عازف بنيران قلبي ج3

بقلم سيلا وليد

جثت بركبتيها بجوار راكان، هنا انهارت قواها وشهقات مرتفعة ببكائها وهي تردف:
-“سليم” أنا جيت، بسطت يديها إليه تمسد على خصلاته وهمست من بين بكائها:
-“سليم” ماتعملش فيا كدا، قوم حبيبي، قوم أنا مش زعلانة، اتجهت بنظرها إلى راكان:
-راكان سليم ماله، وشايله كدا ليه، وليه جسمه عامل كدا؟!..قالتها بشهقات مرتفعة..
هنا أفاق راكان ، يمسح دموعه بجانب كفيه، يرمقها بنظراتٍ جحيمية، قائلًا بصوتٍ كفحيح أفعى:
-خدو البت دي من قدامي..صدمة عنيفة أصابتها وهي تهز رأسها وعبراتها تتجمع بعينيها:
-راكان متعملش كدا لو سمحت، أنا مكنتش أعرف..
لم تتحرك عضله من وجهه واستمر على نفس وضعه، أمسكت كتفه:
-“راكان” صرخ بصوتٍ جهوري غاضبًا
-قولت خدوها من قدامي، مش عايز أشوف وشها قدامي..

اقترب نوح يجذب ليلى عندما وجد تحول راكان للجنون..
ليلى قومي معايا حبيبتي..تعالي، هزت رأسها رافضةً حديثه:
-عايزة أشوف جوزي يانوح، هو سليم عامل كدا ليه، أوعى تقولي إنه..قالتها وهي تضع كفيها على فمها تبكي بصوتٍ مرتفع..
جذبها راكان من ذراعها بقوة واشتعلت نظراته بشكل مخيف غارزًا أظافره في لحمها يتعمد إيلامها، ثم هدر بصوتٍ كاد أن يخترق أذنيها:
-وحياة أخويا اللي موتيه بحسرته لأنتقم منك، وأعرفك إزاي تعاندي، قالها ثم دفعها بقوة حتى سقطت  بجلستها..
أسرع نوح إليها يضمها لأحضانه يربت على ظهرها، يهز رأسه بغضبٍ إلى راكان:
-أنا مراعي حالتك مش أكتر..قالها نوح وهو يساعد ليلى في النهوض:
-تعالي حبيبتي، تعالي ارتاحي، جوزك في ذمة الله دلوقتي، ادعيله بالرحمة..
وضعت رأسها بأحضانه وهي تبكي بنشيجٍ وشهقات مرتفعة:
-متقولش كدا يانوح، قولي دا مقلب عشان أسامحه، والله أنا مسمحاه، خليه يفتح عيونه يانوح، محدش يقولي إن ابني هيجي مالوش أب..
هنا رفع نظره إليها بعدما أخذوا سليم من بين يديه بمساعدة حمزة ويونس..نظر إلى بطنها وكلمات أخيه:
-“راكان ابني، حافظ عليه” نصب عوده ونهض..
يجذبها من أحضان نوح متحركًا بها للخارج..
حاول حمزة إيقافه:
-راكان هتعمل إيه، متبقاش مجنون اهدى، كانت تتحرك بجواره كانسانٍ ألي فقط، نظراتها للخلف تنظر إليهم وهم يقومون بتغطية وجهه..
صرخت بصوتٍ مرتفع وهي تنزع يديها من راكان، وهرولت إليه تبكي وتضع كفيها على فمها تمنع شهقاتها، وصلت تجذب الغطاء من فوقه وبكت بكاءً مرير:
-سليم متسبنيش ياسليم، قوم ياسليم عشان خاطري، بدأت تهز جسده بهستيريا..
-بقولك قوم مين هيربي ابنك، سمعتني بقولك ابنك ياسلييييم..
جذبها نوح محاولًا السيطرة عليها، وهو ينظر للممرضة بإنهاء عملها، ضمها وخرج بها حيث وقوف راكان،  الذي نظراته على وجه أخيه الذي أصبح أمامه ماهو إلا جثةً هامدة بعدما قاموا بتغطيته بالكامل؛ هرول للخارج يحبس أنفاسه داخل صدره ضاغطًا على كل عصب في جسده حتى لاينهار كليًّا قبل إخبار والده ووالدته..
خرج يونس خلفه سريعًا، بينما جلس نوح يضم ليلى التي انهارت كاملًا، وصوت بكاءها يقطع نياط القلوب، حتى خارت قواها وفقدت وعيها..
