عازف بنيران قلبي ج3
بقلم سيلا وليد

راكان قالتها بلسان مرتجفٍ وقلبًا بالضلوع يتمزق عندما وجدت حالته تلك..
-مالك ياحبيبي..آهة حارقة خرجت بعلقم مايشعر به الآن
قائلًا”اللهم لا إعتراض”
رجعت للخلف بجسدها، ثم رفعت وجهه تحتضنه بين كفيها:
-إيه اللي حصل؟! والدك كويس، أه هو لسة مكلمني وقالِّي عنده اجتماع مهم..
جحظت عيناها فجأةً ثم دققت النظر إليه:
-س..س..سليم فين، بتصل بيه مبيردش؟.
اكتسى الحزن ملامحه وبكائه المرتفع، الذي أيقنت من خلاله أن هناك مكروه أصاب ابنها.
نهضت واقفة تتأمل شحوب ملامحه، ووصول أسعد الذي يقف على باب الغرفة مناديًا:
-راكان فين أخوك، إيه اللي حصل، فين سليم، حادثة إيه اللي يونس بيقول عليها؟!..
صرخة شقت الصدور من سيلين وهي تصيح بصرخاتها باسم سليم..
ذُهلت زينب وهي تهز رأسها نافيةً ماتسمعه، تجمعت العائلة بالكامل بعدما استمعوا لصيحات سيلين، وزعت زينب نظراتها بينهم جميعًا حتى توقفت بنظراتها على راكان..ودموعه التي لم تتوقف، عيناه المتورمة من البكاء وملامحه الشاحبة، هوت جالسة وهي تقول:
-قصدكم سليم مات!!. يعني ابني راح لأخواته، ضمها أسعد وهو يردف بصوته المتقطع:
-اللهم لا اعتراض، إن لله وإن إليه راجعون..
هزة عنيفة أصابت قلبها من كلمات أسعد البسيطة..
صمتت عن الحديث وهي تنظر في نقطةٍ وهمية، تقاوم صرخة عبأت صدرها لكنها كتمتها وتابعت بصوتها الذي حاولت أن يكون طبيعيًا:
-وديني لابني ياأسعد، عايزة أودع ابني ياأسعد، عايزة أشوف أخوك قبل ماتدفنوه ياراكان..
هز رأسه وهو يضمها ويقبل رأسها:
-أنا آسف ياأمي، آسف ياحبيبة قلبي، ياريتني كنت أنا عشان مشفش كسرتك دي.
رمقته بنظرةٍ نارية وأردفت:
-ربنا يخليك لشبابك ياحبيبي، إنت إيه وهو إيه، الوجع واحد، وابني ربنا بعتهولي هدية، وجه الوقت اللي ياخد هديته، أنا راضية بقضائه..
اللهم لا اعتراض..اللهم لا إعتراض..
رغم كلماتها إلا أن قلبها مشطور، وجسدها متألم من الحزن،
تحرك الجميع إلى المشفى، زينب التي أصبحت جسدًا بلا روح، ورعشة قلبها الحزين على فلذة كبدها، ترجلت بخطواتٍ مرتعشة وهي تخطو بين حشود الصحفيين الذين يقفون بالخارج ليعرفوا ماذا أصاب رجل الأعمال سليم البنداري..
وصلت حيث غرفته، يحاوطها راكان بين ذراعيه، وأسعد الذي يضمه خالد أخيه وهو يتمتم ابني، إنت فين يابني..
دلفت للغرفة التي يُوضع بها سليم، كان نوح وحمزة بالخارج مع الطبيب الذي أوصى به راكان لفحص أخيه..
دلفت بساقين تكاد تحملنها..صرخة بآهة عالية خرجت من جوف حسرتها، يتبعها نحيبها الذي بدأ يعلو لأول مرة في الأرجاء:
-ياحبيبي يابني، ياحبيبي ياسليم، كدا ياحبيبي هانت عليك أمك، كدا عايز تسيب أمك ياسليم..
