(أحفاد الجارحي 5) من الفصل ال7الي 15

بقلم أية محمد رفعت

_كنت على طول بخالفك وواقف في وشك في أي قرار بتأخده، كأني كنت واخد عهد على نفسي اني اتحداك طول ما أنا عايش… أنا النهاردة ضعيف ومحتاج لوجودك… محتاجلك ولأول مرة أعترف بيها.. أنا من غيرك مش مسنود أنت كنت السند والحماية ليا حتى وأنا رافض ده…. بجد محتاجلك أوي…
تقهقهرت الدمعات على خديه مع تلك الصفعة القاسية التي يواجه بها نفسه لأول مرة بمكانٍ ليس به سواه هو، يبوح بما يصعب على لسانه العاجز البوح به، يخرج ما يأجج داخل صدره في ذلك المكان المنعزل، لا يآنس وحدته سوى تلك الدمعة الحارقة التي تحررت أخيرًا من معتقلها، وفجأة شق صوت عذب ذاك الصمت المقبض وهو يجيب صراخه المهتاج:
_أنا هنا يا عدي… جنبك ومستحيل هتخلى عنك!
استدار بجسده للخلف، فوجده يتكأ على تلك الصخور، وعلى ما يبدو بأنه كان يستمع لحديثه من البداية، نهض عدي عن الأرض بابتسامةٍ ازاحت غمة الحزن وكلمة واحدة تتردد بسعادة عالم بأكمله:
_بابا!!!
انتفض بنومته فزعًا من ذاك المنام الغامض، والغريب له احتفاظ عينيه بالدمعات وكأنها تقسم بأن تذكره بمنامه الغريب، أي منامٍ هذا الذي يترك من خلفه وجعًا يضرب روحه ويطعن قلبه دون رحمة، كانت رسالة ربانية غريبة، لم يفهم مغزاها حتى الآن، حتى توقيت رؤياه للحلم كان الامثل لاعتباره رقية، وهل هناك أمثل من وجوده باحد منازل الله عز وجل؟!
نهض عن سجادة الصلاة، وهو يتأمل المكان من حوله بعينين دامعتين، فأخرج محفظته الجلدية ثم أخرج مبلغًا صخمًا، واتجه لصندوق المسجد وانحنى ليضعه وهو يردد بألمٍ:
_أنا مش عارف أيه اللي بيحصل.. بس أنا بتمنى إنك تحفظلي أبويا من كل شر.. احفظني من نفسي ومن شيطاني يا رب.
وانحنى برأسه للأسفل وهو يسترسل بحزنٍ:
_كل اللي حواليا نقاط ضعف ليا فيا رب متورنيش السوء في حد فيهم.. افديهم بروحي يا رب.
واستدار ليغادر المسجد تاركًا من خلفه سكينته وراحته القصيرة، التي قضاها بداخل بيته الكريم، غادر “عدي” واتجه للقصر بعد أن قضى ليله به.
********
فتحت عينيها الساحرة بتكاسلٍ انصياعًا لليد التي تحرك جسدها، فرددت بنومٍ:
_في أيه يا مارثا؟
ذكرتها الخادمة بما أخبرتها به قبل غفلتها أمس:
_موعدك مع طبيبة الاسنان سيدتي!
فركت “مروج” جبهتها ببعض الألم، فاعتدلت على الفراش وهي تحاول فتح عينيها بصعوبةٍ، فمازال النوم يسيطر عليها، حررت يدها عاليًا وهي تشير لها:
_جهزيلي الحمام يا مارثا.
هزت رأسها بطاعةٍ وانصرفت تلبي طلبها، بينما نهضت “مروج” عن سريرها واتجهت لخزانتها، تنقي ما يليق لزيارة الطبيبة، اغتسلت وارتدت بنطالا قماشيا من اللون الأسود الفضفاض، وقميصا من اللون الوردي طويلا يصل لبعد ركبتها، عقدت حجابها جيدًا، استعدت للمغادرة، وقبل أن تغادر شددت على الخادمة:
_خلي بالك من عز وهمسة يا مارثا.. عز يخلص واجباته وهمسة جهزيلها الرضعة بتاعتها في وقتها.