خرج بخطواتٍ أقرب للركض، ورغم أنها خطوات سريعة إلا أنها متخبطة من يراه يقسم أنه أصابه مس، أنفاسه تتصارع داخل صدره، دمعاته تلاحق بعضها واحدة تلو الأخرى، يبكي في صمت، وهو يتخيل حالة والدته..
استقل يونس السيارة بجواره يقودها إلى منزلهم، جلس ينظر من الشرفة، وعيناه تائهة كطفلٍ فقد والده، دموع كزخات المطر، ليتها كذلك حتى تغسل ذنوبه، أغمض عيناه يدعو ربه بقلبه:
” يارب صبر أمي على ماسيؤذي قلبها، رحمتك بعبدك” توقف يونس حينما وصلوا أمام القصر..
نظر إلى القصر بمقلتين جاحظيتن وتحدث:
-إحنا وصلنا بسرعة كدا ليه!..ربت يونس على ظهره قائلًا:
-راكان لازم تقوى، الجاي صعب، بلاش ضعفك دا.
انتحب بحرقة خرجت من بين أعماقه المحروقة:
-بتطلب مني أقوى، أقوى إزاي يايونس وأنا هدفن أخويا، أخويا بدل يستنى ابنه، هدفنه بالتراب، اتجه بنظره ليونس:
-الألم صعب قوي يايونس، أنا مش قادر أواجه امي، هروح أقولها تعالي ودعي ابنك التالت وادفنيه واترحمي عليه، الست دي الله يكون في عونها دا لو فضلت سليمة..
ترجل مترنحًا بأعينٍ مغمضة مصعوقًا بما صار له، توقف للحظات ينظر إلى يونس، الذي ربت على ظهره يحثه بالدخول، وضع كفيه على صدره فكأن حجرًا ثقيلًا أصاب صدره ونزف قلبه، خطا للداخل قابلته سيلين وهي تخرج من باب القصر..توقفت تنظر إلى حالته، ثم نظرت إلى يونس متسائلة:
-مالكم!! فيه أيه وسليم فين؟!
بأنفاسٍ مرتجفة ولسانًا تجمدت فوقه الكلمات، جذبها يونس للخارج:
-تعالي معايا ياسيلي، فيه موضوع هنتكلم فيه ضروري..رفعت نظرها إلى راكان تمسك كفيه:
-أبيه راكان مالك، إيديك بترتعش كدا ليه؟!..
توجه ليونس حتى يخرج بها..
جذبها يونس بروحٍ محترقة وقلب يتمزق ألم:
-تعالي حبيبتي لازم نتكلم..
بخطواتٍ ظاهرها ثابت ولكنها متعثرة،  وحجرًا ثقيلًا يطبق على صدره كمن يُساق لمنصة الإعدام ويذهب للجحيم صعد للأعلىوصل لغرفة والدته..
سكن أمام باب غرفتها برهة يمسح عبرةً غائرة أحرقت وجنتيه بل أحرقت جدران قلبه كذلك، دلف يخطو وكأنه يذهب لجحيم جهنم..
وجدها تجلس بيديها مصحفها، وقف يتأمل وجهها المبهج لقراءتها القرآن، ببؤس مزق المتبقي من روحه المحترقة لأشلاء..خطا حتى وقف أمامها، رفعت نظرها بابتسامة:
-تعال ياحبيبي واقف كدا ليه؟..
الحمدلله طمنتني عليك يابني، كدا دايمًا وجعلي قلبي عليك ياراكان..
كانت نظراته تهرب من نظراتها المحاصرة له..
“راكان” أردفت بها زينب، رفع عيناه المتورمة الحمراء، وجلس تحت أقدامها متهدل الكتفين بحزن وألم لم يشهده روحه من قبل؛ وضع رأسه على ساقيها وانسدلت عبراته وهي تمسد على خصلاته:
-فيك إيه ياضي عنيا، زعلان على سليم، أنا كمان زعلانة عليه قوي، بكى بنشيجٍ مرير وارتجفت أوصاله، كيف له أن يمزق قلبها، كيف له أن يخبرها بما حطمه وأشعره باليتم..
كيف أخبركِ ياأمي أن روحي انتُزعت مني، ليتني أنا وليس هو، ليتني أنا حتى لا أرى قهرك على فلذة كبدك، ليتني أنا ياأمي حتى لا أرى ولا أشعر بما سيحدث لك، من الذي قال أن الحزن للمفقود، بل الحزن لفارقه، الحزن ثم الحزن لقلبٍ توقف نبضه عن الحياة عندما فقدت الروح ملجأها..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *