أمنية ج2

نظر إليها خالد في وجع، وقال:
– إنتِ فعلًا كنتِ فاهمة علاقتنا غلط.
– ومش إنتِ لوحدك…
– أنا كمان كنت فاهم حاجات كتير غلط.
نظرت إليه في استغراب.
فقال بحسم:
– أنا مسافر يا غادة بعد شهر.
– وده خبر… مش باخد رأيك فيه.
– هتسافري معايا… ولا لأ؟
قالت بعد صمت:
– لا يا خالد… مش هسافر.
أطرق برأسه لحظة، ثم قال:
– كده يبقى عملت اللي عليا.
قالت في ذهول:
– يعني إيه؟
رفع عينيه إليها، وقال:
– يعني… إنتِ طالق يا غادة.
الفصل العاشر
تمر الأيام بعد طلاق غادة من خالد ، أنعزلت غادة بعيداً عن الناس وحبست نفسها فى سجن وحدتها ، أصبحت كالوردة الذابلة التى فقدت رونقها ، كانت لا تأكل ولا تشرب إلى أن أصبحت هزيلة ووجهها باهت ، أحست بمدى إشتياقها لخالد ، فقد أشتاقت لصوته وحنانه معها ، أشتاقت لقربه منها ولحضنه الذى طالما كان أمانها ، فقررت غادة أن تعاقب نفسها بالإنعزال عن العالم فى بيت أمها ، بالرغم من أن خالد كتب لها شقتها بإسمها إكراماً لها بعد الطلاق ، فكان كريماً معها بالرغم من تطليقه لها ، مما زاد من ندمها
وفى يوم كانت غادة تجلس فى غرفتها شاردة كعادتها ، فدخلت عليها أمها فى أسى على حالها
أم غادة: وبعدهالك يا بنتى ، هتفضلى كده لحد إمتى ، شوفى شكلك يا غادة بقى عامل إزاى
غادة: عايزانى أعمل إيه يعنى يا ماما؟
أم غادة: تفوقى لنفسك يا بنتى، واللي حصل ده مش نهاية الدنيا ، بكرة ربنا يرزقك باللي أحسن منه؟
غادة: أحسن منه !
أم غادة: مالك يا غادة يا بنتى ، ليه بتتكلمى كده؟
غادة: مفيش يا ماما ، عايزة أسألك سؤال يا ماما ؟
أم غادة: قولى يا بنتى
غادة: هو بابا سابنا ليه ، وليه مسألش علينا طول السنين دى؟
تنهدت أم غادة فى آلم قائلة : إيه يا غادة اللي فكرك بالموضوع ده دلوقتى؟
غادة: أنا عمرى ما نسيته يا ماما عشان أفتكره ، دا جزء منى ، وكبر جوايا
أم غادة: اسمعى يا غادة، يمكن أول مرة أتكلم معاكى فى الموضوع ده ، أبوكى كان أبن عمقى ، وانا كنت يتيمة أتربيت عند عمقى ، وكانت بتعتبرنى بنتها ، لحد ما كبرت وبقيت عروسة ، عمقى حست أنها قربت تموت لما زاد عليها التعب، خافت عليا أتبهدل بعد موتها ، فغصبت على أبوكى يتجوزنى
غادة: غصبت عليه؟
أم غادة : أيوا يا بنتى، ساعتها كان أبوكى بيحب بنت جيرانهم ، بس مقدرش يقول لأمه لا ، وأتجوزنى ، حاول يحبنى وينسى حبيبته الأولى ، بس معرفش ، كان دايما شايفنى أخته اللي اتربت معاه ، مقدرناش نكمل مع بعض ، واتفقنا على الطلاق ، وبعدها راح أتجوز جارته اللي كان بيحبها وسافر بيها فى السعودية ، ومن ساعتها معرفش عنه حاجة
غادة: برضه اللي قولتيه ميدلوش الحق إنه ميسألش عليا
أم غادة: الدنيا تلاهى يا غادة يا بنتى، وأبوكى كان بيسال عليكى كل فترة ، بس تلاقى الدنيا شغلاه
غادة: الدنيا شغلاه ، ولا زيه زى بقيت الرجالة مش بيفكروا غير فى نفسهم
أم غادة: لا يا غادة، مش كل الرجالة وحشة يا بنتى ، وزى ما فى ناس وحشة فى ناس كتير حلوة ، عندك جوز خالتك فوزية الله يرحمه ، كان شايلها فوق راسه ، ومبيطقش عليها الهوا ، ومش هو بس رجالة كتير
تذكرت غادة حديث خالد عن والده ومعاملته الكريمة لوالدته
أكملت أم غادة حديثها قائلة: صوابعك مش زى بعضها يا غادة يا بنتى، ومتاخديش حد بذنب حد
غادة بعد تفكير : عندك حق يا ماما
أم غادة: يوووه ، نستينى كنت جاية أقولك إيه ، أنا هروح لخالتك فوزية بكرة أكمن عليها عشان تعبانة شوية
غادة: مالها خالتى ، ألف سلامة عليها ، أنا هاجى معاكى يا ماما
وفى منزل فوزية :
تجلس فوزية راقدة على السرير ويبدو عليها التعب
غادة: ألف سلامة عليكى يا خالتو
