالة الجمود والتشتت.. لايجد تفسيرًا لما يشعر به الاَن من وقت أن سمع صوتها وقد اصابته ارتجافة مفاجئة .. مع تسارع شديد في دقات قلبه.. وعقله يأتي بصورة وجهها وكأنه رأها الأمس وليس من عدة سنوات !! رواية عينيكي وطني وعنواني. بقلم أمل نصر. الفصل السابع والثلاثون بداخل السيارة وهي جالسة في الأمام بجواره كانت مستندة برأسها لخلف المقعد تنظر من نافذة السيارة للطريق الخارجي واليه مع ترديدها لكلمات الأغنية التي يصدح بها مذياع السيارة.. وهمسلي قالي الحق عليه نسيت ساعتها بعدنا ليه فين دموع عيني اللي مانامت ليالي . بابتسامة من عيونه نساهاني . أمر عذاب واحلى عذاب، عذاب الحب للأحباب ماقدرتش اصبر يوم على بعده ماقدرتش اصبر يوم على بعده دا الصبر عايز صبر لوحده. كان يقود السيارة هو مندمج معها ومع صوتها الرقيق ومعاني الكلمات الموجهة اليه وهي خالصة بالعشق.. رفع كف يدها يقبلها بحب قائلًا : - ربنا مايحرمني منك يارب. تنهدت قائلة بصوتٍ كخرخرة القطة: - انا بحب الأغنية دي قوي ياعلاء عشان بتعبر قوي عن اللي جوايا ناحيتك.. انا فعلًا مااقدرش اصبر يوم على بعدك ولا حتى دقيقة احس فيها بجفاك.. يعني لو حصل. ضغط بكفه المطبقة على كف يدها يضعها على ركبته متأوهًا : - بس بقى الله يخليكي كفاية كدة انا مصبر نفسي بالعافية.. مش كفاية عملة الزفت حسين اللي هاتخليني انتظر فرحي عليكي شهور تاني.. كنت ناقصه انا ده . ضحكت بدلال وهي تزيح بكف يدها الحرة خصلات شعرها المتطايرة على وجهها بفعل الهواء. - ياسلام يعني لدرجادي انت مستعجل على جوازنا؟ ترك الطريق لينظر اليها ويحدثها بصدق: - اوي يافجر.. نفسي اليوم دا يبقى امبارح مش بكرة ولا النهاردة.. نفسي اغمض عيني وافتحها الاقيكي معايا في بيتي ومعانا اولادنا.. انا مقدرش اوصفلك إحساسي كان إيه لما شوفت بنت عصام النهاردة.. قلبي رفرف جوا ضلوعي وانا بتخيل انها تبقى بنتنا انا وانتي.. حتة منك وشبهك.. ياه ياجدعان امتى دا يحصل؟. تبسمت بمرح قائلة : - بس بنت عصام دي حلوة زي الخوجات.. لكن انا ياعم على قدي . التف اليها محذرًا : - مين دي اللي على قدها.. اثبتي مكانك طيب بدل ما اتعصب عليكي.. لو بنت عصام قمر فاانتي قمرين وبنتنا هاتبقى تلت قمرات في بعض عندك اعتراض بقى؟ قهقهت ضاحكة تقول: - طيب انا كنت عايزة اسألك بقى مدام عجباك لدرجاك كدة زي مابتقول.. ايه اكتر حاجة شدتك فيا؟ التف اليها مجيبًا دون تفكير: - عنيكي. هزت رأسها قائلة بوجه متورد يشع بالسعادة: - اشمعنى عيوني بقى؟ افهم .. اصل انا طول عمري شايفاهم عادين يعني.. مش زي عيون شروق مثلًا لونهم العسلي بيلفت النظر خصوصًا في الشمس. كان قد وصل الى وجهته فاأوقف السيارة أمام البناية التي تضم شقتيهم.. نظر اليها محدقًا بعيناها يرد: - مش موضوع لونهم ولا شكلهم ايه؟ الموضوع اني اول ما بصيت فيهم حسيت وكأن فيهم رابط بيربط مابينا.. فيهم حاجة بتشدني ليكي زي المغناطيس.. فاكرة لما قولتلك بلاقي فيهم راحتي وقولت كلام كتير تاني عنهم.. انا مكدبتش في حرف يافجر.. انا عندي استعداد اقعد بالساعات وانا مركز فيهم واقرا كل لفته منهم.. وعمري ما امل.. عيونك المرسى اللي رست عليه مراكبي بعد شقا سنين طويلة يافجر. فغرت فاهاها واغلقتها عدة مرات حتى خرج صوتها اَخيرًا : - طب انا اقول ايه دلوقت قصاد كلامك الحلو ده؟ انا حاسة اني لو حاولت اردلك هاطلع حمارة وش قدام رومانسية المعلم علاء .. انت بتجيب الكلام دا منين؟ صدحت ضحكته الرنانة : - الكلام بيخرج من قلب المحب من غير تفكير ولا تركيز.. ياقلب علاء. بقلب يضرب بالسعادة داخل صدرها لوحت بكفها قائلة: - كفاية والنبي.. خليني استوعب شوية شوية الكلام الحلو ده بعد نشفان وشد اعصاب الأيام اللي فاتت .. عشان ما يغماش عليا قدامك دلوقتي. قرب وجهه منها يقول بحنان: - سلامتك ياعمري من أي سوء.. انا عارف اني مقصر معاكي عشان الظروف اللي طبت علينا فجأة.. بس وعد عليا.. كل ده هايتعوض الأيام اللي جاية. هتفت بلهفة : - بجد ياعلاء.. يعني هايبقى فيه كلام حلو زي اللي قولتوا دلوقتي؟ تنهد باضطراب أمامها محدقًا بها بصمت وملامح مبهمة غير مفهومة وهي منتظرة الإجابة ثم مالبث ان قال: - بقولك إيه يافجر.. قومي الله يرضى وخلينا نكمل كلامنا بعدين عشان بس مانعملش فضايح . تسائلت باستفسار وحسن نية: - فضايح ليه؟ هو احنا بنعمل حاجة غلط ؟ رد مقررًا بتأكيد : - انا اللي هاعمل لو ماقومتيش من قدامي دلوقتي على طول.. يبقى اتحملي انتي اللوم لو والدك ولا حد من الجيران ظبطني وانا بحضنك او....... - لا وعلى إيه؟ سلام ياعم . قالتها بعجالة وهي تترجل من السيارة هاربة اثارت ضحكته المرحة مرة أخرى. اعتلت الدرج وقلبها يقفز من السعادة معها وهي تستعيد كل لفتة وكل همسة منه.. تغزله لعيناها ولهفته عليها ونظراته المشبعة بالعشق.. ولكنها توقفت فجأة وكأنها استفاقت من سكرة عشقه.. ليصدح هذا الصوت بداخلها: - ياترى لو عرف فاتن عايشة هايفضل على حبه ولهفته دي ولا هايحن لحبه القديم؟ تنهدت بأسى تكمل اعتلاء الدرج وقد ذهب عنها مرح اللحظة وعاد اليها هم القادم . ................................... بداخل المدرسة محل عملها كانت جالسة مع صديقتها في ركن وحدهم تحت ظلال إحدى الشجيرات يتحدثن كالعادة في الموضوع الملح: - ماتقولي يابت رديتي وقولتي ايه ؟ زفرت سحر تشيح بوجهها عنها: - يووه عليكي يافجر ماقولتلك موضوع وخلص.. لزوموا ايه بس الرغي . هتفت عليها حانقة: - لزوموا ان الراجل بيكلمني ويتصل بيا عشان اقنعك.. هو في ايه بالظبط؟ انا حاسة ان الموضوع اكبر من حكاية سفرك معاه. التفت اليها تنظر صامتة باعين خاوية مما جعل قلب فجر يسقط في صدرها: - ايه اللي حصل ياسحر ؟ وليه الحزن دا اللي انا شايفاه في عيونك؟ هو غلط فيكي ولا خانك ولا إيه بالظبط؟ ردت بصوت منكسر: - مخانيش ولا غلط فيا بس انا قولتلك احنا ماننفعش لبعض.. انا أبلة وروحي في مناخيري وهو حلو ومتشيك تليقله واحدة زيه صغيرة تدلعه ويفتخر بيها. لكزتها بقبضتها على ذراعها: - بت انتي انا مش ناقصة اللغاز.. طلعي اللي جواكي واحكي ايه اللي حصل بالظبط؟ صدح هاتف فجر فجأة ليقطع تركيزها في التفكير لمعضلة صديقتها.. زفرت بغيظ وهي تنظر في اسم المتصل: - اسمعي اما اقولك لينا قاعدة نرغي فيها وتحكيلي كل اللي جواكي.. لولا ان اني بس مش ورايا حاجة مهمة دلوقتي.. لكن والنعمة ماهسيبك ياسحر.. سامعة . نهضت عن المقعد ترد على الهاتف بعد أن توعدت صديقتها: - الوو........ ايوة ياعصام ...........تمام حاضر هاتصل بيها ونيجي على طول ماتقلقش انا عارفة العنوان. بعد ان ابتعدت بمسافة كافية وسحر تتابعها بعيناها بشرود اجفلت فجأة على اهتزاز المقعد بجوارها يشير لجلوس احدهم .. وبمجرد التفافاها الى الجالس تفاجأت به يحدثها: - انا اسف لو فاجئتك او ازعجتك.. بس انتي ممكن تسمعيني الأول . ضيقت عيناها متسائلة: - اسمعك في إيه بالظبط ياأستاذ عبد الله؟ .................................... وفي مكان اخر كان حسين على سريره الطبي يحاول جاهدًا بيده السليمة ان يتناول منديل ورقي من العلبة الموضوعة على الطاولة القريبة منه.. يستحي ان يوقظ والدته التي غفت بجواره على المقعد الجلدي ولا يريد النداء على الممرضة.. انتابته رغبة ان يصل الى العلبة بنفسه دون المساعدة من أحد ولكنه كلما حاول ان يرفع جسده تألم بشدة.. تكررت المحاولات وفي كل مرة كان يسقط متنهدًا بتعب حتى كاد ان يفقد الأمل.. ليفاجأ في المرة الاَخيرة بشهقة انثوية وصوتها يصدح: - انت بتعمل ايه ياحسين؟ انتفضت زهيرة من نومتها وكادت ان تستيقظ فلاحقها حسين : - نامي ياأمي ماتقلقيش دي شروق بتهزر . عادت زهيرة لنومتها ودلفت شروق للداخل بخطوات خفيفة.. هتف عليها حسين ضاغطًا على اسنانه بصوت هامس: - مش تخلي بالك ياشروق.. دا انا مصدقت عيونها غفت من لطعتها جمبي طول الأيام اللي فاتت. تقربت منه قائلة بأعتذار: - معلش اسفة بس انا بصراحة لما شوفتك قلقت.. هو انت كنت بتعمل ايه؟ رد بصوت خشن : - انا كنت عايزة اوصل لعلبة المناديل اللي هناك دي.. بس مدام انتي جيتي اتفضلي يالا هاتيلي منديل . حينما تناولت المنديل اردف بأمر: - اتشطري بقى وامسحي العرق اللي على وشي كمان. همت لتنفذ امره ولكنها ارتدت فجأة قائلة بتوجس: - حسين.. اوعى تكون دي لعبة من الاَعيبك؟ قال متصنعًا الغضب: - الاعيب إيه وزفت إيه؟ في ايه شروق هو احنا هانهزر؟ تخصرت مدافعة: - اه الاعيب ولا انت نسيت امبارح.. لما قولتلي اشوف عينك اللي اتطرفت عملت ايه؟ رد بابتسامة خبيثة: - عملت ايه؟ ماتفكريني بقى عشان انا مش فاكر. قالت بابتسامة ازدادات اتساعًا تخفي خجلها: - ياسلاااام... يعني نسيت لما شدتني بدراعك السليم ده لحد اما اترميت عليك و....... لعب حاجبيه قائلًا بابتسامة عبثية: - وايه؟! ماتقولي.. ولا تيجي نعيد من تاني . لكزته بقبضتها على دراعه السليم هاتفة بضحك: - بس بقى قلة ادب اومال لو مكنتش مدشدش كنت عملت إيه؟ تأوه متألمًا : - اه ياني يامّا.. دراعي يامجنونة. صدح صوت زهيرة خلفهم : - مالوا دراعك ياحبيبي.. عملتلك ايه البت دي؟ وضعت كفها على فمها بإحراج غير قادرة على الإلتفاف نحو المرأة فرد حسين بجدية مصطنعة: - مافيش حاجة ياامي دا انا بس بهزر مع شروق. - كدة طب تمام يانور عيني.. ربنا يهنيكم ببعض.. بس ياريت والنبي توطوا صوتكم شوية عشان اعرف انام يعني. قالتها بنبرة تنضح بالخبث جعلت حسين يضحك من قلبه متشفيًا في شروق التى تسمرت محلها تكاد أن تموت من الخجل ووجهها اصبح كقطعة الفراولة من الإحمرار. .............................. - انا عارف انك متفاجئة وتلاقيكي مستغرباني كمان؟ بس بصراحة انا مصدقت اتشجع عشان اكلمك.. خصوصًا لما عرفت بموضوع فسخ خطوبتك مع الجدع البقف ده . - بقف! تفوهت بها مجفلة وقبل ان تتابع وجدته يقاطعها: - ارجوكي سيببني اكمل كلامي ياسحر. - سحر!! حاف تمتمت بها داخلها باستنكار وهي تستمع الي باقي حديثه: - اكيد انت عارفة او حسيتي من طريقة معاملتي ليكي ان معجب من زمان ونفسي اتقدم.. بس طبعًا كنت متردد عشان يعني كنت خايف لترفضيني عشان شكلي.. رغم اني في اوقات كتير كنت بحس بإعجابك بيا من خلال نظراتك او تلميحاتك بالكلام . اشارت بسبابتها نحوها بجزع : - انا كنت معجبة بيك وبلمح بالكلام؟ باغتها فجأة وهو يتناول كف يدها قائلًا : - مش مهم ياسحر ان كنتي لمحتي ولا لأ.. المهم اني فوقت لنفسي اخيرًا واتشجعت وفاتحتك.. فاضل بقى انك تتشجعي انتي كمان وتعترفي باللي جواكي .. بأنك متقبلاني رغم اني شكلي يعني على قدي مش زي الجدع دا اللي فاكر نفسه ولا نجوم السيما وهو مايسواش قشر بصلة. - قشر بصلة !! غمغمت بها مصدومة قبل ان تفاجأ بالأستاذ عبد وهو يرفع من ياقة قميصه وصوت رجولي خشن محمل بالغضب: - مين ياض اللي مايسواش قشر بصلة ؟ هتفت بجزع: - يانهار اسود رمزي.. سيبه يا رمزي. لوح بسبابته محذرًا نحوها : - اخرسي انتي مااسمعش نفسك خالص.. وانت ياض.. لساك ماسك في ايدها؟ سيبها ياض بدل ما اقطعلك ايدك دي. قالها وهو يفلت كفه عن كفها عنوة فصاح عبد الله: - وانت مالك انت يابارد.. هي مش خلاص فسخت خطوبتها منك.. ماتسبيها بقى تشوف حياتها مع الإنسان اللي بتحبه. شهقت سحر بغيظ من كلمات عبدالله لتفاجأ برد فعل رمزي القوي وهو يهتف: - بقى انا بارد وهي بتحبك انت ؟ طب دافع بقى ياشاطر عن حبها ليك . ثم طرحه ارضًا ليكيل لها باللكمات وسحر تهتف لتركه خوفًا على الاثنان ودرءًا للفضائح رغم انتشاءها بكل ضربة يتلقاها عبدالله بعد افتراءه عليها ......................................... على منضدة خشبية صغيرة بإحدى الإندية الخاصة بعلية القوم كان جالسًا يراقب صغيرته التي تلعب حوله مع أقرنائها من الاطفال.. منتظرًا بشرود اللقاء المرتقب.. لا يصدق حتى الاَن ان تكون حقيقة.. لقد مرت سنواتٍ طوال منذ الحادثة المأساوية التي ظلت عالقة بذهنه دون ان يتمكن من تخطيها والنسيان.. وكانت السبب الرئيسي لتحوله من آنسان عابث الى دكتور جاد لايلتفت سوى لمستقبله والمحافظة على ارث والده الذي كاد ان يفقد صحته حزنًا على اصابة ابنه وحيده.. هذه الإصابة التي نتجت عن الحادثة وجعلته يتأخر في مساعدتها وهو يثق تمام التقة في برائتها وطهارتها. - في مكان نقعد جمك يادكتور ؟ رفع رأسه على مصدر الصوت فارتد بمقعده للخلف مجفلًا لاتصدق عيناها رؤيتها.. رغم النظارة السوداء التي اكلت نصف وجهها لكنه عرفها.. ملفحة بحجاب طويل على ملابس عصرية ذو ماركات غالية يعلمها هو جيدًا .. وجهها الأبيض ازداد صفاءً ونضارة اكثر من ذي قبل مع ابتسامة رائعة زادته اشراقًا كما اظهرت النظارة الشمسية رقيًها ونضجها.. وتحمل بيدها طفلًا اكبر من ابنته بقليل ولكنه اجمع بين صفات ابيه الشكلية وجمال والدته .. طرقت فجر بقبضتها على المنضدة بقوة: - هاتفضل متنح لها كدة كتير مش ناوي بقى تقولنا اتفضلوا . نفض رأسه وهو ينهض عن مقعده بارتباك: - ااه طبعًا اتفضلوا ياجماعة. مدت اليه كفها الحرة بابتسامتها المعهودة - طب مش تسلم الأول يادكتور. مد كفه المرتجفة يصافحها بتوتر : - أهلًا بيكي يا فاتن... انتي عاملة إيه؟ - انا كويسة والحمد لله.. انتي اللي ايدك باردة اوي واكنك عيان . قالتها وجلست على الفور مع ابنها .. نظر هو لكفه التي صافحتها للتو صامتًا ولكنه اجفل على صوت فجر التي هتفت عليه: - انا واقفة على فكرة قدامك لسة.. ولا اقولك اقعد احسن مش وقت سلام لم يرد على مزحتها بل أكتفى ان يجلس على مقعده أمامهم وهو مازال مأخوذًا برؤيتها تكلمت فاتن بمرح: - انت لسة برضوا مش مصدق ان انا اللي قاعدة فصادك؟ - بصراحة متأخذنيش دي حاجة ولا في الخيال.. خصوصًا كمان لما عرفت انك كنني متجوزة الدكتور منذر .. يعني قرببة من دايرتي وانا اللي بقالي سنين بضرب اخماس في اسداس عن مصيرك المجهول. خبئت ابتسامتها وهي تتنهد قانطة قبل ان ترد: - عندك حق فعلًا.. اللي حصل كان اكبر من اي استيعاب او اي منطق.. بس الحمد لله ربنا وضع في سكتي اللي ياخد بإيدي وينجدني.. بس انا عمري مانسيت جميلك معايا ياعصام. ضيق عيناه متفكرًا : - جميل ايه بالظبط؟ انا مش فاكر حاجة . أجابت ممتنة: - يمكن انت متكونش فاكر.. بس انا لايمكن انسى اللحظة لما..... توقفت قليلًا متأثرة بذكرة الماضي ثم اردفت: - لما دخل علاء واشتغل ضرب فيك وانت كل اللي على لسانك فاتن شريفة وملمستهاش.. اتحملت الضرب وانت بتدافع عني في اضعف اوقات حياتي من غير ماترد بضربة واحدة على علاء اللي سابك في الأرض سايح في دمك.. وانت برغم كل اللي فيك كنت رافض مني المساعدة او انقذك.. دا انت حتى فضلت تنتظر والدم بينزف من دماغك.. مش راضي تتصل بحد ينجدك غير بعد ماانا امشي عشان ماتضرش بسمعتي.. كان اهم حاجة عندك انى افضل مستورة ومانفضحش . ظل ساهمُا بحديثها وهو لا يجد مايرد به عليها وكيف يرد وهذه الحادثة حاضرة في ذهنه كأنها حدثت أمس وجرحهها مازال ينزف بداخله.. صفقت فجر بكفيها لتفيق الاثنان: - اصحوا ياجماعة اللي فات راح وعدى خلينا في الحاضر .. وشوفوا اجتماعكم النهاردة على ايه من بالظبط. انشق ثغره بابتسامة مضطربة وهو ينظر نحو الطفل الصغير ليغير دفة حديثهم: - بسم الله ماشاء صحيح.. ابنك جامع في الصفات اللي هاتخلي البنات تجري وراه لما يكبر. ابتسمت بإشراق قائلة وهي تنظر نحو الطفل: - دي حبيبي دا ابن عمري .. عبد الرحمن هدية والده ليا قبل ما يتوفاه ربنا. - ربنا يخليهولك يارب ويرحم الدكتور منذر.. دا كان من احسن الناس خلقًا والله حتى في شراكته معانا كان في منتهى الإخلاص والتفاني . تبسمت ترد على كلماته : - اه شركته ليكم.. جينا بقى للمهم.. عشان انا كنت عايزة اتكلم معاك في الموضوع ده. اومأ برأسه: - حقك طبعًا.. انا جايب معايا النهاردة كل حسابات الشهور الي فاتت.. دا غير طبعًا اني عايزك تطلعي على كل التطورات اللي حصلت في الفترة دي وخصوصًا قسم الدكتور منذر... قاطعته فجر. - بس بس ياعم انا معنديش دماغ للتفاصيل بتاعتكم دي.. ايه رأيكم اخد عبد الرحمن ونروح نلعب مع الأمورة نانيس بنتك.؟ نهضت من جوارهم لتعلب مع الطفلان بحرية وسعادة متناسية الزمان والمكان حتى اتاها اتصاله فردت ضاحكة: - الوو ياحبيبي عامل ايه؟ اتاها صوته الغاضب : - انتي فين يافجر؟ ردت مرتبكة : - يعني هاكون فين يعني رحلت مثلًا ؟ هو انت بتسأل عليا ليه؟ وصلها صوت زفره طويلة وحادة قبل ان يهتف بغضب: - عشان انا روحتلك مدرستك وسألت عليكي قالولي خرجت من يجي ساعتين وفي البيت مش موجودة وعند حسين وشروق في المستشفى برضوا مش موجودة.. قاعدة فين يافجر دلوقتي ؟ جاوبيني حالًا . الفصل الثامن والثلاثون ارتبكت من حدته المفرطة في الحديث اليها حتى كادت ان تقول الحقيقة وتذكر اسم فاتن وعصام.. ولكنها تداركت نفسها فخرج صوتها بتلعثم : - انااا عند واحدة صاحبتي تانية غير سحر.. بزورها في بيتها عشان عيانة. وصلها صمته قليلًا قبل ان يسألها بريبة : - صاحبتك دي اسمها ايه يافجر؟ ردت كاذبة بأسم واحدة أتى على رأسها فجأة: - مدام نور...ااا هي مش أستاذة خالص على فكرة معانا في المدرسة.. عشان تعرف يعني . - امممم. تابع بنبرة هادئة بشكل عجيب: - طب خلصي مشوارك يافجر وياريت متتأخريش . اومأت بلهفة : - طبعًا طبعًا.. ححاول متأخرش ياحبييي . قال منهيًا المكاملة:. - تمام يافجر وانا منتظرك عشان تحكيلي.. سلام بقى. بعد ان انهاء المكالمة تنفست الصعداء وهي تشعر اخيرًا بدخول الهواء الى صدرها.. فقد وترتها مكالمة علاء الغريبة بشكل مخيف.. وانتابها شعور القلق بشدة فهي لم تعهد هذه الحدة قبل ذلك من علاء خطيبها الحنون على الإطلاق. التفت لتعود للأطفال بعد ان انشغلت عنهم بمكالمتها مع علاء.. ولكنها لم تجدهم.. جالت بعيناها تبحث عنهم في جميع الأنحاء وهي تُنادي بأسماءهم: - نانيس.. عبد الرحمن.. نانيس .. بيدوا ..ياولاد انتوا فين؟ سقط قلبها عند أقدامها حينما رأت الكرة الصغيرة التي كانت تتلاعب بها معهم بعد ان ابتعدوا عن طاولة فاتن وعصام بمسافة طويلة عنهم.. وبدأت تردد بصوت مرتعش وتبحث عنهم بتشتت : - يابيدوا .. ياناني .. يانهار اسود انتوا روحتوا فين وسيبتوني .................................. خرجت شروق من الباب الخارجي للمشفى لتستقل احدى سيارات الأجرة للعودة لمنزلهم بعد انهت زيارتها اليومية لحسين والإطمئنان عليه.. ابتسمت بخفة وهي تتذكر مناوشاته لها وهذا الجزء الخفي من الشقاوة لديه.. والذي لم يظهره لسواها ومكره الدائم للأيقاع بها رغم حالته الصحية واصاباته العديدة ولكنه استطاع بدهائه عدة مرات خطف القبلات واللمسات الجريئة منها متعللًا بأنه زوجها حتى لو كان طريح الفراش.. والغريب انها في كل مرة تأخذ حذرها منه ومع ذلك ينجح بألاعيبه معها . اعتلت الرصيف القريب من المشفى تشير بيدها لسيارات الأجرة امامها.. ولكن شتت انتابهها هذا الصوت المتكرر والذي تجاهلته عدة مرات حتى التفتت نحو المصدر حينما ازداد علوه.. وجدت امرأة ترتدي عباءة سوداء واقفة بمدخل إحدى الشوراع الضيقة و تغطي على نصف وجهها بطرف حجابها القصير وهي تشير لها بيدها : - بس بس تعالي. اومأت بسبابتها نحو نفسها ترد: - انت بتشاوريلي أنا؟ أجابت بصوت خفيض: - ايوة انتِ ياشروق.. إيه مش واخدة بالك مني؟ - شروق! رددت خلفها وهي تميز بحة الصوت والشبه الذي ليس غريبًا عنها.. تحركت بخطواتها حتى اقتربت منها على مدخل الشارع فسألتها وهي تدقق النظر بها: - انتِ نيرمين صح؟ اومأت برأسها وتكلمت بانكسار : - انا عارفة انك مستغرباني دلوقتي.. بس انا خايفة اكشف وشي لايشوفني ادهم ولا علاء ابنه وانا مش ناقصة. سألتها بحيرة: - مش ناقصة إيه؟ ثم انتِ موقفاني ليه بالظبط وانتِ هربانة من يوم حادثة حسين وماحد عارف مكانك فين؟ تلجلجت قليلًا ثم قالت بتماسك: - ممماهو ماهو انتِ ماتعرفيش ياشروق باللي عمله ادهم معايا عشان اهرب.. دا كان بيشك فيا وفي الاخلاقي من غير سبب لحد اما هجيت طفشانة.. بس انا تعبت وكنت عايزاه يسامحني عشان أرجع. - عايزة ترجعيلوا يعني طب وانا مالي؟ سألتها فحركت الأخرى رأسها يمينًا ويسارًا وخاطبتها: - طب بقولك إيه.. ماتيجي معايا نقعد في أي حتة كدة عشان افهمك . هزت رأسها رافضة: - اسفة معلش انا يدوب اروح تحايلت بإصرار: - طب حتى ادخلي لجوا الشارع شوية لاحسن حد يوصل فجأة منهم.. دول بس كلمتين عالواقف عايزاكي تبلغيهم لأدهم عشان يرجعني. زفرت متأففه وهي تسلتسلم لسحبها لداخل الشارع الضيق وقبل أن تبتعد هتفت برفض: - خلاص كفايه هنا قولي بقى واتكلمي اديكي اداريتي شوية عن مبنى المستشفى . وقبل أن تتفوه نيرمين بكلمة تفاجأت شروق ييد كبيرة تلتف حولها والأخرى تكمم فاهها بمنديل ابيض ذو رائحة نفاذة حاولت مقاومتها ولكنها لم تستطع الصمود أكثر من دقائق حتى ارتخت أعصابها ولم تعد تشعر بما حولها على الإطلاق. ................................... تذرف الدمعات بدون توقف والقلق يأكل قلبها على الطفلان مع شعور بالحرج يكاد ان يفتك بها وهي لاتقوى على النظر بأعين عصام الذي انلطلق مع عمال النادي والموظفين في رحلة البحث عن الطفلين وفاتن قريبًا منها على إحدى المقاعد تبكي وتنوح اختفاء طفلها وبجوارها مجموعة من النساء أعضاء النادي يواسينها بعدة كلمات مطمئنة بقرب العثور على طفلها فلا احد يدخل ولا يخرج من النادي غير معلوم بالإضافة للكاميرات الموضوعة في مدخل النادي وخارجه. - اه يابني ياترى انت روحت فين بس؟ ردت عليها إحدى النساء: - يامدام اطمني مدام الكاميرات ماسجلتش خروجهم من البوابة يبقى أكيد هنا في النادي. قالت ببكاء: - بس انا قلبي هايوقف من الخوف عليه.. خايفة ليكون جراله حاجة هنا كمان جوا النادي دا مساحته كبيرة والأطفال ما بيفرقش معاها اي حاجة عشان تجربها. واستها المرأة الأخرى : - تفائلي يامدام وخلي إيمانك بربنا كبير. - ونعم بالله.. انا بس لو اعرف اختفوا ازاي كدة ؟ وجهت السؤال نحو فجر التي اشاحت بوجهها عنها بصمت وهي تتمنى الموت على أن يصيب الأطفال السوء.. انتفضت فجأة على صرختها باسم طفلها وهي تنهض من مقعدها مسرعة.. التفت فجر للأمام فوجدت عصام وهو يحمل الطفلان ابنته وعبد الرحمن الذي اختطفته والدتها لتعانقه بلهفة وشوق.. - انت لقيتهم فين ياعصام؟ سألته فجر بعد ان استقامت واقفة فأجاب هو بنبرة مرحة : - لقيتهم تحت الطرابيزة مستخبين ياستي في نفس المكان اللي كنتي بتعلبي فيه معاهم.. العفريتة بنتي بقى حبت تعمل فيكي المقلب اللتي بتعملوا معايا على طول وجرجرت ابن فاتن معاها ياعيني . - يعني كان مقلب من العيال وانا شربتوا! قالتها بصدمة لتسقط مغشيًا عليها بعد ذلك ............................ بداخل السيارة التي يقودها كانت نيرمين جالسة في المقعد الخلفي مسندة راس شروق الفاقدة للوعي على كتفها بسبب ما تنشقته. - طب انا كدة عملت كل اللي قولت عليا.. هاتنفذ وعدك بقى معايا ولا هاتخلى بيا؟ سألت وكان رده بحماس: - اطمني يانيرمين.. هو اَخرهم يوم ولا يومين بالكتير وهاتسافري معايا بلد جديدة انا جهزت كل حاجة. - طب دي هاتعمل فيها إيه؟ وليه أصريت على خطفها أصلًا؟ لزمتها إيه معانا؟. سألته بالإشارة الى شروق رد هو بابتسامة ذئب وعيناه في المراَة عليها : - هاعمل نفس اللي عملته من عشر سنين يانرمين.. وبعدها هي تختار بقى ياتيجي معايا ياتتحمل اللي هايحصل معاها.. وفي الحالتين هابقى انتقمت من حسين سبب كل البلاوي اللي حصلت معايا.. ويبقى يوريني هايرفع راسه ازاي قدامي بعد كدة بعد مااكون علمت عليه.. مش قولتلك مدام خربانة يبقى اَخد حقي صح. اومأت برأسها وهي تزدرد ريقها خوفًا منه ومن عقليته السامة.. لقد تجاوز بفعله فكر الشيطان نفسه. بعد عدة دقائق سألته وهي تلف رأسها للخلف: - على فكرة ياسعد في عربية ماشية ورانا من ساعة ماتحركنا. - عربية ايه؟ وماقولتيش ليه من الاول عليها؟ - التاكسي اللي ورانا على طول دا ياسعد.. انا بس مستغربة انه مافرقناش نهائي. دقق النظر في مراَته الخلفية الى ما تشير إليه وهو يبطئ السير فاحتدت عيناه بغضب وهو يزيد من سرعته: - دا مش تاكسي عادي يابت الهبلة.. دا الواد مازن ابن صاحب الخبز جارنا راكب فيه.. اكيد شافنا ابن الوارمة وفهم. شهقت عاليًا مخضوضًا : - يعني احنا كدة متراقبين؟ انت بتقولي فيها؟ الله يخرب بيتك وبيت سنينك ياشيخة دا...... ايه ده؟ قطع جملته وهو ينظر الى السيارة التي ظهرت أمامه فجأة ليتابع بهلع: - ياولاد ال...... دول عاملين عليا كماشة! هتفت بجزع هي الأخرى من الخلف: - تقصد ايه انا مش فاهمة حاجة؟ - عربية علاء دي اللي جاية من بعيد علينا.. دا باين الزفت مازن بلغه صاح بها وهي خبطت على وجنتيها بكفيها : - يانهار اسود.. دا انا كدة روحت في خبر كان.. ادهم مش بعيد يقطع من لحمي نساير لو عرف باللي حصل.. مش كفاية انه عرف بتاريخي معاك. - بطلي ندب بقى وسبييني اتصرف انا مش ناقصك. قالها من تحت أسنانه وهو يفتعل حركة غير محسوبة بسيارته حينما غير وجه سيرها للجهة العكسية متحديًا قوانين السلامة والمرور كي يفلت من الاثنان.. مما جعل علاء يزوم عليه بداخل سيارته مطلقًا وابل من الشتائم النابية نحوه.. فزود سرعة السيارة هو الاَخر وغير طريقه سيره للحارة الأخرى من الطريق كي يتمكن من ملاحقته.. ومازن الذي توقفت سيارته بوسط الطريق كان يتصل بإدارة المرور.. بناءًا على توجهيات علاء المتابع معه على الهاتف.. مبلغًا عن الخاطفين وأوصافهم مع ارقام اللوحة الخلفية لسيارتهم وشكل المخطوفة. ................... فتحت سميرة باب شقتها متأففة من صوت الجرس المستمر بإزعاج وهي تهتف: - ماخلاص اديني وصلت عشان افتح ..هو انا كنت واقفة على الباب يعني؟ يانهار اسود البت جرالها إيه؟ قالت الاَخيرة وهي تضرب على صدرها شاهقة حينما رأت ابنتها وهي مستندة بإعياء على جسد علاء الذي كان محاوطها بذراعه حتى لا تقع ورد على سميرة: - مش وقته دلوقتي ياخالتي خليني ادخلها الأول وافهمك اللي حصل. - اتفضل يابني البيت بيتك.. هو انت غربب. قالتها سميرة وهي تنزاح عن الباب بجسدها ليدلفا لداخل الشقة .. غمغمت تدلف خلفهم: - اموت واعرف بس المصايب مش ساييانا ليه؟ هو احنا كنا طلعنا القمر بس ولا إيه ياربي بس. قال بحزم: - احمدي ربنا ياخالتي دا احنا ربنا نجدنا. ردت بريبة على كلماته: - الحمد لله يابني بس هو إيه اللي حصل؟ بعد ساعة كان المنزل صاخب بالأصوات الساخطة والعالية بعد أن قص علاء جميع ماحدث من وقت أن اخبره مازن برؤية شروق ترفع مغيبة عن الواقع لداخل السيارة الغريبة ثم ملاحقته هو لهم وبعض أفراد الشرطة حتى يأس المجرمون فتركوا السيارة ومن بداخلها ليتمكنوا من الهرب. صاحت سميرة : - منه لله اللي يأذي الولايا.. بس انتي يابنتي ايه اللي يوقفك مع واحدة غريبة ومتلمتمة.. مخك راح فين بس؟ قبل أن تجيبها شروق وهي متلحفة بغطاءها على الكنبة وسط الصالة داخل أحضان زهيرة القت نظرتها نحو علاء الذي وصاها بعدم ذكر اسماء الخاطفين حرجًا من ابويها لما كان يمثله الإثنان بقربهم منه ومن عائلته فردت بصوت ضعيف: - معلش ياماما.. هي كانت غلطة وربنا ستر . شددت عليها زهيرة: - الف حمد وشكر ليك يارب انه نجاكي..حد عارف ولاد الحرام دول من انه بلد. تكلم شاكر بغضب: - بس انا مش هاستريح ولا يهدالي بال غير لما يتقبض عليهم ولاد الكل.... دول.. هي سرقة بنات الناس وفي وسط الشارع كدة هينة؟ دول باينهم فجرا ولاد ال...... ازدرد علاء ريقه الذي جف وانسحبت الدماء من وجهه وهو يومئ برأسه.. وبداخله يتمنى الأرض ان تنشق وتبتلعه ولا أن يعرف شاكر الحقيقة.. أجفل على صوت ابيه الثائر وهو يدلف لداخل المنزل: - وشرفي أنا ما هاسكت على اللي حصل ده.. مش مرات ابن الحج ادهم المصري اللي يتعمل معاها كدة.. هي العيال دي خابت ولا إيه؟ تركه علاء يلقي بكلماته الغاضبة وهو يرمقه بصمت في انتظار انتهاءه من مناقشاته معهم ثم طلب منه الجلوس على انفراد في شقته بعيدًا عن الجميع. .................................. ياولاد الحرام قالها ادهم وهو يشتد بجلسته على المقعد وقد ارتسم الذهول مشوبًا بالغضب على وجهه.. فتابع : - مااتصلتش بيا ليه وقتها عشان الحقك انا والرجالة ونعرف نجيبهم ولاد الهرمة دول؟ دا انا كنت عاجنتهم عجن. رد علاء وهو مستند بوجنته على اطراف اصابعه بسأم: - هو دا كل اللي هامك.. انك تمسكهم وتعجنهم! مش هامك منظرنا قدام الناس لما يعرفوا ان الحركة الواطية دي عملها صاحب ابنك ومراتك انت معاه؟ - يعني هانعمل إيه بس؟ ماهو دا حظنا بقى اننا وقعنا مع ولاد حرام قالها ادهم وهو يزفر بتعب وأحباط.. فقال علاء وهو ينظر امامه بشرود: - انا كنت في نص هدومي دلوقتي وانا وسط الجماعة وهما بيقرروني لاكون شفت الخاطفين.. حمد لله شروق التزمت بوعدها معايا ومااتكلمتش.. بس القضية شغالة وانا معرفش هقدر اخبي لحد امتى؟ تفاجأ بكف أبيه وهو يربت على ركبته بدعم يقول: - هون على نفسك يابني.. شاكر عاقل وانا متأكد انه لو عرف الحقيقة هايتفهم الوضع وهايقدر.. المهم انت عرفت ازاي في وقتها؟ تنهد بعمق وهو يرد : - لا يلدغ المرء من جحر مرتين.. انا سهيت مرة ولا يمكن أكررها تاني؟ أما اشوف التانية كمان ظروفها إيه؟ غمغم الاَخيرة بصوت خفيض لايصل الى أبيه.. مع زحمة من الافكار والمخاوف تكاد ان تعصف برأسه. ................................... في طريق عودتها الى البيت بعد ان استفاقت جيدًا من مقلب الأطفال أصر عصام على توصيلها بسيارته مع استحالة ان ترافقا فاتن.. كانت جالسة في المقعد الخلفي بجانب الطفلة التي كانت تلهو ببرائة معها وهي غير قادرة على الإندماج.. بسبب انشغالها في موقف علاء الذي تجاهل كل مكالماتها في الساعات الاَخيرة بعد ان اخلفت بوعدها معه وتأخرت في العودة للمنزل.. امسكت بالهاتف مرة أخرى تحاول الاتصال ولكنه كالعادة اغلق الإتصال دون رد.. زفرت بإحباط وتمتمت : - استغفر الله العظيم.. أكيد هايعملي فيها موضوع كبير. - أنت كنتِ بتكلميني يافجر؟ سأل عصام مما جعلها تخرج من شرودها وردت بالنفي: - لا لا انااا بس افتكرت حاجة كدة وطلع صوتي من غير ماحس.. ماتاخدتش في بالك انت. قال ضاحكًا : - ليكون افتكرتِ مقلب النهاردة ولا حاجة.. دا احنا شيبنا من الخوف لما اغمى عليكي.. واحنا كنا يدوبك كنا بناخد نفسنا برجوع الولاد. تغضنت ملامحها وهي تتذكر فقالت بسأم: - والنبي ماتفكرني.. دا انا لسة لحد الاَن مش قادرة اتلم على جسمي من الخضة.. انا في حياتي مااتعرضت لموقف زي ده . ضحك من قلبه بصوت عالي وهو يرد : - بصراحة انا عاذرك .. هي حاجة صعبة فعلًا .. بس انا اعمل بقى في بنتي؟ أصلها طالعة شقية زي ابوها.. انتي ماشوفتيش هي كانت ماسكة في الواد ازاي؟ ابتسمت لدعابته وردت: - ماهو عبد الرحمن كمان قمور.. عندها حق تعجب بيه. - انتِ هاتقوليلي.. ماهو جميل زي والدته دي بقت بطل.. اااسف يافجر متأخذنيش لم تستطع منع ضحكاته وهي تشيح بوجهها عنه مما جعله يبتسم بحرج .................................... حينما عادت اخيرًا لبنايتهم وصعدت الدرج تفاجأت بعلاء وهو يحتل الدرجة الاَخيرة امام شقتهم .. مشبك كفيه وينظر نحوها بتحفز وكأن سبب جلسته الغريبة هذه هو انتظارها. - انت قاعد كدة ليه؟ طب والسكان اللي طالعة ونازلة بيعدوا ازاي؟ سألت باندهاش وكان رده باقتضاب: - مستنيكي. صعدت الدرجات الباقية نحوه وهي تسأل: - طب ماانا كنت بتصل بيك ماردتش عليا ليه؟ زفر مطولًا قبل ان ينهض مفسحًا لها الطريق وهو يتحرك نحو شقته يقول: - تعالي عايزك الاول قبل ماتدخلي بيتكم. ردت مزبهلة وهي تراه يفتح بالمفناح باب شقته: - اجي عندك ازاي؟ والظاهر كدة ان خالتي زهيرة مش موجودة في البيت جوا. القى نحوها نظرة مخيفة وهو يدفع بيده الباب: - وافرضي الشقة مافيهاش حد غيرنا تفتكري اخلاقي تسمحلي انى استغل الوضع حتى لو كنتِ مراتي. اطرقت رأسها في الأرض بخزي منه وهو تابع: - خالتك زهيرة قاعدة عندكم في الشقة جوا .. والموضوع اللي انا عايزك فيه مايستناش. بدون تفكير تحركت لتدلف معه الشقة رغم تخوفها الكبير من هيئته . ................................ - بتقول إيه؟ صرخت بها بأعين جاحظة بهلع لتكمل وهي تهز رأسها بغير تصديق: - لا انت اكيد بتهزر صح؟ مش معقول يكون كلامك دا جد؟ مال برأسه مضيقًا عيناه قائلًا بنبرة متهكمة: - يعني هو دا كلام ينفع اهزر فيه؟ بزمتك انتِ تعرفي عني كدة؟ هتفت باكية: - يانهار أسود.. يعني انا أختي اتخطفت صح؟ - ايوة صح ولولا اني مشغل حد يتابعها ويجيبلي اخبارها مكنتش انا هقدر اوصل في الوقت المناسب عشان انجدها من ايد ولاد الهرمة دول. - انتي مخلي ناس تراقب اختي؟ قالت بعدم تصديق وهو اقترب منها يؤكد : - ايوة يافجر .. انا مشغل ناس تراقب شروق من ساعة اللي حصل مع سعد وانا مابقتش ضامن اي حركة غدر ولا خسة منه.. زي ما بالظبط مشغل ناس تراقبك انتِ كمان عشان ماضمنش انه يمكن يأذيني فيكي! فغرت فاهاها وهي تستوعب كلماته وقبل أن تنطق ببنت شفاه وجدته يسأل: - مين الست اللي دخلتي معاها النادي النهاردة يافجر وقعدتي فيه اليوم بطوله عشان تخرجي بعدها مع عصام يوصلك في عربيته. ارتدت للخلف مجفلة وهي تشعر كأن عقلها أصابه الشلل وما عادت قادرة على اختلاق كذبة ترد بها.. فقالت بتعلثم : - دي واحدة صاحبتي ااا.. اصرت تاخدني معاها النادي وو عصام اا.. قابلته هناك بالصدفة واصر يوصلني معاه في سكته ..بس كدة . اومأ براسه يمط شفتاه: - بس كدة!! طب الست دي اسمها إيه؟ هتفت بدفاعية: - وانت مالك انت باسمها؟ ماانا قولتلك انها واحدة صاحبتي ولا هو تحقيق وخلاص. - لا مش تحقيق يافجر.. بس انا لما الاقي خطيبتي او مراتي بمعنى اصح بتكدب وتألف قصص وتتأخر بسبب ست بتقابلها في الخفا يبقى انا لازم اعرف الست دي صفتها ايه عندك ؟ ولا انتِ نسيتي لما قولتِ الصبح انك في زيارة لواحدة عيانة اسمها نور وانت بتكلميني من قلب النادي. سقطت على المقعد خلفها بانهيار ولسانها انعقد عن الرد وكأنها فقدت النطق .. فتابع هو: - براحتك يافجر.. على العموم الست دي انا بقى عندي عنوانها وبكرة هسأل واعرف اسمها .. وان حصلت اروح لها البيت واحذرها من أذيتك هاعملها ومش هايهمني.. يبقى من الأحسن انك تتكلمي انتِ من نفسك. - اسمها فاتن. صرخت بها بانهيار .. قطب حاجبيه يسالها بتفسير: - ايه؟ بتقول ايه؟ مسحت بيدها دمعة فرت على وجنتها فقالت بقوة: - بقولك الست اسمها فاتن.. ولا انت مش فاكر فاتن ؟!! الفصل التاسع والثلاثون دلفت لداخل الشقة تجر أقدامها جرًا وقد اهلكها التعب..متجهة على الفور نحو غرفتها..متجاهلة الرد على الفتاة التي فتحت لها وسألتها عن سبب تأخرها في العودة للمنزل.. وهل كان بخطرها التلكأ بالشوارع بعد رحلة طويلة من العدو.. لوحت بكف يدها تلقي التحية على خالتها محاسن الجالسة مع فتياتها بوسط الصالة بملابسهم العارية تومئ براسها دون التفوه بنت شفاة. من وقت أن غادروا السيارة التي تركوها مضطرين هربًا من مطاردة علاء وبعض سيارات الشرطة.. هي لا تصدق حتى الاَن انها قد تمكنت من النجاة من براثن الشرطة وأدهم، بعد ان اوقعهم علاء في الفخ.. ولكن مهلًا مازال الخطر مستمر مادامت هنا في نفس المدينة معهم.. ارتمت على تختها وخلعت حذائها تدلك قدميها لبعض الوقت حتى تخفف عنهم الألم ثم استلقت وهي تتناول هاتفها تتصل به.. وكان رده سريعًا: - ايوة يانيرمين.. انتٍ وصلتي البيت ولا لسة؟ - ايوة وصلت اخيرًا.. بعد ما اتهلكت من الجري في الشوارع ياسعد.. وانت بقى وصلت ولا لسة؟ - انا وصلت اؤضتي عالسطح من يجي الساعة كدة.. المهم بقى حد حس ولا سألك انتِ اتاخرتي ليه؟ ردت بسأم : - والنبي ما تجيبلي سيرة حد ولا سبت.. انا فيا اللي مكفيني.. اتصرف بسرعة ياسعد انا عايزة اخرج من البلد دي واروح أي مصيبة بعيد عن هنا.. بعد اللي حصل النهاردة ماينفعش نتأخر اكتر من كدة. - خلاص يابت. قال بمقاطعة ثم تابع : - هما ليلتين بس اكون جهزت ورقي وورقك عشان نسافر ونخلص من الهم دا كله.. المهم بقى البت دي عاملة ايه عندك؟ بتخرج ولا لأ؟ زفرت متأففة؛ - ياعم واحنا مالنا بيها بس؟ خلينا في همنا. وصلها صوت انفاسه الحادة وهو يتكلم من بين اسنانه: - ماهو كله يبقى همنا يازفتة انتي.. ولا نسيتي انها هي السبب في كل اللي حصل لما جرجرتك زي البهيمة على شقتي وخلت حسين يسجلك ويسجلها.. دا انا الدم بيغلي في نفوخي وجسمي كله عشان ماعرفرفتش انتقم من حسين النهاردة.. وهاموت لو مشيت من غير ما افش غليلي في حد منهم.. سبب النصايب دول . ............................... متكومة على نفسها على سريرها بداخل غرفتها التي أغلقتها عليها من وقت ان عادت لمنزلهم .. رافضة الكلام مع احد وحتى الطعام لم تعد لها شهية فيه.. هي فقط اكتفت بالإطمئنان على شقيقتها وبعد ذلك دلفت الغرفة تكتم احزانها مع نفسها كالعادة.. ولكن هذه المرة كان الألم قويًا يكاد ان يمزق أحشائها.. ألم الفقدان.. تشعر بقرب بفقدانه كلما تذكرت تعابير وجهه المنغلقة وهي تسرد عليه كل ماحدث معها الأيام الماضية بدايةً منذ اللقاء الذي دبرته عمتها مع فاتن.. حتى ماحدث هذا اليوم في النادي ولقاءهم بعصام. كان يستمع لها وهو واجمًا لا ينطق ببنت شفاه وهي تسرد متعمقة النظر بملامح وجهه تريد ان تستشف ردة فعل واحدة تمكنها من معرفة ما يفكر به.. ولكنه لم يريحها أبدًا.. كما انه لم يثور كما توقعت.. حتى أسئلته كانت هادئة بشكل غريب حتى انهى الجلسة بطلبه اللقاء بها كي يتأكد. لقد وضحت لها فاتن في العديد من المرات انها تناست عشق المراهقة لما تبعه من ويلات وماَسي عانتها بسببه.. ورحبت بزواجها هي من علاء.. ولكن هو ماذا سوف يكون رد فعله حين يراها؟ ترى سوف يحن ويرق قلبه لقصته القديمة معها؟ وماذا عن عشقه لها هي؟ هل كان سرابًا وسوف يتبخر في الهواء مع ظهور العشق الحقيقي؟ تشعر براسها على وشك الانفجار وهي تدفنها بشكل متكرر في الوسادة.. وتتجاهل الرد حتى على اتصالات سحر العديدة. فليس لديها قدرة على الأستماع ولا التفوه بالكلمات.. فكيف ترد وعقلها معلق باللقاء المصيري غدًا بينها وببن فاتن وعلاء وعصام! ................................ كانت في سبات نومها العميق حينما شعرت بلمسات بدأت خفيفة على اقدامها كانت تتجاهلها مع ثقل رأسها ثم تطورات لمريبة حينما ارتفعت لباقي جسدها مما جعلها تعتدل بجسدها مفزوعة..فجحظت عيناها وهي ترى هذا الظل الضخم أمامها.. كادت ان تصرخ ولكنها تفاجأت بارتمائه بجوارها على التخت يكمم فمها ببده الغليظة وهو يهمس: - اهدي الله يخرب بيتك.. انتِ هاتجرسينا يابت ولا إيه؟ ذامت من تحت كفه برعب ولكنه اجفلها بإشعال ضوء المصباح المجاور لتختها.. فظهرت ملامح وجهه بالكامل لها.. هدأت حركتها بريبة وقد توسعت عيناها مزبهلة من المفاجأة.. رفع كفه والتمعت أسنانه التي ظهرت من تحت ابتسامة بعرض وجهه: - مدام هديتي كدة.. يبقى افتكرتي حبيب قلبك القديم صح! قال بغمزة وهي ابتعلت ريقها وعيناها تنتقل منه والى باب الغرفة: - اسماعيل! هو انت ايه اللي جابك هنا وفي اؤضتي كمان ؟ خلع قميصه فجأة واقترب يلف ذراعه عليها ليقربها منه وهو يهمس بإغواء: - الاسم طالع من بوقك زي العسل.. وحشتيني يانرمين ووحشتني لياليكي الحلوة يابت . انتفضت وهي تحاول لنزع ذراعيه عنها وجسدها يرتجف بأكمله: - ابعد ايديك دي عني يااسماعيل.. هو انت ايه اللي جابك هنا الله يخرب بيتك؟ شدد بذراعيه عليها أكثر وهو يردف بعينين تشتعل بالرغبة : - ابعد إيه بس؟ بقولك وحشتني لياليكي.. دا انا مصدقتش نفسي لما عرفت من صحابي انك رجعتي من تاني.. ربنا يخليلنا خالتي محاسن يارب. ازداد نفورها منه ومن رائحة التبغ الفائحة من فمه وهو يجول بشفتاه على وجهها وعنقها دون استئذان.. حاولت مجارته كي تكسب بعض الوقت قبل ان تتمكن من الهروب منه.. وقد فهمت مضمون كلماته فلا تستطيع الصراخ او المقاومة مع رجل كانت تعرفه قديمًا وتعرف حجم اجرامه و في بيت كهذا ومع امرأة مثل خالتها قبصت الثمن: - طب خليني افوق الأول ولا اقوم اغسل وشي. - لا انتي كدة حلوة اوي. اردف مابين قبلاته وهي تفكر في حجة اخرى ولكنها انتبهت على صيحات وصرخات تأتي من خارج الغرفة وقبل ان تستوعب تفاجأت باندفاع باب الغرفة بقوة ليدلف امامها لداخل الغرفة رجلين عرفتهم جيدًا من هيئتهم، فلطمت على وجهها تهتف بجزع : - يانهار اسود بوليس. ............................... في اليوم التالي وهي داخل زنزانة النساء كانت تبكي وتنوح بجوار خالتها وبقية الفتيايات والنزيلات ينظرن لها بحنق من صوتها العالي والمزعج في الندب. - منك لله ياخالتي منك لله.. ضيعتي مستقبلي ولبستنينى مصيبة وانا اللي طول عمري عايشة ورافعة راسي.. منك لله ياخالتي منك لله . مصمصت محاسن تعوج شفتيها باستنكار: - ياختي ماتفضيها بقى.. عمالة تدعي عليا من امبارح .. دا اللي يسمعك كدة يقول انك شريفة بحق هبت عليها صارخة: - ايوة شريفة ياختي.. ولولا عملتك انتِ السودة والداء الزفت اللي فيكي ماكنتش هاتحط في المصيبة دي ولا اقعد القعدة دي جمبكم. لوحت بيدها عليهم فتجاهلتها محاسن تشيح بوجهها عنها.. تابعت بصرخة اكبر : - بس انا اللي عايزة افهموا منك دلوقتي بالظبط؟ ايه اللي دخل اسماعيل سبرتوا عندي ودخل الرجالة مع النسوان في بقية الأوض وانا منبهة عليكي ان مافيش شغل في البيت؟ ماطمرش فيكي الفلوس اللي بديهالك عشان تنبطي وتسمعي كلامي.. دول هما يومين وكنت هاسيبك.. مكنتيش قادرة تصبري؟ نفخت محاسن من انفها بعمق ثم ضربت بكفيها وهي ترد بحدة: - لا ياختي كنت صابرة وساكتة.. بس اعمل ايه بقى؟ ليلة امبارح لقيت اسماعيل ورجالته دخلوا عليا فجأة وقالي عايز بنات للرجالة وانت كان جايلك مخصوص.. وقبل ما افتح بقي لقيتوا رمى الفلوس في حجري ودخلك .. هاقدر اوقفوا ازاي ده بقى قوليلي؟ وانت عارفاه ولا نسيتي؟ فغرت فاهها تستوعب فحوى كلماتها ولكنها اجفلت على نداء رجل الأمن بإسمها.. وقبل ان تنهض تذكرت تسأل محاسن وعيناه تجوب جميع النساء حولها: - هي البت امينة فين؟ هي مجاتش معانا ولا إيه؟ - امينة ياختى كانت عند الدكتور امبارح بتفك تجبيرة دراعها. .................................. دفعها رجل الأمن بخشونة وقوة داخل غرفة الظابظ حتى كادت ان تقع غمغمت حانقة ببعض الكلمات النابية نحوه قبل ان ترفع رأسها للدخل فاصطدمت عيناه بعيناه ذات النظرة الصقيرة.. ارتدت للخلف بخوف لتفاجأ بظابط الامن وهو ينهض مغادرًا: - خد وقتك ياحج بس ياريت ماتتاخرش اردف الظابط ليخرج على الفور.. تبعته هي بعيناها وكانها تترجاه لعدم الذهاب وتركها معه.. حينما صفق الظابط الباب أجفلها الاَخر بندائه : - ايه باعين خالتك؟ مكسوفة ماتبصي في وشي ولا إيه؟ التفت اليها منتفضة وهي بجوار الباب.. هتف عليها بامر: - اتحركي يابت من جمب الباب وتعالي هنا. انصاعت مضطرة تتحرك بأقدام مرتعشة حتى وصلت للمكتب أمامه ..وهو يتفحصها مضيقًا عيناه.. انتظرت أمامه للحظات مروا عليها كالدهر.. مطرقة رأسها وهو يتلاعب بسبحته بهدوء مريب.. فتحت فاهاها لتقطع الصمت ولكنها انتفضت مرتدة للخلف حينما وجدته ينهض عن مقعده: - والنبي ياادهم أنا ماعملت حاجة والتهمة دي متلفاقالي ظلم . اردفت بها وهي تنتفض من الخوف أمامه لتفاجأ به متبسمًا بزواية فمه قائلًا: - انه تهمة بالظبط يانرمين؟خطف شروق ولا خيانتك واستغفالك ليا مع سعد ولا تهمة امبارح لما العساكر جرجروكي من حضن حبيبك القديم اسماعيل اسبرتوا فغرت فاهاها بصدمة وانفاسها تتلاحق بحدة لا تقوى على الدفاع عن نفسها أمامه والخوف شل تفكيرها. امال برأسه نحوها وعيناه تطلق شررًا عليها: - مكنتيش متوقعة صح؟ صمت قليلًا واصبح ينتفس بخشونة من انفه يحارب للسيطرة غضبه : - بقى انا.. ادهم المصري اللي يتهزلوا شنبات تيجي واحدة زيك وتعمل معايا كدة؟ تعرفي يابت لولا بس اني عامل حساب سمعة عيالي لكنت دفنتك حية مع الكل.... اللي اسمه سعد.. احمدي ربنا بقى انك هنا اهو تكفري شوية عن ذنوبك. هم ليتحرك ولكنه استوقفته تتكلم بتلعثم: - هو انت.. عرفت اسماعيل منين؟ قال بسخرية : - تاريخك يامحترمة هو اللي دلني عليه.. و من خلاله عرفت بحكاية خالتك اللي اول مااسماعيل رمى في حجرها الفلوس.. كان هاين عليها هي نفسها تخدمه . - بس انا مراتك وسمعتي من سمعتك. اردفت بتحدي فحرك رأسه هو بسأم : - هو انتِ فاكراني اهبل يابت؟ انتِ مطلقة غيابي من ساعة مامشيتي.. يعني ماتخصنيس بشئ دلوقت من قريب ولا من بعيد.. والمهم بقى قبل ما انسى وامشي. على حين غرة تفاجات بصغعة قوية منه على وجنتها كادت ان تسقطها أرضًا لولا أنها تماسكت.. - دي بقى عشان شروق مرات ابني ستك وتاج راسك.- اردف بها قبل ان يخرج ويتركها تشهق باكية الم الخسارة لكل شئ . ............ ........................ في نفس مكان الأمس كان جالسًا عصام حول الطاولة الخشبية ولكن هذه المرة كان بجانبه علاء الذي كان يدخن بشراهة وفي الناحية الأخرى فجر وهي كالتائهة تنظر امامها بشرود في اننظار القادم . قطع الصمت عصام ؛ - ايه الحكاية ياجماعة؟ هو انتوا واكلين سد الحنك انهاردة ولا إيه؟ - في ايه عصام مالك بس؟ قالها علاء بسأم فرد الاَخر: - يابني ماانا عمال ارغي وماحدش معبرني خالص؟ لا انت ولا الست فجر.. اللي كانت بتجري ورا العيال امبارح وكأنها زيهم. رمقت علاء بنظرة ذات مغزى قبل ان تجيب ؛ - معلش ياعصام.. ماهو امبارح كان شئ والنهاردة شئ تاني.. ويعالم بكرة هايبقى آيه؟ تجاهل علاء نبرتها المتهكمة ورد عصام وكأنه يريد طمأنتها: - ان شاء الله خير يافجر.. ربنا ما بيجبش غير الخير. - السلام عليكم . ارتفعت رؤس الثلاثة فجاة نحوها بعد أن أتت بطفلها كالعادة.. ردد عصام وفجر التحية اما علاء فتصلب مكانه مسهمًا بها وكأنه لايصدق وقوفها امامه . - اتأكدت بقى انها عايشة. قالتها فجر بنبرة على وشك البكاء وهي ترى نظراته المركزة عليها .. وتابعت . - اقعدي يافاتن هو انتِ هاتفضلي واقفة ولا إيه؟ خلعت نظارتها فظهر كامل وجهها وهي تجلس امامهم وسألته: - عامل ايه ياعلاء؟. اومأ برأسهِ نحو الصغير: - ماشاء الله.. ابنك ده؟ تدخل عصام بدعابة: - امال يعني هايكون ابن الجيران مثلا؟ في آيه علاء انت مش شايف الشبه ؟ اومأ بشبه ابتسامة قائلًا: - معلش ياعصام ممكن تقوم انت وفجر خمس دقايق بعيد عن هنا. تفاجأ الثلاثة بمطلبه وكان الرد سريعًا من فجر التي قامت منتفضة : - يالا بينا ياعصام .. خدوا راحتكم قالت فلم تنتظر عصام فقد تحركت مسرعة ذاهبة ما أمامهم.. اسرع عصام خلفها : - استني يافجر.. هو انتِ مركبة قطر في رجليكي؟ تتبعتهم فاتن بعيناها ثم اللتفتت اليه سائلة: - هو في إيه بالظبط؟ وانت مشيتهم ليه؟ تجاهل الرد وسألها : - انتِ عاملة إيه يافاتن ؟ .................................. على طاولة أخرى بعيدة عنهم بمسافة كافية جلست مع عصام على مضض بعد أن كانت مصممة على المغادرة من النادي.. تقضم على اطراف اظافرها وتهز بأقدامها تحت الطاولة دون ان تشعر بنفسها: - براحة يافجر على نفسك.. هو إيه اللي حصل بس عشان تتعصبي كدة؟ قال عصام وكان ردها بتشنج: - لهوا انت مش واخد بالك ؟ دا قومنا من جمبهم من غير مايراعي شعوري ولا شعورك حتى.. هو احنا عيال صغيرين عشان يقومنا؟ ولا هو ناسي اني مراته؟ ولا يمكن عايز يحل نفسه مني؟ تمتم عصام باندهاش: - يانهار اسود.. ايه كل التحليلات دي يافجر؟ ماحصلش حاجة لسة يابنتي.. ثم ان اللقاء ده كان لازم يتم مهما بعدت المدة او قصرت. أشاحت بوجهها حتى كي تخفي هذا الألم عنه - عندك حق.. اللقاء كان لازم وضروي يتم وحمد لله اننا لسة في اولها عشان يقرر براحته. ضيق عينيه يسألها بحيرة: - قصدك إيه مش فاهم ؟ نهضت فجأة مغادرة: - قصدي اني عايزة امشي دلوقتي حالًا.. لو افتكر يسأل عليا بعد مايخلص جلسته معاها .. قولوا روحت وهي متقبلة منك أي قرار .. ماشي هم ليوقفها ولكنها لم تعطه فرصة بذهابها السريع.. عاد يجلس مرة أخرى وهو يفكر بفحوى كلماتها بوجوم . بعد عدة دقائق أتى اليه علاء: - خلصت جلستك مع فاتن ؟ اوما براسه بابتسامة راضية قبل أن يسأله ؛ - هي فجر راحت فين؟ أجابه عصام: - فجر بصراحة مشيت ومرديتش تستنى.. وبتقولك خد قرارك براحتك وهي متقبلة منك اي شئ. - بقى هي قالتلك كدة؟ قال باستنكار وهو يهز رأسه بيأس قبل ان يتحرك مغادرًا : - انا رايح اشوف المجنونة دي.. وانت بقى خليك مع فاتن معلش . ارتسمت راحة على ملامح وجهه حاول اخفاءها وهو يردد: - ماشي تمام.. روح انت شوف خطيبتك وانا هاضطر اقعد مع فاتن ! ............................ على ارض صلبة في مكان يبدوا كمصنع مهجور كانت جالسة في إحدى اركانه.. ضامة ركبتيها الى صدرها تبكي وتنوح حظها السئ الذي لم يفارقها منذ مولدها.. حينما اتت الى الدنيا من أم لم ترغب بها فلا تعير العيب او الحرام او ألأصول ادنى اهتمام..و لطالما قاست هي بسببها في عيشها من أعين الرجال الطامعة بها لمجرد معرفتهم بأن والدتها هي محاسن.. عملت في عدة مهن حتى لايصبح مصيرها مثلها فتمنت من قلبها ان تتزوج من رجل في الحلال فينتشلها من هذه البيئة الموبؤة فتعيش كبقية النساء ولكن حتى هذه كانت غالية عليها.. فكان نصيبها الزواج من رجل مدمن على المخدرات والتي سُجن بسببها.. وعادت هي لوالدتها مرة اخرى . رفعت رأسها تكفكف دموعها وتحمد الخالق انه نجاها من القبض عليها امس حينما عادت متأخرة من عيادة الطبيب.. ولكنها عادت للتشرد وهي لا تجد مكان يأويها.. تنهدت قانطة وهي تنظر للهاتف الذي اوشك شحن بطاريته على النفاذ وهو يصدح باتصاله.. فتحت على المكالمة تجيب بياس: - ايوة ياسعد عايز ايه تاني؟ مش ناوي تحل عن دماغي بقى؟ وصلها صوته: - مالك بس ياامينة؟ دي جزاتي يعني اني عايز اطمن عليكي بعد ماعرفت باللي حصل لوالدتك و نيرمين لما كبست عليهم الحكومة لليلة امبارح. - لا بصراحة قلبك طيب قوي.. فيكي الخير. - الله يسامحك ياامينة.. انا مش هارد عليكي.. بس اسمحيلي اسالك بحكم العشرة.. عاملة آيه؟ وبتباتي فين دلوقتي بعد مااخوات جوزك كمان استولوا على بيتك؟ رفعت رأسها للسماء قائلة بدموعٍ حارقة : - حتى دي عرفتها؟ ... قطعت الجملة وازداد نشيج بكاءها فاستغلها فرصة ليلقي عليها الكلمات المواسية . - خلاص ياامينة.. اهدي يابت الناس.. انت بس لو تقوليلي على مكانك كنت اساعدك . - في المصنع القديم. انتفض منتبهًا على جملتها: - ايه؟ بتقولي فين ياأمينة ؟ اردفت صارخة : - بقولك في المصنع القديم.. اللي في اخر الشارع عندكم.. واللي كنا بنشتغل فيه زمان انا والبنات قبل مايفلس.. شوفت الدنيا بقى؟ اهي لما داقت عليا ملقتش غيره. - معلش ياأمينة ماتزعليش .. هادبرلك انا حتة تاني تنامي فيها . اغلقت المكالمة وهي تتمنى بداخلها ان يفي بوعده معها.. فقد احتمت هي بجدارن المصنع لمعرفتها الأكيدة من مداخله ومخارجه ولكن البرودة نخرت عظامها ليلة أمس ولا تريد تكرار مأساتها .. ولكن مهلًا .. هذا سعد! انسيت هي من هو سعد؟ انتفضت فجأة تتناول هاتفها بدون تفكير لتضغط على احد ارقامه سريعًا.. فاجابها الطرف الاَخر. - الوو... ابوة ياأمينة ازيك. الفصل الأربعون والأخير التوتر مع تشتت نظراته.. بالإضافة الى العرق الذي انتشر على جبهته وبعض مناطق بشرته.. جميعهم أظهروا حجم صعوبة ما ينوي التفوه به.. وهي جالسة أمامه بصمت في انتظار سماعه ومعرفة سبب صرفه لفجر وعصام وطلبه الجلوس معه بمفردها. - انا مش عارف ابدأ كلامي معاكي ازاي؟ بس بصراحة مكنتش اتوقع انها حاجة صعبة اوي كدة. قطبت مندهشة من كلماته فسألت : - هي إيه اللي صعبة بالظبط؟ تنفس بعمق قليلًا قبل ان يجيبها وهو ينظر اليها مباشرًة: - الإعتراف بالغلط يافاتن.. انا من ساعة ماعرفت من فجر امبارح انك لسة عايشة وما موتيش.. ودماغي بتعيد وتزيد في اللي حصل مني معاكي من عشر سنين. - اللي فات مات ياعلاء وكل حاجة نصيب قالت فقاطعها هو ملوحًا بكفه: - معلش ارجوكي سيبيني اكمل.. انا عارف اننا مكنش لينا نصيب في بعض.. لكن انا بتكلم عن غلطي في حقك.. من اول صداقتي بواحد ابن...... ضيع مستقبلك بفتنة كبيرة عملها و صدقتها انا بغبائي لغاية اهانتي و طردي ليكي من المحل. خرجت كلماته الاَخيرة بخفوت وهي شاحت بعيناها قليلًا تؤلمها الذكرى.. قبل ان تعود اليه مقاطعة: - ممكن ماتجيبش السيرة دي تاني.. لان انا بصراحة كييفت نفسي عشان اقدر اعيش.. اني انساها واشطبها نهائي من حياتي. اومأ برأسه موافقًا : - عندك حق.. بس دا بالنسبالك عشان كنتِ انتِ الضحية.. لكن بالنسبالي انا لايمكن هاقدر انسى.. اني كان ليا يد في ظلمك حتى لو مش بالقصد.. صمت قليلًا ثم اردف: - انا بعتذرلك يافاتن وبتمنى انك تسامحيني عشان اقدر اعيش انا كمان. ابتسمت قائلة - ان كنت انت غلطت في صداقتك بواحد زي سعد.. فاانا كمان غلطت في حق نفسي لما هربت من بيت والدي وحطيت نفسي موضع شبهة لما جبرت عصام يخليني في شقته.. يمكن ساعتها بحكم سني كنت شايفة المبرر قوي عشان اهرب من جواز ابن عمي بجوازي منك.. لكن دا ما ينفيش غلطي..عشان كده بقولك انسى. اطرق برأسه متأثرًا بكلماتها التي القت على قلبه بعض الراحة.. ثم رفع راسه اليها قائلًا : - عندها حق فجر تحبك اوي كدة.. دا انتِ لو شوفتيها في بداية معرفتي بيها.. مكنتش بتطيق تبص في خلقتي.. ولما كنت اجي اكلمها كان وشها يحمر ويخضر من الغضب وتحسي كدة ان نفسها تولع فيا. ضحكت من قلبها فضحك هو أيضًا معها: - المجنونة دي.. هي طول عمرها كدة حمقية أوي في اللي يخصها وميهمهاش.. بس انت باين عليك بتحبها اوي عشان دا ظهر من لمعة عنيك اللي طلت فجأة لما جبت سيرتها . لم يرد ولكنه لم يقوي على اخفاء ابتسامة انارت وجهه لمجرد ذكر اسمها.. اردفت هي بكلمات خرجت من قلبها: - ربنا يهنيكم ببعض ياعلاء.. انت تستاهلها وهي تستاهلك. تنهدت بثقل وهي تستعيد كلماتها معه و التي لم يمر عليها سوى دقائق.. ولكنها كانت كفيلة بفتح جراح الماضي وذكريات نقشت في القلب مرارتها.. هي تحمد الله انه وقف معها بأن وهبها من يأخذ بيدها ويعطيها فرصة أخرى للحياة بكرامة ولكنها لاتنكر خطئها الذي بسببه اعطى فرصة لهذا المجرم لفعل جريمته معها. - لحقتي تسرحي؟ اردف بها عصام وهو يعود لجلسته أمامها.. التفتت اليه هي بابتسامتها المعهودة ترد: - انا لو مسرحتش وافتكرت اللي فات ابقى متخلفة ومعنديش احساس.. انت ترضهالي دي؟ اطلق ضحكة مدوية نافيًا بتحريك راسه: - لا ياستي بعد الشر عليكي من التخلف وعدم الإحساس. .. بس انا شايفك يعني بتهزري اهو وعلاء كمان وشه اتعدل قبل مايمشي.. اسف يعني لو بتدخل.. هو الحديث مابينكم كان عن إيه؟ - لا ياسيدي مافيش تدخل.. اصل الموضوع مش مستاهل يعني هو كان ضميره تاعبه من ناحيتي فكان عايز يعتذر وانا رديت عليه باللي يريحه. اردفت بها..فكان رده أن سألها قاطبًا بحيرة: - وهو إيه اللي ريحه بالظبط؟ - الحقيقة ياعصام.. هي ان غلطه فيا والمشكلة كلها كانت نتيجة غلطتي الكبيرة لما هربت من والدي من غير ما اقدر العواقب.. اللي مابينها كان ظلمك انت معايا . - بس انتِ ماظلمتنيش يافاتن.. انتِ واحدة كنتِ مغلوبة على امرك وانا بقى حاولت اساعدك بس الامور جات بنتيجة عكسية. ردت مبتسمة بامتنان: - انت بتقول كدة عشان قلبك طيب ياعصام. قال متفكرًا: - مش حكاية قلب طيب.. بس انا مكدبش عليكِ يعني كل ما افتكر الموضوع دا وملابساته بستعجب قوي للي حصل رغم بشاعته.. لكنه خلاني اشوف كل حاجة قدامي بمنظور مختلف.. وعلى الرغم من مرور السنين دي كلها وسفري واختلاطي بناس اشكال والوان وجوازي وطلاقي من مراتي.. لكنه جعل صورتك دايمًا مطبوعة في خيالي وبتطاردني.. رغم ان الأول وربنا العالم.. مكنتش بشوفك غير حبيبة صاحبي. - قصدك ايه ياعصام بكلامك ده؟ سألت بحيرة وكان رده حاسمًا؛ - قصدي انك تعرفيني كويس واعرفك.. واحنا كبار دلوقتي وفاهمين.. تقبلي تتجوزيني يافاتن ؟ ................................... - انا برضوا قولت هالاقيكي هنا. التفت برأسها على صوته فبادلته نظرة حانقة قبل ان تعود بأنظارها الى رؤية الميدان امامها بمساحته الشاسعة.. مستندة بكفيها على سور السطح الأسمنتي دون أن ترد ببنت شفاه. - الله دا انتي زعلانة بجد بقى؟ اردف بها قبل أن يحاصرها بذراعيه من الخلف يضرب ظهرها بصدره العريض...ارتبكت مجفلة من فعلته فخرج صوتها بتوتر: - ايه هو دا بقى؟ احنا قاعدين عالسطح ياعلاء مش في بيتكم . قرب وجهه من جانب رأسها يهمس : - طب وفيها ايه؟ واحد ومراته ياستي حد لو حاجة عندنا؟ ردت من بين أسنانها؛ - اه مراته اه.. معلش كنت ناسية.. اصلك مقدر قوي؟. صمت يستوعب كلماتها ويتفحص تشنجها.. ثم ارتد للخلف قليلًا ليديرها اليه قائلًا: - لدراجادي انتِ زعلانة مني يافجر؟ التمعت عيناها الذابلة امامه تنذر بسقوط دمعاتها وهي تجاهد للتماسك فقالت بشفاه مرتعشة: - انا قولت لعصام يبلغك اني متقبلة لأي قرار تاخده في علاقتي معاك.. يعني دا لو عايز ترجع لفاتن.. اصل انا عارفة وفاكرة قد أيه كنت بتحبها زمان.. فشئ طبيعي انك تحن لها بعد ما اتأكدت من برائتها.. انا مش عايزة اقف في طريقك والحمد لله اننا لسة على البر ومحسوبة قدام الناس خطوبة مش جواز. - خلصتي كلامك؟ سأل رافعًا وجهها اليه لتقابل عيناه خاصتيها.. تشجنت تنزع يده عنها : - ارجوك ياعلاء تسمعني كويس وتفهمني انا بتكلم جد.. بلاش تتأثر بهيئتي ولا ضعفي قدامك.. كل شئ عندي يهون الا اني اتجوز راجل قلبه معلق بواحدة غيري.. الموت اهون. حاوط وجهها بكفيه وخرج صوته بحدة: - ومين قال بس اني لسة قلبي متعلق بيها ولا بحبها. - انت! صرخت بها متابعة ؛ - رد فعلك لما شوفتها وبعدها طلبت مني انا وعصام نسيبكم لوحدكم . - كان لازم اعتذرلها.. واسمع منها انها مسمحاني عشان اقدر اعيش حياتي انا كمان. اردف صارخًا واكمل يمسح بأبهاميه الدموع المتساقطة بغزارة على وجنتيها يردف بحرقة: - حياتي معاكي انتِ.. عشان بحبك انتِ.. فاتن حبها كان راسخ في قلبي كانه شجرة مزرعة فيه.. لكن حبك انت كان الإعصار اللي نزعها من جدورها.. سامعة بقولك ايه؟ انا لما شوفتها النهاردة ماشوفتش الحبيبة.. لا .. انا شوفتها واحدة عادية تنفع كأخت لمراتي اللي هي انتِ ردت بنبرة باكية: - ايوة بس هي احلوت اوي.. دا عصام بنفسه قال عليها بطل. رد بابتسامة : - وافرضي هي بطل.. فاانتِ عندي احلى من ميت بطل. - صح كلامك دا ولا بتكدب عليا عشان تراضيني؟ سألت برجاء وصوتها خرج بارتجافة.. رد هو مشددًا على كلماته. - والله ياشيخة مابكدب عليكي.. دي كانت قصة وانتهت نهاية مؤلمة عشان مكانش لينا نصيب في بعض.. انا نصيبي معاكِ انتِ.. انتِ مراتي وحبيبتي وكل دنيتي.. فهمتي بقى ولا افهمك بطريقتي؟ اومأت برأسها.. بعد ان هدر الاَخيرة عليها مهددًا ولكنها اجفلت فجأة سائلة باستفسار: - طريقتك إيه بالظبط اللي هاتفهمني بيها؟ قرب وجهه يميل اليها يردف بعبث خاطفًا قبلة رقيقة: - زي كدة مثلًا.. شهقت مجفلة تنزع كفيه عنها : - يانهار اسود بتعمل ايه؟ احنا عالسطح ياعلاء وورانا الميدان. - خلاص نبعد طيب مع ان محدش شايفنا من المسافة البعيدة دي أساسًا. اردف جملته وهو يسحبها بعيدًا عن السور ولكنها تشجنت اكثر: - هازعل منك والله بجد انا...... قطعت جملتها مضطرة بعد أن عانقها بقوة حتى ارتفعت قدميها عن الأرض هامسًا بأذنها: - وانا مايهونش عليا زعلك. شدد بذراعيه عليها اكثر وتجاوبت هي تلتمس منه الحنان والإطمئنان بعد ليالي طويلة ارقها القلق والخوف من فقدانه. ................................... في المنطقة الخلفية المهجورة من المصنع القديم دفعت بيدها الحرة الباب الصدأ وهي تتحاشى باقدامها الدهس على القمامة المكدسة والحيوانات الميتة.. دلفت وهي تحمل بيدها الأخرى لفة لبطانية وملائة سرير مع حقيبة نسأئية معلقة على الكتف.. تنهدت تلتقط انفاسها قبل ان تكمل طريقها للداخل حتى وصلت الى الركن الموصوف لها من قبل.. فتبسمت تجفلها حينما راتها جالسة امامها تعطيها ظهرها : - بتعملي إيه يأمينة ؟ شهقت الأخرى منتفضة وهي تلتف برأسها للخلف نحوها: - حرام عليكِ يالبنى خضتيني. خطت اليها ضاحكة : - سلامتك من الخضة ياغالية.. بتعملي ايه صح؟ - باكل ياختي.. تعالي بسم الله. لوحت بيدها إشارة نحو الطعام الملقى على فرشة من الجرائد.. القت لبنى مابيدها على الأرض لتجلس وتشاركها مردفة: - وماله ياحبيبتي ناكل.. دا انا حتى وحشني الأكل معاكي. بتاكلي إيه بقى؟ اجابت بفمٍ ممتلئ بالطعام: - طعمية وفول طبعًا.. هايكون ايه يعني؟ - ياختي رضا على رأي امي.. دا حتى في ناس مش طيلاهم . اردفت بها لبنى قبل أن ترد امينة وعيناها مرتكزة نحو لفة الغطاء والحقيبة: - انتِ جيبتي بطانية وملاية سرير.. ربنا مايحرمني منك يارب.. دا انا كنت هانشف من البرد امبارح. نكزتها بخفة قائلة: - هو انا عملت حاجة عشان تشكريني انتِ كمان.. دا ربنا العالم لو بإيدي لكنت اخدتك تبيتي معايا في شقتي بس امي بقى أسيبها لمين؟ بعد ماسابها سعد لوحدها.. وفي نفس الوقت مقدرش اخدك معايا عندها.. حكم سعد بقى الله يسامحه شوه صورتك قدامها. اومأت برأسها متفهمة تبتلع الطعام الذي وقف كالحجارة بحلقها..و تابعت لبنى : - بس انتِ ما ينفعش تعيشي هنا ياامينة.. اينعم المصنع مستور عن الشارع والعيون.. بس انتِ ماتضمنيش عيل شارب ولا بلطجي يدخلوا عليكي فجأة ولا يأذوكي. - دا وضع مؤقت يالبنى.. هي ليلة ولا اتنين بالكتير اكون اتصرفت ولقتلي أؤضة ان شالله عالسطح او في البدروم. قالت لبنى وهي تتأمل المكان حولها: - بس المكان اتغير خالص من وقت ماسيبناه.. الله يرحم ايام الشقا فيه وهزارنا وضحكنا مع البنات. انا وانتِ والمدعوقة نيرمين قبل ماتتفرعن وتشوف نفسها. جارتها بشبه ابتسامة قبل ان تسألها برجاء: - بقولك ايه يالبنى.. هو ينفع تباتي معايا الليلة دي بس تونسيني.. حكم انا ليلة امبارح كنت هاشيب من الخوف. ................................ عادت لمنزلهم وقد اشرق وجهها بعد جلستها الطويلة في العتاب ثم الصلح ثم كلمات الغزل والعشق التي اطربت اسماعها وطمأنت قلبها اَخيرًا بعد ليالي الشك والعذاب.. دلفت لغرفتها فوجدت شقيقتها تمشط شعرها امام المراَة. - مساء الفل على احلى شروق.. عاملة ايه ياقمر؟ - مساء العنب. رددت باندهاش وهي تتابعها تتمختر خطواتها بسعادة لداخل الغرفة واكملت: - الغزالة رايقة يعني والوش اتعدل اهو بعد البوز اللي كان ممدود شبرين.. ايه اللي حصل وخلاكي اتقلبتي كدة من النقيض للنقيض.؟ تبسمت باسترخاء وهي تتكئ بجزعها مستندة على قائم السرير: - خير والله ياشوشو كل الخير . - اه يعني ايه؟ مافهمتش برضوا؟ اردفت عليها بإلحاح فازداد اتساع ابتسامة الأخرى: - في ايه يابت؟ هو انتِ هاتموتي لو معرفتيش؟ كان في سؤء تفاهم بيني وبين علاء والحمد لله الامور اتصلح.. استريحتي بقى؟. اومأت برأسها ترد: - اااه.. يعني صالحك بقى واكيد دلعك مدام مبسوطة كدة.. الله يساهلوا يعم.. وانا اللي متخانقة مع اخوه من دقايق بس. - ياساتر يارب.. ليه ياشروق؟ سألت فجاوبتها الأخرى : - ابن اللذينة عشان بس فوت النهاردة مارحتلوش.. عاملي هوليلة واكني اتخليت عنه في شدته. - طب وبعدين هاتعملي ايه معاه؟ دا اكيد زعل بجد. - سيبك منه انا هاعرف اصالحه هو كدة كدة خارج بكرة من المستشفى. نهضت من جوارها واردفت: - هاقوم انا اشوف خالتي زهيرة.. وانتِ بقى شوفي صاحبتك دي مابطلتش رن عليكي. شهقت متذكرة تتناول هاتفها: - يانهار اسود سحر.. دي اكيد هاتعلقني؟ اتصلت فااتاها الرد سريعًا من الجهة الأخرى: - اخيرًا افتكرتي ورنيتي عليا ياخاينة ياقليلة الأصل!. ........................................ في المساء وحينما انتصف الليل كانت مستلقية بجوار صديقتها التي وافقت على البيات معها.. بعدما افترشوا الأرض ببعض الكراتين الورقية القديمة لتخفف عنهم قسوة البرودة.. تحتهم الملائة وفوقهم البطانية كغطاء.. عيناها ناظرة في السقف وقد جافها النوم.. عقلها الذي لايهدأ ينتقل من موضوع لاَخر فلا هي تجد الحل لمشاكلها ولا هي قادرة على استراق الراحة ولو قليلًا بالنوم.. انتبهت فجأة لأصوات خفيفة كوقع اقدام متلصصة اَتية من ناحية الباب الخلفي.. تذكرت على الفور كلمات لبنى عن تهجم بلطجي او مدمن مخدرات عليهم .نهضت بدفاعية تبحث عن شئ لحمايتها هي ولبنى بعدما شدت عليها الغطاء جيدًا حى رأسها.. جالت بعيناها يمينًا ويسارًا فلم تجد شئ فازداد الرعب بداخلها مع شعورها المتزايد بالخطر وباقتراب وقع الاقدام .. تحركت للناحية المعاكسة قبل ان يأتي اليها ويراها تبحث عن عصا او حتى حجر لتضرب او تهدد به. وفي الناحية الاخرى بعدما تخطى الباب الخلفي بصعوبة من ظلمة المكان وتكدسه بالقاذرات التي طرأت حديثًا بعد هجر المصنع وافلاسه.. مغطيًا نصف وجهه حتى يستطيع التمكن من دخول المنطقة والتي حرمت عليه بفضل ادهم ورجاله.. ولكن لا يهم الاَن.. فهو سيترك لهم البلد نهائيًا ولن يعود الا وهو يمتلك من المال مايمكنه من سحق الجميع.. ولكن قبل كل هذا لابد له من إطفاء نيرانه المشتعلة بداخله.. بعد ان اهدرت كرامته وخسر معها الكثير بضربه وسط الشارع وامام الكبير والصغير فيه من أهل منطقته.. يسير على أنامله ببطى شديد وكأنه يتحسس الخطى حتى لا تشعر به.. وصل اَخيرًا ليجدها متكومة في ركن قريب تحت الغطأء الذي غطاها من رأسها حتى قدميها وبجوارها مصباح صغير على صندوق خشبي في الأرض لينير المكان.. عديمة الإحساس نأئمة بسكينة وكانها بمنزلها وليست بمصنع مهجور تحيطه القاذورات من كل ناحية.. ولكن جيد جدًا فبفعلها هذا وفرت عليه الكثير.. فتح بهدوء سترته ليخرج منه سكينًا كبيرة لمع نصلها رغم الظلام وهو يتقدم نحوها بخطواتٍ سريعة ليجثوا فوقها بسرعه البرق ويغرزها بعدة انحاء في جسدها بكل حقد.. لم يتوقف سوى بعد ان رأى بقع الدماء انتشرت بكثافة على الغطاء .. نهض متنهدًا بعد ان هدأ غليله.. هم ليرتد قليلًا ولكنه اصطدم بجسدٍ صغير استدار فوجدها امامه شهق مفزوعًا للخلف وهو ينقل انظاره لها ونحو الجثة الهامدة في الأرض بزعر .. عكسها هي التي كانت واقفة متسمرة بأعين جاحظة بصدمة الجمتها لدقائق تستوعب ما تراه حقيقة ام خيال .. حتى تمكنت قدماها من التحرك أخيرًا نحو صديقتها ونطق لسانها بصرخة مدوية: - قتلت اختك ياسعد.. قتلتها ياظالم يابن الحرام . .................................. في اليوم التالي خرج حسين من المشفى بواسطة شقيقه الذي اتى به لمنزله مع والدته بمباركة ابيه الذي رحب برعاية والدته له ولكي تكون له فرصة أيضًا : دثره علاء بعد ان وضعه بعناية على تخته بمساعدة شاكر داخل الغرفة التي جهزتها زهيرة له وبمساعدة شروق وسميرة أيضًا.. كانت الغرفة ممتلئة بأفراد العائلتين للترحيب به.. الا أدهم الذي تأخر على غير العادة. زهيرة وهي جالسة بجواره وتربت على ذراعهِ بخفة: - الف حمد لله عالسلامة يانور عيني.. نورت بيتك ومطرحك. سميرة من الناحية الأخرى : - دا انت هنا يابطل مع اكل زهيرة اللي يفتح النفس وشك هايورد وتبقى زي الفل. - ايوة ياواد ياحسين دا الست الوالدة عليها طبق ملوخية يرد الروح اردف بها شاكر وتابعت عليها فجر : - ولا طبق المحشي كمان دا يجنن لوحده. قال حسين : - مابراحة شوية عليا ياجدعان فتحتوا نفسي.. لاحظوا اني تعبان اساسًا من أكل المستشفى ونفسي انطلق بقى.. ردت زهيرة بلهفة : - دا انت تؤمر يانور عيني .. من النهاردة هاعملك كل اللي نفسك فيه. - كله ايه ياامي؟ براحة ياغالية دا جسمه لسة تعبان ومايتحملش. - قولوا ياعلاء دا فاكرها فرصة . اردفت بها شروق فرد حسين من الناحية الأخرى: - مابلاش انتِ يامؤدبة.. وخليكي في حالك . رددت بغضب مصطنع فضحته ابتسامتها: - الله يسامحك مش هارد عليك دلف اليهم فجأة ادهم بعد ان فتح له ابراهيم : - السلام عليكم ياجماعة.. عامل ايه دلوقتي يابني؟ اومأ له حسين وردد الجميع عليه التحية فسأله شاكر: - مش بعادة يعني ياحج تتأخر كدة؟ اجابه ادهم وهو يجلس على اقرب المقاعد بتعب : - اسكت ياشاكر ياخويا على اللي حصل الليلة اللي فاتت مايتحكي حتى في الروايات .. الحارة كلها صحيت في نص الليل امبارح على صوت صريخ من المصنع القديم..ولما دخلنا نشوف انا والرجالة لقينا البت لبنى الغلبانة بنت نشوى هي المقتولة. - يانهار اسود معقول ودي مين اللي قتلها؟ سألت زهيرة وكان رده وهو يهز رأسه باستياء : - طلع اخوها هو اللي قتلها واللي كانت بتصرخ هي صاحبتها.. دي امها ياعيني كانت عايزة تاكله بسنانها لولا الرجالة اللي حاشوها عنه وهو واقف زي اللوح بيبص بعنيه وبس.. خدناه ووادناه القسم وبردوا هو على حالته. ردد علاء: - لا حول ولا قوة الا بالله.. انتقام ربنا جاله بإيده. نطق الأخيرة بصوت خفيض لايصل الى البقية ولكن فهمه حسين والشقيقتان ايضًا . ............................. في وقت لاحق وبعد ان انصرف الجميع ظلت هي وحدها معه في الغرفة بعد ان استأذنتها زهيرة في مرافقته قليلًا حتى تصنع له الطعام .. كانت تتلاعب بهاتفها متجاهلة النظر اليه. - ايه يااستاذة هاتفضلي متجاهلاني كدة كتير؟ سأل وكان ردها بابتسامة: - مش احنا متخانقين عايزاني اعملك ايه بقى؟ - وافرضي متخانقين.. ماتعرفيش تصالحيني؟ قال بحزم وردت هي بهدوء قبل ان تعود لهاتفها: - لأ عشان انا مغلطتش فيك.. انا قولتلك كنت تعبانة وانت مقدرتش اعملك ايه بقى؟ اديني قاعدة جمبك اهو وبراعيك زي اي واحدة بنت اصول. صك على فكيه غيظًا من تجاهلها ثم هتف بغضب : - ماشي يابنت الاصول طب انا عايز اشرب . نهضت تتناول الكوب الزجاجي بجواره على الكمود تقربه منه: - اتفصل امسك.. الكوباية مليانة أهي. - قربي بقى ترفعي راسي وتشربيني .. شهقت مستنكرة: - اشربك ليه ان شاء الله ؟ ودراعك حلو ويمسك كويس دا غير ان التاني نفسه اتحسن . قال ببرود: - بس دماغي لسة تعبانة ومتربطة..يعني لازم اخد حرصي.. ولا انتِ عايزاني انده والدتي واقولها.. ان البت دي اللي أئتمنتيها على ابنك مش هاين عليها بوق مية تشربه ؟ هتفت ضاحكة و متناسية غضبها: - وقولها كمان على الحركات القرعة اللي بتعملها عشان تعرف مين ابنها. - عادي اقول بس رد امي هايكون ايه بقى ساعتها؟ هاتقول دا جوزك يامنيلة وكمان غلبان وعيان ولا نسيتي؟ - لامانستش . نفت ضاحكة فاردف هو بانتصار : - حلو قوي .. يالا بقى ياحلوة عشان تشربينى .. بس بضمير والنبي وانت بتحضنيني.. قصدي ااا وانتِ بترفعي راسي! ................................. بعدها بيومان. كانت فاتن تنزل درج بنايتها مع فجر التي اصرت على مرافقتها لحفل عقد قران صديقتها التي لا تعلمها وهي مازالت مترددة: - انا مش عارفة بس ايه اللي خلاني اوافق واروح معاكي .. واحدة معرفهاش هاتقول عليا ايه بقى لما تشوفني؟ ردت فجر بسأم: - يووه عليكي يافاتن.. ماقولتلك يابنتي الحفلة عالضيق عشان جات في السريع ومافيش حد هايعرفك هناك.. ثم ان سحر دي عسل هاتحبيها اوي لما تشوفيها.. ماهو انتي كمان لازم تخرجي وتشوفي الناس ماينفعش تفضلي كدة في قوقعتك. كن وصلن لمدخل العمارة فقالت لها مستسلمة: - ماشي ياست فجر .. اديني هاخرج واشوف الناس واما اشوف بقى اكررها ولا احرم مااعملها تاني . ردت بثقة: - لا ان شاء الله هاتكرريها وتكرريها كتير كمان.. بفستانك اللي يجنن ده وانت لوحدك تهبلي.. وادي علاء كمانا عشان يوصلنا وماتتعبيش في السواقة. بداخل سيارة علاء جلست هي وابنها في الخلف وفجر في الأمام بجواره وقبل ان تتحرك السيارة تفاجأت بفتح الباب الخلفي واقتحام عصام الجلوس بجوارها وهو يضع الطفل على أقدامه: - مساء الخير عليكم .. عاملين ايه بقى؟ ردد الاثنان في الأمام التحية مبتسمين وكأنهم على علم : - هو عصام كمان جاي معانا؟ سألت بحسن نية لتفاجأ بنظراتهم الغريبة لبعضهم فتابعت بريبة: - هو في ايه بالظبط؟ - بصراحة بقى احنا قاصدين نعملك كمين ؟ قال علاء وتابعت خلفه فجر بأستعطاف: - بصراحة انا معرفتش نيتهم غير في اَخر لحظة.. وماقدرتش اعترض. - تعترضي على ايه؟ وليه يعني الخطط دي؟ - عشان انا من ساعة مافاتحتك وانت مردتيش عليا ولا ربحتيني بإجابة على سؤالي. قال عصام فرددت بمرواغة: - ارد على ايه بس وجوزي ميت من ست شهر ؟ - طب وايه يعني ماانتي لسة صغيرة ؟ قال علاء وتابعت فجر - ثم ان الحي ابقى من الميت . - يافاتن وافقي بقى خلينا نربي العيال مع بعض. - انت بتبسط الامور اوي ياعصام وانا بصراحة خايفة رد عليها علاء : - خايفة من ايه بس يافاتن؟ عصام ابن ناس وهايعرف يقدرك ولو محصلش انا جمبك موجود افتحلك دماغه تاني عادي يعني؟ ضحكت على مزحته معهم وظهر بعينها التردد فاستغل عصام ليزيد الضغط برجاء: - وبعدين بقى يابنت الناس ريحي قلبي.. اهو قالك هايفتحلك دماغي لو بس مقدرتيش عايزة ايه تاني ؟ اكملت فجر : - وافقي بقى يافاتن خليني افرح بيكي زي مافرحت بسحر. صمتت لحظات تنظر اليهم بتفكير وهم ينتظرون قرارها على أحر من الجمر ثم هزت برأسها موافقة جعلتهم يهللون بفرح وارتياح . - خلاص بقى يبقى نكتب الكتاب عشان ماترجعيش في كلامك . بمجرد فتح فمها لتعترض - وغلاوة عبد الرحمن ياشيخة ماتعترضي.. امشي بينا يابني بسرعة والنبي قال الاَخيرة مخاطبًا علاء الذي ادار محرك السيارة فوراً ملبيًا طلبه.. فهتفت فجر: - هو ايه ده؟ انا عايزة اروح فرح صاحبتي. - يابنتي هاوديكي حاضر ..بس خلينا نجبر بخاطر الغلبان ده الاول ومش هاأخرك . ردد خلفه عصام وهو ينظر بمسكنة نحو فاتن التي لم تكبت ابتسامتها: - اه والنعمة غلبان ..وامي ميتة كمان ونفسي في حنان .. شغل يابني الاغاني الله يرضى عنك.. ولا اقولك اغني انا وانتوا غنوا ورايا .. انهاردة فرحي ياجدعان .. عايز كله يبقى تمام . ....... الخاتمة في القفص الحديدي تمسك يداه بقضبانه الصلبة.. يتنظر الحكم من رجل اشيب الراس ومتجعد الملامح ولكنه يملك السلطة ليقرر عنه مصيره.. يتفوه ببعض المواعظ ويردف بحثييات ليس لها ادنى اهمية لديه فالعقاب قد صدر سابقًا وليس الاَن.. من وقت ان قتل بيده شقيقته في لحظة أُغشي عنه بصره وبصيرته.. فخسر شقيقته الوحيدة كما خسر قبلها المال وسمعته والأصدقاء.. ثم تكتمل الدائرة بخسارة والدته أيضًا.. والدته التي لم يقدرها ويعلم بقيمتها سوى الاَن في شدته الكبرى هذه.. وهي حاضرة اليوم بصف الخصم تنتظر القصاص العادل لابنتها من شقيقها.. بعد أن هجمت عليه وكانت تريد قتله بنفسها ولكن لما يأست أتت اليه تخبره انها مع فقد ابنتها لم يعد لديها اولاد.. ولكنها تنتظر عقاب الله في من حرمها وحرم حفيدتها الصغيرة منها.. لايوجد فرد واحد في القاعة الكبيرة ليهون عليه أو يعطيه بعض الدعم سوى المحامي الذي يحادثه مجاملة من أجل أجره.. أخيرًا نطق القاضي بحكمه لتنقلب القاعة بالهرج والأصوات المكبرة وصوت والدته وهي تزغرط بالدموع الباكية أمامه وبقلب موجوع جعل الجميع من أهل منطقته وأناس لا يعلمهم يلتفون حولها.. ليهونوا عليها مصابها وهي تحضن الصغيرة ابنة الراحلة.. تردف بدموع النصر لقرب الثأر لحق ابنتها من ابنها العاق والظالم.. فيتلقى نحوه نظرات الحقد والكره من أناس يعلمهم وأناس لا يعلمهم وهو يبادلهم بتبلد وعدم مبالاة كالعادة.. وفي خضم هذا البلبة الصادرة امامه انتقلت عيناه فجأة اخر القاعة وفي ركن منفرد راَها أمامه ترتدي ملابس فاخرة وتغطى نصف وجهها بنظارة سوداء.. وكأن صاعقة ضربته تمتم أسمها مذهولا بصدمة - فاتن .. فاتن .. فاتن كان يعلو صوته بوتيرة متصاعدة وهو يتحرك في القفص كالمجنون يريد الذهاب اليها والتأكد بنفسه مما يراه. حتى اثار استياء الحراس الذين كتفوا حركته وسحبوه بالقوة للمغادرة وهو يهذي كالمجنون بإسمها.. يقاوم ويترجاهم بدموع باكية لتركه . - سيبوني اروح لها.. سيبوني اشوفها .. ابوس إيديكم سيبوني اتأكد دي حقيقة ولا خيال.. سيبوني...سيبونيييييي. .................................... في وقتٍ لاحق من اليوم عاد من عمله بالمشفى.. خطا الى حديقة المنزل الفسيح في المنطقة الراقية بخطواتٍ مسرعة توقفت امام زوج الأطفال وهو يمرحون بألعابهم وخلفهم المربية المكلفة برعايتهم. - حبايب قلبي. قال وهو يقترب منهم فيرفع كل واحد منهم على حدة ليقبلهم..ثم اللتفت للمرأة الأربعينية: - عاملين معاكي إيه سنية؟ اجابته المرأة بابتسامة : - حلوين ياباشا وربنا يخليهم بس البت العفريتة دي عدت الولد بعد ماكان مؤدب وامور.. هو كمان بقى عفريت زيها. دوت ضحة كبيرة وسعيدة منه قبل ان يرد: - حبيبة ابوها جينات التأثير في البشر ورثاها عنى.. المهم عينك عنهم ماتغفلش تمام . - هو انت هاتوصيني عليهم دول في عنيا يادكتور. - تسلملي عينكي. اردف بها وهو يقبلهم مرة اخيرة قبل ان يدلف لداخل المنزل.. وقعت عيناها عليها في قلب الصالة الفسيحة وهي بجوار النافذة الزجاجية التي شملت الحائط بأكمله.. ممسكة بيدها طرف الستارة التي غطت معظمها وكشفت عن جزء بسيط تنظر منه لخلف المنزل حيث حوض السباحة الكبير بشرود، خطا اليها على أطراف اصابعه حتى اذا اقترب همس بأذنها - الجميل سرحان في إيه؟ شهقت منتفضة وتلقفها هو داخل أحضانه بعبث.. فخرج صوتها مع انفاثها الاهثة: - حرام عليك والنعمة شيبتني بجد تمتمً لها بصوت مرح : - سلامت قلبك ياقمر.. ان شالله انا . دفعته بقبضته تريد زحزته عنها بخجل : - ابعد ياعصام.. البيت كله خدامين مش خايف لحد يشوفنا - ومايشوفونا ياستي.. دا احنا حتى متجوزين يعني لو تفتكري. اردف وهو يجذبها أكثر اليه وهي تحاول لنزع ذراعيه عنها : - ياعصام مش كدة طب الولاد لو دخلوا فجأة طيب.. هايبقى إيه منظرنا قدامهم؟ هز برأسه نافيًا قبل ان يطبع طويلة على وجنتها مصدرة صوت عالي.. جعلتها تنظر اليه فاغرة فاهها مذهولة من مداعبته الجريئة لها.. فقال بتسلية: - مساء الفل أولا على فاتنة البر والبحر وفاتنة قلبي كمان. تبسمت سعيدة بتدليله لها تبادله مزاحه: - مساء الورد على دكتور حياتي واحلى عوص. ضغط على شفته وعيناه تجول يمينًا وهو يسارًا : - لولا بس قاعدين في الصالة.. وانا مهما كان برضوا جرأتي لها حدود. - طب الحمد لله ان في حدود. قالت فصمت هو يتنهد من العمق قبل أن يديرها الى النافذة مرة اخرى وهو خلفها يتنفس عبيرها قائلًا: - اخمن انا لوحدي واقولك انتِ كنتِ سرحانة في إيه؟ - إيه؟ سألت واجابها على الفور: - أكيد كنتِ سرحانة في سعد واللى حصل معاه صح؟ اومأت برأسها: - من ساعة ما شوفته الصبح وانا صورته ماراحتش من عيني.. قد مااتمنيت طول عمري ان ربنا ينتقم منه.. قد ماصعب عليا النهاردة وهو واقف في القفص بياخد جزاة عمله وكل اللي في القاعة بيدعوا عليه وأولهم والدته.. فعلًا يُمهل ولا يهمل. قبلها اعلى رأسها بحنان قائلًا: - عشان انتِ سيبتي حقك عند ربنا وهو ماتعظش ولا تاب.. لا دا كمان كمل في طريقه فخد جزاءه من جنس عمله.. لا واللي شاهدة عليه كمان هي أمينة.. اااخ امينة دي اللي كنت حالف لادوقها من المر كاسات لكن انتِ وقفتيني. التفت اليه ترد : - ما خلاص احنا اتفقنا ياعصام.. هي غلطت بس كمان دفعت تمن غلطها دا كتير قوي.. دا غير ان ظروفها صعبة وانا حبيت انها تتنفس وتعيش حياة جديدة.. يعني كنت هاستفاد ايه من سجنها ؟ وانا ربنا عوضني بدل المرة اتنين. - ثبتيني انتِ كدة بكلامك العسل. قال غامزًا بعيناه ثم تابع: - المهم بقى حضرتي عزومتك كويس ولا لسة ماخلصتيش تجهيزاتها؟ - حمد لله كل حاجة تمام.. بنات خالي واجوازهم باقي يدوب ساعة على ما يوصلوا.. انما أمي بقى كلمتني من دقائق وقالت انها في السكة خلاص. ........................... وفي شقتهم التي شهدت على مولد عشقهم والذي كان بدايته كره ثم تحول لعشق وزواج ثم تكلل بثمرة عشقهم التي قاربت على الخروج الى الحياة! أمام خزانة ملابسه كانت تضع الملابس المطوية بداخلها بترتيب رغم أجهادها.. فتعود للتخت وتتناول كوم جديد من فوقه.. والهاتف على أذنها تتكلم مع صديقتها سحر في الجهة الأخرى: - يامجنونة ماانتِ مابتسأليش طيب اعملك ايه؟........لا ياستي ربنا يهنيكم ببعض انتِ ورمزي ويخليلكم النونة الصغيرة حنين هي عندها كام شهر دلوقت.........ربنا يخليهالك ويبارك فيها.........خلاص هانت انا دلوقتي في التامن ادعيلي بقى ربنا يكملها على خير... شهقت مجفلة فجأة حينما أتى خلفها وفاجأها بنزع الملابس من يدها التي تناولها عائدًا بها نحو التخت بصمت..ليجلسها عليه بنظرات محذرة.. يكمل هو ما تفعله وشعره مازال يقطر بالماء ..اضطرت لأنهاء المكالمة سريعًا تخاطبه بغضب: - طب مش تنشف شعرك الأول لاتاخد برد. قالت وهي تحاول النهوض لكي تصل بالمنشفة اليه.. ولكنه اقترب منها محذرًا: - بس بقى ماتتحركيش من مكانك تاني.. متخلنيش اتعصب بجد. - تتعصب ليه بس؟ هو انا عملت حاجة دول شوية غسيل بطبقهم.. مش مستاهلين عصبيتك دي. - مش مستاهلين! دا انتِ كنتِ بتنهتي فيهم ولا اكنك بتجري.. ايه يافجر؟ اهدي على نفسك الله يرضى عنك.. خلينا نعدي الأيام اللي فاضلة دي على خير. قال بقلق فردت هي بنبرة مترجية : - طب تعالى نشف راسك والنبي لتتعب.. ولا انت عايزني اللقط منك واكح ببطني الكبيرة دي. ابتسمت من قلبها وهي ترى تأثير تهديدها عليه.. فترك مابيده سريعًا يتناول المنشفة يجفف بها وهو يجلس بجوارها: - هاتجنيني معاكي.. وانت عارفة انا بخاف قد ايه.. دا لو يحصل وتتعبي.. والنعمة دا انا قلبي بيوقع في رجلي لما اتخيل بس . مسدت على ذراعهِ بحنان : - سلامتك قلبك يانور عيني.. هو انت مخليني اعمل حاجة عشان اتعب.. دا انا قولت اطبق الهدوم من زهقي.. ماانا كمان مش واخدة عالراحة كدة على طول.. الراحة بتتعبني. نظر اليها مضيقًا عيناه: - اوعي تكوني بتلمحي على شغلك في المدرسة؟ انا قولت مافيش شغل لسنة قدام بعد الولادة ومش هارجع في كلامي يافجر..يعني ما تحاوليش تلفي ولا تدوري في الكلام من أولها.. عشان انا فاهمك. لوت شفتيها المذمومتين قائلة بابتسامة: - هو انا لدرجادي مفقوسة قدامك اومأ برأسه وابتسامته الرائعة قبل أن ينهض وقال: - اوي اوي بصراحة.. والمشكلة انك بتنسي اني حافظ كل لمحة وكل تعبير في وشك.. يعني بقرا وبعرف اللي جواكي من قبل ما تتكلمي. تبسمت بسعادة تحدق اليه بصمت.. تشكر الخالق على نعمة الزوج الحنون المحب.. تابع هو: - قومي يالا بقى اتجدعني كدة وغيري هدومك عشان نلحق نودي الغدا لابويا قبل ما نلحق مشوارنا. - بس لو خالتي ربنا يهديها وتوافق ترجعلوا.. مش كفاية سابلها البيت الكبير مع حسين وسكن في شقة لوحده.. قلبها دا مش هايحن بقى؟ قالت وهي تنهض عن التخت بمساعدته.. أجابها بابتسامة: - بتدلع ياستي.. ماهي الحكاية مش سهلة اوي كدة عندها.. دي امي وانا عارفها. قالت بغمزة من عيناها: - بتتقل يعني عشان يعرف قيمتها. خطف قبلة سريغة من شفتيها قبل أن يتركها قائلًا: - حقها ولا مش حقها؟ رددت خلفه ضاحكة: - طبعًا حقها وحقها جدًا كمان . ................................ في المنزل الكبير كانت سميرة جالسة ومعها طبق كبير ممتلئ بالأرز.. منكفئة عليه بتركيز وهي تتنقي منه السيئة والتالفة لتضعها في طبق صغير بجوارها.. دلفت اليها زهيرة بصنية العصائر قائلة وهي تضعها امامها على الطاولة الصغيرة بوسط الصالة: - سيبي اللي في إيدك ياسميرة.. واشربي حاجة ترطب على قلبك.. هو انتِ هاتموتي ياولية انتِ لو ريحتي ساعة من غير شغل؟ ردت سميرة وهي ترفع اليها رأسها: - الله بقى.. مش لازم انقي الرز كويس ولا هانطبخه من غير ماننقيه؟ - وتنقي وتوجعي قلبك ليه؟ والست اللي قاعدة جوا دي.. شغلتها ايه بس؟ نزعت سميرة كوب العصير من فمها وردت بملامح ممتعضة: - لا ياختي.. انا احب اطبخ اكلي بنفسي.. مابحبش حد يعملوهولي.. ماتجليش نفس اساسًا.. مش انتِ عزمتيني.. يبقى اتحملي بقى شروطي. تنهدت زهيرة بيأس مستسلمة لمبدأ سميرة فتناولت كوبها هي أيضًا ولكنها على رفعت رأسها فجأة على صوت دبدبة سريعة فوق رؤسهم كما فعلت سميرة التي سألت بقلق: - يالهوي يازهيرة.. ايه صوت الدب اللي فوق؟ تبسمت زهيرة بمكر قائلة: - لا ياختي ماتقلقيش دي حاجة عادية . - حاجة عادية ازاي يعني؟ سالت قاطبة حاجبيها فنكزتها زهيرة بمداعبة: - ياولية افهمي بقى.. دول العيال فوق بيلعبوا ويهزروا مع بعض.. هو انتِ مجربتيش؟ شهقت مستنكرة : - اخص الله يكسفهم.. طب مش يراعوا وجودك ولا الناس اللي شغالة في البيت؟ دا فجر وعلاء على كدة.. احسن منهم مية مرة في العقل.. دا انا ادخل واطلع عليهم.. مافي مرة شوفت منهم الحركات دي. زهيرة وهي ترتشف من كوبها بخبث: - طب وانتِ هاتعرفي ازاي بقى؟ لهو انتِ ساكنة تحتهم؟ فغرت سميرة فاهاها وعقلها يتخيل انه قد حدث بالفعل.. فعلق جيرانها في الأسفل نفس تعليقها الاَن. .............................. وفي الطابق الثاني وبعد ان استطاع الإمساك بها وشل حركتها بيديه اللتي ثبتت يديها بجانبيها على آحدى كنب الصالون .. قال بتهديد وانفاسه مازالت متلاحقة بعد ركضه خلفها: - طلعي التليفون ياشروق بالزوق احسنلك. حركت رأسها باعتراض.. تغيظه بضحكتها: - لا ياحسين مش مطلعة حاجة غير لما تقولي انتِ الأول على باسورد الفتح . - واقولك ليه ياباردة؟ هو انا بفتح تليفونك؟ صاح بها وكان ردها بدفاعية : - وماتفتح ياحبيبي براحتك.. هو انا هاخاف؟انا تليفوني نضيف و مافيهوش حاجة وحشة. شدد ببديه الممسكة بها يهتف: - يعني انا اللي تليفوني عليه حاجات وحشة.. هاتي التليفون يامجنونة ولا قولي مخبياه فين؟ تاوهت بألم : - كفاية بقى ايدك ناشفة وهاتعلم في دراعي. - أحسن خليها تعلم.. عشان انتِ معطلاني عن مكالمة مهمة في الشغل بلعب العيال بتاعك ده خففت نبرتها قائلة بدلال: - طب قولي على الباسورد وحياة غلاوتك عندي عشان اديهولك تكلم صاحبك براحت .. عشان خاطري والنبي ياحسحس. ابتسمت بداخلها وهي ترى تأثير دلالها على ملامح وجهه وهو ينزع نفسه عنها: - بتحلفيني بغلاوتك عندي.. وانت هاتضيعي عليا شغل بالالفات بهزارك التقيل ده. اعتدلت بجذعها تميل عليه بجرعة زائدة من دلالها: -طب اعمل طيب وانا بموت فيك يعني؟ واخاف لواحدة تلوف عليك كدة ولا كدة.. وانت قمور وعيونك خضرا. - قمور!! ماتظبطي كلامك ياشروق.. انا راجل ملو هدومي.. مش عيل كاورك عشان اريل على أي واحدة تلاغيني. قربت وجهها منه بنبرة مغوية: - ماهو ده اللي مجنني فيك.. انك جامد وشكلك حلو. قرب وجهه هو ايضًا حتى اصبح لا يفصلهم سوى سنتيمترات فقال بصوت أجش وعيناها على شفتيها: - حلو مدام شايفاني جامد كدة.. يبقى هاتي التليفون بقى. حركت رأسها بالرفض وهي تبتعد للخلف تفيقه من سحر اللحظة. احتدت عيناه نحوها بالرفض أيضًا: - وانا طلبت معايا عِند ياشروق ومش قايل. نهضت من جواره بهدوء قائلة بنبرة متسلية: - يبقى مش هاتعرف مكانه ياحسحس حتى لو اتصلت بيه.. عشان انا قفلته خالص كمان. جز فكيه غيظًا بلغة وعيد: - يعني مش ناوية تجيبي التليفون في أم اليوم ده. طققت بفمها تصدر صوت : - مافيش باسورد يبقى مافيش فون ياقلبي . قالت وانطلقت تركض امامه ضاحكه.. خلع سترته هو خلفها متوعدًا قبل ان يركض خلفها: - طب وديني ماانا سايبك النهاردة ياشروق واشوف كلمة مين اللي تمشي فينا. ................................... - وكلمة مين اللي مشيت بقى؟ سأله عصام بعد أن قص عليهم بإيجاز دون ذكر التفاصيل سبب إتيانهم لعزومته متأخرين.. وكان رده بشموخ رافعًا إحدى حاجبيه: - طبعًا انا وأسالها بنفسك كمان . - صح كلامه دا ياشروق؟ اتنازلتي عن معرفة الباسورد سأل علاء فانتقلت انظارهم جميعًا نحوها. - هو طبعًا ياعم علاء.. لهو حسين يعرف يكدب أساسًا.. بس ادهوني بعد كدة بمزاجه قالت وانطلقت ضحكات الجميع من حولها.. مع أنها لم تخوض في تفاصيل وتذكر كيف تمكن من نزع الهاتف منها.. فهي اصبحت عاشقة لمناكفته.. لتنزع عن تعقله في السيطرة عليها بقوته.. ثم مصالحتها واعطاءها ما تريد ولكن بمزاجه كما يذكر لها. تدخلت فاتن مخاطبة زوجها: - طب انا كمان عايزة الباسورد بتاع فونك.. اشمعنى شروق. فغر عصام فاهه مندهشًا : - طب دا واحد بتاع سياحة لكن فون جوزك عليه داتا وحاجات مهمة بخصوص المرضى والمستشفى ياقلبي. تخصرت بإصرار: - ياسلام يعني انا جاهلة وهاستخدمه غلط.. ماليش دعوة . انتقلت عيناه نحو حسين فرفع كفيه في الهواء مستسلمًا.. وعند علاء فقال بفخر وهو يلف ذراعه على كتف زوجته: - انا مش محتاج يحد ينبهني ياحبيبي.. مراتي حافظة الرقم من ساعة ماتجوزنا. - يعني انتوا الاتنين اتفقتوا عليا.. اما ولاد...... أدهم المصري صحيح.. عاجبك كدة ياحماتي. اومأت فوزية برأسها ضاحكة وهي جالسة بالقرب منهم.. واضعة الأطفال على أقدامها وتطعمهم بيدها. - وانا مالي ياخويا.. انت ومراتك حرين مع بعض. ضيق عيناه قائلًا : - حتى انتِ ياحماتي.. قال وانا اللي بقول عليكي في صفي. انطلقت ضحكات الجميع مرة أخرى واستمرت جلستهم وسمرهم في حديقة المنزل في الهواء الطلق قبل تناولهم وجبة الغداء..في جو اسري تملؤه الألفة والمحبة.. حتى اتى فجأة حارس المنزل : - دكتور عصام.. احنا ظبطنا راجل غريب بيحوم حوالين الفيلا. انتفض الجميع بزعر قبل ان يقف عصام أَمرًا الحارس : - طب هاتو بسرعة وجيبه هنا قدامنا. تمتمت فاتن بخوف: - معقول يكون سعد هرب وعرف مكاني؟ - يهرب ولا ما يهربش انت خايفة ليه؟ هو يقدر يمس شعرة منك طول ماانا عايش قالها عصام بقوة قبل ان ينهض علاء هو ايضًا متحفزًا : - عليا النعمة لو كان هو لاكون مسففه التراب . - لا بقى لا انت ولا هو.. سيبولي انا الطالعة دي.. خليني افش غليلي واخد بتار رقدتي شهور في البيت . تفوه بها حسين وهو يشمر عن اكمامه لوضع الإستعداد في دخول المعركة.. فقالت فجر: - ماتهدوا على نفسكم ياجماعة.. مش لما نشوف الراجل الأول.. مش يمكن يطلع مش هو . شهقت فجأة فوزية حينما لمحت شبح الرجل الذي ظهر أمامهم فجأة بحوزة الرجال. - يانهار اسود بدر . انتفضت فاتن تهمس بغير تصديق لرؤيته امامه: - أبويا !! هدر عصام على رجاله صائحًا : - انتوا لسة ماسكين فيه يابني أدم انت وهو.. سيبوه وغورا على أماكنكم. انصاع الرجال لأمره واقترب عصام نحو الرجل بترحيب : - اتفضل ياعمي.. البيت بيتك ومطرحك. تبسم الرجل بزاوية فمه ساخرًا بصمت فاقتربت فوزية وهي تنتفض بخوف من زوجها الذي تركته في المنزل قبل تسافر بحجة زيارة أخيها لتفاجأ به الاَن أمامها: - وحياة الغالين عندك يابدر ماتفهمني غلط.. بنتك اتجوزت على سنة الله ورسوله.. يعني ماعملتش حاجة غلط. رمق بدر ابنته بنظرة لا مبالية قبل ان يلتفت نحو عصام الذي يخاطبه. - اتفضل اقعد ياعم بدر واسمع مننا اكيد هاتفهم وتقدر موقفنا. اقتربت فجر وشروق نحو فاتن يساعدنها على الوقوف وهي تنتفض باكية من هول الموقف. تدخل علاء: - اسمع منهم ياعم بدر..انا نفسي والله ماكنت اعرف الحقيقة غير من كام شهر بس. تدخل أيضًا حسين : - وانا معايا التسجيلات اللي تثبت برائتها وظلمها و مستعد اسمعهملك حالاً دلوقتي . - انا عارفة ياخويا انك متفاجأ ومصدوم عشان اكتشفت انها عايشة .. بس انا كنت هاقولك ازاي وانت مصمم على ..... - اردفت بها فوزية قبل أن يقاطعها: - انا كنت عارف من زمان مش من دلوك بس. هذه المرة الصدمة كانت من نصيب الجميع حوله قبل ان يتابع الرجل وعيناه تنتقل نحو ابنته وزوجته: - عارف من ساعة ما كنتي بتروحي تزوريها في الجمعية اياها عندينا في الصعيد.. وبعدها كنت بتزوريها في بيت جوزها في اسكندرية ودلوك بتزوريها هنا.. عند بيت جوزها التاني . - يعني انت كنت بتراقب وتطل على بنتك رغم كذب عمتي عليك. قالت فجر فتبسم عصام قائلًا : - مدام قلبك ماطاوعكش السنين دي كلها تتكلم ولا تكشف نفسك.. يبقى اكيد هاتسمع مننا وتقدر. - لاه مش عاوز . قالها بدر وهو يرتد للخلف عائدًا فأوقفته فاتن بصوت مرتجف ومتقطع من البكاء: - ابوس ايدك... تسمعني ياابويا .. دا انا ماصدقت اشوفك عالحقيقة واكلمك من سنين ماخاطبش لساني لسانك . حدق بها صامتًا لدقائق بملامح مبهمة ولغة عيناه التي كانت تتحدث وحدها.. و رغم ذلك تحركت اقدامه ينتوي الهروب ولكن اوقفه هتاف فوزية. - طب سلم على عبد الرحمن.. دا حتى بيقولوا اعز الولد ولد الولد . برقت عيناه نحو الطفل الذي يتقدم نحوه بدفعة من فوزية التي كانت تراهن باَخر ورقة لديها.. وصل اليه الطفل يخاطبه بتلقين فوزية: - مش هاتسلم عليا ياجدو؟ جحظت اعين بدر حتى كادت ان تخرج من محجريها وقلبه يضرب بداخل صدره كالطبول.. بعد سماعه للكلمة التي اثارت الرجفة بداخله.. لعدة لحظات حاول التماسك قبل ان يحركه قلبه ويدنو نحوه الطفل يحتضنه .. فهتف الجميع بارتياح ومعهم فاتن التي تحركت مسرعة نحو ترتمي عليه تحتضنه غير مبالية بردة فعله او رفضه لها .. ولكن كان يكفيها ان تلمسه.. وهو لم يقدر على رفضها.. فانطلق التهليل من الجميع والتمتمة بكلمات الحمد فاأخيرًا تكتمل السعادة ......... تمت..... رواية عينيكي وطني وعنواني. #امل_نصر #بنت_الجنوب