ردت عليها بود:
_لا تقلقي سيدتي.
غادرت “مروج” بعدما اطمأن قلبها على أولادها، فصعدت لسيارتها واتجهت للعيادة الخاصة، انتظرت دورها حتى دخلت، وحينما انتهت غادرت مسرعة حتى لا تتأخر بعودتها على ابنائها، فولجت للمصعد وضغطت على زر الطابق الأرضي، فتحرك بها المصعد لينخفض عشرة طوابق ومن ثم علق بها بالطابق العشرون، انقبض قلبها وهي تعيد الضغط على ازرار المصعد، ولكنه لم يستجيب إليهاو، انقبض قلبها رعبًا، وخاصة حينما تلاعبت الإنارة وكأنه مشهد من فيلمٍ رعبٍ يعاد على مخيلتها، سعلت “مروج” بقوةٍ كادت بإغلاق مجرى تنفسها، فمسدت يدها على حقيبتها الصغيرة، أخرجت هاتفها واختارت رقم زوجها، حاولت الاتصال به ولكن الشبكة بالمصعد كانت تحت الانقاض! ، لم تحصل حتى على شرطة واحدة تنقذها مما تتعرض له، والمحزن بالأمر بأنه مبنى ضخمًا يحتوي على أربعة مصاعد، فلن يعبئ أحدًا إن تعطل احداهم، جلست مروج أرضًا وقد احاطتها وابل من الدموع، وجسدها يرتجف بعنفٍ، فسجلت رسالة صوتية لزوجها ومازال الأمل يولد داخلها، علها تصل له ويأتي لنجدتها:
«مازن الحقني.. الاسانسير عطلان بيا في عيادة دكتورة يمنى، أرجوك ساعدني أنا خايفة وحاسة إن نفسي بيتسحب مني..»
هوت دموعها مع سقوط الهاتف عن يدها، مرت ساعة كاملة تجاهد بها لالتقاط الاكسجين ومحاربة الاغماء، وفجأة شعرت بصوتٍ قريب منها يتساءل:
_في حد جوه؟
نهضت على قدميها وهي تصيح بلهفةٍ:
_أيـوه.. ساعدني أرجوك!
اتاها صوت رجولي يجيبها:
_متقلقيش يا آنسة.. بحاول أفتح الباب.. عايزك بس تبعدي شوية.
ازاحت دمعاتها عنها والسعادة عادت تلوح لها بعد فقدان أمل عزيز لها، فتسلل لمسمعها صوت ضربات قوية تصيب الباب وأداة حادة تخترقه حتى نجحت بفصله عن بعضه من الجزء العلوي، فوجدت ذراع ممدود لها وهو يحثها على الاقتراب:
_حاولي تمسكي ايدي بسرعة.
لم تفكر أبدًا، نجاتها بالوقت الحالي هو اسمى امنياتها، لذا حملت هاتفها وحقيبتها وتشبثت بذراعه، فرفعها بكل قوةٍ حتى تمكن من اخراجها للهواء الطلق، جاهدت مروج للوقوف على قدميها ومازالت نوبة البكاء تجتازها، فقدم لها هذا الرجل زجاجة من المياه قائلًا بلطفٍ:
_اتفضلي.
تناولته منه مروج، وتجرعت منها كمية كانت كافية لانعاشها، وقد بدأ اتزانها يعاود لذهنها ولكنه غائب عن جسدها المرتجف، فقالت بلسان مضطرب:
_مش عارفة أشكرك ازاي.
ابتسم وهو يتأملها بنظراتٍ عميقة، وبنبرةٍ غامضة قال:
_مفيش داعي للشكر.. انا كنت في ميتنج بالدور ده ولما جيت استخدم الاسانسير لقيته عطلان.