فوزية : إن شاء الله تسلمى يا غادة يا بنتى ، والله يا بنتى قلبى وجعنى عليكى وعلى اللي حصلك
غادة: دا نصيب يا خالتى
أم غادة: وإيه اللي حصلك دا من إيه؟
فوزية: مفيش يا أختى ضغطى على عليا ومحستش بنفسى غير وأنا فى الأرض
أم غادة: من إيه يا أختى ، لازم حاجة ضايقتك
فوزية: واللي مخلفة واحد زى أحمد ترتاح أبداً
غادة: أحمد ، ليه يا خالتى بتقولى كده؟
فوزية: مراته غضبان يا بنتى وطالبة الطلاق، البيه يعرف عليها واحد من إياهم وماشى معاها ، والبت يا عينى مش ملاحقة ، ومخليها عينها فى وسط راسها
غادة: أحمد يعمل كده ؟
أم غادة: إيه اللي حصل ، دا إحنا كنا بنشهد بأخلاقه
فوزية: كان فى جرة وطلع لبرة يا أختى، أحمد اتغير ومبقاش يسمع حتى كلامى زى الأول ، وعلطول واجع قلبى وقلب مراته ، أنا دايما بدعيلها الله يعينها عليه
خرجت غادة من منزل فوزية تفكر فى حديثها ، وكيف تغير أحمد إلى الأسوأ ، نظرت غادة لحال زوجة أحمد ، ورأت كيف كانت ستكون حياتها لو كانت اكتملت قصة حبها مع أحمد، علمت غادة أن الله قد أختار لها الصالح ، وأنها جيت حزنت على فراق أحمد كان هذا شر أبعده الله عنها ليبدلها بخير منه وهو خالد، الذى يختلف تماما فى أخلاقه الطيبة ودينه عن أحمد ، وتذكرت قول الآية الكريمة ” وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم” ، ياااااااالله كم كنت كريم معى بالرغم من عصيانى لك وإعراضى على حكمت ، كنت تبعد عنى الشر وأنا أحزن لفراقه ، إنها حكمتك يا الله ، لو يعلم الإنسان الخير الذى يقدره الله له ، لما أعترض على قضاء الله وحكمه أبداً
وفى أثناء شرودها لم تنتبه لهذه السيارة التى كادت أن تصدمها ، لولا إنتباهها على أخر لحظة: لتقف السيارة ويخرج منها شخص متوجهاً إلى غادة للإطمئنان عليها
الشخص: إنتى كويسة ، حصلك حاجة؟
ترفع غادة عينها إلى الشخص لتتفاجأ أنه سيف حبيبها القديم
غادة فى صدمة: سيف!
سيف: غادة ! صدفة غريبة أوى ، تعرفى أنا كنت حاسس إنى هقابلك النهاردة ، بس متوقعتش إن القدر هيجمعنا بالشكل ده
غادة: إزيك يا سيف
سيف: إزيك إنتى يا غادة، أنا كويس ، ممكن أتكلم معاكى كلمتين يا غادة
غادة: كلمتين إيه يا سيف؟
سيف: كلمتين أتمنيت أقابلك من زمان عشان أقولهملك ، أتفضلى معايا فى الكافيه ده نشرب حاجة وأقولهم علطول، وأوعدك مش هطول عليكى
غادة: ماشي يا سيف
جلست غادة مع سيف ليخبرها سيف عما يريد
سيف:متغيرتيش يا غادة ، لسه زى ما إنتى؟
غادة فى سخرية: ياااااااه يا سيف، دا أنا أتغيرت أوى ، أكتر مما تتخيل ، قول يا سيف الكلمتين خلينى أمشى
سيف: بعد ما سافرت يا غادة ، حسيت إنى كنت أنانى أوى فى رد فعلى معاكى ، أنا فكرت فى مصلحتى وبس ، ومفكرتش فى إن اللي عملته معاكى ممكن يسببلك جرح، حسيت بالذنب الرهيب خصوصا إنى فعلا حبيتك بجد ، وقررت ساعتها أنزل أصلح كل ده وأطلبك تكملى معايا
غادة: يا سلااام، لا والله كتر خيرك ، ومنزلتش ليه ، ملقتش طيارة فاضية
سيف: لا يا غادة ، عملت حادثة ، اليوم اللي كنت راجع فيه على مصر ، وأنا فى طريقة للمطار عملت حادثة بالعربية اللي كنت راكبها ، ودخلت فى غيبوبة أكثر من ست شهور لحد ما ربنا نجانى ورجعت للحياة بمعجزة
غادة: ياااااه ، على العموم حمدا لله على سلامتك ، المهم إنى قمت بالسلامة
سيف: الحادثة دى غيرت فيا كتير أوى يا غادة، شفت الموت بعينيا ، وعرفت إن حياة الإنسان ولا تسوى حاجة ، وإنه ممكن فى غمضة عين ميلاقيش نفسه ، راجعت حساباتى وعرفت ليه ربنا مخلنيش أرجع مصر ، وليه ربنا باعد بيننا ، لأن علاقتنا من الأول كانت حرام
غادة: حرام؟!