آآه يابني، صرخت بها زينب عندما فقدت السيطرة وجثت بجانب فراشه، رفعت الغطاء عن وجهه وصرخاتها صمت الآذان وهي تضمه بكفيها المرتعشة، نزلت تطبع قبلةً على جبينه:
سلامتك من الموت يانور عيني، بدل ماتدفني أدفنك ياحبيبي!!.
“اللهم لا اعتراض، الصبر من عندك يارب”
قالتها زينب عندما شعرت بضعف جسدها، وسقطت كمن تلقى ضربة موجعة مغشيًا عليها..
❈-❈-❈
بعد عدة ساعات توقف الجميع أمام المقابر، بيتك الأخير أيها الفاني، فياإنسان يامن كنت تجري هنا وهناك تمشي على الأرض أو تسبح في الماء اأو تركب الفلك، أو تطير في الهواء، ولك من المال والأولاد والزوجة الحسناء، سيأتيك في يوم من الأيام لهذا المكان، لا ملك يفر ولا انسان،
نعم أحبتي في الله الموت أعظم المصائب التي تحل بالانسان وقد سماه الله في كتابه مصيبة:
“فأصابتكم مصيبة الموت ”
وهاهنا نجد فقيد الشباب، يقف حوله الأهل والأحبة ينظرون لتلك الجثة الذي يقومون عليها بالدعاء، هل هذا الذي ملأ الدنيا ضجيج وصراخ، أهذا الذي منذ قليل كان يتحرك هنا وهناك، أين هو الآن، هو الآن أصبح جثةً هامدة..لقد تقلصت الشفتان وشخصت العينين وبردت القدمان وتوقف اللسان، وتحرك الأهل والأحباب ولم يكن سوى عملك، فاللهم ارزقنا حسن الخاتمة..
نزل نوح إلى قبره لتلقيه لمثواه الأخير عندما انهار راكان كاملًا، فلم يعد له القدرة على الحركة أو الكلام بعدما أصيب والديه بجلطة أودتهم لحجزهم بالمشفى..
كانت تقف بعيدًا وعبراتها تنسدل بقوة على خديها بجوار أختها تبكي وتردف..أنا السبب أنا اللي قتلته، ربنا ينتقم منكم..قالتها سلمى بنحيب..
طالب الشيخ بمسامحة الفقيد، رفع راكان نظره إلى ليلى التي تمكث بأحضان والدتها وأختها وتبكي بصمت، اتجه إليها أمام الجميع، بعدما أنهى الشيخ الدعاء، وسحبها من كفها حتى وصل إلى جثة أخيه:
-سامحيه، مش عايز أكتر من إنك تسامحيه، عشان يرتاح..كان الجميع ينصت حتى يسمعوا حديثه، ولكنه كان صوته منخفضًا من كثرة آلامه..ضغطت على كفه حينما فقدت الكلام..
شعرت بالدوران يجتاحها وهمست له:
-مسامحاه ياراكان، قالتها وغمامة سوداء تسيطر عليها، فهوت ساقطة بين ذراع نوح الذي تحرك خلفهما.. ووقف على بعد من خطوة..
كان ينظر إليها ولم يرف له جفن، حملها نوح وأسرعت والدتها ووالدها عليها، متجهين لسيارتهما..
بعد فترةٍ انتهى دفن الفقيد، وقف أمام قبره ينظر بجمود، كجمود عيناه التي توقفت عن البكاء، فلقد رحل أخيه، والظلام حاوطه من أعدائه، والضربات تهاوت لقلبه، وكأن القدر يصفعه دون رحمة، كان يقف بنظارته السوداء التي غطت حزن عيناه ولكن كيف للعين أن تحزن دون حزن القلب، فالقلب أصبح دامي..