وقدم يده ليصافحها:
_أنا مهاب.
استندت على حافة العمود الذهبي حتى وقفت على قدميها، تأملت يده الممدودة بحرجٍ، فتعمدت تمسكها بحقيبتها وهي تردد على استحياءٍ:
_اتشرفت بحضرتك.. واللي عملته معايا حقيقي مش ممكن أنساه.
سحب يده الممدودة بغضبٍ دفنه خلف ابتسامةٍ زائفة، وهو يخبرها بلباقةٍ:
_أنا معملتش غير الواجب.
منحته ابتسامة صغيرة واتجهت بخطواتٍ شبه متعثرة للدرج، فاوقفها بذهولٍ:
_هتنزلي كل ده احنا في الدور العشرين!
ازدردت ريقها الجاف بصعوبةٍ، فهي بحالة لا تسمح لها بالهبوط كل تلك المسافة، ومع ذلك تخشى الصعود للمصعد مجددًا، فما حدث سيجعلها تمقت صعود أي مصعد قط، وزعت نظراتها بحيرةٍ بين المصعد والدرج، فقطع حيرتها حينما قال بخشونة:
_اسمحيلي انزلك بالاسانسير.
هزت رأسها نافية بلباقةٍ:
_مفيش داعي أنا هنزل لوحدي.
اعترض طريقها ولحق بها وهو يخبرها بلطفٍ زائد:
_مش محتاجة تخبي الحالة اللي انتي فيها لانها باينة.
لم تكن بحالةٍ تسمح لها بالجدال، وخاصة بأن ما كونته عنه لم يكن بالسيء، بالنهاية قدم لها يد المساعدة في وقتٍ ظنته الاخير من حياتها، ولجت معه مروج للداخل، فهاجمتها نوبة حادة من الدوار، ومشاهد ما حدث لها بالداخل منذ قليل ترتطم بها بوحشيةٍ قاتلة، رفعت يدها تتحسس جبهتها بألمٍ جعلها تهوى دون اي ارادة لها بالنهوض، حان بينها وبين الارض فسقطت بين ذراعيه وابتسامته الخبيثة تسري على شفتيه وهو يتأملها عن قربٍ خطر!
********
اليوم كان عطلة لرائد وأحمد، للتركيز للمعاركة التي تنتظرهما بالغد، فباشر الشباب العمل من المنزلٍ، كان “عدي” بطريقه للأعلى حينما وجد أبيه يستعد للهبوط، فوقف قبالته بوجهه الشاحب الذي أثار قلق ياسين، فسأله بنظرةٍ تلتهم تعابيره:
_أنت كويس؟
أومأ برأسه بخفةٍ، فعاد ليتساءل من جديدٍ:
_كنت فين لحد دلوقتي؟
ابتسامة ساخرة لحقت بكلماته المشككة:
_اللي بيرقبوني مبلغوش حضرتك بمكاني؟
تعمق بالتطلع لحدقتيه الغريبة، وهو يردد:
_قولتلك قبل كده واجبي اني أحمي العيلة كلها.. وانت دلوقتي منصبك حساس والعيون كلها عليك.
عقله الذكي يرفض تصديق ما قاله، فأخبره بدهاءٍ حينما قال:
_يعني مفيش فرق بين شغلي وشغل حضرتك.. هنا حياتي في خطر وهناك نفس الوضع طب ليه حضرتك أصريت أسيب شغلي مدام نفس المصير بيلاحقني!
هبط الدرج دون أن يقدم اجابته إليه، وحينما كاد بالانعراج عن استقامة الدرج قال بنبرة وخيمة:
_يمكن لاني حابب ده.
وتركه وغادر من أمامه، فاستكمل الاخير طريقه للأعلى وخاصة لغرفة رائد وأحمد ليطمئن بنفسه أن كل الامور على ما يرام.