سيف: أيوا يا غادة حرام ، علاقة أى بنت بولد غير جوزها دى حرام ، كل علاقات الحب اللي شايفاها بين الولاد والبنات فى الجامعات والمدارس معظمها مبيكملش عشان ربنا ميباركش فيها، نظرة الولد لبنت غريبة حرام ، لمس إمراءة غريبة عنه حرام ، علاقات الحب دى كلها حرام ، الحب الحقيقى اللي بيتبنى على التفاهم والإحترام ، والولد لو بيحب البنت بجد هيحافظ عليها حتى من نفسه ، هيغض بصره عنها ، هيخاف يجرحها بنظرة أو بكلمة ، غير كده ميبقاش حب يا غادة ، وحتى لو حب ربنا مش هيبارك فيه لأنه متبناش على رضا ربنا ، لكن الحب الحقيقى هو الحب الحلال يا غادة
وهنا تذكرت غادة خالد ، وشعرت بدقات قلبها تتسارع ، شعرت بإشتياق شديد له ، ولما لا ، فهو حبها الحقيقى الذى طالما حاولت إنكاره ، هو كما يقول سيف حبها الحلال
أبتسمت غادة لسيف قائلة: أنا متشكرة اوى يا سيف، متعرفش كلامك ده ريحنى إزاى
سيف: المهم تكونى سامحتينى يا غادة
غادة: عارف أنا سامحتك دلوقتى ليه؟
سيف: ليه؟
غادة: عشان رجعتلى غادة، عن إذنك
الفصل الأخـــــــير
تطرق غادة باب منزل أم خالد ، فتفتح لها أم خالد فى دهشة قائلة: غادة ، إزيك يا بنتى
تدخل غادة فى لهفة : إزى حضرتك يا طنط ، خالد فين ، أنا عايزاه فى حاجة مهمة أوى ؟
تنظر لها أم خالد دون أى إجابة
غادة وقد تغير نبرة صوتها حين رأت نظرة أم خالد: خالد فين يا طنط ، فى الشغل مش كده؟
أم خالد: خالد سافر يا بنتى
غادة فى صدمة: سافر، سافر إمتى؟
أم خالد: سافر أول إمبارح
غادة: يعنى خلاص مشى ، أنا كنت جاية أقوله إنى خلاص فقت ، وعرفت إنى كنت غلطانة، خلاص عرفت إن هو أمانى ، وإنى مش محتاجة من الدنيا كلها غير وجوده جنبى، كنت جاية أقوله أنى آسفة على كل حاجة غلطتها فى حقك ، مشى من غير ما أقوله إنى بحبه
تنزل دموع غادة على وجنتيها ، وتهم بالمغادرة
أم خالد: رايحة فين يا بنتى؟
غادة: خلاص يا طنط ، كل حاجة حلوة راحت
بعد مرور سنة :
تجلس غادة فى شقتها التى تركها لها خالد قبل طلاقهم ، بعد أن قررت أن تعيش مع ذكرياتها معه ، أعتزلت العالم كله وأكتفت بوجودها فى شقته التى تشعرها بوجوده حتى ولو بعيد عنها ، وهذا الشعور وحجه يعطيها الأمان
فى منزل أم خالد:
تتحدث أم خالد مع خالد فى التليفون
أم خالد: وبعدهالك يا خالد ، مش ناوى تريح قلبى يا ابنى ، هتفضل من غير جواز طول عمرك يعنى
خالد: يا ماما أنا خلاص جربت حظى ، ومش ناوى أكررها تانى
أم خالد: يبقى عايزنى أموت بحسرتى عليك ، كان نفسى أشيل عيالك قبل ما أموت
خالد: بعد الشر عليك يا أمى ، طب إنتى إيه اللي يريحك وأنا أعمله؟
أم خالد: تشوفلك بنت الحلال التى تعوضك عن اللي فات ، وتتجوزها
خالد: بصى يا ماما ، أنا معدش فارق معايا هتجوز مين ، شوفيلى إنتى واحدة كويسة على ضمانتك ، وأنا هنزل مصر أجازة خلال أسبوعين ، أشوفها