-هتفضل واقف كتير هنا، قالها حمزة الذي يقف خلفه..ظل ينظر لقبر أخيه:
-عايزك ورا قاسم الشربيني متسبهوش غير وهو على حبل المشنقة.
اقترب حمزة قاطبًا حاجبه:
-عمل إيه تاني؟! ظل كما هو ولم يجب، ثم استدار متحركًا كشخصٍ آخر إلى أن وصل لسيارته:
-الحادثة مدبرة، وسليم كان بيتعاطى حاجة هو اللي عمل فيه كدا، عايزك إنت وجاسر تجبهولي من غير غلطة..
قالها واستقل سيارته بطريقه للمشفى..
بعد مرور أسبوعين..
دلفت ليلى إلى المكتب بساقين متهاويتين، بملامح مرتجفة وعينين تهتز من ثقل العبرات، وقلب فتته الوجع، اتجهت تقف أمامه، كان جالسًا مغمض العينين، شاحب الوجه، رُسمت ملامحه بوجع، رغم مافعله بها في تلك الأيام المنصرمة إلا أنها أشفقت عليه كثيرًا،
تمتمت بصوتٍ متقطع:
-“راكان” ممكن نتكلم شوية؟..فتح عيناه التي تشبه قرص الشمس ولكن يغشوها الحزن والوجع..
اعتدل جالسًا ولم يجبها، جلست بمقابلته تفرك يديها، ثم رفعت عينيها إليه، كان ينظر في اللاشيء، انزلقت دمعة غائرة من طرف عينها:
-عايزة أقولك أنا ماليش دعوة باللي حصل لسليم، اللي عملته كان ردة فعل على اللي حصل..
رفع عينيه إليها وبداخله نيران تغلي وتحرق أوردته التي ثارت عليه بالحال من وجودها..
استند بظهره للمقعد وتحدث بهدوء رغم نيرانه التي تحرق دواخله:
– سليم الله يرحمه يامدام، حقه وهعرف أخده منك ومن غيرك، جاية بعد إيه تكلميني، بعد مامات وشبع موت، عايزة تعرفي مين السبب في موته؟…أشار بيده عليها وعلى نفسه:
-أنا وإنتِ، أنا اللي موثقتش في أخويا، ومقدرتش أحافظ عليه، وإنت وغرورك لما حاول يفهمك إنه مظلوم..
صاح بصوته على إحدى العاملات:
-روحي هاتيلي فرح، وابعتيلي كاترين ونعيمة..
تحركت العاملة من أمامه بعدما ردت بطاعة:
-حاضر ياباشا…بعد قليل وصلت فرح، بملامح شاحبة، وجسدًا ينتفض رعبًا وقفت أمامه:
-بعتيلي ياأبيه، نهض يضع يديه بجيب بنطاله واتجه إليها:
-جواز سفرك جاهز، بالليل ماألمحش خلقتك دي هنا، وحياة ربنا يافرح أنا اللي حاشني عنك وخليتك عايشة لحدِّ دلوقتي أمي ليس إلا، هتتغابي وتعملي حوارت هتكون بموتك..
تراجع خطوة يشير على نفسه قائلًا:
-اللي واقف قدامك دا بايع الدنيا واللي فيها، يعني مفيش حاجة هخسرها لسة، بس اللي مخليني واقف بعقلي أمي وسيلين فخليني بعقلي، ودلوقتي قبل ماتمشي احكي للمدام إيه اللي حصل في الليلة إياها..
هزت رأسها بالرفض:
-أبيه راكان أنا ماليش دعوة، هم اللي قالولي لو بتحبي سليم لازم تعملي كدا عشان يرضى بالأمر الواقع ويتجوزك..
أشعلت كلماتها جحيم غضبه والذي تجلى بعينيه التي احترقت باحمرارٍ داكن، وملامحه التي اكفهرت فدبت الرعب لقلب فرح، دنا يجذبها من خصلاتها:
-متقوليش حاجة أنا عارفها ياحيوانة، أنا عايز اللي يخص المدام، سليم عمل إيه معاكِ، وقفت ليلى تخلصها من يديه:
-راكان سيب شعرها حرام بتوجعها، اتجه بنظره إليها ورمقها بنظرةٍ نارية:
-اخرسي، مش عايز أسمع صوتك، دورك جاي، دنا يهمس لفرح بهسيسٍ مرعب:
-قولي ياحقيرة إزاي سليم لمسك، قالها ثم دفعها بعيدًا عنه، كأنها عدوى..
وقفت خلف ليلى تتحامى فيها عندما وجدت لهجته المرعبة ونيرانه التي تظهر على ملامحه..
-سليم كان واخد منشط ومش حاسس بحاجة، كان مفكرني إنتِ، كل كلامه ليا في الليلة دي باسمك، هو مكنش حاسس بحاجة..
ذُهلت ليلى من حديثها غير مستوعبة، فهمست “منشط” قالتها بتقطع، يعني إيه؟..
أشار راكان على الباب:
-ثانية واحدة لو شوفتك قدامي هموتك، برة، ومش عايز أشوفك في البيت دا تاني، واعملي حسابك لو جيتي وقولت أنا حامل هدفنك، قسمًا عظمًا هدفنك، غورررري
دلفت العاملة نعيمة وكاترين، توقفا أمامه وجسدهم يرتعش من الرعب عندما وجدوه بتلك الهيئة المرعبة..
أشار لنعيمة، وحاول السيطرة على نفسه:
-تعالي يانعيمة، اقعدي..خطت بخطواتها المهزوزة ووقفت بجوار ليلى،
احكي اللي قولتيه من يومين، اتجهت بنظرها لليلى ثم رجعت إليه، فأردف بغضب:
-قولت احكي، مبتسمعيش..فركت يديها وبدأت تقص:
-قبل سفر المرحوم بكام يوم، كاترين كانت دايمًا تعمل قهوة الباشمهندس وتقولي أنا بحب أعمل قهوته، ماخدتش الموضوع على خوانة، قولت يمكن بتحترمه وبتحب تعمله حاجاته
لحدِّ مارجع من السفر، أنا كنت بعمله قهوته، لقيتها جت بسرعة وقالتلي سيبي القهوة يانعيمة، أنا هعملها وروحي اعملي كوباية حليب للمدام، وفعلًا اتحركت على أساس كدا..
اليوم دا بعد فترة كنت طالعة لفوق، قابلني الباشمهندس وكان فيه دموع بعيونه، أنا فكرت إنه مضايق، أو مخنوق، المهم عديت الموضوع، بعدها بشوية سمعت المدام بتصرخ وحضرتك أخدتها المستشفى، وعرفت إنها تعبت ونزفت، والله ياباشا مكنتش أتصور إنهم بيحطوله حاجة في القهوة..
دنا بخطواتٍ مرعبة تجاه كاترين ولم يشعر بنفسه إلا هو يهوى بصفعةٍ قويةٍ أسقطتها أرضًا..
صاح بصوته المرعب:
-عامر، دلف إليه الرجل سريعًا، فأشار على كاترين:
-ارميلي الحقيرة دي في مذبلة لما أفوقلها.
خرج الجميع وظلت ليلى بمكانها وكأن الأرض تُسحب من تحت قدميها، وكأنها بكابوس وستفيق منه..
جلس أمام مكتبه يشعل تبغه وينفثه، يطالعها بسخرية فتحدث مستهزئًا:
-أنا بعرفك ببراءة أخويا، عشان يرتاح في تربته، مش عشانك أبدًا، أوعي تفكري إنك تعنيلي إنك تبرئيه ولا لأ، أنا حبيت أنزل بغرورك وأعرفك قدر نفسك، للأسف مكنتيش تستاهلي واحد زي سليم، لكن معلش ملحوقة يامدام..