*******
بغرفة “ياسين”
كان يتطلع للملف من أمامه وهو يثبت شاشة الحاسوب إليه، بعد أن ضمن الاتصال بالفيديو على الشباب، ليكون بديل الاجتماع بالحضور هاتفيًا لمناقشة بعض الامور الهامة، فانتظر حتى يجتمع الجميع واستغل وقته بتجهيز الملفات المقصودة بسبب اجتماعهم، وفي أقل من دقيقة كان يملئ الشباب شاشة حاسوبه، فحياهم على مضضٍ:
_صباح الفل يا رجالة.. ركزوا معايا كده عشان ننجز الاجتماع بوقت قصير ونستمتع بالاجازة براحتنا.
تطلعوا اليه من خلف شاشة الجاسوب، فكاد بأن يعرض الملف من أمامهم، وفجأة قبل أن ينطق يعرضها من أمامهم، استمع لصوت باب مكتبه يفتح، واشرأبت بعنقها من خلفه وهي تردد:
_ياسين أنت هنا؟
كان على شفا أن يجيبها، ولكن ألجم لسانه حينما رآها تسرع إليه، ومن ثم جلست على قدميه وهي تشير له:
_أهم حاجه بنتي تكون قاعدة مرتاحة..
عدلت من بطنها المنتفخة، ولفت ذراعيها حول رقبته وهي تهمس له بنبرة مثيرة:
_النهاردة المفروض اجازتك.. هتقضيها برضه في الشغل.
جحظت عين ياسين وهو يحاول اخبارها بالكاميرا من أمامهما التي تجعلها كالبث المباشر الحي، أشارت له مليكة بتهديد ولم تترك له فرصة الحديث:
_شكلي هشتكيك لبابا تاني.. وساعتها بقا شوف عقوبتك المرادي هتبقى أيه
واستطردت بحزن مصطنع:
_انا قولت انك هتستغل سفر يحيى وهتهتم بيا أنا وبنتك بس انت مش سأل على حد فينا!
_أنا من رأيي ترفعي عليه قض\ية خلع يا مليكة..
صعقت حينما استمعت لصوت عمر يخترق مجلسهما السري على ما بدا لها، فتطلعت ناحية الباب بتوترٍ اتبع رجفة نبرتها:
_مش ده صوت عمر!
رد عليها جاسم بمزحٍ:
_مش عمر بس ده المحلة كلها هنا وبتشجع بضمير..
ردد معتز بشماتة:
_الراجل كل يومين يعملنا اجتماع ومحاكمة وهو نفسه محتاج يتحاكم!
ضحك أحمد وهو يردد بصعوبة من بين ضحكاته:
_عذرك معاك يا ياسين اقفل وانا همسك بدالك.
اتجهت أعين مليكة تجاه شاشة الحاسوب وهي تردد بصدمة:
_ده أيه؟
ضيق ياسين عينيه بغضبٍ:
_ادتيني فرصة اشرحلك أنا!!
نهضت عن قدميه وتباعدت عن محيط مقعده بحرجٍ، فحمدت الله مرتين بأنها ترتدي حجابها، وقبل أن يغلق الشباب، استمعوا لصوتٍ أخر يقتحم مكالمتهم الجماعية، صوتًا ممزوجا بالصراخ:
_عمــر الحقني انا بولد.
اجابها بلا مبالاة وهو يتابع مكالمته:
_لسه لسه.. انا فاهم في الموضوع ده أكتر منك.
تعالت صيحة انفلتت منها لتصم آذانهم جميعًا، فصعق من يتأملها بعدما انخفضت المياه عنها، فلكزته بغضب وهي تواصل صراخها:
_لسه محتاج اثباتات تانية… الحقنــي!
_يا نهار اسود.. دي ولادة فعلا!
_يا شيخ!!!… تصدق اني افتكرتها رحلة استكشافية للبيبي… الحقنــــــــــــي!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *