ذئب يوسف ج١
بقلم زكية محمد

نظرت لطفلها ذو الثلاث أعوام ، والذي بمثابة حبل النجاة لها في بحر الألم الذي تغرق بداخله ، أنه هو الوحيد الذي يرطب تلك الغرز المنتشرة في قلبها ، و هو الوحيد من بني جنسه القادر على جعلها تُشفى بابتسامة واحدة منه . أما الدواء الحقيقي يتمثل في قربها من الله ، والتعبد له ، والدعاء بأن يلهمها الصبر على تلك الاختبارات التي تاتيها واحداً تلو الآخر ، ولم تخرج إلا بقول واحد ” الحمد لله ” .
وضعت صغيرها على المقعد ، و بدأت تعد له وجبة الإفطار التي يفضلها طفلها ، و هي تبتسم له و تبعث له القبلات في الهواء وسط تعالي ضحكاته الرنانة .
بعد وقت عادت به تحمله على ذراع ، والآخر يحمل طبق ” الكورن فليكس” ، ثم جلست قبالتهم ، وشرعت في اطعام الصغير.
نشب صراع بداخلها أتخبره بذلك الطلب أم تصمت ؟!
ازدادت دقات قلبها مع وتيرة أنفاسها العالية ، فاغتصبت شبح ابتسامة تزين ثغرها ، ورفعت رأسها تجاه والدها قائلة بحذر :- بابا كككنت عاوزة أقولك حاجة ..
ترك الخبز الذي بيده قائلاً بانتباه :- خير يا مريم !
حبست أنفاسها ، و أخذت نفساً عميقاً قائلة بسرعة :- بابا كنت عاوزة أشتغل ….
و قبل أن تكمل حديثها أردف بغضب :- شغل إيه دة إن شاء الله ! هو إحنا من امتى عندنا الكلام دة ؟!
أردفت بروية وهي تضم الصغير الخائف إلى صدرها :- يا بابا أنا واخدة كلية حرام أقعد من غير شغل و….
قاطعها قائلاً بغضب :- أظن الكلية دي أخدتيها في بيت جوزك الله يرحمه وقتها مكانش ليا يد في الموضوع و طول ما انتي هنا تحت طوعي يبقى تنفذي أوامري لما أبقى أموت أبقي اصرفي على نفسك .
هتفت بلهفة :- ألف بعد الشر عنك يا بابا .
نهض مغمغماً بسخط :- أبقي عقلي بنتك يا توحيدة، أنا نازل الوكالة بالإذن .
قال ذلك ثم انصرف مسرعاً ، بينما هتف الصغير و هو ينظر لوالدته بخوف بعد أن كان يخفي وجهه في عنقها خوفاً من صراخ جده :- جدو مثي يا ماما ؟
هزت راسها وهي ترقص على رقص خليجي حنان ايوه يا روح ماما مشي ما تخافش يلا علشان تكمل باقي أكلك .
أردف بتذمر :- جدو أيوب وحث بث جدو موثى حلو ، جدو أيوب علطول بيزعق.
ابتسمت بخفوت قائلة :- لا يا حبيبي جدو أيوب كمان حلو بس أنا زعلته علشان كدة زعق هبقى أصالحه بعدين.
أومأ ببراءة ثم فتح ثغره ليلتقط الطعام ، بينما هتفت توحيدة بعتاب :- و بعدين معاكي يا مريم مش هنفضها من السيرة دي بقى ؟!