عينيكى وطنى وعنوانى بقلم امل نصر ج٢
“كانت عائدة من درس الرياضيات الذي اخدته مع المجموعة بعد انتهاء اليوم الدراسي فى مدرستها والتي كانت تبتعد عن مسكنها بالميدان بمسافة كبيرة.. ولكنها لم ترد العودة فورًا لمنزلهم وفضلت الذهاب لبيت عمتها ورؤية ابنتها التي غابت منذ فترة طويلة عن زيارتها في منزلهم .. فبرغم فرق السنوات والذي تعدت الأربعة.. كانت فجر تعتبر فاتن صديقتها المقربة ..والسبب الرئيسي لنشأة هذه الصداقة كان الإلحاح من جانب فجر نحو فاتن الجميلة والرقيقة .. والتي لطالما اعتبرتها فجر نموذج يحتذى به ..فكانت تسعى دائمًا لتقليدها .. وهي كانت رقيقة ودائما متعاونة ومحبة لفجر ..فكانت دائمًا ما تدعوها بشقيقتها الصغيرة .. فور ان ترجلت من المواصلة العامة ..رأتها امامها وهي تعدوا بخطواتٍ سريعة نحو الخروج من حارتهم .. ركضت خلفها تهتف باسمها مستغلة خفة وزنها لتلحلق بها
– يافاتن يافاتن .. استنى هنا شوية انا جيالك .
استدارت مجفلة على النداء فتوقفت عن السير بجوار إحدى المبانى حتى أتت إليها لاهثة .
– اخيرًا وقفتي.. دا انا قولت مش هاتسمعيني خالص النهاردة ولا هاتوقفي.
قالت بفتور :
– أهلًا يافجر.. انتي إيه إللي جابك دلوقتي؟
ارتسم الحرج على وجهها مع بعض الدهشة فقالت:
– في إيه يافاتن ؟ هي دي مقابلة تقابلينى بيها برضوا؟ وانا اللي جتلك جري بهدوم المدرسة عشان وحشتيني .. بعد مالقيتك غيبتي وماعدتيش تسالي عني ولا حتى تزوري بينتا .. بيت خالك زي الاول .
اطرقت بوجهها وهي تتهرب منها بعيناها قائلة بتوتر:
– معلش يافجر .. بس انا اليومين دول ..مشغولة في اوي في المعهد والدروس ..عشان الامتحانات قربت .
كانت هذه اول مرة لفجر تلمح التغير الواضح الذي طرأ على ابنة عمتها الجميلة .. وجهها المستدير الناعم والنضر كان باهتًا على غير العادة .. عيناها ذابلتان وحمروان وكأنها انتهت توها من نوبة بكاء عنيفة ..سألتها بقلق :
– فاتن هو انتي تعبانة ولا حد مزعلك ؟
هزت رأسها وقالت نافية :
– لا طبعًا.. إنتي ليه بتقولي كدة بس؟ هو انا باين عليا اني تعبانة ؟
– باين جدًا يافاتن.. هو إيه إللي حاصل بالظبط معاكي؟ عمي بدر هو اللي مزعلك ولا عمتي فوزية .
– لا عمك ولا عمتك هما اللي زعلوني.. انا اللي تعبانة لوحدي.. روحي انتي سلمي عليهم .. على مارجعت انا من مشواري ..دقايق مش هاعوق .
قالت الاَخيرة وهي تهم للذهاب ولكن فجر اوقفتها وهي تجذبها من ذراعها :
– استنى هنا يافاتن ..انتي هاتمشي وتسيبني لوحدي مع عمتي فوق؟
حاولت جذب ذراعها وقالت بسأم :
– يابنتي اطلعي.. هو انتي عمتك هاتكلك .. انا مشواري قريب هناك .. فركتين كعب يعني مش هاتأخر .
قالت بلهفة وهي تشدد على ذراعها :
– طب خلاص خديني معاكي .
نهرتها غاضبة وهي تخلص منها ذراعها بقوة:
– يووه عليكي يافجر .. دا انتي بقيتي مزعجة اوي وهاتفرجي علينا الشارع كله.. سيبنى ياحبيبتى الله لا يسيئك.. ثواني مش هاتأخر ماشي ..ثواني .
توقفت فجر عن الإلحاح وتركتها تذهب وهي واقفة بمكانها محرجة من نظرات المارة التي ارتكزت عليها .. ولكن حب الفضول غلبها.. فسارت خلفها بخطوات بطيئة تتبعها .. حتى وجدتها توقفت امام محلٌ كبير للأدوات الصحية بشارع اَخر خلف حارتها ..و دلفت بداخله .
أكملت سيرها حتى توقفت امام واجهة المحل الزجاحية تنظر بداخله بالزي المدرسي ..حقيبتها خلف ظهرها ودفتر ورق بيدها.. رأتها تتحدث بضعف خلف رجلٌ شاب يعطيها ظهره.. واقفًا بعنجهية خلف مكتبه ينظر نحو صورة معلقة على الحائط بجمود واضعًا يديه بداخل جيب بنطاله.. يستمع لها فقط ولا يتحدث .. حتى اذا انتهت إستدار اليها بحدة .. فتفوه ببعض الكلمات التي لم تسمعها فجر ولكن رأت وقعهم على وجه فاتن التي تدفقت دماعاتها امامه بغزارة تترجاه..فما كان منه إلا أنه أشار اليها بذراعه نحو باب المحل لتخرج .. وهي تترجاه بتذذل وهو قلبه القاسي .. لم يرق ولم يرضى سوى بطردها .. حتى خرجت من عنده مكسورة الخاطر ..مطأطأة الرأس وهو يتبع خروجها .. فالتقت عيناهُ بعيناها فجر من خلف الواجهة الزجاجية للمحل الذي وقف بوسطه بتجبر..ولم يشعر بالأسف نحو طرده لفاتن ولو لحظة .. عرفته فجر وقتها حينما رأته عن قرب ..فتذكرته فورًا من صوره الموجودة مع فاتن .. إنه هو نفسه من دعته بالحبيب عدة مرات حينما كان مثار أحاديثهم طوال الشهور الفائتة ..قبل ان تنأى فاتن بنفسها وتعزل نفسها بعيدًا عنها .. هو نفسه المدعو علاء ادهم المصري!”

