# الفصل _السابع نظراته الثاقبة أحاطت وجوه هؤلاء الحمقى ،وتعمد تصنع اللامبالاة لما يحدث حوله، حمل أكياس الطعام ومن ثم انحنى للمقعد الخلفي، فوضع ما بيده بانتظامٍ، وانتصب بوقفته ريثما يغلق باب السيارة، فكاد بالتوجه لمقعد القيادة ولكنه توقف حينما صدح هاتفه برنينه الصاخب، حرر "عدي" أزرر هاتفه ليأتيه صوت أخيه المتسرع بما يود سؤاله عنه: _عدي أنت بالبيت ولا لسه برة؟ ضيق عينيه بدهشةٍ، فلم يعتاد أبدًا على سؤاله الغريب هذا، وبالرغم من ذلك أجابه: _أنا لسه بره... بتسأل ليه؟ =عربيتي عطلت في الطريق وبحاول أكلم عثمان يبعتلي حد من الحرس بس مش بيرد على موبيله! صعد لسيارته وأعتلى مقعد القيادة، فضغط على المقود وهو يردد: _ابعتلي اللوكيشن وأنا دقايق وهكون عندك. اسند "عدي" هاتفه لجواره ليراقب مسار الطريق الموضوع من أمامه بعد أن أرسل "عمر" بموقعه، وإن تعركل بازدحام الطريق كان ينجح باجتياز السيارات ببراعته المعتادة، ربما اعتياده القبض على المجرمين وقطع طريقهم جعله محترف بالقيادة، فما كانت سوى دقائق بسيطة حتى لاحت سيارة أخيه من أمامه، اقترب "عدي" حتى صف سيارته بمحاذاتها، وانتظر لدقيقةٍ حتى يخرج عمر من سيارته، وحينما تأخر أخفض زجاج سيارته وهو يناديه بضيقٍ: _عايز دعوة عشان تنزل!! ارتاب لامره، فهبط من سيارته ثم عاد ليناديه بصوتٍ مرتفع: _عمر! اقترب من سيارته، وانحنى تجاه زجاج نافذتها يتأملها الداخل باهتمامٍ، التاع قلبه فزعًا حينما رأى أخاه يتكئ بجسده العلوي على مقود السيارة مغلق العينين، وفي حالة استسلامٍ تام، فتح باب السيارة بقوةٍ كادت باسقاطه من أسفل قدميه وهو يصيح بتَوَجُّس: _عمــــــــــر! قبضته الصلبة نجحت بابعاد جسده عن المقود، ففتح عينيه بألمٍ اتبع نبرته المنخفضة: _آآه.. في أيه صرعتني! اجتمع غضب الكون بأكمله بمقلتيه المحتقنة، فدفعه خارج السيارة وهو يسبه بعنفٍ، والأخير يحاول فهم سبب تلك الثورة التي سيكون أول ضحاياها، فصاح بأنفاسٍ تسارع للتنفس: _طب بس فهمني أنا عملت أيه!! .. مسكتني بفعل فاضح بالطريق العام!! وسعل بقوةٍ وهو يحاول أن تستمد قوته باقي كلماته المتقطعة: _ده أنا كنت مأيل شوية يا جدع! استعاد عدي ثباته، فاكتفى بقذفه بنظراته الحادة، وبعنجهيةٍ قاتلة اتجه لمقعده ثم أشغل المحرك وعينيه تترقبان الاخير الذي وقف محله بدهشةٍ لما يحدث، فأعدل من ملابسه واتبع خطى أخيه حتى بات لجواره، فتحرك عدي بصمتٍ جعل عمر يسأله برفقٍ يصاحب مزحه: _أنت اتخضيت علي ولا أيه يا وحش! القاه بنظرة خاطفة من طرف عسليته، فابتسم عمر وهو يجاريه: _المفروض انك تحس اني كويس لاننا تؤام ولا انت مبتحسش غير برحمة! احتدت نظراته فباتت اكثر خطورة، لذا انسحب عدي من ساحة مجابهته، فتسلل لمنخاره رائحة الطعام الشهي، فالتقط نفسًا مطولًا وهو يسأله بشكٍ: _في ريحة تجوع. وبدهشةٍ تساءل: _أنت شايل أكل.. معقول!! تشبث عدي بالمقود بيده اليسرى ومن ثم انحنى للخلف فجذب أحد علب الطعام، ثم وضعها على قدم أخيه، الذي بدأ بفتحها ومن ثم تناول الطعام بجوعٍ بدى على سرعته بتناوله، فجذب أحد اللقمات ثم قربها منه وهو يمازحه بخفةٍ: _بل ريقك بعد الخضة. استدار برأسه تجاهه وهو يعنفه بغضبٍ: _أنا مبحبش اسوق وحد بيرغي جنبي.. هتكتر في الكلام هرميك على الرصيف ولا هسأل فيك. تقوس حاجبيه بضيقٍ، فتناول ما بيده وهو يهمس بحنقٍ: _ندل وتعملها. عاد الهدوء يخيم بجلبابه عليهما، انتهى عمر من تناول طعامه واسند رأسه على زجاج النافذة من جواره ليغوص ببحر شرود لا يليق بشخصه الطريف، لاحظ عدي صمته العجيب فتساءل بقلق يدغدغ حواسه الباردة: _مالك؟ ابتسم وكأنه كان ينتظر سؤاله للبوح عما يخنق صدره: _وحشني البلطو الابيض.. ومكتبي والمرضى اللي اتعودت انهم يكونوا جزء من حياتي! التفت اليه بحزنٍ لاح بين صميم نظرته العميقة، فتحولت لشيءٍ من القسوة اتبعت حديثه: _ياسين الجارحي مش بيبص على التفاهات دي.. ياسين الجارحي متعود يصدر الفرمان والأوامر بس. استدار عمر إليه، ثم قال بهدوءٍ: _عدي بابا عمره ما كان اناني.. بدليل انه سابنا نختار من البداية. ابتسم ساخرًا على أخيه الذي يراه طيب القلب فيسهل خداعه كحال والدته: _سابك تختار اللي انت حابه عشان في الأخر هتنفذ اللي هو عايزه! رمش بعينيه بحيرةٍ باختيار كلمات قد توضح له نظرته تجاه أبيه، فقال: _أنا مش عارف أنت ليه بتعارض كل قرار بياخده حتى لو كان لصالح العيلة ولصالحك! أوقف عدي سيارته بقوةٍ جعلت اصطكاكها مزعج للغاية، وقال بشيءٍ من الهدوء على عكس المتوقع: _أنا اتخنقت يا عمر... اتخنقت من كل شيء... اتخنقت من نظرات كل اللي حواليا.. من وأنا صغير وانا بشوف بعيون الكل نظرة اني مرتاح ومولود وفي بوقي معلقة دهب.. بشوف حقد وحسد لاني ابن ياسين الجارحي العظيم.. تعبت وانا بحاول ابرر لكل اللي حواليا اني وصلت لكل ده بمجهودي مش بوسطة ابويا... تعبت وانا بكافح في الشرطة عشان اوصل لمنصبي وكل ده بيضيع ورا نظرة شك في عيون زمايلي رغم انهم عارفين قدراتي واللي اقدر اعمله... كرهت سلطة ياسين الجارحي اللي غصب عين الكل مفروضة حتى لو هو مش بيتدخل في حياتي. وبوجعٍ صحب صوته المهزوز استرسل: _أنا مش عايز أبويا يكون شخص عظيم ومعروف.. انا عايز أب يحتويني وقت غضبي ويطبطب علي! وسأله بانهزامٍ: _طلبي كبير؟ ابتسم رغم تلك الدمعة الخائن بين مقلتيه، فهز رأسه بالنفي وقال: _لا مش كتير.. بس فاتك تحمد ربنا على النعم الكتير اللي انت فيها يا عدي، بابا يستحق انك تكون فخور بيه.. حتى وانت شايف نظرات الغل دي جوه عيون اللي حواليك! _اربط حزامك. كلمات هادئة تحررت على لسانه وهو يتطلع للمرآة بنظرةٍ صلدة، فردد عمر بحيرةٍ: _ليه! عاد ليكرر كلماته وهو يحرك مفتاحه: _قولتلك اربط حزامك. انصاع اليه عمر وهو يحاول استيعاب ما يحدث، وفجأة تراجع عدي بسيارته للخلف وانعطف حتى ابدل طريقه، فبات في قبالة السيارة التي تراقبه خلسة، لاح على شفتيه بسمة خبيثة وهو يموج بالمقود الذي دفع ادخنته بشراهةٍ، وكأنه يستعد لأوامر سيده، وفجأة وبين نظرات ترقب عمر لفهم ما يحدث هنا، اندفعت سيارة عدي بمهارة تجاه السيارة السوداء التي تحاول الفرار بالتراجع للخلف بذهول وصدمة لما يحدث من أمامها، وبين تلك الصراعات دفعتها سيارة عدي للخلف بقوةٍ جعلتها تنجرف عن الجسر الحديدي الذي سبقها بالسقوط بالنهر وصراخ عمر يندفع بصدمةٍ: _حاســب يا عدي!! استدار بسيارته ومن ثم ضغط على مكابح السيارة مستخدامًا الفرامل خصتها، فتمكن بحرفيةٍ من تفادي اطراف الجسر، وتوقفت السيارة بسلامٍ آمن، أخفض عدي زجاج النافذة حتى يظهر انعكاس وجهه جيدًا للرجلين بعدما تحرروا من السيارة فصعدوا فوق سطحها، تمدد كلًا منهما على السطح الذي يكسوه المياه التي ابتلعت السيارة كالوحش المفترس، فاخذ السعال حقه بالانتقام منهم، لاحت بسمة ساخرة على شفتي الوحش الماكر، فضم يده معًا ليقدم تحية للرجل الذي يراقبه بنظراتٍ محتقنة، وكأنه يحييه على غبائهم الذي دفعهم لمراقبةٍ شخص ليس بالخصم الهين بالمرة! ******* بالقصر..وخاصة بغرفة المكتب الرئيسي حيث يجتمع الشباب بأكملهم. وضع جاسم احد الملفات على المكتب وهو يشير على موضع فارغ بالورقة: _مش فاضل غير توقيعك يا أحمد. انجرف عقله خلف طوفان من وجعٍ، يستحضره في تلك الساعات الاخيرة، الألم الذي يخص أقرب أناس للقلب وجعه لا يضاهي شيئًا، ومع ذلك حاول الهاء ذاته بالعمل عله ينسى ما حدث اليوم مع ابنته، أفاق من شروده القصير على هزة يد جاسم وهو يتفحصه باسترابةٍ: _أحمد أنت كويس! احتضن مقدمة رأسه باصبعيه، ثم جذب احد الاقلام الموضوعة من امامه، فوقع وهو يجيبه: _كويس يا جاسم.. لسه في اوراق تانية؟ أغلق الملف بعدما تأمل موقع الامضاء: _لا كده خلاص... اطلع كمل نومك بقى. هز رأسه بمللٍ يستقطب جوارحه فيجعله دون جهد، نهض أحمد عن مقعده وجمع أغراضه الشخصية، وما أن حرر مقبض الباب حتى ارتد جسده للخلف بعنفٍ جراء ذلك الاصطدام القوي بمن يندفع كالثور الهائج ، تابع جاسم ما يحدث بضحكة كبتها بصعوبة وخاصة حينما هرع حازم للداخل وهو يحتضن حاسوبه ويصرخ: _واجب عليكم تخلصوني من كل كارثة والمرادي لازم تلحقوني قبل ما اشدكم ورايا واحد واحد! ******* عادت السيارة لطريقها الآمن، وبالكاد تمكن عمر من تخطي ما تعرض له للتو، فمال برأسه تجاه اخيه وهو يردد بعد فترة من التفكير: _بابا رجع يراقبك تاني؟ ابتسامته الماكرة لحقت حديثه الساخر: _ياسين الجارحي مش بيشغل معاه ناس اغبية.. واسترسل بتوعد: _تبع مين دول.. ده اللي محتاج اعرفه بالفترة اللي جاية.. قاطع حديثهما صوت رسالة هاتف عدي، فاخرج هاتفه ليتفحص ماذا هناك فاذا برسالة نصية من ياسين تطالب العون والعودة للقصر سريعًا «عدي احنا كلنا في مصيبة سودة بسبب الحيوان حازم.. ارجع حالا قبل ما بابا او عمي يكتشفوا الموضوع.» دفع الهاتف عن يده بغيظٍ كاد ببتر شفتيه من فرط عصبيته، فردد من بين اصطكاك اسنانه: _نهايتك مش هتكون غير على ايدي انا يا**** خطوات تردد صداها بأرجاء الغرفة، وكأن باحتكاكها رسالة بهلاكٍ وتوتر لما سيقع فوق رؤوسهم، الاجواء كان يقبضها خوفًا من القادم، وأبشع ما يورد للعقول النتيجة المتوقعة لما ارتكبه احمق العائلة، و وسط تلك المشاحنات العصيبة مازال صوت الحذاء يزعج آذان جميع من بالقاعة، إلى أن قرر "رائد" قطع تلك الدعسات التي تزيد من أحمالهم: _اهدى بقا يا أخي واقعد في جنب، خيلتني! صفق حازم يد بالاخرى وهو يردد بخوفٍ يكاد يبتلعه حيًا: _اهدى ازاي بعد ما بلغتم عدي باللي حصل! والقى نظرة حادة اخترقت وجوههم جميعًا قبل أن يخرج عن طوره: _انا مشوفتش في حياتي ناس ندلة وخسيسة زيكم.. ده جزاتي اني إستأمنتكم على سر من اسراري العسكرية، بدل ما تساعدوني وتاخدوا بيدي رايحين تسلموني للوحش وش! تمدد جاسم جوار رائد على الاريكة الجلدية، وقال وهو يهاجم نوبات نومه العزيز: _لما مصايبك ميبقاش ليها حل هنلجئ لمين يا سبع الرجال! مال رائد برأسه على مسند الاريكة الخلفي بتعبٍ لحق نبرته الهادئة: _مهو مفيش غير اختيارين يا ياسين الجارحي يا الوحش. كظم غيظه، واستدار تجاه ياسين الذي يتابع ما يحدث بينهم بصمتٍ بارد، فحاول استدراجه لمنطقته النائية: _أخر حاجة كنت أتوقعها انك انت اللي تبلغ عني، بقى أنت اللي تعمل فيا كده أنت!!! هو الدنيا جرا فيها أيه يا جدعان!! حطم أحمد جلبابه المعتم حينما صاح بانفعالٍ شرس: _قسمًا بالله لو محطيت لسانك في بوقك واتركنت في أي زواية تلمك لحد ما نشوف مخرج من المصيبة السودة اللي وقعتنا فيها دي لاكون أنا اللي ساحب قلبك من مكانه.. عشان ارتاح من حظي الاسود اللي موقعني مع أخ غبي زيك! ابتلع حازم ريقه برعبٍ من الحالة الغريبة التي تسيطر على أخيه، فتراجع للخلف بظهره حتى سقط جسده تلقائيًا على أحد المقاعد المنفردة للخلف، وراح يتساءل بصوتٍ ظنه غير مسموع: _أحمد وخرج عن رزانته طب مين اللي هيحميك من شر ابليس اللي في الطريق ده! لمعت عينيه ببريقٍ خبيث، فطرقع أصابعه وهو يخرج هاتفه بحماسٍ: _هو مفيش غيره! ******** بالطابق الثاني من القصر وبالأخص بغرفة"حمزة" مل وهو ينتظر بالفراش لأكثر من ساعتبن متتاليتين، حتى أن النوم قد غلبه فاهتز رأسه للأسفل بعنفٍ حينما سقط من اعلى الفراش، فامسك بالغطاء السميك باستماتةٍ حتى تفادى سقوط جسده بأكمله خلف رأسه المخمور بالنوم، فأحكم المئزر الواسع حول الشورت القصير الذي يرتديه، فنجح بإخفاء بطنه المنتفخ كالبلور، فلم يهتم يومًا بلياقته البدنية على عكس ابناء أعمامه، فلم يغزو الشيب رأسه فحسب بل سرى على جسده البطن المنتفخ التي لا تليق أبدًا بجسده الرفيع، فتح حمزة عينيه بمللٍ وهو يناديها: _أنا بنـــام يا توتووووو لسه قدامك كتير!! اتاه صوتها من خلف باب الحمام الموصود تخبره: _لا خلصت وخارجة أهو يا حبيبي. ذم شفتيه باستنكارٍ ساخرٍ: _بقالك ساعتين بتقولي خارجة، هموت وأعرف بتعملي أيه كل ده جوه. وعاد ليتمتم بغضبٍ: _الستات دي ليها الف لغز، عاملة زي اللب الاسود اللي جوه البطيخة.. ومن كتر حبك فيه مضطر تاكله حتى لو اللب الرزل هيضايقك وينغص عليك عيشتك المطينة بطين! إشرأبت بعنقها من خلف باب الحمام، تتساءل بحدةٍ: _بتقول حاجة يا حمزة؟ جحظت عينيه في صدمةٍ لجأت به لرسم بسمة ساذجة: _أبدًا يام أحمد يا غالية.. ده أنا بقول هستانكي حتى لو لأخر يوم في عمري اللي بيتلهط وأنا لسه قاعد مكاني على السرير بستنى طلتك البهية! وجذب الوسادة ثم قذفها خلفه بغضبٍ يكبته بداخله قدر المستطاع حتى لا تنتهي ليلته الوردية بخناقٍ سيودي بمشاعره، فجذب من جواره وعاء حبات الذرة الشهي، فأخذ يلتهمه بشراسةٍ تطفئ غيظه من زوجته، فانسجم قليلًا مع الفيلم المعروض على الشاشة التي تقابل فراشه، وفجأة اطبق فمه على بعض من حبات الذرة وانغلقت عينيه استسلامًا لنوبة مؤقتة من النوم، فسقط رأسه بعنفٍ على الكومود لينزع عنه الوعاء الذي تبعثر بانحاء الغرفة، نهض حمزة عن الفراش وهو يتأمل حالة الفوضي التي يشملها الفراش، فوزع نظراته بين الفراش تارة وبين باب الحمام الذي يدور مقبضه تارة اخرى، وقبل أن يتحرر بها كان يندفع بكل قوته تجاه الفراش ليخفي حبات الذرة واذ بوجهه يشتعل بحمرةٍ غريبة، جعلت تالين تتساءل بقلقٍ: _مالك يا حمزة.. أنت كويس؟ هز رأسه ببسمة اقرب للبكاء، وبهمسٍ مؤلم قال: _عمودي الفقري بس قافش حبتين.. واسترسل وهو يجذب الغطاء ليخفي ما يخفيه جسده من اسفله، وتمتم بسخطٍ وهو يحاول الاعتدال بفراشه: _هي ليلة باينة من اولها.. ومع كل تلك التعقيدات مازال يرسم ابتسامة وهو يشير لها بغمزةٍ ظنها جريئة على عكس ما رأتها تالين فحدجته بنظرة ساخرة، ومن ثم اتجهت للسراحة، تلاشت معالم السعادة على وجهه وراح بتساءل بقهر: _انتي راحة فين تاني! جذبت المِشْطُ وأخذت تمشط خصلاتها وهي تجيبه بضيقٍ دون أن تتطلع تجاهه: _في أيه يا حمزة.. هو أنا اجبرتك تقعد وتستناني ما تنام!! كز على اسنانه ومن بين اصطكاكهم قال: _عطوا الغبي كشكول وقلم وقالوله اقرأ!! كاد بطرح سيل من الحكمة المتعارفة بقاموس حمزة الجارحي فقط، ولكن صوت هاتفه جعله يتغاضى عن معركة الجدال فيما بينهما، جذب هاتفه ليجد رسالة جعلت معالمه تتكمش تأففًا، وخاصة وهو يقرأ محتوياتها «ابنك هيتعلم عليه في بيتك وفي وجودك يا ريس..» ترقب حازم رؤية رد من أبيه، ولكنه على غير عادته تجاهل رسالته، فعاد ليرسل له عله يحفز خلاياه «هو ده العشم والانصاف، هيجيلك قلب تنام وعارف ان ابنك محتاجلك!» القى حمزة هاتفه بعيدًا عن يده بعدما جعله بوضع الصامت، وترقب لحظة جلوس زوجته لجواره بابتسامة برزت اسنانه، وسرعان ما تلاشت ابتسامته حينما وجدها تندس أسفل الفراش وتغمر جسدها بالغطاء، لتغوص بنومٍ مريحٍ، والآخر يراقبها ببلاهةٍ، اهتز هاتفه مجددًا فجذبه بغضبٍ ليقرأ رسالة حازم الاخيرة «كده... يكش تفضل عمرك كله تستنى الليلة اللي عمرها ما هتحصل دي يا زيزو.. بقى يا راجل انا بستنجد بيك تقوم تطنشني، عموما براحتك انا كنت محضرلك صبغة وشوية كريمات مساج ترجعك صغير ولو 30سنة، بس انت مالكش في الطيب نصيب.. نام واتدفى يا حاج» قذف حمزة هاتفه ارضًا بغيظٍ، ثم احكم اغلاق مئزره واتجه للاسفل ليرى ماذا هنالك؟ ****** صوت بوق سيارة عدي المميز، جعل قلب حازم يندفع رعبًا من القادم، وفور ظهوره يقترب على باب القصر جعله يهرول للأريكة التي يقطن بها أخوه الذي يرمقه بسخطٍ، وهو من ينوي تسليمه يدا بيد، وقف عدي قبالة ياسين وتساءل: _أيه اللي حصل؟ صعد حازم فوق ساق أحمد وتعلق به كالطفل الصغير الذي يحتمي بوحشه الملائكي، عله يحمله ويرفرف بجناحته بعيدًا عن مكان وجود الوحش الاشرس، قذفه أحمد بعيدًا عنه بنفورٍ، ومع ذلك لم ينجح بابعاده عنه كليًا، همس حازم بصوت متقطع بائس: _متقولش يا ياسين.. خليك جدع. وكأنه تلقى دعوة صريحة بالحديث، ففور انتهائه من اوامره الحمقاء،طرد ياسين ما بجوفه: _البيه المحترم باعت رسايل حب وغرام لزوجة "طوني فضل". والراجل قالب عليه الدنيا من شرقها لغربها وبعتله رسايل تهديد! ظهرت يده من خلف جسد احمد وهو يشير بالنفي معللًا: _كنت فاكراها حفيدته وعهد الله... معرفش انها مراته!! واسترسل بضيقٍ: _انا مش عارف الراجل ده مش بيستنضفله حتة ربع عمر ليه! اتجهت نظرات عمر اليه، فأشار له بغضب: _لو عايز تنجي بعمرك النهاردة بطل احكامك وافتراضاتك عشان نعرف ننقذ ما يمكن انقاذه.. ابتلع ريقه بتوترٍ، فازاح ذراع احمد وجلس ملتصقًا به ثم عاد ليفرد ذراعيه على الأريكة من جديدٍ، طال صمت عدي مما دفع رائد ليسأله باهتمامٍ: _هنعمل ايه دلوقتي يا عدي، الصفقة اللي بيني وبين طوني لو متمتش هتحمل خساير كبيرة.. وأنت عارف اي خسارة من غير وجود عمي هيكون مردودها ازاي! اتجهت نظراته الثاقبة تجاه حازم، وصاح بعصبيةْ خطيرة: _لو عمل كده هيبقى معاه كل الحق، انا لو مكانه قسمًا بالله كنت انتشلت قلب الحقير ده من مكانه. وأشار باصبعه تجاهه وهو يأمره بالاقتراب، فلم يمهله أحمد فرصة التفكير بعواقب الامر، بل دفعه بكل قوته ليواجه مصيره بمفرده تلك المرة، بعدما نفذ صبره في امتداد محاولات انقاذه، وقف الاخير قبالته بنظراتٍ فزعٍ تترقب لحظة هجومه، فوقف الاخير صامدًا من أمامه ومن ثم واجهه بالحديث: _انت مش هتبطل القذارة اللي في دمك دي، انا حقيقي مش عارف انت هتعقل أمته! وانطلقت شرارته تصاحب صوته الرعدي: _راعي ابنك ومراتك اللي على وشك ولادة.. واسترسل بحدة: _أنا مش همد أيدي عليك،انت مبقتش صغير للهبل ده..دي أخر غلطة ليك يا حازم والا وقسمًا بالله أخليك تتحسر على اللي باقي من عمرك.. سامع! _ليــه كده يا عدي يا ابني... نهيت الموضوع بدري كده ليه... امال فين لكماتك وطولة دراعك اللي ربنا من بيه عليك.. راح فين تهورك وفرد عضلاتك.. انت بطلت تروح الجيم ولا أيه يا حبيبي؟ كلمات متحسرة لفظ بها حمزة بعدما تحطمت سعادته التي زرعت بعدما علم مع من علق ابنه، فتعشم ان يعيد عدي تربيته من جديدٍ، وحينها ستبرد نيران قلبه جميعًا التي كان هذا الأحمق سببًا اساسيًا بها، قطع حمزة الدرج حتى بات بالاسفل امامهم جميعًا، فكبت معتز وجاسم ضحكاتهما بصعوبةٍ بالغة على المئزر(الروب) الذي يرتديه حمزة، اقترب منه ثم حمسه قائلًا: _انت خايف على زعلي! ولا يهمك يا حبيبي خد راحتك وبالقوي كمان. واتجه للمقعد الذي يتوسط القاعة وهو يشير له: _أنا هقعد هنا اتفرج ولا كأني موجود . دنا منه عمر ثم انحنى تجاهه وهو يسأله بحيطةٍ: _انت كويس يا عمي؟ رفع احد حاجبيه بذهولٍ: _باين اني تعبان ولا ايه! كبت عمر ضحكة كادت بالانفلات منه، فربت على كتفيه وهو يخبره بحنانٍ: _طب اطلع البس هدومك لتاخد برد! لم ينجح حازم في كظم غيظه والبقاء هادئًا حتى لا يخرج عدي عن طور هدوئه الغريب هذا ومع ذلك اشار لوالده بحنقٍ: _اطلع استر نفسك ليجيلك روماتيزم على القلب ولا حاجة... العضمة كبرت وكل ما تحافظ عليها كل ما تنعم بجزء من المناعة.. نهض حمزة عن مقعده بعصبيةٍ بالغة، فاندفع تجاهه بسرعة حررت المئزر ليكشف عن بطنه المتدلي، فكاد بجذبه من رقبته لولا تدخل جاسم الذي حمل حمزه وابعده من الوصول لحازم والاخير يصيح بغضب: _انت طالعلي من انهي بلوة... ده انا لو كسبك في كيس شبسي يالا كان هيبقالك اي صلاحيات مفيدة في الحياة! هرول به جاسم للخلف وهو يردد بتعبٍ من الحمل الذي يقع اعلى ذراعيه: _استهدى بالله يا عمي واطلع اوضتك... سيب عدي هو هيظبط المغفل ده. علا صوت حازم وهو يجابه اباه: _مهو ده تمامك يا حاج.. انك تكسبني في كيس شبسي اصل توتو خلاص مبقتش راضية عنك.. وطول مهي مش راضية عنك هتفضل كده بالروب طول النهار! انفطر معتز بالضحك وترك حازم عن يده، فلكمه رائد وهو يصيح به: _اخرس بقا... لسه بنحاول نلم مصايبك! اشار له حمزة: _سيبه يا رائد خليه يجيني ده انا شايل منه وناوي اخلص عليه الجديد والقديم.. أغلق جاسم مئزر حمزة وهو يربت على كتفيه، وبانفاس مختقنة من فرط المجهود قال: _سيبك منه يا عمي... واطلع اوضتك الله يكرمك. كاد بأن يجيبه ولكن حانت منه نظرة جانبية مندهشة لمن يتابع معركتهما ببرودٍ، فاتجه اليه وهو يردف بسخطٍ: _أنت مش ابني ولا كسبك في كيس شبسي انت كمان؟ رفع أحمد نظراته تجاه ابيه بمللٍ، فصاح الاخير بصوت صاخب: _قوم فز دافع عني.. أنا مش ابوك ولا انت كمان العضلات دي نفخ!! وكأنه كان ينتظر احد يدفعه خارج قوقعته الخاصة، نهض احمد بآلية تامه عن الأريكة واتجه ببرودٍ تجاه أخاه، وباغته فجأة بلكمة اصابت أنفه فجعلت رأسه يدور كمن يحاط به الطير، ليسقط أرضًا فاقدًا للوعي تحت نظرات صدمة من الجميع، وعلى رأسهم حمزة الذي ابعده لينحني برأسه تجاه حازم الذي يحتضن الارض، فتفحصه وهو يردد بخوف: _انت عملت ايه في الواد!! بثباتٍ ودون أي ذرة ندم قال: _دفعت عنك زي ما حضرتك طلبت... أي أوامر تانية ولا أطلع اوضتي. ابتلع حمزة ريقه ببعض الخوف من تمرد العنف بأعين ابنه الهادئ فبات أشد خطورة، لذا اشار له ببسمة مصطنعة: _لا يا حبيبي اطلع انت نام وارتاح ومتقلقش ابوك هنا.. تمتم ساخرًا وهو يصعد للاعلى: _مهو ده اللي مطمني! راقب حمزة انصرافه ثم عاد ليتفحص الجميع بنظرةٍ متفحصة انتهت بابنه الراقد ارضًا وعلى ما يبدو بانه بحاجة لان يحمل للاعلى أولًا ولطبيب ثانيًا، لذا اعاد اغلاق مئزره وهو يخبرهم بمهنيةٍ لا تشبهه بتاتًا: _طب يا ولاد..ورايا شغل كتير بكره تصبحوا على خير. وتركهم واسرع للاعلى، ولحق به رائد وعمر، انحنى معتز وجاسم اليه في محاولة لايفاقته، بينما تحرك عدي لاقرب مقعد، فجلس يراقبهما بمللٍ وهم يحاولون افاقته، انتبه عدي لنظرات ياسين وابتسامته الغريبة بمراقبته، فسأله باستغرابٍ: _لسه في مصايب تانية ولا استكفينا النهاردة؟ تغاضى عن سؤاله وقال بنبرة هادئة: _ياسين الجارحي نجح في اللي عايز يوصله. تجعد جبينه بدهشةٍ من مقصده، فاسترسل ياسين حديثه الغامض: _تصرفك الغير منطقي دلوقتي اكتسبته بفضل المكتب ووجودك جنبنا، يمكن دي مكنتش هتكون ردة فعلك لو كنت لسه ظابط شرطة.. _قصدك ايه؟ علل ما يود طرحه حينما قال بسلاسةٍ: _قصدي انك لما بعدت عن الضغوطات وشغل الشرطة اللي كله سلا\ح ومطاردة ودم تفكيرك بقى رايق زي ياسين الجارحي بالظبط.. والدليل تحكمك بانفعالاتك مع الغبي ده! واشار بابهامه على حازم الذي مازال يحتضن الارض كالصورة التي لا تسمح لملتقطها بالفرار عن ساحتها، اعتدل عدي بجلسته ثم اخبره بسخريةٍ: _حد قالك اني كنت ماشي أقت\ل في خلق الله! ابتسم وهو يجيبه بصدرٍ رحب: _انت كنت كده فعلًا. رفع حاجبيه بسخطٍ على صراحته المبالغ بها، ومع ذلك تغاضى عن حديثه وهو يسأله بجدية: _ماله أحمد.. شكله مش مظبوط! رد عليه بحيرةٍ: _مش عارف حقيقي... ورجع من المقر بدري النهاردة على غير عادته. جذب هاتفه وهو يهمس اليه: _هشوف ماله؟ ******* القى معتز سطل المياه عن يده بارهاقٍ اتبع نبرته: _خلاص يا جاسم احنا نسيبه مرمي كده لبكره الصبح.. ما باليد حيلة! ابتعد جاسم عن حازم فسقط ارضًا، فازاح حبات العرق عن جبينه بتعبٍ: _عندك حق انا حيلي اتهد! ورمق التراس بحيرةٍ اتبعت سؤاله: _بس هنسيبه كده في البرد ده؟ حك معتز ذقنه بتفكيرٍ انهاه حينما قال: _خليك هنا انا شوية وراجع. وعاد بعد دقيقة بما يحمله بيده، فطرح الغطاء عليه ثم قال ببسمة واسعة: _كده فل اوي... بينا نريح ساعتين قبل الشغل. وكادوا بالصعود للاعلى، فاوقفهم عمر الذي هم بالهبوط للاسفل: _انتوا رايحين فين؟ اجابه معتز بغيظٍ: _كلك نظر الصبح داخل وحابين نريح شوية.. ايه وجه الاعتراض هنا! اضاف جاسم: _مش فاهم حقيقي! اشار عمر للاسف وهو يلوك حبات البندق الشهي: _شيلوا الحيوان ده وطلعوه لمراته. جحظت عين جاسم الذي تحرر عن مرقد عصبيته: _لأ... شيل تاني لأ... حرام عليكم انا هموت منكم هنا.. وصعد للاعلى وهو يردد بحنقٍ: _ومفيش تصبحوا على خير.. غادر من امامهما والاخر يتابعه بصدمةٍ، اتبعت سؤاله: _ماله ده؟ اجابه معتز بضحكة ساخرة: _عمك قام معاه بالواجب. عاد ليلوك ما بيده بتسليةٍ، ثم اشار لمن يقف قبالته: _بينا نطلعه احنا. وبالفعل اتجه عمر ومعتز لحمل حازم والصعود به للاعلى. وبعد محاولات مستمية لحمله، نجح عمر ومعتز في نقله للمصعد، فالقوه جانبًا ثم اخذ كلا منهما يلتقط انفاسه بارهاقٍ، صاح عمر بعصبيه: _الاسانسير هيتحرك من نفسه ولا ايه! فهم معتز ما يلقيه عليه، فعبث بازرار المصعد بالطابق الرابع، و وقف كلا منهما يترقب لحظة وقوف المصعد، عادوا لحمله ثم استداروا تجاه باب غرفته، فطرقوا الباب ثم ولاوه ظهورهما حتى لا يكشفن عن ستر زوجته، فما ان فتحت الباب حتى تفاجأت بوجودهم، فحمدت الله بأنهم منحوها بعض من الخصوصية، فعادت للداخل وعقدت حجابها ثم اتجهت اليهم تتساءل بقلق: _في ايه يا عمر؟ اجابها وهو يشير لها بالتنحي جانبا: _ولا اي حاجة... هو واخد بنج رباني هياخدله بتاع اربع خمس ساعات تغفيلة كده.. متقلقيش. اتبعتهما للداخل قائلة بسخريةٍ: _هقلق ليه هو اللي جايب لنفسه المشاكل وجايبلي وجع الدماغ جنبه. القاه معتز على الفراش وهو يصيح بغضب: _تعبت امي يا جدع... يا ساتر! ثم تطلع لنسرين وقال ببسمة عريضة: _احنا اسفين اننا دخلنا في الوقت ده بس ما باليد حيلة مكنش ينفع نرميه تحت مع ان كان نفسي والله بس دكتور عمر قلبه رهيف على المرضى بتوعه وشايف ان المريض حالته هتتحسن في سريره من باب يموت في فرشته احسن ما يطلع عين اللي حوليه صح يا دكتور؟ أشار له باعجابٍ لاتقانه حكمته المتفانية: _بالظبط.. ثم تطلع لها وهو يسحب الاخير خلفه: _زي ما قولتلك بلاش تقلقيه سبيه ينام براحة راحته... تصبحي على خير.. وغادروا معًا وظلت هي محلها تتامله بغيظٍ وغضب تردد بهمسها الساخط: _هببت ايه المرادي! ***** وعد أحمد عدي بالحديث معه بالمقر صباح اليوم التالي، فاحترم الاخير رغبته واغلق الهاتف، فقال ياسين بقلقٍ: _الموضوع كبير للدرجادي! وضع عدي هاتفه بجيب بنطاله ثم اعتدل بجلسته وهو يجيبه: _يمكن الموضوع متعلق بليان.. البنت كبرت واسمها هيسببلها مشاكل نفسية كبيرة.. متنساش كمان تعلق اسيل الكبير بيها.. وخصوصا بعد ما حملها ما كملش.. حتى بعد السنين دي كلها لما ربنا عوضها بآويس بس حبها مازال أكبر لليان. كاد بأن يجيبه ولكن قاطعهما صوت طفولي رقيق، ينادي بخفوتٍ: _بابي. انتبه عدي لصوت ابنته التي تقف بالقرب من الدرج ويبدو عليها الحزن الشديد، فقالت بانزعاجٍ: _بقالي أكتر، من ساعتين مستانية حضرتك ومامي زعلانه مني عشان معاد نومي فات من بدري. نهض عدي عن الاريكة، ثم اقترب من ابنته وانحنى على ركبتيه ليكون على مستوى قريبًا منها، فضم خديها بين لائحة يده وهو يخبرها : _أنا آسف يا روح قلبي، حقيقي انشغلت ونسيت انك مستانياني. وحملها بين ذراعيه ثم استدار تجاه ياسين ليسترسل بضيقٍ: _هو انا هفتكر أي شيء خاص بيا طول ما أنا وسط المشاكل! وحملها واتجه للأعلى ومازالت بين يده، ولج لداخل الغرفة، ثم افسح المجال للخادم الذي اتى بعلبٍ الطعام مثلما طلب منه، فوضعها على الطاولةٍ وغادر على الفور، دلف عدي بابنته التي اجلسها على ساقيه ثم قال بحبٍ: _كلتا أذني صاغية... أيه بقى الموضوع المهم اللي عايزاني فيه؟ قالت بنومٍ يغلب صوتها: _مامي هتقولك.. بحث عدي بعينيه عن معشوقة قلبه فلم يجدها، وفور سماعها لتلك المهمة التي وكلتها بها ابنتها حتى خرجت من جوار السراحة تشدد: _لا يا حبيبتي بلغي بابي قبل ما تروحي اوضتك.. عشان نبقى على نور كده. راقبهما عدي بحيرةٍ، الى ان قالت الصغيرة: _أنا عايزة اطلع رحلة نظمناها انا وصديقاتي مع ادارة المدرسة لشرم الشيخ. اعاد خصلة شعرها البني المتمردة على عسلية عينيها لخلف آذانها وهو يجيبها: _طب وأيه المشكلة في كده؟ .. خدي ياسين معاكي. قالت بتردد ظهر بحديثها: _ياسين عندهTest بعد بكره.. ومش هيقدر يطلع معايا... لكن فصلي اختبر خلاص. رمش بعينيه بثباتٍ، ثم قال بنبرة مازال يدفئها حنانه المباغت به تجاه ابنته: _خلاص يا رحمة مش هتقدري تطلعي من غير اخوكِ.. أنا مش هقدر أخليكِ تسافري لوحدك حتى لو المدرسة كلها كانت معاكي بالرحلة دي! انشق الحزن على وجهها، فقالت بصوتٍ يهزه الضيق: _بابي ياسين توؤمي يعني من سني..وحضرتك كل حاجة تخصني بتوكلها ليه هو! وبرجاءٍ قالت: _انا هكون مع صديقاتي وهعرف اخد بالي من نفسي. نهض عدي عن الاريكة ثم اتجه للخزانة، يبدل ملابسه لبنطال قصير، وتيشرت أزرق قطني يريحه من الحلى التي لا تفارقه، وقال وهو يعيد تصفيف خصلات شعره البني التي طالت بعض الشيء: _روما النقاش بالنقطة دي منتهي.. مفيش سفر لوحدك.. ممكن بعد ما اتفرغ الفترة الجاية نسافر كلنا مع بعض لشرم. واستدار لها وهو يستطرد: _الوقت اتاخر ولازم تنامي... تصبحي على خير يا حبيبتي. كبتت نظراتها المغتاظة خلف دموعها، وغادرت بصمتٍ، تطلع عدي لمن تقف على بعدٍ منه، شاردة بالاريكة التي حملت طيف جسد ابنتها منذ قليل بحزنٍ، فقال برفقٍ صاحب صوته الرخيم: _مينفعش اخليها تسافر لوحدها من غير اخوها يا رحمة! مجرد شعورها بخوفه من حزنها على قراره اسعدها، فدنت حتى باتت قريبة منه ثم قالت: _انا معاك في قرارك يا حبيبي، انا نفسي رفضت بس اصريت انها تسمع الكلام منك افضل. منحها ابتسامة جعلت فرحة الكون باكمله تحتضنها، فضمها اليه وهو يشير للطعام بعينيه: _طب مش هناكل! هزت رأسها بالموافقة، واتجهوا معًا للطاولة المستديرة بالشرفة، فجلست تتناول الطعام بشرودٍ تام، فتساءل بنظرة تغلغلت لداخلها: _بتفكري في ايه؟ وضعت الطعام عن يدها ثم ازاحت بقاياه بالمناديل الورقية، واعتدلت بجلستها وهي تحاول البوح عما تود قوله بارتباكٍ: _اعتمادك على ياسين كبير جدًا.. بحس اوقات انك شايفه شاب كبير وبتتعامل معاه على ده الاساس بالرغم من انه زي ما رحمة قالت من شوية من سنها.. وانت شايفها صغيرة ولسه بتشيلها وبتعاملها كأنها طفلة.. طب ليه الحنان ده كله مش بحس بيه مع ياسين ابنك يا عدي؟ ترك كوب العصير عن يده، ثم نهض عن الطاولة واتجه للسور الحديدي للشرفة، ظنته غضب لما قالته، فنهضت عن محلها واتجهت لتقف جواره، وجدته يبتسم وهو يراقب بقعة بعيدة عن غرفتهما، فراقبت ما يرآه فوجدته يتطلع تجاه شرفة غرفة اولادهم المجاورة لغرفتهما، فرأت ياسين يجلس على الآرجيحة ويحتضن رحمة، يحاول بشتى الطرق ان يوقفها عن البكاء، كان يعاملها كمن يسبقها عشرات الاعوام وليس عشر دقائق فقط، والعجيب انه ظل يهمس لها بكلماتٍ غير مسموعة وانتهى الامر بها بالابتسامة والغفوة على قدم اخيها، ابتسمت رحمة وهي تراقب ابنتها وابنها الحنون، واتجهت نظراتها لعدي الذي ردد: _هو اللي بيجبر اللي حواليه يعاملوه انه شاب.. واستدار تجاهها ليشير لها بشكلٍ مضحك: _لو بطل يستفزني ويأيد ياسين الجارحي كنتي هتشوفينا في اطار صداقة محصلتش لمية سنة ورا.. بس ده اختياره الوحيد اللي غبي فيه. تعالت ضحكاتها بعدم تصديق لما يحمله من غيرة تجاه حب ابنه لجده، فاحتدت نظراته تجاهها لتشير بجدية مصطنعة: _خلاص خلاص مش هضحك. وفجأة انفجرت من الضحك وهي تخبره: _مش يمكن اختياره يكون صح.. وبالتالي هو اذكى مما تتوقع! اتسعت حدقتيه بانذارٍ صريح لما قد يصيبها، فتراجعت للخلف وهي تشير له بمرحٍ: _انا بفترض معاك عشان نلاقي حل للمشكلة دي... بدل ما اللي بيحصل بينك وبين والدك يتكرر مع ابني ساعتها هعيش نفس الدور اللي عايشاه ماما آية وهبقى انا الضحية! ظل يقترب منها وهي تتراجع للخلف ويدها مضمومة لشفتيها لتجبرها عن التوقف عن الضحك حتى لا تقابل مصيرا قد تندم عليه لاحقًا، ومع ذلك انسحب عنها مرحها حينما باتت سجية لعواطفه، تلك العاطفة التي قذفتها بوابل من المشاعر العاشقة لادق تفاصيلها، التي تناهت عن عقابها لتخطيها تلك الحدود، فتخطت المشاعر الآن كل حدود العشق التي تحفظت بها عليهما! ******* طوى ضياء الشمس ظلمة الليل الكحيل، لينعم باشراقة خلابة بالصباح الباكر، حاول عمر فتح عينيه مرارًا مع شعوره بوخزة من الألمٍ الحاد بذراعه ومع غلبة النوم كان يندرج خلفه، ومع حدة تكرار الألم انصاع لايقاظه، ففتح عينيه وهو يتأوه بوجعٍ، أصابه بصدمة حينما وجد نور تجلس جواره وتنغزه بسن دبوس الحجاب الحاد، تفحص يده التي ازدادت بالاحمرار وردد بذهولٍ: _أيه اللي بتعمليه ده يا مجنونة! وكأنها كانت تنتظر تلك الدفعة لتفجر ما بداخلها، فانطلقت به: _انت لسه شوفت الجنان اللي على اصله، بقى أنا جايلك جري من عند الدكتورة افرحك بابنك اللي في بطني القيك مشغول بتقيم المسائل. ردد بسخطٍ: _مسائل!! وايه ابنك اللي شايلاه في بطنك ده واخداله ايجار جديد ولا أيه!! عادت لتنغز سن الدبوس داخل لحم ذراعه، فصرخ بالم وهو يبعد ذراعه عنها مشيرًا لها بتحذير: _نور بطلي جنان على الصبح.. حاولت الاعتدال بجلستها الغير مريحة بالمرة، فتاوهت ألمًا، وقدمت يدها له تخبره بلطفٍ لا يتناسب مع جرمها المشهود: _ساعدني كده الله يكرمك. أمسك عمر يدها حتى اعتدلت بجلستها التي جعلتها تتمكن منه، فعادت لتسترسل حديثها المندفع: _يعني انا يا ابن الحلال كل يومين هجي اقفش من عندك ستات!! لا في عيادتك رحمني ولا في المقر وسط الناس المحترمين رحمني قولي على حل واحد اسلكه معاه وانا هسلك! احتضن جبهته بألمًا، فعاد ليتمدد على الفراش وهو يشير لها بنومٍ: _اطفي بس النور هريح شوية وهنسلك كل الحلول مع بعض بعون الله. جحظت عينيها في صدمة، فعادت لنغزه من جديد، ففزع في رقدته، نجح عمر بلف ذراعها من خلف خصرها ومن ثم انتشل ما تحمله وهو يردد باستهزاءٍ: _شغالة اشراف في تعذيب سجون 5غرب! استحضرت دموعها الماكرة في دقيقة وراحت تندب بتأثرٍ: _بتضربني بعد السنين دي كلها يا عمر... لا وبتلوي دراعي اللي ياما عملك الطفح ورتبلك هدومك! تفاجئ بما تقوله، فابتعد عنها وهو يشير لها بتحذيرٍ: _نور أنا مش أد مكرك... ارحميني لوجه الله... الاكل اللي بتعمليه بتجربي فيا قبل ما تديه لبنتك وترتيب الهدوم والكلام الاهبل ده ما هو الا طريقة محترمة للتفتيش على اساس اني لو ماشي مع واحدة هخبيها في هدومي مثلًا.. واستطرد بسخريةٍ: _انا فاهم كل حاجة وعامل نفسي عبيط.. يعني بالبلدي كده واكلها بمزاجي عشان انا طيب وبحبك بس... زي ما عديت اللي عملتيه امبارح ده عشان بس كان على معدتي لاني مكنتش طايق البت دي ولا طايق قعدتي معاها.. صفقت يدها بطريقة مضحكة وهي تقول: _بدليل انك سهران معاها وراجعلي وش الصبح! رفع اصبعه امام وجهها باعتراضٍ مضحك: _لا عندك... مسمحلكيش انا دكتور محترم وليا سمعتي. _دكتور ايه بقى ما خلاص ياسين الجارحي علم عليك يا حبيبي. _ولو حتى لو بشتغل ميكانيكي بس بسمعتي اللي زي الجنية الدهب برضه. واسترسل ببسمةٍ عنجهيةٍ: _وبعدين انا كنت مع اخويا بنحل شوية امور وتقدري تروحي تسأليه. ثم اشار لها ساخرًا: _وسعي بقى انتي وبطنك دي.. خليني اقوم اخد شاور امشي من هنا قبل ما دماغي تنفجر من عمايلك. ابتعدت عن حافة الفراش وهي تتطلع لبطنها بعد كلماته بتفكيرٍ، فهمست بتوعدٍ: _ماشي يا عمر.. وربي لاوريك. ******* انتهى من عقد جرفاته السوداء حول رقبته، وجذب البرفيوم الخاص به ليضعه على معصمه، كان يتألق كعادته فحتى وإن كان يعمل بالصخر وسط المجرمين كان يهتم بمظهره، انتهى عدي من ارتداء حذائه وانتصب بوقفته الشامخة ليغادر جناحه، اتجه ليجذب هاتفه عن الشاحن المتصل به، فوجد اكثر من خمسةٍ اتصالات متتالية من صديقه مازن، اعاد زر الاتصال ليجده يجيبه: _أخيرًا... انا بحاول اكلمك من بدري. اتاه رده الجاف: _لسه فاكر تتصل.. انا اديتك ساعات عشان تجبلي المعلومات اللي طلبتها منك جايلي بعد ايام وتتكرم باتصالك ده! اجابه بجدية تامه: _عدي الشخص ده مخيف بدرجة ترعب، خافي كل حاجة وراه بشكل مش معقول، وده يخليني اأكدلك انه له في الشمال بس على تقيل، رجل اعمال ومعروف زي ده اكيد مش هيهتم بالثغرات اللي وراه بس كونه حريص بالشكل ده يخلينا نتأكد انه وراه مصايب مش مصيبة واحدة... والغريب في الموضوع ان أكتر من حد أكدلي إن مهاب أبو العزم ده راجل كبير وقديم في السوق، بس لما راقبته وشوفته لقيته شاب صغير بتاع 31سنة وده ميتطابقش مع الكلام والمعلومات اللي جمعتها عنه! ضيق عسلية عينيه بغموضٍ، فقال بثباتٍ ماكر لا يبرز ما خلفه من تفكيرٍ عميق: _خليك بعيد يا مازن... سبلي انا الموضوع ده. وانهى اتصاله بكلمة مختصرة: _هكلمك تاني.. سلام خرج عدي من غرفته ليجد ابنته تقف امام بابه وعلى ما يبدو بانها كانت بانتظاره منذ فترة، منحها ابتسامة وهو يشير لها بالاقتراب لاحضانه، تعلقت برقبته حينما رأته ينحني تجاهها، فنهض بها وهو يربت على ظهرها بحنوٍ، رددت برجاءٍ طفيف: _عشان خاطري يا بابي.. انا نفسي اروح معاهم.. ابعدها عنه لتقابل صدق خوفه القابع بعينيه: _يا حبيبتي انا مش ممانع بس زي ما انتي شايفة اخوكي مشغول.. مين اللي هيروح معاكِ! انفلتت بنوبة حارقة من البكاء، وخفضت ساقيها عنه، فتركها تنخفض عن ذراعيه، ركضت الصغيرة بعيدًا عنه باكية، فرآها ياسين وسألها بقلق: _في ايه يا حبيبتي؟ لم تجيبه الصغيرة، اكتفت بتلك النظرة المنكسرة اليه وتابعت ركضها تجاه اخيها الذي يبعد عنهما بمسافةٍ ليست بالبعيدة، دنا ياسين من عدي وتساءل بفضولٍ: _مالها رحمة يا عدي؟ تمعن بالتطلع تجاه ابنه الذي يحتضن شقيقته ويرمقه بنظرةٍ ثائرة، مغتاظة لما تسبب به لشقيقته، تدافعت ذكريات تلك النظرة لذهن عدي ليتذكر كيف كان يجابه اباه بنفسها، كم هي مؤلمة للغاية ان يناطحه المد بالمد وإن تمكن من شرح وجهة نظره الأكثر حكمة منه له سيتفهم الامر، ترى ما الذي فاته هو أيضًا مثلما فات صغيره! ترى من الصائب أباه أم هو؟! _عدي!! أفاق عدي من شروده على هزة يد ابن عمه وهو يعاود بسؤاله: _في ايه انت مزعل البنت ليه؟ قاطع سؤاله اقتراب ابنه يحيى، وهو يخبرهما بتوتر: _أنا ممكن أطلع الرحلة مع رحمة يا انكل عدي. جحظت نظرات ياسين الذي تكونت بعقله فكرة عما يحدث عنها، فقال بارتباك: _رحلة ايه، انت مش اختباراتك كمان اسبوعين! قال على الفور: _ايوه.. بس ممكن اخد كتبي واللاب معايا واذاكر هناك. حانت منه نظرة جانبيه تجاه عدي، فدفع ابنه برفقٍ وهو يحثه على الانصراف بطريقة كوميدية: _امشي عند ماما يا حبيبي. رفض الصغير الانصراق وتابع: _انا هخلي بالي منها.. حرام دي زعلانة خالص. صاح به ياسين بغيظٍ: _ابوها واقف..الوحش فاكره! رمقه عدي بنظرة غاضبة سببها طريقة تعامله مع ابنه العدوانية ففهمها غير ذلك لذا تابع ببلاهةٍ: _معرفوش.. وحك رقبته وهو يهمس له: _ولد وغلط.. حقه مدفوع. تجاهله عدي وانتقلت نظراته ليحيى فاخبره ببسمةٍ صغيرة لاحت على شفتيه: _موافق يا يحيى.. لاني واثق انك هتخلي بالك منها. تهللت اسارير الصغير الذي غادر تجاه ياسين ورحمة ليخبرهما قرار عدي، بينما تابعه اباه بصدمة وهو يتساءل ماذا يخطط عدي للانتقام من صغيره! افاق ياسين تلك المرة على صوت عدي الذي يخبره: _ياسين... كنت عايز اعرف معلومات عن الصفقات اللي نجح مهاب أبو العزم انه ياخدها. تلاشت ملامحه المرحة للجدية التامة، فسأله بريبة: _ليه انت هترجع للشرطة تاني! نفى ما قاله بشكلٍ غير صريح: _محتاج للمعلومات دي يا ياسين هتقدر تجبهالي ولا لا؟ اجابه بسلاسةٍ: _طبعًا أقدر. ابتسم وهو يشير له: _تعجبني. وتركه واستدار ليكمل طريقة للمصعد فاذا بجاسم يهرول تجاههم، فخرج صوته متقطع من بين انقطاع انفاسه: _في كمين منصوبلك تحت يا وحش... البنات كلهم وعمك يحيى رئيس الحزن! ازدادت ابتسامته الماكرة وهو يردد: _اتاخروا! ******* بالأسفل.. رددت مليكة بنفاذ صبر: _يعني يوم ما نحتاج نتكلم معاه يتأخر كده؟ اضافت أسيل بنفاذ صبر: _ يمكن مش هينزل النهاردة.. اكدت رحمة عليهم: _لا انا سايباه بيلبس ونازل! ردد احمد بشكٍ: _هو في ايه؟ اضاف رائد بقلق وهو يتناول طعام الفطور: _تجمعهم على الصبح كده ميطمنش. تناول معتز الشطيرة التي امامه وهو يضيف: _عايزين تشتكونا للوحش بدلا من ياسين الجارحي ولا ايه؟ اجابته شروق بخبث: _يمكن محدش عالم اللي في النفوس. ضحكت نور وهي تشيح بنظراتها تجاه عمر: _توقعوا مننا اي حاجة. انتهت الاحاديث الجانبية حينما هبط عدي بصحبة ياسين وجاسم للاسفل، فقال بمكرٍ: _خير على الصبح. اسرعت مليكة بالاقتراب منه وهي تذكره بوعده القاطع: _وعدتنا انك هترجع بابا وماما قبل عيد جوازهم.. وخلاص مفيش وقت! جذب مقعده وجلس يتناول طعامه بكبرياءٍ وجمود، والجميع يترقب سماع ما سيقول وبالاخص الشباب، يرتعب قلوبهم لما يضمره لهم عدي تلك المرة، فتحرك لسانه اخيرًا حينما قال: _وانا لسه عند وعدي... ياسين الجارحي بنفسه هيكون عندكم بكره.. بس المهم تشوفوا انكل يحيى. اتجهت نظرات الفتيات جميعًا تجاه يحيى الذي يترأس الطاولة، فقال بخوف مصطنع: _مش هبلغه اي حاجة.. واتجهت نظراته لعدي فسأله بفضول: _بس ايه السبب ورا مساعدتك دي يا عدي! جذب احد ثمار الفاكهة يتناولها بتلذذٍ قبل ان يجيبه: _ياسين الجارحي فاكر اني مش هعرف اوصل لمكانه، فحبيت اوريه اني لما بحط حاجة في دماغي بعملها من غير كلام كتير.. واتجهت نظراته لاخيه وببسمة خبيثة قال: _جاهز للرحلة يا عمر؟ ابتلع ريقه برعبٍ وهو يردف: _قصدك جاهز لهلاكي! ابتسم يحيى وهو يردد: _انت مكبر الموضوع ليه!!.. هو موديك لعذرائيل ده أبوك يا حبيبي! قال وهو يتطلع تجاه اخاه الذي يستكمل طعامه وكأنه ذاهب لقضاء عطله صيفية: _مهو الحظ لما يجي على الغلبان يبعتله اب زي ياسين الجارحي واخ زي المفتري اللي جنبك ده. #الفصل_الثامن.. تراقص البخار الصاعد من إبريق الشاي الساخن ليمتزج مع رائحة القهوة الشهية، فوق الطاولة المتحركة التي تتحرك تجاه حديقة القصر الخارجية حيث يقطن أفراد العائلة، لرسم مخطط متفق عليه لتزيين القصر في مهلةٍ قصيرةٍ ، أقصاها يومًا كاملًا، فما أن رحل "عمر" برفقة "عدي" حتى جلسوا يخططون لكل شيءٍ، فنشب بينهم معركة يعهدها كل فريق ينقسم بين الرجال وتاء التأنيث، فما خطط إليه "جاسم" و"رائد" لم ينال إعجابهن، حيث صرحت "رانيا" ساخرة: _لا طبعًا فكرة تقليدية ومهروسة أوي! اكتظم غضب "رائد" من اهانتها لاختياره الدقيق، فأضافت نور: _حتى اللون اللي اختاره للبلونات مش حلو. قذف "جاسم" القلم من يده وهو يناطحهم بغضبٍ: _لا بقولكم أيه أنا معنديش خلق للهبل ده.. بقالنا أربع ساعات بنحطلكم خطط وديكورات وكل شوية تطلعنا واحدة بحجة شكل! هز "رائد" رأسه بنفورٍ: _ده لو مشروع كان زمانه اتنفذ أسهل من كده. راق لمعتز حديثه المتعلق بمجال عمله، فقال بتريثٍ: _مكبرين الموضوع والحكاية كلها تتحل في كام بلونة وشمعتين!! لوت "شروق" شفتيها باستنكارٍ قبل أن تردد: _البلونة والشمعتين اللي بتضحك عليا بيهم كل سنة مينفعوش مع ياسين الجارحي يا استاذ معتز! احتدت عينيه في تأهب لمعركةٍ جدالية قد تنشب هنا، وتساءل: _قصدك أيه؟ أنهى "يحيى" المعركة قبل إعلان الدفوف حينما قال: _احنا متجمعين عشان ننجز مش نتخانق ونحقق في تفاصيل الخناقة! استغل "أحمد" ما يحدث ليثبت له بأن عليه الذهاب بعيدًا عن تلك الأجواء، فقال بمكرٍ: _شوفت يا عمي.. مخلينا أنا وياسين نسيب الاجتماع المهم ونقعد نتفرج على خناقات البلالين.. خليهم يحلوا موضوع القصر وسبنا نروح احنا نمشي المقر. شدد على قراره بتصميمٍ: _مينفعش يا أحمد.. احنا معناش وقت ولازم نخلص قبل رجوع ياسين. ونهض عن مقعده ثم تنحنح قبل أن يتلبس رداء الحزم المصطنع: _يلا قسموا المهمات عليكم.. وابدأوا عشان تلحقوا تخلصوا قبل رجوع عدي. وأبعد مقعده للخلف وهو يستعد للمغادرة، فعاد وهو يشير تجاه زوجته، فغمز لها بخبث ومن ثم فرد ذراعه: _عايزك في موضوع مهم يا ملك. كبتت ابتسامة كادت بالانفلات منها، فنهضت وهي تشير للفتيات: _طيب يا بنات شوية ورجعالكم. اتجهوا معًا للقصر الداخلي ونظرات الشباب تفترسهما، حمل "معتز" مقعده البلاستيكي واتجه ليجلس جوار "ياسين" الذي يتابع اباه بنظرة تحمل الدهشة بين طياتها، فانحنى على أذنيه يهمس بصوتٍ كان مسموع للشباب الملتف بمقعدهم من حولهما: _أبوك مش بيضيع الفرص.. أنا حاسس إنه صغر ٢٠سنة وابتدى يتعامل على الاساس ده. التف برأسه تجاهه، فمنحه نظرة غاضبة لحديثٍ بدى متشابهًا لابناء أعمامه بالفترة الأخيرة، وكأن قصر آل الجارحي لم يتبقى به سوى أبيه ووالدته، قطع "رائد" الاجواء المشحونة فيما بينهما حينما اقترح: _طب يا شباب أنا بقول كل مجموعة تزين مكان وهنخلص بإذن الله. لاح على شفتي جاسم بسمة خبيثة، فقال: _ادخلوا انتوا ظبطوا القاعة والقصر من جوه وأنا وداليا هنشتغل هنا. انتصب أحمد بوقفته بمللٍ اتبع نبرته المتصلبة: _لا كده مش هنخلص السنادي.. لو كل واحد هيقضيها بالشكل ده فيها كمان اسبوعين.. عشان كده سيبلي أنا الطالعة دي أنا بنفسي هقسمكم. وبالفعل بدأ بتوزيع المهام عليهم، وشمل الفتيات ببعض الامور البسيطة، فأغلبهن يبدو عليهن إرهاق الحمل، فكان بهن رحيمًا، نهضوا جميعًا عن مجلس المناقشات الخاصة بهم، وقبل أن يفترقوا اقترب ياسين من أحمد، واستند على كتفه وهو يعدل من حذائه الذي كاد باسقاطه بالمسبح، فسأله باستغرابٍ: _أمال فين اخوك؟ مختفي من الصبح! رمش بعينيه بذهولٍ وهو يحاول تذكر أخر مرة رآه، فاستدار تجاه الجميع وسألهم بدهشة: _حد شاف حازم يا شباب؟ كاد أحدهم بالرد عليه ولكن سبقه صوت نسرين المستنجد من الاعلى، وهي تردد دون توقف: _الحقووووووني! ******** حاوطت بطنها المنتفخ بذراعيها وكأنها ستسقط منها، ولاذت بالفرار حتى إختبأت خلف أحد الستائر، ظنتها ضخمة ولن يكتشف مكانها السري أبدًا، قفز "حازم" من خلفها وصاح بصوتٍ غريب عن طبقة صوته المعتادة: _أنتي يا بت روحتي فين اطلعي؟! وحك جبهته بألمٍ شديد وهو يهمس بحيرةٍ: _هي قالت اسمها أيه؟! وحينما لم يجدها كاد بالتوجه للردهة الخارجية لجناحه، ولكنه توقف فور رؤيته لهذا الانعكاس الغريب بالمرآة، اقترب "حازم" من المرآة وهو يتمعن فيما يراه بذهول، فكان لا يتضح من الستار سوى بطن منتفخة لجسد غير مرئي، تمددت شفتيه ببسمة شيطانية، فجذب أحد المضارب الخاصة بنظافة الفراش، وتصنع بأنه مازال يبحث عنها وهو يدندن: _روحتي فين لسه في حوار بينا مخلصش. وفجأة انقض على الستار، فازاحه وهو يشير لها بالمضرب: _قفشتك! ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة بالغة وهي تراقب ما يحمله بيده، فقالت بصعوبة بالحديث والابتسامة المصطنعة تحاول الصمود أمام ما تراه: _حازم أنا على وش ولادة ومش حمل هزارك السخيف ده. انكمش وجهه بغضبٍ وصاح بانفعالٍ: _مهو انتي اللي متعاونة معايا يا اسمك أيه إنتي! قولتلك انتي مين مش راضية تجاوبيني! وفوق كل ده عارفة اسمي وجايباني في مكان أول مرة أشوفه. وانحنى تجاه الشرفة وهو يتفحص المكان، ثم عاد ليقف مقابلها بنظراتٍ صدمة، جعلتها تحتضن جنينها بخوفٍ اتبع نبرتها الهامسة: _أيه! رمش بعينيه عدة مرات وهو يحاول استيعاب ما يحدث، فقال: _انتي خطفاني في بيتي!! هزت رأسها بالنفي سريعًا فأكد لها وهو يطرق بالمضرب خلف ظهرها: _لا أيه.. ده بيتي. صاحت بألم، وهرولت تجاه المقعد، فلحق بها وهو يسترسل بذهول: _بس دي مش اوضتي.. أنا أوضتي أصغر من كده بكتير. ارتفعت نبرته وهو يستكمل باقي جملته: _يا بجاحتك يا شيخة قاعدة كده عادي.. ماليش أهل يسالوا عليا طول الفترة دي! اعتصرت رأسها وهي تحاول التفكير فيما أصاب ذاك المعتوه، فحاولت للمرة الاخيرة الحديث بعاطفة مخادعة علها تستميله: _حازم يا حبيبي مالك كده النهاردة، انا نسرين حبيبتك ومراتك وزي ما انت شايف حامل ومش حمل فرهدة الله يسترك يا شيخ تفتكر لحسن أنا مش حمل جري تاني كده هولد بدري وأنا مش عاملة حسابي. تعمقت تعابيره باتخاذ الحزم والجدية التي جعلتها تعتقد بأنه عاد لرشده، أو توقف عن مزحه السخيف، فاستندت على حافة المقعد وهي تحاول أن تنظم مجرى تنفسها براحةٍ، فما كان منه الا أن اقترب منها ليعيد ضربها بقوةٍ جعلتها تقفز كالقنفذ وهي تحاول الفرار مجددًا، والاخير يلحق بها ويصيح بصوتٍ كان مسموعًا للجميع بوضوحٍ وخاصة حينما اقتربوا لجناحهم: _فاكراني اهبل وعبيط يا بت ، حمل أيه وهباب أيه ده أنا لسه متعرف عليكي من كام ساعة، وعمال اقول عندها انتفاخ من البطيخة اللي قومت لقيتها لابساها ونايمه برأسها جواها! ركضت تلك المرة تجاه باب الجناح الرئيسي فما ان فتحته حتى وجدت الشباب قبالتها، فتوسلت لهم بإرهاقٍ: _انجدوني يا تطلقوني منه وتبقوا كسبتوا فيا ثواب. انتقلت الأعين تجاه من يركض من خلفها حاملًا للمضرب، وصوته المتحشرج يزعج الآذان: _مفيش حد هيدفعلك فدية فيا.. أنا كفيل أساعد نفسي بنفسي. هوى المضرب على ذراع "معتز" فجلس على المقعد وهو يرفع ذراعه إليه بألمٍ، انتبه حازم للصحبة المتجمعة في غرفته، فتساءل بخفوتٍ: _لسه فاكرين تيجوا تنقذوني! احتضن ياسين مقدمة رأسه وهو يسأله بصبر يحاول التماسه: _ننقذك من أيه بالظبط؟ اشار على نسرين التي تحتضنها رحمة وتحاول شروق ومليكة تهدئتها، فصاحت به نور بشراسةٍ: _روح الهي تلتهمك سمكة قرش وتجرجرك على الساحل يا بعيد! قوس جبينه بغضبٍ: _أنتي مين ؟ انخفض بصره لبطنها المنتفخة، فصاح بسخطٍ: _معبية وخاطفة مين انتي التانية؟ جذبه رائد من تلباب قميصه وهو يصيح به: _حازم لم نفسك وفوق على الصبح كده. راقب يديه التي تحيط بملابسه ومن ثم تطلع اليه وهو يردد بتعبٍ: _أنا شوفتك فين قبل كده.. أنت ظابط صح! ضحك جاسم بصوته كله ثم قال بسخريةٍ: _دي بوادر كارثة جديدة.. حازم دايمًا بيستغل الوقت المهم لصالح مصايبه. أغلق عينيه بتعبٍ واحتضن أنفه، ثم قال وهو يعتصر ذكرياته: _أنا أخر حاجة فاكرها اللودر اللي جبت فيه. وفتح عينيه وهو يشير لهم على اثر الكدمة: _حتى بصوا كده. وفجأة سلطت عينيه على أخيه الذي يراقبه بملل ونفاذ صبر، وقبل أن ينطق لسانه طالته لكمة أخرى في نفس الموضع، جعلته يترنح على ذراع معتز وجاسم، فدفعوه للنهوض مجددًا، تصلب جسده وبالأخص وجهه، فأغلق عينيه ثم اعاده ويده تعدل من وجهه، فمال بجسده مجددًا على صدره، ورفع رأسه تجاه وجه أحمد وهو يخبره بغيظٍ: _في نفس المكان.. في نفس المكان!!! تراجع أحمد للخلف وتركه يسقط أرضًا، ثم اتجه للخروج وهو يشير لجاسم: _هاته.. هيساعدنا في حاجات كتيرة. أحنى رأسه بتسليةٍ: _تحت أمر معاليك. غادر احمد للاسفل، بينما انحنى ياسين بجسده تجاه حازم الممدد ارضًا وبابتسامة خبيثة قال: _اتمنى تكون ذاكرتك رجعتلك يا حازم. رفع إصبعه يشير له بإعجابٍ وتأكيد صريح لعودة ذاكرته دون أن يلجئ أحدهم لمعاونته للتذكر، فجذبه جاسم وهو يشير له ساخرًا: _طب سند ياخويا. استند على ذراعه واتجه للمغادرة، فحانت منه نظرة لمن تلتف الفتيات حولها، فقالت بانفاسٍ متقطعة لما بذلته من مجهودٍ: _مش عايزة أكتر من إن ربنا يهد حيلك زي ما هدتني.. منحها نظرة حزينة، قبل أن يناديها بندمٍ: _حقك عليا يا سوسو....انتشاليني من الضياع أنا ليا حق عليكي! جذبه معتز بقوةٍ ومن ثم أغلق الباب من خلفه، فانفجرت الفتيات ضحك، خاصة رحمة، سالت دمعاتها من فرط الضحك واخبرتهم بصعوبةٍ: _صعب عليا والله. ردت عليها نسرين بحنق: _يستاهل اسكتي.. خلعت "مليكة" حجابها ثم بدأت تعدله بإتقان أمام المرآة قبل أن تضيف: _كده هنتأخر يا بنات.. يلا ******** بمكان بعيد عن أجواء محبة قصر آل الجارحي. شقت ابتسامة مرعبة على وجه الشيطان بحد ذاته، لما استمع إليه من اقتراح من رجله الهام، الذي يعده ذراعه الأيمن، لذا أراد أن يمنحه الجواب الأمثل لسؤاله، فقال: _تحب تلعب؟ ابتلع ريقه المتحجر بصعوبة بالغة، فهو يعلم هوسه المريض بقت\ل ضحاياه بألعابٍ مخيفة، فحاول جاهدًا رسم بسمة لم تجدي نفعًا بظهورها، وهو يجبر لسانه على الحديث: _بلاش يا باشا أنا آ... انقطعت باقي كلماته حينما وجد نظرة كادت بسلخ جلده بعيدًا عن جسده، فتراجع للخلف بخطواتٍ مرتعشة حتى مال بجسده على الحائط الأصفر المخصص للعبته المعتادة، عصب عينيه بغمامة سوداء ثم جذب بعض من السكاكين الصغيرة الشبيهة بالشوك الحاد، وأخذ يسدد حول جسده بعشوائيةٍ دون أن يرى هدفه، فاخترقت اثنتان من الشوك جلد ذراعيه، والأخرى ساقه، فصرخ ألمًا ولم يجرأ عن التنحي جانبًا، فهو الأعلم بشروط لعبته الحقيرة، إن تنحى جانبًا يعني هلاكه وموته السريع، أزاح الغمامة عن عينيه، وحدجه بنظرة مستمتعة لما ناله من اصاباتٍ لا بأس بها كعقابٍ بعدما اقترح عليه أن يقت\ل "عدي" بنفسه ويريحه من وضع تلك الخطط التي تستنزفه، جذب أخر شوكة موضوعة على الطاولة الحديدية، ودنا منه وهو يردد بغموضٍ مقبض: _كان ممكن دي تكون في قلبك.. بس أنا محبتش أريحك بسهولة، حبيت انك تتألم وتحس بجروح رجلك وايدك الاول، وده معناها ان الاستمتاع الحقيقي انك تعذب ضحيتك قبل ما تمنحها السلام الابدي. احتقنت عينيه بذكرياتٍ جعلتها تموج احمرارًا، فزاد من ضغط اصابعه حول الشوكة حتى نزفت يده بجرحٍ عميق: _واللي عمله عدي فيا عقابه مش هيطوله هو بس... هو وعيلته وكل اللي بيحبهم.. أنا هدمره وهدمر أي شيء بيستمد منه القوة والسلطة وبالأخص ابوه اللي شايف نفسه بيه! ******* انقسمت المهام بين الشباب، فكان من نصيب ياسين ورائد تزيبن وجهة القصر، ومهام جاسم وحازم تزيين القاعة الداخلية، بينما أحمد ومعتز تزيين الردهة الرئيسية، حتى الفتيات تقاسمن بما سيفعلن، فزينت نور ومليكة الدرج، بينما قامت شروق ورانيا بتغليف المقاعد بالاشرطة البيضاء التي تتناسق مع لون البالونات، أما نسرين ورحمة فكانوا يعدن الكعكة الشهية بإتقانٍ، حتى أسيل وداليا نسقوا الردهة بمساعدة الخدم بحمل أغلب الاثاث حتى لا يظل بها سوى المقاعد والطاولة الضخمة، كان الهدوء يخيم على الاجواء، الجميع يعمل بتمعن وتركيز، صدى الدبوس الصغير قد يصدر جلبة مع تلك السكي\نة، وكعادته يأبى الانسجام مع تلك الاجواء، فكان سريعا للغاية باتخاذ فعل مخالف، حينما القى ما يحمله من البالون وهو يصيح بمن يعلو الدرج الخشبي: _يا عم قرفتني.. انت بتعمل أيه فوق كل ده... ده أنا ناولتك بالونات تكفي الجدار كله بتأكلها ولا أيه! هبط جاسم درجة، ليتمكن من رؤيته جيدًا واقترح ساخرًا: _ما تطلع تشتغل بدالي بدل طولة لسانك دي! أجابه حازم بكل غرور: _أنزل وأنا اوريك أحلى شغل. ابتسامة عريضة، ماكرة، تملكته، فهبط وهو يشير له بالصعود، صعد حازم الدرج بعنجهيةٍ، وكأنه يصعد سلم المجد، ثم التقط البالون منه وحاول أن يلصقها جوار الاخرى مثلما كان يفعل جاسم، تقطب العرق على جبينه وهو يحاول التمدد بعيدًا عن الدرج ليصل لها، فكان يظن إنه إن كان أقصر من جاسم قليلًا لن تعيقه أي مشكلة بوجود الدرج، انحنى حازم أبعد عن نطاقه المسموح فاهتز الدرج به حتى تمايل جانبًا، تشبث حازم بالعمود الذي يقابله لينجو من سقوط الدرج المهلك، وصاح بألمٍ سرى بذراعيه التي تتعلق بحافة الاعمدة الحاد: _الحقني يا جاسم.. هات السلم هنا بسرعة. قهقه عاليًا وهو يحاول التماسك ليجذب الدرج الخشبي، ولكن رؤيته معلق هكذا ذكرته بالقرد الذي يتشبث بأحد فروع الأشجار الهشة، ثم يلقى مصيره المحتوم، قرب جاسم الدرج وحازم مازال يحاول وضع قدمه على أحد درجاته بينما الاخير يكاد يسقط أرضًا من فرط ضحكاته، فزم حازم شفتيه ساخطًا منه: _ساعدني يا أخي على الأقل.. أيه شايف ارجوز برجواني بيتنطط قدامك! كبت ضحكاته أخيرًا وأشار له بغرورٍ: _متقلقش أنا هتصرف. صعد جاسم الدرج حتى وصل إليه، وعاونه على الصعود على كتفيه، فوضع ساقيه من حول رقبته، تعلق حازم برأسه حتى احتضن جبهته فمنع عنه الرؤيا، فصرخ به جاسم: _هشوف ازاي بايدك دي، والله ارميك من هنا وأخلص. ابعد يده عن عينيه فتابع الهبوط حتى وصل للاريكة فقذفه بعيدًا عنه والاخير يحييه ببسمة واسعة:. _الف شكر يا عمهم. استند الاخير بيده على الدرج وهو يشير له بخبث: _ها حابب تكمل ولا؟ _توبت يا باشا اتفضل. قالها وهو يفسح له المجال، فصعد جاسم وهو يمنحه نظرة استحقار ورضا، غلت الدماء بعروق الاخير،فانتظر حتى صعد وبدأ بعمله، وانحنى بيده تجاهه وهو يناديه: _فين بقية البلالين يا حازم.. انجز. امسك باحد البالونات واحتضن جبهته وهو يتصنع شعواره بالدوار، فأخبره بتعبٍ مصطنع: _شكلي هيغمن عليا ولا أيه! واندفع بثقله تجاه الدرج حتى اسقطه بين زواياه أرضًا، فانطبعت معالم وجه جاسم على أرضية القصر بحرافيةٍ ريشة فنان مبتكر، تعالت ضحكات حازم وأسرع تجاهه وهو يردد بمكر: _يا عيني عليك يا ابني.. طمني عليك مستقبل العيلة بخير ولا في ذمة الله؟ ما أن اقترب منه حتى عركل جاسم قدميه ليصبح هو من يحتضن الارض والاخير يحاصره من الاعلى، يكيل له اللكمات وهو يصيح بعصبيةٍ: _بتلعب مع واحد متهور.. قولتلك الف مرة تجنبني.. ولا أنت مستبيع عمرك؟ أشار له بلا، فعاد ليلكمه من جديدٍ، ولم يتوقف الا حينما وجد أحمد يستند على الدرج المائل وهو يتابعهما بملل ونظرة باءت بالكثير، فنهضوا معًا وكلا منهما يعدل من ملابسه، لجئ حازم لخداعه الذي كان يجدي نفعًا مع أخاه بالماضي فقال: _شايف بيعاملوا اخوك ازاي. رفع احد حاجبيه ساخرًا من طريقته المملة، فتجاهله واتجهت نظراته لجاسم ومن ثم قال برزانةٍ: _اسحب منه المنفاخ خليه ينقطع نفسه وهو بينفخ البلالين. ضحك بشماتة وهو يسحب المنفاخ بكل سرور: _عنيا يا باشا. جحظت عين حازم بصدمة، فهمس له جاسم: _عملت ايه فيه.. ده كان أطيب واحد فينا قلبته هو كمان ربنا ينتقم من الظالم. استدار اليه وهو يشير له بحنقٍ: _هينتقم من الظالمة أمثالكم بإذن الله. رفع إليه الكيس البلاستيكي وهو يأمره بمكرٍ: _طب انفخ يا حبيبي.. التقط منه البالونات وأخذ يعيد نفخهم حتى انقلب لون وجهه للاصفرار، تسلل لمسمع حازم صوت ضحكات مكبوتة، فالتفت ناحية باب القصر الداخلي، فوجد أحد الحراس يتبع "عثمان" للداخل، وكلا منهما حاملًا كرتون ضخم، اقتربوا من ياسين فأشار له عثمان كبير حرس آل الجارحي، بوضع الكرتون والانصراف، فوضعه وكاد بالمغادرة، فاوقفه حازم وهو يناديه بغضب: _تعالى تعالى. وحاول وضع يده حول كتفيه ولكنه لم ينجح فقال: _انزل شوية. اخفض الحارس جسده قليلًا ومازال يكبت ضحكاته على منظر حازم وهو يفعل ما بوسعه لنفخ البالون حتى كاد بأن يتقيء خلفه، فأشار له بجلب احد المقاعد ثم جلس واضعًا قدمًا فوق الاخرى وهو يشير له بحزمٍ: _بقى أنت بتضحك عليا.. طب ورحمة جدي عتمان لاعرفك مقامك. وأشار للكيس البلاستيكي الموضوع جانبًا: _انفخ يا وحش لما نشوف طاقتك. توسعت نظرات الحارس بدهشةٍ، هل خاض الكثير من التمارين والرياضة المرهقة لينتهي به الأمر بنفخ البالونات! ، ومع ذلك بدأ بتنفيذ ما قاله، بينما يرتشف حازم عصيره وهو يتابعه، انهى عثمان عمله بالداخل بعدما سلم ياسين بنفسه الشحن الذي قامت الفتيات بطلبه، وحينما كان بطريق عودته لمح رجله ينفخ البالونات بجوار حازم، فاقترب منه وهو يسأله باستغرابٍ: _بتعمل أيه هنا أنا مش قولتلك اطلع على البوابة! اتاه الرد من خلفه يجيبه: _أنا اللي قولتله يفضل عندك مانع يا عثمان. استدار عثمان للخلف وهو يحاول التماس هدوئه بعيدًا عن الابتسامة التي تلاعبه، فقال: _لا طبعًا يا حازم باشا زي ما تحب. أشار له حازم بالاقتراب، فلف كتفه حوله وهو يجبره على الخروج معه، وقبل أن يترك الردهة استدار فجأة وهو يشير للحارس بصرامة: _كمل نفخ.. شوية وراجعالك. هز رأسه بطاعةٍ، بينما عثمان يترقب ما سيقول حازم، فخرج معه للحديقة الخارجية ثم قال: _طبعًا انت عارف إنك غالي عليا يا عثمان صح؟ بدأت علامات التوتر تجوب وجهه ومع ذلك هز رأسه فقال الاخير: _وعارف ان اخويا وولاد عمي مفتريين وزي ما شوفت خلوني مسخرة بنفخ البلالين وأنا عشان واثق فيك فمش هأذيك لاني عارف ومتأكد انك مستحيل هتتكلم بس لازم ناخد قرار مصيري بالنسبة للاخ اللي بينفخ البالونات جوه ده. حك عثمان وجهه بتخبط وهو يحاول جاهدًا بفهم ما يود قوله، فوقف حازم قبلته واستدار يأمن الطريق من حوله قبل أن يخبره: _لازم تقت\له قبل ما يفضحني للحرس اللي بره.. ما أنا مش هقدر اطلع وادخل وهما شايفني نفاخ بلالين! صعق مما استمع اليه وبدا عليه عدم تمكنه من فهم الالغاز الحادثة هنا، فردد باسترابة: _أقت\ل مين يا باشا؟ اجابه ببساطةٍ: _الواد اللي جوه ده عشان ميتكلمش. همس بصوت لم يكن مسموع: _يا مثبت العقل والدين يا رب. وبابتسامة عملية قال: _مفيش داعي اننا نقت\له يا باشا.. متقلقش رجالتي آمان محدش فيهم هيفتح بوقه. تساءل بشكٍ: _على ضمانتك يا عثمان. ضحك رغمًا عنه: _على ضمانتي يا باشا. شعر بالارتياح.. وقال ببسمة واسعة: _حيث كده بقا ابعتلي طقم الحرس كله ينفخ البلالين لاني نفسي انقطع.. ضيق عينيه بصدمة: _نعم! أشار له بجدية: _ابعتهم ورانا شغل كتير واقف انت على البوابة النهاردة يا عم... هما ليهم شغلة غير الواقفة والمرقعة وقبض كل شهر اد كده.. خليهم يعملوا بلقمتهم. هز رأسه وهو يتصنع محبته الزائدة وطاعته: _اللي تؤمر بيه.. _متعملش الهبل اللي بيقول عليه! روح شوف شغلك انت يا عثمان. كلمات حازمة تحررت على لسان رائد، فهز عثمان رأسه وهو يجيبه: _تحت أمرك يا باشا. زفر حازم بضيق: _انت كمان بتتدخل في قرارتي ليه. منحه رائد ابتسامة تخفي نفاذ صبر عظيم ثم قال: _انا عايز مصلحتك.. فكك من اخوك وتعالى زين معانا الحديقة في الهوا الطلق. القى باقي البلونات عن يده وهو يلحق به ببسمة عريضة: _ايوه كده أفضل... شوف الناس اللي بتفهم بالذوق مش زي ولاد عمك ال.. كمم رائد فمه سريعًا وهو يهمس جوار اذنيه: _بلاش.. انت مش حمل عواقب تانية.. صح؟ هز رأسه بالتأكيد، فعدل من ملابسه وهو يثني عليه: _شاطر... تعالى ورايا. ******** بالداخل. تفحصت "أسيل" الاغراض بحرصٍ، فرددت ببسمةٍ رقيقة: _الحمد لله كله تمام.. تساءلت مليكة: _جابوا الشموع اللي طلبتها؟ جذبتها إليها: _ايوه أهي.. بصراحة عندك حق شكلهم شياكة... جذبتها منها مليكة، ثم قالت: _ هروح اديهم لرحمة عشان تحطهم على الجاتو. أومأت برأسها إليها، فغادرت وتبقت أسيل تتفحص باقي الاغراض، فاستغل أحمد بقاءهما بمفردهما واقترب وهو يتطلع لما تفعله فجر مشاكستها: _طلبتيلي حاجة معاكي؟ وضعت يدها على صدرها وهي تهمس بخفوت: _خضتني يا أحمد. غمز لها بخبث: _سلامة قلبك وقلبي من الخضة يا روح قلبي.. ابتسمت وهي تشير له بخبث: _حبيبي جيت بالوقت المناسب. تطلع خلفه قبل أن يجذب خصرها إليه، وبشوقٍ جعله أسيرًا لتأمل حدقتيها قال: _نفسي مرة تستغليني صح.. بعيدًا عن المصالح.. يعني لو مصالح مشتركة وخاصة بينا الموضوع بيفرق. ابتسمت وهي تبعده عنها، ثم وضعت على الطاولة بعض الشطائر والعلب المنفردة، وناولته بعض الفواكه وهي تخبره: _الاولاد زمانهم على وصول ومحدش فينا فاضي يعمل غدا.. فانا وانت هنعملهم واجبة صحية خفيفة بدل ما يطلبوا أكل من برة. زم شفتيه بحزن، وجذب أحد العلب ثم بدأ يملأها بالطعام وهو يردد على مضضٍ: _قولتلك بتستغليني غلط! ******** انقضت ساعات النهار بمشقةٍ على الجميع، وحينما اسدل الليل ستاره المظلم استلقى الشباب محلهم، فتمددوا أسفل الدرج بانهاكٍ شديد، وحينما خرجت الفتيات من المطبخ بعدما وضعوا الكعك والأطعمة بالبراد، فتفاجئوا بهم ممدودن على الأرئك والأغلب على الدرج، ضحكت نور وهي تشير عليهم: _شوفتوا الشقى بيعمل أيه؟ بتخيل حالهم لو شغالين في السراميك أو الحدادة كان زمانهم اتطردوا من أول يوم. شاركتها رحمة مازحة: _بينا نطلع المهمة دي تبعهم مش تباعنا. استندت نور على يد رحمة وغادورا بالمصعد للأعلى، بينما وزعت الفتيات نظراتها فيما بينهن البعض ومن ثم افترقتا وكل منهن تحاول إيقاظ زوجها، اتجهت شروق تجاه الممدد على الأريكة، هزته برفق وهي تناديه: _رائد..قوم نطلع فوق.. لم يجيبها وكأنه بكوكب أخر لا يسمع حتى ندائها، فأشارت للفتيات باستسلامٍ بعد محاولة أخرى، رددت داليا بسخرية: _بداية مبشرة... لما أشوف حظي هيكون شكله أيه؟ واتجهت لزوجها الغافل لجواره على نفس الاريكة فحركته وهي تهمس له: _جاسم.. انتظرته يجيبها، ولكنه لم يأتيها بالرد، فصرخت به: _قووووم بقا يا جاسم الله. بدأ بفتح عينيه وهو يجاهد بالنهوض، وحينما فشل قال: _عايزة مني أيه سبيني هنا أفضل أنتي مش راضية تلبسي القميص اللي آآ. كممت داليا فمه وهي تردد بحرجٍ: _يخربيتك هتفضحنا... قوم وانا هلبس اللي أنت عايزه. منحها ابتسامة شيطانية وحاول الاستناد على ذراعيها، فما ان نهض حتى همس لها بإرهاق: _انتي فاكرة كلامك؟ أومأت برأسها بعدم فهم، فقال وهو يتمدد جوار رائد من جديد: _هطالبك بيه بكره.. أطلعي نامي وللحديث بقية. راقبته بصدمة وهي تردد للفتيات الضاحكات: _دبست نفسي على الفاضي! طلت مريم على الدرج وهى تنادي والدتها بنومٍ: _يلا يا مامي أنا مش عارفة أنام لا أنا ولا آسر. اشارت لها رانيا بتعبٍ: _حاضر يا مريومة جاية. ثم تطلعت لداليا وقالت: _بينا نطلع يا داليا هما مستحيل يصحوا. أومأت برأسها ولحقت بها للأعلى، فاتبعتهما نسرين، توقفت رانيا عن الصعود وسألتها بمرحٍ: _أيه يا بنتي واخداها من أصرها من غير ما حتى تحاولي تصحيه. استكملت طريقها للاعلى، وهى تلوح لهم: _أنا لسه بتعافى من اللي عمله فيا الصبح.. تصبحوا على خير .. تعالت ضحكاتها وهي تشير لها: _وانتي من أهل الخير يا روحي. غادرت الفتيات لغرفهم حتى شروق ايقنت بأنها من المستحيل أن تجعل معتز يفيق من نومه الثقيل، وتبقت آسيل ومليكة بالاسفل، فتساءلت آسيل بحيرة: _هنعمل أيه نطلع ولا أيه؟ أجابتها مليكة بعد تفكير: _نحاول مرة مش هنخسر حاجة. على الفور بدأت آسيل بإيقاظ أحمد الغافل على أحد المقاعد، فما أن نادته حتى ردد ومازالت عينيه مغلقة: _اطلعي ارتاحي يا آسيل أنا هفضل هنا عشان لسه في شوية حاجات هنعملها الصبح أنا وياسين.. ربتت على يده وهي تخبره: _طب هبعتلك غطا. منحها ابتسامة صغيرة قبل ان يسترخى لنومه مجددًا.. انحنت مليكة تجاه ياسين، فنادته من على بعدٍ خشية من أن يرتكب فعل يجعلها ترتدي لباس الحرج: _أبو يحيى. اتاها صوته الساخر يردد: _اطلعي يام يحيى معاهم انا صاحي من أول محاولة فاشلة ليكم.. اطلعي.. هزت رأسها وصعدت خلف آسيل بنومٍ جعل الجميع يغفو باكرًا على غير العادة! ******* صوت بوق السيارة المصفوفة بباحة القصر الخارجي بالصباح لم يكن مسموعًا للشباب، هبط "عدي" و"عمر"، واتجهوا معًا للداخل، دفع "عمر" باب القصر فتفاجئ بابناء أعمامه بالداخل، استدار لعدي الذي يعبث بهاتفه وهو يناديه بدهشةٍ: _عدي! تطلع لما يراه أخيه باهتمامٍ، فوجد الشباب بأكملهم بالأسفل، اتجه عمر لايقاظهم بينما صعد عدي للأعلى بغموض يود أن ينتهي منه في تلك اللحظة. ******** اجتمعوا حول عمر، وكان أول اسئلتهم عن ياسين الجارحي وعدم عودته، لذا انتهى من الجدال والأسئلة التي تسببت له بالصداع منذ الصباح وقال: _بابا وماما رجعوا معانا بس بابا طلب مننا نرجع القصر وقال انه هيحصلنا. بدى الغموض سيد الموقف بين الجميع، فقالت مليكة بحزن: _يعني بعد ما قدرنا نوصلهم ونرجعهم مصر اختفوا تاني! اكد لها عمر: _لا يا مليكة راجعين تاني.. اللي فهمته انها مسألة ساعتين أو أكتر. واستأذن بالانصراف ليبدل ملابسه، بينما تابع جاسم ومعتز باقي العمل.. ****** بالأعلى.. ولج عدي لغرفة ابنه، فوجده مازال نائمًا على فراشه، جذب أحد المقاعد وقربها من فراشه، ثم جلس يترقب لحظة استيقاظه دون رغبة منه بإيقاظه هو، ظل لجواره لساعة ونصف كاملة ولم يمل على غير عادته، كان يتأمله بشيءٍ من الريبة والخوف، هناك الكثير من المعارك التي تعلن دفوفها بداخله، وكل معركة فيهم أصعب من التي تنافسها، انتهت مشقته حينما فتح ياسين الصغير عينيه، فوجد أباه يجلس قبالته، اتكأ بيده على فراشه وهو يفرك عينيه بنومٍ: _بابا.. حضرتك رجعت امته؟ ظل صامتًا لبرهةٍ قصيرة قبل أن يجيبه بمكرٍ: _ياسين الجارحي مبلغكش اننا رجعين من رحلة اليخت ولا ملحقش. ارتبك الصغير أمام أباه وقال: _لا.. معرفتش. هز رأسه والابتسامة الغامضة تتحكم بشفتيه، و لاذ بفترة صمت مجددًا قبل أن يمزقها بقوله: _ياسين انت ابني، يعني بعيدًا ان إنك المفروض تكون في صفي بس على الأقل متخالفش تربيتك ولا شخصك عشان أي حد. ضيق عسلية عينيه بعدم فهم، فأخبره عدي بشكلٍ مباشر: _ياسين أنت دخلت مكتبي وسمحت لنفسك تدور في أوراقي وتبلغ ياسين الجارحي باللي يخص شغلي! اعتدل الصغير بجلسته، وهو يراقب انفعالات أبيه الباردة عكس ما يوحي به حديثه، وخاصة حينما استرسل ساخرًا: _هو ده اللي بيحاول يربيك ويزرعه فيك! خرج الصغير عن صمته الطبيعي لطفل قد يوضع بمثل هذا الموقف وصعقه برده الرزين: _حضرتك من اول ما بدأت تتكلم حطيت افتراضات طبيعية بين الاب وابنه، بس السؤال هنا ليه أنت معندكش نفس الميول دي.. يعني شايف اني لازم أكون مع حضرتك ضده ومش شايف إنك المفروض تعيد حساباتك في علاقتك اللي بينك وبينه. رد عليه بعصبية خرجت عنه: _قولتلك الف مرة متتدخلش في الموضوع ده. نهض عن فراشه واقترب ليكون على مقربة منه، وردد بحزنٍ: _ممكن يكون تصرفي غلط وأنا عارف ده.. بس انا قبلت اعمل كده لاني واثق في جدي وعارف إن أكيد في مغزى قوي للي بيعمله وبالأخص باللي بيطلبه مني أو من غيري... بس للاسف الثقة دي مش عندك تجاهه.. عن إذن حضرتك. تركه الصغير متخبطًا فيما قاله، وغادر لحمام غرفته، خرج عدي من غرفته وعقله بات مشتتًا عن ذي قبل، وأقسم بأن أباه قد جعل من ابنه شخصًا لا يرى سواه هو! ******** بالطابق العلوي وبالأخص غرفة حمزة. حاول أحمد بشتى الطرق أن يجعل أباه يتراجع عن قراره الغريب، فقال برجاء: _الله يخليك يا بابا بلاش، حازم غبي ومش هيعرف يعملك اللي أنت عايزه.. احتدت نظرات "حازم"، فمنح أخيه نظرة شرسة قبل أن يجيبه: _وأنت مالك أنت، حاشر نفسك بين الأب وابنه ليه، أما أنت انسان مستفز بشكل يا جدع.. لكزه" أحمد"بغضب، فرفع حمزة المنشفة عن وجهه ثم قال بضيقٍ شديد: _انتوا متعرفوش تعملوا حاجة في حياتكم غير الخناق، حتى في يوم مهم زي ده، مش فاضل على وصول ياسين الحفلة غير ساعة واحدة بس ده اللي هتكجولوني وتظبطوني! رفع حازم غطاء الرأس عن حمزة ثم قال بابتسامة واسعة: _متقلقش يا حاج الصبغة دي هتصغرك ولو تلاتين سنة وهتخلي تالي تعجب بيك جدًا النهاردة.. اتسعت ابتسامة حمزة وهو يشير له بغرور: _وهو ده المطلوب يا فهمني انت، سيبك من أحمد اخوك ده قالب على عمك ياسين اليومين دول ودماغه صعب تتماشى معاها، اشتغل بتركيز وفكك منه. كبت أحمد غيظه فقال من بين اصطكاك اسنانه: _خليك فاكر اني قولتلك بلاش.. وجذب احد المجلات يلهي ذاته بقراءتها لحين ان ينتهي حازم من كارثته الجديدة، فما كان منه الا سماع صراخ عاصف بعد اقل من ساعة، فرفع المجلة عنه ليجد أباه يجذب حازم من قميصه كاللص الذي يتسلل لسرقة الملابس من أعلى المنازل، ونبراته يعكسها الصدمة والحيرة: _أيه اللي هببته ده يا حيوان، صبغلي شعري بالاحمر ليه هيفاء وهبي! ضحك أحمد وهو يتطلع لابيه وحينما يحاول التغلب على ضحكاته تزداد الامور سوءا كلما لمحته عينيه، فصاح حازم بخوف: _انت مش فاهم حاجه في الموضة يا حاج ده بني محروق وشيك اوي عليك مخليك جنتل وقمور... ما تتكلم يا احمد الله يحرقك.. جاهد احمد للحديث فقال من وسط ضحكاته: _انت متأكد ان ده بني! ردد بهمس ساخر: _انما الاعمال بالنيات يا ابني. ثم هرع من بين يد أبيه والاخير يركض خلفه حاملا عمود النور الذي يضيء الغرفة، فولج لغرفة الشباب ليصيح برعب: _االحقــــــــــــــوني... رفع ياسين الاستشوار عنه ثم تساءل بقلق: _عملت ايه المرادي يا وش الغراب... اجابه رائد بضيق وهو يتناول طبق الفاكهة: _هو احنا هنخلص من بلاويه السودة مش كفايا جاسم اللي لسه مخلصينه من تحت ايده بصعوبة بينما ردد عمر باستياء: _حازم انا النهاردة سعيد ومش عايز حاجة تعكر مودي وبصراحة وشك ببعصبني.. ضحك جاسم ثم قال: _لو المصيبة ينفع تتاجل أجلها النهاردة يوم مميز ومش عايزين حاجة تنكد علينا، اقولك اطلع لعدي فوق يحل الموضوع واهو لو خلص عليك تبقى اتحلت من عند ربنا.. تعالت ضحكات معتز ، بينما صعق الجميع حينما ولج حمزة من خلفه، وهو يصيح بغضب: _والله لاقت\لك يا كلب...خد هنا.. هرول حازم تجاه الباب الخارجي ولكنه تراجع عدة خطوات للخلف برعبٍ، جعل من خلفه يغلبهم الضحك والصدمة بأن واحد حينما ظهر من امامهما ياسين الجارحي! #الفصــل_التاسـع.. ارتبك الجميع في حضرته، وكأن هالته تصنع فجوة تلتهم من حوله، الصمت أحيانًا لا يعد خوفًا ممن أمامك، ربما هو وقار وامتنان لهيبة ذلك الرجل ذو النظرات الصارمة التي تنجح بخلق أجواء مضطربة للجميع، وكأنه يخلق نظاما عسكريا نجح بتأسيس تلك القواعد داخل قصره الخاص، ذاك الصمت قطعه صوت صديق الطفولة والمقرب إليه حينما رحب به بكل حبٍ وبهجةٍ: _حمدلله على السلامة . سحب نظراته عن عدي الذي يراقبه بنظرةٍ نجح بفهم سبب ما يجول بعقله وخاصة بأن حديثهما الاخير عن تولي ادارة الصفقتين لم يكن بعيدًا، واتجه ليحيى فقال بثباتٍ: _اتمنى ميكنش ناقصكم حاجة. ابتسم الاخير وهو يردد: _ناقصنا طبعًا وجودك. منحه ابتسامة هادئة قبل أن يستكمل طريقه للمقعد الأسود، استرخى بجلوسه عليه وعينيه تتنقل بخفة بين حمزة وحازم، فقال بتريثٍ: _ مش ناوي تعقل يا حمزة؟ تلقائيًا رفع يده يتحسس بها شعره وكأنه يحمل كارثة ملموسة، فاندفع بما يضيق بصدره حينما قال: _كويس انك رجعت يابو عدي يا غالي، عشان انا في غيابك بتبهدل من الغبي ده.. قولتله يصبغ شعري لون يصغرني راح محولني لهيفا! فشل الشباب بالسيطرة على نوبة ضحكاتهم بالرغم من وجود ياسين حتى يحيى ضحك بصوت مسموع، فاتخذ حمزة برهانه الأكيد: _شوفت يا ياسين بيتريقوا عليا ازاي! حانت منه نظرة جانبية تجاههم، فكفوا جميعًا عن الضحك ومن ثم اتجهت لمن يقف يرتعد كأنه يرتدي معكبا هائلا من الثلج، وراح يردد بخوفٍ: _النية كانت بني محروق النتيجة مكنتش في الخطة.. بس أنا أوعد حضرتك اني هجتهد وهحوله لنفس الاسود أو للونه الابيض عشان يتلم آآأقصد عشان يديله وقار كده. قطع تلك الأجواء المربكة صرخة نور الحماسية وهي تردد: _أنكل ياسين رجع يا بنات. وفي ثوانٍ معدودة تراصت الفتيات بالأسفل من حوله بفرحةٍ جعلته يبتسم بمحبةٍ لم يشعر بها فور تجمع الشباب بأكملهم، نقاط ضعفه تكمن ببناته أولًا وبمن هبط يناديه بشوقٍ: _جدو! تلقائيًا فتح ذراعيه لمن هرول إليه يضمه بشوقٍ وهو يردد: _القصر مالوش معنى من غير حضرتك.. أنا كنت بعد الأيام عشان أشوفك تاني. حدجه عدي بطرف عنيه بنظرة حزينة، ثمة مشاعر غيرة تفور بداخله، فحينما يغيب لشهور عن القصر لم يحظى بمثل تلك المشاعر التي ينعم بها أبوه من ابنه الصغير، بالرغم من جمود ياسين الجارحي وصرامته كيف تمكن من كسب قلب صغيره بمثل تلك الدرجة؟! راقبهما باهتمامٍ وإن بدا انشغاله بالتطلع للفراغ، ولكنه كان يتلصص لسماع ما يحدث بينهما باهميةٍ، جابت عينيه القاعة وهو يبحث عن والدته، فكاد بالسؤال عنها ولكن سبقته رحمة حينما تساءلت: _فين ماما آية؟ ربت ياسين بيده على حجابها وهو يشاكسها بلطفٍ: _يعني مش فرحانة برجوعي وهمك آية أكتر مني! شعرت بالحرج قليلًا، وأسرعت بالحديث: _لا طبعًا احنا كلنا كنا بننتظر رجوع حضرتك.. بس انا استغربت لما مش لقيتها مع حضرتك. أشار لها بتفهمٍ، ثم قال بثباتٍ: _آية بره مع رعد ودينا. صاحت داليا بحماسٍ: _أيه ده؟ بابي ومامي رجعوا! وقبل أن تتجه للخارج وجدتهما في طريقهما إليهم، يبدو أن اليوم بات مميزًا بعودة أغلب أفراد العائلة! ***** بالخارج.. كانت تتبع شقيقتها للداخل، ولكنها توقفت عن المضي قدمًا وراقبت الدرج الخارجي للقصر بابتسامةٍ حالمة، لا تنكر بأن تلك الرحلة القصيرة ستظل محفورة داخل قلبها قبل أن تختم بذاكرتها، مازالت تتذكر الطريقة التي اصطحبها بها لقضاء تلك الرحلة بالرغم من انها كانت تظن نفسها تتوهم، مازالت تتذكر كيف اعتنى بها طوال تلك الفترة، وانفردت معه بعشق خلد طوال تلك السنوات، استندت "آية" على درابزين الدرج وصعدت، فوجدت من يساند يدها حتى وصلت للاعلى، رفعت عينيها تتأمل من يشدد على يدها، فابتسمت قائلة: _عدي.. حبيبي! منحها ابتسامة دافئة ومازال يرفعها حتى انهت صعود الدرج، فانحنى يقبل يدها، أغلق عينيه تأثرًا بلمساتها الحنونة فوق شعره الذهبي، وصوتها الرقيق يعلو: _ربنا ما يحرمني منك. استقام بوقفته فبدا فرق الطول بينهما، وكأنه أبًا لها وليس ابنها، ضمها اليه واختفى جسدها بهالة حضوره، فقالت بصوتٍ بدا قريبًا للبكى: _الحمد لله انك لسه واقف قدامي.. قلبي كان هيقف وأنا شايفاك بتغرق قدام عيوني.. كنت هرمي نفسي وراك بس لولا باباك انقذك. عاد المشهد ليتجسد أمامه، فربت على ظهرها وعقله شارد فيما حدث بالأمس حينما كان على اليخت برفقتهم، وكلماته لا تفارقه، تحرك بها للداخل بعدما لف ذراعه حولها وبمكرٍ سألها: _انا كويس.. بس قوليلي اخدك فين واتاخرتوا كده! انشغال عقله بما يخص أبيه جعلها تبتسم، فالعلاقة بينهما غير مفهومة، كالأسد الذي يمقت وجود شبله بغابة يكون هو سيدها ولكن بالوقت ذاته قد يمزق أي وحش قد يمسه بخدشٍ صغير، فاتبعته للداخل قائلة: _ياسين كان حابب نكون لوحدنا في يوم زي ده.. وبالاخر رجعنا ليكم ولبيتنا. منحها ابتسامة صادقة ارتسمت فور شعوره بسعادة والدته، صمت الآذان فجأة بصراخ مليكة وهي تناديها بفرحة: _مامـا.. حمدلله على سلامتك يا ست الكل. أشارت آية لها قبل أن تصل لها: _بالراحة على البيبي! تشبثت بذراع عدي الذي حال بينها وبين السقوط، فطرق على رأسها بخفةٍ: _أنتي جاية من على الطريق الزراعي! اهدي واعقلي. ابعدت ذراعه وضمت والدتها التي قابلتها بمحبة كبيرة، واخبرتها بشوقٍ: _وانتي كمان وحشتيني أوي يا ملاكي.. طمنيني عنك وعن يحيى. وراقبت الطريق من خلفها باستغراب: _هو فين مجاش معاكِ! قالت وهي تزيح دموع فرحتها عنها: _يحيى مسافر مع رحمة في رحلة تبع مدرستها. تلقائيًا اتجهت نظراتها تجاه عدي الذي زم شفتيه وهو يخبرها: _اضطريت أوافق.. الولد احرجني بذوقه. استأذن بالانصراف فتابعته ببسمة صغيرة زرعت الفضول بمليكة لمعرفة سببها فهمست لها بخفوتٍ: _في أمل ان اخوكي يتغير.. اعترضت على أملها بذلك وقالت: _انا مش عارفة ليه عايزينه يتغير.. عدي ليه كارزما مختلفة عصبي بس حنين، عاقل بس مجنون شوية، متكبر بس بنتفاجئ بتواضعه أحيانًا.. الخلاصة ابنك مش مفهوم ربنا يصبر رحمة ويديها ويدينا طاقة تحمل. قهقهت ضاحكة على وصفها الدقيق، فدفعتها للخطى جوارها وهي تهمس لها بنفس نبرتها المنخفضة: _صدقيني في أمل.. تعالي نشوف رحمة ونور وحشوني أوي. ****** انسحب "ياسين" عمدًا من الداخل، وبحث عن عدي حتى وجده يقف على التراس، وعلى ما يبدو إليه بأنه شارد الذهن، اقترب حتى بات يقف قبالته، فالتقط نفسًا مطولًا قبل أن ينفثه في مللٍ: _كنت عارف إنك هتيجي ورايا. أبعد ياسين المقعد قليلًا حتى يتمكن من الوقوف لجواره، فتأمل شلال المسبح المرتفع وهو يتساقط بنظرة تعمقت بما قد يفكر به عدي، وقال بعد صمت طويل: _أنت خايف من رجوع عمي يا عدي؟ ابتسامة شبه ساخرة تمايلت على شفتيه، فردد بسخطٍ: _شخص زي ياسين الجارحي يتخاف من بعده مش من قربه. تقوس جبينه بحيرةٍ: _بمعنى؟ أجابه بمكر: بمعنى إنه من الأفضل يكون قدام العين عشان نتنبأ بخطواته.. طول مهو بعيد طول ما هو غامض ومش مفهوم. ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيه، وردد بثقة: _عمي مش مفهوم لاي حد حتى لو عاش معاه عمر كامل. سحب نظراته عن الشلال وسلطها تجاهه وهو يخبره: _بالنسبالك.. أنا لا. اشار بيده وهو يقترب ليجلس على حافة التراس المتدلي: _يمكن.. بس اللي انا واثق منه إن ورا عمي لغز كبير يا عدي.. أكبر من جو التحدي اللي بيخلقه بينكم.. وصدقني مدام هو بنفسه قالك بلاش أحمد قصاد رائد يبقى تنفذ كلامه لانه ليه نظرة بعيدة وهو أكتر منك خبرة. انكمش وجهه بعاصفة حلت لتستحضر غضبه: _هو اللي حملني المسؤولية دي.. يبقى مستحيل هسمحله يتدخل في قرار أنا سبق وأخدته.. حتى الطريقة اللي بيحاول يكشف بيها مخططاتي قدامه طريقة متناسبهوش! _وهو ده اللي مأكدلي ان في حاجة كبيرة عمي بيحاول يخبيها.. فكر في كلامي كويس يا عدي. كلمات أخيرة قالها قبل أن يغادر ليتركه يحسم أمره المتعلق باختيار أحمد ورائد، فبالرغم بأنهم ذوي كفاءة وخبرة أكثر من الشباب ولكن ياسين فقد اقتناعه التام باختيار عدي فور اعتراض ياسين الجارحي على اختياره، لانه لديه ثقة بأن هنالك شيئًا هامًا لا يستطيع أحدًا رؤيته سوى ياسين الجارحي ذاته! ****** اجتمع الجميع حول مائدة الطعام، بعد أن فتشت المفاجأة التي يستعد لها الجميع، وبالرغم من جفاء الأجواء من الأحاديث الا أنها كانت محفوفة بالبهجة والمحبة لوجود ياسين وآية بينهم، بدأ الجميع بتناول الطعام، إتكأ "ياسين" على مرفقيه ووزع نظراته بين الجميع، وبالأخص لزوجته التي تجلس على يمينه وابنه الجالس على يساره، ومن أمامه على نهاية الطاولة يجلس رفيق دربه، أخفى حنينه لتلك الأجواء المختلفة، ولمذاق الطعام الرائع، فشرع بتناول طعامه، وفجأة علق الطعام بجوفه، سعل بقوةٍ جعلت وجهه يتلون بالأحمر القاتم، وقبل أن يمد يده على كوب المياه، وجد كوبًا قريبًا من فمه، واحدهما يعاونه على ارتشافه بأكمله حتى هدأت نوبة سعاله، وصوت من يقف قبالته بالكوب يتساءل بلهفةٍ: _حضرتك كويس؟ لم يكن سوى عدي المتلهف لسماع إجابة صريحة من أبيه، أول من أسرع إليه بقلبٍ تمزق مع كل سعلة خرجت منه، هز ياسين رأسه إليه بأنه على ما يرام، فاستقام عدي بوقفته وقد هدأت أنفاسه المنفعلة فعاد لمقعده من جديدٍ وتابعه بتلصصٍ من حينٍ والأخر، المشهد برمته كان يتابعه الجميع ببعض الدهشة والحيرة، لم يعد أحدٌ يفهم ما يدور بعقولهم، عدي لم يعد مفهوما بالمرة، عاد الصمت يكمم الأفواه من جديدٍ الى أن مزقه ياسين وهو يردد بنبرة استهزاء: _أنا شايف إن نور كويسة .. خليني أعترف ان حجتكم كانت مقنعة ونجحت بس محبهاش تتكرر تاني. وألقى منديله القطني على الطاولةٍ، ثم نهض وصعد للأعلى والجميع يراقبه حتى تخفى من أمامهم، تحرر الجفاء بينهم فقال رعد ممازحًا: _الحصار اتفك.. ها طمنوني عاملين أيه؟ أجابته داليا وعينيها تلتهم جاسم: _احنا بخير بس الخناق اللي بينا مازال مستمر.. وأضافت رانيا: _يا أنكل البيت ده محتاج ليكم لانه من غيركم فوضى. جز رائد على أسنانه بغيظٍ: _بتقولي أيه يا حبيبتي سمعيني؟ ابتلعت ريقها بتوترٍ ألزمها بالصمت، فقالت نور باستنكارٍ: _انتي خايفة ليه.. ما تتكلمي وتقولي لانكل رعد على اللي بيحصلنا هنا! ضحك يحيى بصوته الرجولي المميز وقاطع حديثهما: _نور أنا شايفك مش مقصرة مع حد في لستة الشكاوي.. مش فاهم لسه محتاجة أيه بعد رجوع ياسين الجارحي بنفسه! اقترحت عليها ملك بخبث: _انا بقول تجمعوا الشكاوي وتطلعوله فوق هو اللي هيقدر ياخدلكم حقكم. صاح بها حازم: _أيه يا طنط خليكي محضر خير. ونكز ياسين بخوفٍ: _ما تشوف أمك. تجاهله واستكمل تناول طعامه، بينما اجتمعت الفتيات وصعدن للاعلى لتقديم الشكاوي المقترحة، ولحق بهم رعد ويحيى فلم يتبقى سوى الشباب، استغل عدي بقائهم بمفردهم وقال بخشونة: _كويس اننا بقينا لوحدنا. اعتدل احمد بجلسته وسأله باهتمامٍ: _خير يا عدي. انصت الشباب إليه بانصاتٍ وخاصة حينما تابع وقال: _أنا اخدت قرار بخصوص الصفقتين واختارت ان أحمد ورائد. تطلع رائد لأحمد بدهشةٍ من اختيار عدي الغريب، وتساءل بذهول: _مش هسألك ليه اختارتنا بالذات.. بس هقولك الموضوع صعب ومستحيل تتم الصفقتين لصالح شركتنا! اعترض على حديثه: _الاتنين هيكونوا تبع امبراطورية الجارحي يا رائد.. انت مش أول مرة تمسك مناقصة ولا أحمد.. يعني عندكم الخبرة الكافية اللي تخليكم تهزموا مهاب أبو العزم. اكتفى بإيماءة صغيرة من رأسه، ثم قال مرغمًا على ادعاء اقتناعه: _هحاول. اتجهت نظرات عدي لأحمد الذي ردد هو الأخر: _مفيش مشكلة.. هشتغل على العرض ومش هتخرج من ايدنا. منحه ابتسامة هادئة قبل أن يتشتت الجمع فيما بينهم.. ****** اتجه عمر لغرفته لينال قسطًا من الراحةٍ،اتجه لفراشه وألقى بثقل جسده عليه بعد يوم شاق للغاية، فتسلل إليه بكاء صغيرته من الغرفة الملتصقة به، رفع الوسادة على رأسه وهو يردد بخفوت: _مش وقتك أنا مش قادر. عادت بالبكاء من جديدٍ، فنهض عن فراشه قسرًا، اتجه لغرفتها فوجدها تجلس على الفراش بمللٍ، أضاء إنارة الغرفة ثم تمدد جوارها وبنومٍ جعله يتثاءب أكثر من مرة قال: _أكيد مفيش حد هيشيل الليلة غيري.. وأنا حقيقي يا حورية البحر أنتي راجع تعبان ومش قادر. وتمدد على قدميها الصغيرة الممددة على الغطاء وهو يسترسل برجاء: _سبيني بس اريح نص ساعة وأنا اوعدك هقوم وأعملك قرد بعدها لحد ما تنامي. تعالت ضحكات الصغيرة ببراءةٍ، وأخذت تلهو بخصلات شعره، فاستكان وغفا تمامًا على قدميها. تسللت نور للداخل بحذر، فهي تعلم بأن عاقبة ما فعلته بالاسفل لن تمر مرور الكرام، بحثت عنه وحينما لم تجده تهللت أساريرها، فأبدلت ملابسها واتجهت لغرفة صغيرتها، خيم العشق بابه العتيق بين حدقتيها حينما رأته يحتضن ابنتها ويغفو بإرهاقٍ، انصرفت عنها كل فكرة دفعتها لمشاكسته فسحبت الصغيرة برفقٍ لغرفتها، ثم أطفئت الاضاءة، واقتربت منه لتطرح غطاءا على جسده، انتفضت فزعًا حينما قرب يدها اليه، طبع قبلة رقيقة على كفها هامسًا بنوم يغلبه: _بحبك. ابتسمت وهي تحتضن كفها، وقبل أن تغادر لغرفتها انحنت لتطبع قبلة على جبينه، ورحلت سريعًا لابنتها، وقرارها أن تقضي الليل بصحبتها الليلة. ******* خلع قميصه عنه حينما شعر باختناقٍ يهاجمه، وضع بمكان لا ينتمي إليه وكعادته لا يحاول التقليل من ذاته وتقبل الهزيمة بسهولةٍ، وها هو يشعر بثقل المسؤولية التي يحملها على عاتقه، فتح نوافذ الغرفة لتلفحه تلك النسمات الباردة علها تتمكن من التخفيف عما يجتاحه، استند على حافة باب الشرفة وهو يراقب انارة حمام الغرفة بترقب، يتمنى أن تنتهي رحمة من حمامها وتخرج إليه سريعًا، ربما لا يحب الحديث المبالغ به، ولكن وجودها لجواره يمنحه كل ما يحتاجه في تلك اللحظة، عاد ليتطلع أمامه من جديدٍ، تسلل إليه تأوهات خافتة جعلته يستقيم بوقفته وهو يناديها بقلقٍ: _رحمة! وحينما لم يستمع لردٍ منها، اقترب من باب الحمام وطرق وهو يكرر ندائه: _رحمـة.. فيكِ أيه؟ فتحت باب الحمام وهي تحاول التصنع بابتسامةٍ صغيرة: _مفيش. وتركته واتجهت للفراش بخطواتٍ متهدجة، توحي له بما تشعر به في تلك اللحظة، راقبها بنظرةٍ تخللت إليها، وخاصة حينما احتضنت الوسادة وهي تحاول محاربة ألمها، جذب عدي قميصه وارتداه باهمالٍ، واختفى من امامها ثم عاد بعد لحظاتٍ قليلة، وجدته يجلس جوارها ويضع على الكومود مشروب النعناع الساخن، وبعض المسكنات، احمر وجهها خجلًا بعدما كشف ما أصابها فجأة، فابتسم وهو يشير لها بمكر: _تحبي تبدأي بأيه الأول المسكن ولا السخن؟ أخفضت عينيها عنه بحرجٍ، فضحك بصوته الرجولي وهو يداعبها قائلًا: _حبيبتي السنين اللي بينا تكفي إني أحفظ حالتك وبالمواعيد. رفعت عينيها اليه فوجدته يضع المسكن بذاته أسفل لسانها ومن ثم قدم لها المياه، فارتشفتها وتمددت بتعبٍ جعلها تئن بخفوتٍ وهي تواجه ألم عادتها الشهرية، جذب عدي الغطاء ليدثرها جيدًا ثم تمدد لجوارها ويده تضم جسدها اليه، حنان قلبه يختبئ خلف حاجز قسوته الغامضة، يمتلك الرأفة والحب وغيرها من المشاعر السامية ولكن يغلبها حاجز صنعه بذاته، حاول عدي الاستسلام للنوم ولكنه لم يحظى به فما أن شعر بغفلتها، حتى تسلل بهدوءٍ من جوارها ثم عاد لشرفته من جديدٍ، عبث بهاتفه بمللٍ فتفاجئ باحدى الأخبار تعلن عن وفاة ظابط شرطة بطريقة مأساوية، حيث ثم قت\ل أفراد عائلته أمام عينيه ثم ذبح واشتعلت النيران بمنزله، دقق بإسمه جيدًا، وكانت صدمة كبيرة له، فبحث عن اسم بسجل هاتفه وما إن أجابه صوت المتصل به حتى ردد بذهول: _مين اللي قت\ل كمال بالوحشية دي؟ استمع لرد زميله وهو يبرر بتوتر: _لسه موصلناش للقاتل... ولا لأي دليل لان البيت كله ولع للأسف. رد عليه بضيقٍ شديد: _مش محتاجة أدلة دي واضحة زي الشمس.. ده انتقام ومش هيطلع غير من مجرم له تار عند كمال! =احنا شغالين وهنوصله ان شاء الله. _ابقى بلغني بالجديد أول بأول، ولو احتجت مساعدتي متترددش أنت عارف كمال كان غالي عليا ازاي، ياما اشتغلنا مع بعض. =عارف يا باشا ومقدر موقفك.. ان شاء الله هكون على تواصل مباشر مع حضرتك. وانتهت المكالمة فيما بينهما، بينما لم تنتهي رباطة فكره بما حدث لزميله وبالسيارة التي كانت تراقب تحركاته منذ قريب، ربما هناك ما يثير الشكوك بالأمر! *******" غيابهم ليومين متتاليتين جعل هناك ازدحاما هائلا من الأعمال، لذا انصرف الشباب صباح اليوم التالي باكرًا قبل استيقاظ أحد من القصر، عملوا بجهدًا كبير قبل أن يصل "ياسين الجارحي" لتفقد الأمور بالمقر، لف "معتز" رأسه يمينًا ويسارًا بتعبٍ ثم قال بإرهاقٍ شديد: _أنا خلاص تعبت، مش هقدر أكمل غير لما أخد ساعة راحة على الأقل.. أغلق "جاسم" حاسوبه، ثم تمدد على سطح مكتبه وهو يردد بتعبٍ: _مين سمعك، أنا خلاص ارهقت.. أضاف "رائد" وهو يقاوم النوم بصعوبةٍ: _أنا بقالي ساعة شغال على الملف ده ومش عايز يخلص تقولش بيعاند هو كمان! خلع "عمر" سترته السوداء ثم حرر الجرفات الخاص به وهو يصيح بغضب: _يا جدعان أنا دكتور والله العظيم دكتــــــــور مش محاسب، جايبني اراجع حسابات أول مرة أشوفها.. ده أنا حتى كنت بخلع من حصة الرياضة اتقوا الله! ضحك "أحمد" ثم قال وهو يوزع نظراته بين أبناء عمه: _أيه يا عصب الجارحي، نخيتوا أوام كده أمال فين كلام الكفاح والمستقبل والعزيمة بتاع امبارح! رد عليه جاسم بغضب: _اقعد يا عم انت طول عمرك واخد على المرمطة دي ذنب أمنا أحنا أيه! سأل معتز باستغراب: _أمال فين ياسين وعدي وحازم! أجابه عمر قائلًا: _عدي وياسين فوق في مكتب عمي بيخلصوا شوية اجراءات على اللاب بتاعه، أما الحيوان ده فمعرفش فين بس أي كان هو فين فاكيد بيعمل كارثة جديدة.. ردد أحمد بعصبية: _هو أحنا لحقنا! قال رائد بغضب: _قوم يا أحمد شوف أخوك في انهي داهية، وقسمًا بالله ما قادر لاي مصيبة جديدة واديك شايف بعينك شكلنا عامل ازاي... قوم. زفر بضيقٍ ثم ترك حاسوبه ونهض عن مكتبه، فما أن اقترب من الباب حتى وجده يدخل حاملا بين يده كارثة ستفتك بهم جميعًا، انتبه الجميع لما يحمله بين يديه فكانت علبة قيمة للغاية، فتحها ليبرز ما تحمله بداخلها، رفع أحمد حاجبيه وهو يردد باستغراب: _شوكولا تشاكوبولجي مرة واحدة، جبتها منين دي؟ قال معتز بدهشة: _ولا انت سارقها صح! ، لحقت تجبها ازاي دي! تساءل رائد بذهول: _وقدرت على تمنها ازاي وانت أبوك ساحب منك الفيزا وكل ما تملك بعد حوار الشعر الأحمريكا! تدخل عمر حينما صاح بغضب: _ما تنطق يالا هنتحايل عليك. ابتسم حازم بغرور ثم وزع عليهم قطع الشوكولا ليقول وهو يلتهم احد القطع: _عشان تعرفوا اني حنين لما سرقت سرقت عشانكم انتوا! ضيق احمد عينيه وهو يردد بذهول: _سرقت مين؟! أجابه بفخرٍ،وكأنه يجلب كنوز مقبرة فرعونية إليهم : _الواد ياسين الواطي جايب لمليكة مراته أفخم انواع الشوكولاتة في العالم وسايبنا هنا هنموت من التعب. جذب أحمد ياقة قميصه وهو يردد بعصبية: _يعني أنت سرقت فعلًا! هز رأسه وهو يخبره بعنجهيةٍ: _اخدتها من المندوب اللي جاي بنفسه يسلمها، ابن ال... مرضاش يدهاني الا لما شاف بطاقتي وصدق اني من العيلة. تناول رائد القطعة الصغيرة التي بيده وهو يردد بتلذذ: _لا جدع يالا، بصراحة طعمها لا يقاوم.. تناولها عمر وهو يردد بحزن: _هي طعمها حلو مقولناش حاجة بس ياسين هيتضايق. قال معتز وهو يجذب قطعة من العلبة التي يحملها حازم: _ولا هيتضايق ولا حاجة هيطلب غيرها، المهم اننا لقينا حاجة تفتح نفسنا على الشغل.. أجابهم أحمد بسخرية وهو يراقب ما يفعلونه : _انت بتحلم، انت عارف عشان يطلب نوع فاخر من الشوكولا دي تاني هياخد معاه وقت وفلوس اد أيه، دي بتتباع بالدولار يا حبيبي! تناول حازم قطعة اخري ثم قال وهو يلوكها بنهمٍ: _وهو هيغلب يعني! ضحكوا معًا وتقاسموا الغنيمة الباهظة، ولكن سرعان ما تلاشت الابتسامة حينما عاد ياسين وعدي، فجحظت النظرات المسلطة عليهم بصدمة، فتساءل عدي باستغراب: _أيه اللي بيحصل هنا ده، كل واحد سايب شغله وقاعدين بتحلو! اقترب منهم ياسين والخوف يدب بقلبيهما، فجذب قطعة من الشوكولا ثم تناولها وهو يقول بتلذذ: _جمييلة اوي، جايبها منين دي يا حازم؟ توقفت قطعة الشوكولا في فمه، بينما ردد عمر بصدمة: _هي العلبة دي مش كانت جايالك يا ياسين؟ انكمشت تعابيره بدهشةٍ: _لا وأنا هطلب شوكولا لمين هنا! لف معتز العلبة وهو يقول: _ازاي بس! قرأ أحمد الاسم المدون بصوت مقبض: _السيد ياسين الجارحي! ردد حازم بصوتٍ انقطعت اوتاره وكأنه يحاول تصديق ما سيقول: _اهو مكتوب ياسين الجارحي! ثم تطلع تجاه ياسين قائًلا: _مش أنت اسمك ياسين يا ابني ولا انا اتحولت؟ سكنت الصدمة وخيما بالوجوه وخاصة حينما ولجت السكرتيرة للداخل لتخبرهما بعملية: _ياسين باشا وصل المقر. القى حازم العلبة من يده لاحمد، والقاها أحمد لياسين وياسين لعمر وعمر لرائد ورائد لمعتز ومعتز القاها للوحش الثائر ثم في لحظة وجد الغرفة فارغة بأكملها، فأختبئ كلا منهم أسفل مكتبه، ولم يظل سوى عدي الذي يتطلع لهم باستغرابٍ وهو يحمل العلبة، وحينما استدار للخلف وجد أباه يقف مقابله! #الفصل_العاشر. لم يكن بالأحمق حتى لا يجمع خطوط ما يحدث هنا، وخاصة حينما ولج "ياسين الجارحي" للمكتب، خطف عدي نظرة للعلبة التي يحملها وخاصة للأسم المدون، ومن ثم بطرف عينيه منح من يختبئ أسفل المكتب بنظرة اشتعل بها الغضب فعلموا بأنه كشف الأمر أسرع مما ينبغي له، ربما هم بمأزق جميعًا، وخاصة باختيارهم الضحية الغير مناسبة بالمرةٍ، سيقلب عليهم الطاولة وهيهات بين الشبل والأسد الجامح، ربما هم في عداد الموتى دون الحاجة للدفاع عن أنفسهم، وضع "عدي" العلبة على المكتب المجاور له، ثم وضع يده بجيب سرواله وهو يتابع ما سيفعله أبوه، اقترب "ياسين" منه بخطاه الثابت، ومن ثم قال برزانةٍ: _مستخبتش ليه أنت كمان؟ استقام بوقفته فور تقدم أبيه ناحيته، وأجابه بثقةٍ: _معملتش حاجة غلط عشان اتدارى منها، ولو حصل وعملتها هواجه مش ههرب.. أنا مبخفش من حد. ضيق عسلية عينيه بنظرة أحاطته بصلابة وقوة، وصمت جعل "عدي" يسترسل بمحبة غلبت جفاء حديثه: _الغلطة دي عندي.. في ظرف ٢٤ساعة هيكون عند حضرتك علبة جديدة. رفع أحد حاجبيه وردد ساخرًا: _أيه الكرم ده؟ أجابه بإيجازٍ كافي لشرح وجهة نظره: _لأنها تخص والدتي.. أنا عارف أد أيه هي بتحب النوع ده من التشوكليت.. فأكيد أنا مش سعيد باللي حصل هنا حتى لو كان بالغلط. أشرقت شفتيه عن بسمة خافتة، اتبعها كلمة هامسة: _أقنعتني! ومن ثم اتجهت عينيه لأسفل طاولات المكتب، وأشار لهم بحزمٍ، جعل الجميع يندفع للخارج واحدًا خلف الأخر، انتقلت النظرات بينهم بجفاءٍ، حتى تعلقت بأحمد، وياسين، ورائد، وعمر فردد ساخرًا: _أخر حاجة كنت أتوقعها وجودكم تحت هنا! .. المفروض إنكم كبار وعاقلين بس الواضح قدامي غير كده. حلت السعادة لقلب "معتز" ، و"جاسم" لسنهم الأصغر عن الباقية، لذا كانوا يختبئون خلف أكبرهم، تابع ياسين حديثه الغاضب: _شكلكم هيكون أيه لو حد من الموظفين دخل وشافكم مستخبين كده! هتقدروا تتحكموا في ادارة المقر ازاي من تحت الترابيزة!! اشتعلت الدماء بعروقهم، وخاصة أحمد الذي كاد بأن يقت\ل من فرط الحرج أمام قدوته، لذا قرر الخروج عن صمته حينما قال: _أنا بعتذر عن اللي حصل نيابة عن الكل يا عمي، بس صدقني أنا مليت من مصايب أخويا.. بقيت بخاف أشوفه من كتر اللي بيعمله فيا وفي ولاد عمي. علا همس خافت ظنه غير مسموع، فخاب ظنه واستمع اليه لمن بالغرفة: _بلاش ياسين الجارحي يا أحمد.. حرام عليك يا جدع هيقطع رقبتي! نظرة صارمة منه جعلتهم يتنحوا جانبًا لتشمل من بقى أسفل الطاولة بعد، فزحف حتى خرج عنها وجسده يرتجف برعبٍ، وخاصة حينما قال بحسمٍ: _على مكتبي! وترك الغرفة بأكملها واتجه للمصعد ليتجه للطابق العلوي حيث تم انشاء مكتب جديد له بأمرٍ من "عدي" ، بينما بالأسفل ردد "حازم" بخوفٍ وعينيه تراقب الفراغ الذي تركه "ياسين الجارحي" من خلفه: _ليه قالي أروح وراه؟ اشمعنا طالبني أنا بس! منحوه نظرة ساخطة قبل أن يتجه كلًا منهم لمكتبه، الا "عمر" اقترب منه بابتسامةٍ واسعة، ووضع يده على كتفه وهو يخبره بعد تفكير ساخر: _يمكن هيفتح كرشك ويطلع التشاكوبولجي منها.. وهتبقى موتة قدرية عشان تحرم تعيد السرقة يا حزومي! اهتز جسده حينما ضربته رعشة جعلته يهتز كالبناء الهائل للسقوط، فاسرع لمكتب أخيه، ولكنه تراجع للخلف سريعًا فور رؤية تلك النظرة النارية التي تمردت من حدقتيه بتحذير بعدم الاقتراب والا سيحرص على قت\له بنفسه، تراجع للخلف ولم يمتلك أي سبيل للاختيار سوى الصعود للأعلى.. ******* أسرع السكرتير بفتح باب المكتب، مع اقتراب صعود المصعد للطابق المنشود، خرج من المصعد يتفحص الطابق بنظرةٍ سريعة، قبل أن يتجه للداخل، رمش بعينيه بدهشةٍ خلقت داخل حدقتيه فور رؤية مكتبه الجديد، كان على مساحة أكبر من مكتبه الرئيسي بالمقر بمرتين، ومصمم بطريقة مميزة جعلته يراقب كل تفاصيله بانبهارٍ، فمن يراه يجزم بأنه مالك الشركات بأكملها، على عكس ما يريده "عدي"، شعر بوجود أحد خلفه فقال دون أن يستدير برأسه للخلف: _ده المفروض يكون لمين فينا؟ بخطواتٍ منتظمة اتجه ليكون قبالته، فحانت منه التفاتة تجاه مقعد المكتب الأساسي، تأمله لدقيقةٍ كاملة وكأنه يبحث عن إجابة لسؤال أباه، وفجأه حينما قال بكل ثقة: _المكان ده مينفعش يكون لحد غير حضرتك! وعاد ليتطلع إليه وهو يستطرد: _بتمنى إن ذوقي يكون عجب ياسين الجارحي! حل أزرار بذلته السوداء وهو يعتلي مقعده، ثم قال بإعجابٍ تعمد أن يجعله بارزًا له: _عجبني، بس زود عندي الفضول أعرف ليه اختارته ليا وأنت بنفسك حاطط شروط إن محدش يتدخل في الادارة غيرك! دنا"عدي" من سطح المكتب، فجذب المقعد المقابل لابيه، ومن ثم جلس براحةٍ اتبعت نبرته الهادئة: _ولسه شرطي مستمر، بس ده مينفعش أن اللي حضرتك عملته لامبراطورية الجارحي يحترم وله مقام محفوظ وأنا بنفسي حرصت على ده. ضحك ياسين بصوتٍ مسموع على غير عادته، وإتكأ بمعصمه على سطح المكتب حتى بات قريبًا منه، وقال بمكرٍ: _وإنت شايف نفسك تستحق مكاني هنا، ولا شايف ياسين ابنك هو اللي يستحق يكون وريث لامبراطوريتي؟ حسبته هالة من الادخنة العابرة، فجعلته يشعر باختناقٍ ضاق بصدره، انتصب بوقفته وهو يتطلع لابيه بعينين لامعتان ببريقٍ ظنه الأخير انعكاسا لدمعةٍ كادت بأن تهين رجولته لتنسدل على خديه، فمزق جلباب سكونه القاتم حينما قال: _محدش يستحق يكون هنا غير حضرتك.. ولا حتى أنا! واسترسل بنبرةٍ تمكن من خلالها ياسين الشعور باختناق اوردته: _ربنا يديك طولة العمر. لم يحتمل البقاء أكثر من ذلك، فانسحب للخروج سريعًا، وكأنه طفلًا صغيرًا يلوذ بالفرار، فاوقفته كلمات صارمة تحررت بسرعة البرق: _هستنى أشوف انجازاتك في أيام غيابي عن المقر، ومتنساش باقي على المناقصة يومين بس.. وقتك بينتهي يا سيادة المقدم. توقف عن المضي قدمًا، فرفع رأسه عن الأرض وقال دون أن يوليه ظهره: _متقلقش مش ناسي. وتركه وغادر على الفور، تابعه ياسين بابتسامةٍ صغيرة رسمت بحبٍ وفخر، يحاول بكافة السبل اخمادها خلف ثباته المهيب، ولكنه لا ينكر بأن صموده أمامه ومشاعره الدافئة التي يحاول اخفاءها تروق له! ***** اقتحم "عدي" مكتبه، فكادت قوة ذراعيه التي تدفع بابه باقتلاعه، أسرع للداخل وأغلقه من خلفه، جاب الغرفة ذهابًا وإيابًا وتلميحه ينخر داخل قلبه كالمنقار الحاد، عقله بات مشتتا عن ما الذي يريده منه أباه بالتحديد، وكأنه يتعمد خلق تلك الدائرة المربكة من حوله، ليضمن تشتت عقله كليًا! طرقات باب مكتبه جعلته يتهدج بخطاه المنفعل، ويخبر الطارق بالدخول، فولج "ياسين" للداخل، ليضع عدة أوراق على مكتبه وهو يخبره: _الأوراق دي واقفة على توقيعك يا عدي. تعمق بالتطلع إليه، وكأنه اهتدى لنقطةٍ ما، فتعجب ياسين من طريقة تطلعه به، وتساءل بريبةٍ: _في أيه؟ اقترب منه عدي وسأله بجدية تامة: _ليه ياسين الجارحي مختاركش أنت أو أحمد تكون بداله وتدير المقر؟ كان سؤالا غريبا في وقتٍ أغرب، ومع ذلك أجابه ياسين: _يمكن لانه شايفك جدير بالمنصب ده أكتر مننا. ضحكة ساخرة تلاحقها نبرة مستهزئة: _على اساس إني حوت في ادارة الاعمال! واسترسل بخشونةٍ: _خليك ذكي يا ياسين أنا لحد الآن مش عارف اندمج معاكم بالشغل ده، مش قادر أشوف نفسي غير ظابط بوليس. تشتت عقل ياسين بما أقنعه به، فقال بعد فترة من التفكير: _عمي سبق وقالك أنت وعمر إن الشغل كبر ومبقناش نقدر نسد على كل ده لوحدنا عشان كده خلاكم تسيبوا شغلكم وتيجوا على المقر. سد عليه حجته للدفاع عن ياسين الجارحي: _تمام يبقى على الأقل ميكنش ده مكاني.. المكان ده المفروض يكون لشخص أكتر خبرة مني زيك وزي أحمد.. كان ممكن يخليني زي عمر أساعد واتعلم! أحاطه الضجر من عصبة تفكير ابن عمه التي لا تتركه هنيئًا، فسأله بجراءةٍ: _عدي أنت سبت شغلك عشان عمي اللي طلب منك ده؟ رفع أحد حاجبيه بدهشةٍ: _ليه بتسأل السؤال ده! واجهه بما يشك به: _لاني مش قادر أقتنع بده. زفر بيأسٍ، وارتفع بجسده ليجلس على سطح المكتب قبالته، مرر عدي يده بين خصلات شعره الطويل، فحرفها عن انضباطها وأخذت تموج بعشوائية خلف رقبته، ومن ثم حرر جرفاته وهو يجيبه على مضضٍ: _عملت كده عشان رحمة يا ياسين. بدا متفاجئًا للغاية لما استمع إليه، فترك عنه الملف، ثم جذب أحد المقاعد وقربها إليه وهو يردد بفضولٍ: _رحمة! هز رأسه بتأكيدٍ قائلًا: _لما طلبت مني أبعد عن شغلي رفضت وأصريت أكمل، عملت الحاجة الوحيدة اللي اتعودت عليها عاندت، وقدام عنادي استسلمت وبطلت تطلب مني كده. سأله بحيرةٍ: _أمال هي السبب ازاي في إنك تقدم استقالتك؟ ابتسامة حملت عشقا خالدا توزعت على شفتيه، وبالرغم من سكون حركة جسده الا أن حنان صوته وبسمته كانت كفيلة لجعل من أمامه يستكشف قيمة عشقه هذا: _نظرة الرعب والخوف اللي كنت بشوفها في عيونها لما برجع البيت متأخر شوية كانت بتقت\لني، كنت حاسس بالعذاب اللي هي عايشة فيه من غير ما تتكلم، خوفها عليا كان بيبان في عيونها، ومعنديش استعداد اشوفها بالحالة دي عشان أرضي غروري.. عبثت أصابعه باللافتة الصغيرة الموضوعة على مكتبه، فحملها بين يده وأصابعه تمر فوق حروف "عدي الجارحي" ببطءٍ ونظرة لا تحمل الرضا عن تخلي لقبه كمقدم عليها، مثلما كانت تحمل تلك اللافتة بمكتبه السابق، واسترسل بوجعٍ دفين: _حتى لو كان ده على حساب حبي وشغفي لشغلي. ترك عن يده اللافتة واستقام بوقفته وهو يتطلع له، ويخبره بصدقٍ: _اللي مهون عليا اللي أنا فيه ده هي.. كفايا اني برجع في أي وقت بلاقيها نايمة ومطمنة.. القلق والخوف بعد عنها وده كفيل يخليني استحمل أي شيء في الدنيا مش تحديات ياسين الجارحي بس! وأشار له ببعض المرح: _بس ده ميمنعش اني حابب أثبتلكم اني استحق مكانتي مش لان ياسين الجارحي أبويا.. لا لشخصي أنا كعدي. وبنصف عين سأله: _عندك اعتراض على كلامي! ضحك ياسين وهو يشير له باستسلامٍ: _محدش يقدر يقول غير كده يا وحش.. المهم انك توقعلي عشان ورايا شغل كتير. انحنى تجاه الحبر الموضوع بعلبة قيمة للغاية، ووقع باسمه على الاوراق، ثم ناولها له وهو يشدد عليه: _خليك مع احمد ورائد لازم نكسب المناقصة بأي شكل من الاشكال. جذب الاوراق منه وهو يخبره: _احمد ميتخافش عليه سبق ودخل أكتر من مناقصة صعبة لوحده في ايطاليا، رائد اللي محتاج أبص عليه وأشوف خطته أيه؟ _ماله رائد يا سي ياسين.. أيه ميقدرش يعتمد على نفسه ولا أيه؟ كلمات حادة تفوه بها من يفتح باب مكتب عدي ليقذف بوجهه تلك الكلمات التي نالت منه، ارتبك ياسين من وجوده ورسم ابتسامة وهو يشيد به: _طبعًا معنديش شك فيك يا رائد.. بس المناقصة دي صعبة جدًا وآآ. قاطعه "رائد" بحدةٍ: _صعبة عليا ومش صعبة على أحمد من وجهة نظرك! كاد ياسين بالرد عليه ولكن اعترض عدي حديثهما حينما قال بضيقٍ: _ياسين أكيد ميقصدش يا رائد، أنت مش عيل صغير عشان تفهم الكلام غلط ونفضل نبررلك.. كبر عقلك شوية وركز في العرض اللي هتقدمه! مررها حتى وإن كان أثرها عالق بجوفه، وإدعى بأن الأمور على ما يرام، حينما رسم بسمة مصطنعة وردد: _محصلش حاجة..وخليك واثق يا ياسين اني هبذل ما بوسعي عشان المناقصة دي ترسى علينا.. عن إذنكم. وتركهم وغادر على الفور، فحمل ياسين ملفه ولحق به ليصلح ما أتلفه دون قصد، وما كان من الأخير الا ان تقبل اعتذاره بصدرٍ ضاق من تلميحاتٍ حديثه وتبقى عالق بنقطة ستعيق ما يود فعله! ******* مرت أكثر من ساعة كاملةٍ ومازال يقف أمام باب المكتب وهو في حالةٍ من الهلع، استجمع "حازم" شجاعته أخيرًا، وطرق على الباب، فما أن استمع لاذن الدخول حتى اهتزت ساقه بخوفٍ مما سيلقاه بالداخل، اقترب حتى بات قريبًا من مكتبه، فراقبه وهو يتفحص الحاسوب من أمامه بثباتٍ عجيب، وكأن أحدا لا يشاركه الغرفة، فكسر صوته الرخيم الصمت، حينما أمره: _اقعد يا حازم. جلس على أحد المقاعد من أمام مكتبه الكبير، وعاد لنفس لحظات الترقب من جديدٍ، أغلق "ياسين" الحاسوب من أمامه، وشمله بنظرةٍ جعلته يرفع أصبعيه وهو يباشر الدفاع عن ذاته: _والله ما كنت أعرف إنها لحضرتك، أنا مستعد اتكفل بكل الخساير يا عمي، حتى لو سرقت الفيزا بتاعت أبويا ودفعت بيها تمنها. أغلق عينيه باسترخاءٍ، وأشار له بالصمت حتى يسمع ما سيقول: _اللي بتعمله ده أخرته أيه يا حازم..أنت بطيشك ده بتأثر على أخوك و ولاد عمك.. يعني لا سايبهم يشوفوا شغلهم ولا أنت نفسك مركز في شغلك عشان كده أنت هتتنقل لقسم الحسابات وده هيكونلك ردع عن جنانك ده. وضغط على زر خشبي بجانب الحائط، فولج للداخل أحد موظفيه الخاص، فأشار له بحزمٍ: _اشرحله طبيعة الشغل يا مصطفى. أومأ الشاب برأسه باحترامٍ: _اللي تؤمر بيه يا باشا.. اتفضل معايا يا أستاذ حازم. لحق به بسعادةٍ لا توصف، وكلمات تتردد دون توقف: _أنا حي! الحمد لله.. **** هبط الدرج الجانبي من خلفه بابتسامةٍ واسعة، وكأنه نجا لتوٍ من نزال كان سيلقى حتفه به لا محالة، فراقب من يتبعه باهتمامٍ، ومن ثم خطف المسافة بينهما وهو يردد بمشاكسةٍ: _متعرفناش بالجميل. رمش الموظف بعينيه بدهشةٍ، ومع ذلك أجابه بمراوغةٍ: _أنا مصطفى موظف في قسم الحسابات وآآ.. قاطعه بمرحٍ: _يا عم فكك من المقدمات اللي متأكلش عيش دي وخش على الجد. تساءل بحيرةٍ وهو يحاول فهم ما يود قوله: _جد أيه يا فندم مش فاهم حضرتك. رفع يده على كتفه وهو يخبره بنبرةٍ عميقة: _شوف يا مصطفى يا ابني، انت عنيك كلها حزن وهموم.. قولي فيك أيه ومتحاولش تخبي.. يمكن أعرف أساعدك. بتوترٍ أجابه: _لا آآ.. آنا.. قاطعه مرة أخرى وهو يشير له ببسمة هادئة تحثه على الحديث: _يا راجل اتكلم ومتقلقش سرك في بير. بدت معالم الحزن تختلج معالم الشاب، وردد بارتباكٍ: _أصل انا عريس جديد وآ... كمم فمه سريعًا، وهو يشير له بغضبٍ: _هوووش تفاصيل زي دي متتحكيش هنا يا راجل! أبعد يده عنه، فهمس الاخير بصدمة من رد فعله المبالغ به: _أمال فين؟ أشار له قائلًا: _تعالى ورايا.. اتبعه الموظف بتريثٍ، حتى وصل لغرفة مكتبه الخاص، فمنحه إذن الحديث، لذا فاض بما يضيق به والأخر يستمع إليه بصمتٍ حتى انتهى من حديثه، وترقب ما سيقول، فحك حازم مقدمة رأسه بحيرةٍ وهو يحاول البحث عن حل مناسب لتلك العقبة، وفجأة فرك أصابعيه وهو يخبره: _بس مفيش غيره. تراقص الأمل بحدقتيه وردد: _مين؟ اجابه وهو يجذبه ليخرج خلفه مهرولًا: _الواد عمر.. دكتور اد الدنيا وله في كل خرابة عفريت. ارتعب الشاب وجذب يده منه وهو يشير له: _بلاها عشان منقلقش الباشا. بسط له ما يخطط له: _يا عم متقلش كده.. عمر ده عسل وكريم شانتيه. ابتهج الاخير ولحق به حتى وصلوا لمكتب عمر.. ****** بالقصر.. طرحت الفتيات غطاءا أسودا كبيرا بالحديقة، ووضعوا الطعام بانتظام على سطحه، وجلسوا جميعًا يتناولن الطعام بجو من الألفة، ومن حولهم يلتف بهن الاولاد، وأغلبهم يقومون بسباق وألعاب جعلتهم في غاية السعادة، بينما اكتفت الفتيات بمراقبتهم بحبٍ، تأملت "نور" الطعام الموضوع من أمامها بضيقٍ، فسألتها "رحمة" باستغراب: _مش بتأكلي ليه الأكل مش عاجبك؟ زمت شفتيها بنفورٍ: _أنا زهقت من الأكل ده.. حابة أغير بقا وبصراحه نفسي أكل حوادق كده. وفجأة رددت وأنفها يلتقط تلك الرائحة التي أنعشت قلبها: _في ريحة داخلة عليا تهفهف.. شمين؟ نكرت داليا ما تشير اليه: _لا مفيش حاجة.. ضحكت أسيل وهي تخبرها: _نور لو نفسك تأكلي حاجة عرفينا لتطلع في وش البيبي. مازحتها شروق هي الاخرى: _نور اتوحمي على حاجة حلوة أهو ينوبنا من الحب جانب، مش كده ولا أيه يا روني! التفتت مليكة حولها بريبةٍ: _لا فعلا كلامها صح أنا كمان شامة نفس الريحة. منحتها رانيا نظرة ساخرة: _واضح ان الحوامل بس اللي بيشموا ولا أيه.. انتي ايه الاخبار عندك يا نسرين.. شامة أيه؟ منحتهم نظرة مغتاظة قبل أن تجيبها: _فقدت حاسة الشم وأي حواس بعد المدعوق الجواز... جوازة منيلة بنيلة. اصابتهن نوبة من الضحك، وخاصة حينما ناولتها رحمة طبق من التسالي قائلة: _كلي يا نسرين وفكك.. خلي البنت تيجي مفرفشة متبقيش بومة! رُفع الغطاء المحكم عن العلبةٍ، فباتت الرائحة تنتقل بينهن، اتبعوا مصدر الرائحة فوجدوا دينا تقف مقابلهن، ولجوارها آية وملك، ويحملن علبًا مغلفة وعددا من الخبز، نهضت مليكة واتجهت اليهن وهي تتساءل بلهفةٍ: _اوعوا يكون اللي في دماغي.. فتحت دينا العلبة وهي تردد: _هو بشحمه ولحمه. واضافت ملك: _ومفيش غيرنا.. كل الشباب برة. جذبت منها مليكة العلبة وانخفضت لتحرر محتوياتها على الأطباق، فهمت نور بالتهام احدى القطع وهي تردد بنهمٍ: _ده احنا ليلتنا فل. همت أسيل لتناول احدى القطع وهي تردد بحماسٍ: _واووو.. فسيخ! ابعدت نسرين يدها عن الطبق وهي تشير لها بسخطٍ: _الكلمتين ميمشوش جنب بعض يا حبيبتي.. دي أكلة الناس اللي بتفهم. انحنت آية تجاههم ووضعت علبة أخرى، ثم جذبت الخبز وتناولت وهي تشير لهم سريعًا: _كلوا بسرعة قبل ما حد يرجع.. بدل ما نلاقي نفسنا على الرصيف باللي بناكله ده! تعالت الضحكات فيما بينهن، فقالت نور: _انا من رأيي شروق وداليا يروحوا يأمنوا البوابة لحد ما نخلص. تذمرت الفتيات ورددن بضيق: _اشمعنا احنا بقا. وضعت ملك العصائر جوارهم، وانضمت إليهم ثم قالت وهي تلوك احدى قطع الخبز: _انتوا مكبرين الموضوع ومهما بتعملوا بنتقفش كل مرة يبقى قفشة بقفشة ونتهنى بقا بالاكل. تناولت رحمة ما بيدها بنهمٍ، وجذبت احد الاطباق وهي تشير لها بإعجابٍ: _انا معاكي يا طنط نتهنى الاول وبعدين اللي يجي بعد كده ربنا يسهل بيه! ******* بمكتب الشباب الجماعي! عبث بعينيه وهو يجاهد شعوره بالحرج، ومع ذلك تماسك وهو يدون اسم أحد الاطباء، ثم قال ببسمة صغيرة: _متقلقش.. ده صديق ليا وهيساعدك تحل مشكلتك بإذن الله. التقط منه الشاب الورقة، وشكره بإمتنان ثم غادر، فما أن تأكد عمر من رحيله، حتى أسرع باغلاق الباب من خلفه واتجه لمن يجلس واضعًا قدمًا فوق الأخرى بتعاليٍ، وكأنه منحه وظيفة براتب شهري ضخم، اقترب منه عمر والغضب يتراقص بمقلتيه وفجأة انقض عليه كالوحوش الجارحة التي تتلاعب بضحيتها قبل أن تغرس أنيابها بلحمها الطازج، وصرخ به وهو يسدد لكماته اليه: _يا جدع أنا مش لاقي كلمة أقولها لشخص في برودك.. شايفني دكتور مسالك بولية ولا شغال مع هبة قطب في حل المشاكل الزوجية! حاول الاعتدال بجلسته وهو يعدل من ثيابه الفوضوية، وبصعوبة بالغة قال: _يعني منساعدش الراجل في محنته! كز على اسنانه حتى كاد باقتلاعها وصرخ به: _وأنا مالي ومال مشاكل الناس يا عم... انا كنت مكفي مشاكلك ومصايبك السودة عشان اكفي غيرك! صاح بعنفوانٍ وهو يدفع جسده للخلف: _انت انسان متكبر ياض يا عمر.. وانا اللي فكرتك عجينة تانية غير اخوك.. بس للاسف كلكم زي بعض.. حد يكره مساعدة الناس يا عـالم!! مزق شفتيه السفلية من فرط ضغطه عليها بغيظٍ، فجذب المزهرية وقربها منه، تراجع الاخير للخلف وهو يردد بخوف: _هو انتوا ليه رابطين موتي بالڤازات.. اسلحة المديرية انقرضت ولا أيه؟ جذبه عمر من تلباب قميصه وهو يصرخ بعصبيةٍ: _حــــــــــازم.. أطلع من دمـــــــاغي.. اقولك استنى.. وتركه واتجه لدرج خزانته والاخير يتراجع للخلف وهو يتساءل برعبٍ: _هتعمل ايه.. مسد\س لا لا.. جذب عمر إطار شهادته الخاصة واتجه اليه وهو يسأله بغضب: _ده أيـه يا حازم؟ دقق النظر لما يحمله ثم قال: _شهادة تخرجك من طب العيون! هز رأسه بجنونٍ وهو يؤكد له، ومن ثم طرق بها على المكتب فتهشم زجاجها ومن ثم جذب ما بداخلها ومزقها وهو يصيح: _اهي يا حازم أهـي عشان ترتاح وتبعد عني! ضرب كفا بالاخر وهو يردد بحزن: _لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم.. الواد اتجنن! صوت تحطم الزجاج جعل الشباب بأكملهم يسرعون بالتجمع بالغرفة المجمعة، فصعقوا حينما وجدوا عمر يمزق شهادته، فلم تزد صدمتهم فور رؤيتهم لحازم بالغرفة، ترك أحمد مجال صدمة الجميع واتجه لمن يقف بزاوية الغرفة، فجذبه اليه وهو يهمس من بين اصطكاك أسنانه: _هببت أيه المرادي يا مصيبة عيلة الجارحي! هز يده وهو يشير له: _نسلكم اللي مضروب ومحتاج قطع غيار صدقني! أحمرت عينيه بغضبٍ جعل الأخير ينفلت ويهرع لاحدى الخزانات وهو يردد بصدمة: _هتتحول ولا أيه!! #الفصل_الحادي_عشر. تعاونت الفتيات بجمع الأطباق، ومنهن من قامت بتنظيف المكان جيدًا، ومن جمعت الأطباق المغلفة ثم قمن بإلقائها بسلة المهملات، انتهت حملة نظافتهم على أكمل وجه، وجلسن يرتشفن المياه الغازية بعد تناولهن لتلك الحموضة، ضحكاتهن الطائفة من قلوبهن تغزو قلب من يراقبهن منذ فترةٍ، يترقب فور انتهائهن من تلك الوليمة الغير محببة إليه، لذا اختار الجلوس بالداخل واكتفى بمراقبتهن من أعلى التراس، وما أن انتهت جلستهن حتى استعدن للدخول للقصر، فحملت الفتيات الأغراض واتجهون، انقطع طريقهن بذهولٍ حينما وجدن الاضاءة تسري بالقاعة الرئيسية، فنادت "آية" أحد الخدم وهي تسأله بدهشةٍ: _في حد من الاولاد رجع؟ هز رأسه وهو يوضح لها: _لا يا هانم.. ده الباشا اللي رجع من نص ساعة. فغرت فاهها صدمةٍ تشاركت بها مع من حولها، وخاصة حينما ظهر "ياسين" من أمامهن، اتجه بصمتٍ عجيب للمقعد الجانبي للصالون، وجلس يراقب نظرات توترهن باستمتاعٍ، لم تمتلك أحدهن القدرة على اختيار كلمات تخفف عنهن حدة هذا الموقف، تأملهن بهدوءٍ وروية وهو يباغتهن بصوته الثاقب: _حفلتكم خلصت ولا لسه؟ ابتلعت "آية" ريقها بتوترٍ، بينما هزت "ملك" رأسها عدة مرات تؤكد له ذلك، فهز رأسه بتمهلٍ وهو يردد بحبورٍ: _عظيم. وجذب الجريدة الموضوعة من أمامه يتفحصها ببطءٍ تحت أنظارهن المراقبة لكل ردود أفعاله، فقال وهو يقلب بين أوراقها: _هتفضلوا بصينلي كده.. لو حابين تقعدوا ونقلبها جلسة نقاش معنديش مشكلة. فور نطقه لتلك الكلمات تفرقن سريعًا من أمامه، فهرولت الفتيات لغرفهن، بينما تبقت هي تراقبه بغيظٍ يموج داخلها حد الانفجار، وكأنها تتحدى كل ذرة برود يمتلكها، وقد ربح هو كعادته فظل يتابع قراءته للجريدة بسك\ينة جعلتها تتمرد عن صمتها حينما دنت لتجلس قبالته وهي تردد باستغرابٍ: _غريبة انك متضايقتش يعني! أغلق الجريدة بنظامٍ، ثم وضعها لجواره وجذب كوب القهوة يرتشفها على مهلٍ: _هتضايق من حاجة بتسعدك ليه؟ رفعت احد حاجبيها بدهشةٍ، لحقت بسؤالها: _بتفرحني بس بتضايقك! ابتسم أمام وجهها المحبب إليه بكل تعابيره، وقال: _اللي يضايقني أقدر أتقبله من بعيد عشانك! ضحكت وهي تخبره على استحياءٍ: _مش عارفة إنت أيه اللي حصلك اليومين دول.. قلبت على قيس مرة واحدة.. قولي بس فين ياسين الجارحي بجبروته! رفع حاجبه وأخفض الآخر وبنبرة اخشوشنت في حدتها قال: _تحبي استدعهولك؟ أشارت نافية: _لأ... لأ... كده مرتاحين مع بعض أكتر. ارتخت معالمه ببسمة تحررت لتخبرها بصدق مشاعره: _متقلقيش قدر بعد السنين الطويلة دي يتعلم ازاي يصرفه عنك انتِ بس! أشرق وجهها المجعد ببسمةٍ جعلتها في غاية سعادتها، فنهض عن مقعده وهم بالصعود وهو يشير لها: _كفايا سهر.. اطلعي الجناح وأنا شوية وجي. واتجه للمصعد بعد صعوده الدرج الصغير الجانبي، متجهًا للطابق العلوي، وبالأخص غرفة أغلى من يمتلك معزة خاصة بقلبه! ****** توقفت السيارات تباعًا أمام باحة القصر الخارجية، هبطوا جميعًا وكادوا بالاتجاه للداخل، فاستوقفهم صوت تأوهاتٍ خافتة تأتي من صندوقٍ أحد السيارات، كبت "معتز" ضحكة كادت بالانفلات منه، فقال برجاءٍ: _ما تفكه يا أحمد خلينا نتفض! جذب "أحمد" حقيبة حاسوبه من السيارة، وهو يصيح به: _أي حد هيفكر يفكه هيتعلق مكانه.. الواد ده اتمادى ولازم يتربى. اقترب منه جاسم محاولًا استمالته: _معلش يا ابو حميد قلبك أبيض طول عمرك. تساءل بدهشةٍ وهو يوزع نظراته بين الجميع بحيرةٍ: _ده خلى عمر يقطع شهادته! ارتسمت بسمة شبه ساخرة على وجه ياسين الذي يستند بجسده على السيارة ويتابع ما يحدث بتسليةٍ: _خلاص يا أحمد هو عمر يعني ماشي يلف على المستشفيات الحكومية بيدور على شغل ومش لاقي يأكل! ده عنده مستشفي باسمه يا حبيبي هيطالبوه هناك بالشهادة في ملكه!!! خرج "عمر" من السيارة، واتجه اليهما ليفصل بذلك الحوار الذي يتسبب له بالضيق قبل أن يمسهم: _فكه يا أحمد.. أنا كده اخدت رزقي منه يا عالم الدور على مين فيكم؟ تسلل لوجوههم ارتباكٍ ينجح ذاك الأبله بخلقه بين دائرة جمعهم، فجذب معتز جاكيته الأسود واتجه للأعلى ، لحق به جاسم وهو يحذره: _اوعى تفكه يا أحمد.. سيبه في شنطة العربية للاسبوع الجاي يكون عقل كفايا. ربت ياسين على كتف أحمد وهو يغمز له بمشاكسةٍ: _القرار يخصك لوحدك، مينفعش نتدخل بين الأخ وأخوه.. تصبح على خير. مشط المكان من حوله بنظرةٍ يحومها الاستهزاء، فحانت منه نظرة خاطفة لرائد الأخير بهبوطه للسيارة، اتجه "أحمد"إليه وهو يتمعن به بنظرةٍ حائرة، ختمها بسؤاله المباشر: _مالك يا رائد من الصبح وأنت مش عاجبني.. أنت تعبان؟ أغلق باب سيارته ثم فعل القفل الالكتروني، وهو يحاول الا يتطلع إليه فينكشف غضبه الذي يحاول اخفاءه، واكتفى بتلك الكلمات المقتصرة: _مفيش حاجة يا أحمد.. أنا بس راجع مصدع شوية ومحتاج ارتاح. هز رأسه بتفهمٍ، ومن ثم سأله باهتمامٍ: _جهزت عرضك للمناقصة ولا لسه؟ استقام بوقفته من أمامه، وببسمةٍ ساخرة أجابه: _هيفيد بأيه.. والكل متأكد إني هخسر المناقصة والغريب انهم حاطين ثقة كبيرة فيك! اندهش من سماع ما قاله، وردد بصدمةٍ: _أيه الهبل اللي بتقوله ده! انت أول مرة تدخل مناقصة ولا أيه؟ منحه نظرة ثاقبة وكلمة ساخطة: _الظاهر كده. وتركه وهم بالصعود وهو ينهي الحديث بطريقة بدت لاحمد غريبة للغاية: _تصبح على خير. وتركه وصعد للاعلى بينما ظل أحمد محله جوار سيارته، على صوت"حازم" من الداخل، فرفع "أحمد" غطاء السيارة عنه، انحنى بجلسته وهو يشير له على القماشة التي تمنعه عن الحديث، فازاحها عنه بنفاذٍ صبر، ليردد الاخير بحزنٍ: _كده يا أحمد عايز تقت\ل اخوك الوحيد! لم يعبأ بما يقول فعقله شارد بما استمع اليه للتو، حل عقدة يده ثم استند بجسده على السيارة ومازال يتطلع للفراغ، وقف "حازم" جواره يتطلع له بضيقٍ، فاستمع لحواره مع رائد من البداية، لذا قال: _رائد متهور يا أحمد.. لو خسر المناقصة دي الموضوع مش هيعدي بسلام. رفع عينيه إليه، وكأنه كان بحاجة للحديث مع أحد ولم يجد حوله سوى أخيه المشاكس، الذي قرر التنازل عن مزحه الدائم ليخبره بعقلية رجل متزن: _اختيار عدي من البداية كان غلط، يمكن لو كان اختار ياسين بدل رائد كان أفضل، وده مش تقليل من رائد بس رائد انسان عصبي ومتهور وصعب انه يفهم إن حربك دي لصالح اسم العيلة مش لصالحك انت. تهدلت معالمه بحزنٍ شديد، وسأله باختناقٍ: _طب والحل.. أنا مستحيل أسيب الفجوة دي تتخلق بينا يا حازم. ضم شفتيه معًا، وكأنه يفكر بحلٍ مثالي لتلك المعضلة، اجلى أحباله الصوتية وهو يخبره بعد لحظاتٍ من الصمتٍ: _لو رائد مكسبش المناقصة دي يا أحمد مش لازم أنت كمان تكسبها. رفع أحد حاجبيه بذهولٍ: _تقصد أيه؟ أوضح له مقصده، حينما قال: _متكشفش ورقك كله، جهز عرض بديل للمناقصة دي، لو رائد كسبها يبقى هتقدم العرض اللي هيضمن نجاحك أنت كمان، ولو منجحش يبقى مفيش قدامك أي اختيار غير انك تقدم العرض البديل ومتنجحش أنت كمان. ابتلع ريقه بتوترٍ من سماع ما قاله، وأخبره بترددٍ: _بس لا ياسين الجارحي ولا عدي هيقبلوا بده يا حازم، خسارتنا قدام مهاب أبو العزم هتقيم حريقة في المقر! أبعد عنه جرفاته بنفورٍ من ارتداء تلك الحلى الغير مريحة، وردد قائلًا: _عارف وعارف كمان أن عمي مش هيكون راضي عن اللي هيحصل بعد كده بينكم يا أحمد، ومش بعيد كمان يحط اللوم على عدي وهتكون في مشكلة جديدة! فكر جيدًا بما قاله أخوه الأصغر، بعدما سد عليه كل فجوة كان يلجأ إليها، فوجد أن الحل الذي قدمه إليه هو الأمثل بالتأكيدٍ، انسحب من شروده وتطلع إليه بإعجاب يطفوه الدهشة بعنوانٍ لا يستدعي إخفاءه، فاستقام بوقفته عن السيارة وتساءل بتشتتٍ: _أنت حازم أخويا بجد ولا ركبك عفريت وهيختفي بعد عشر دقايق! رفع رأسه عاليًا وهو يجيبه بعنجهيةٍ: _انا هو نفس الشخص.. عجبتك! واسترسل وهو يبحث عن نظاراته بجيب سرواله، فارتداها وهو يستطرد بغرورٍ: _أنا المفروض تشكروني على الجو اللي معيشكم فيه جوه غابة ياسين الجارحي.. وبدل ما تفرحوا باللي بعمله عشانكم بترموني في شنطة العربية! قهقه "أحمد" عاليًا، وضم يده حول كتفيه وهو يحثه على الصعود برفقته للاعلى، وأخبره بسخطٍ: _انت ثروة لا تقدر بتمن يابو خالد. تهجمت تعابيره غضبًا: _وليه بس السيرة العكرة دي ما كنت ماشي كويس! تعالت ضحكاته فشاركه الضحك انتهازًا لتلك الفرصة التي لا تعوض فيما بينهما.. ******* طرقات خافتة متتالية على باب الغرفة، جعلت الصغير يعلم بكنية الطارق، فهرع تجاه بابه ليكن باستقباله بنفسه، رحب به ببسمةٍ كادت بأن تصل للأذن: _جدو! ضمه إليه بمحبةٍ لا تسع كون لوصفها، ودخل به حتى جلسوا معًا على الأريكة التي تنحدر بكراتٍ صغيرة زرقاء تناسب أجواء الغرفة تخص الصبي، رفع ياسين يده على خد الصغير بحنانٍ بالغٍ: _طمني عليك يا بطل؟ ابتسم الصغير وهو يخبره: _انا بخير وبقيت أفضل لما حضرتك رجعت، كنت خايف انك تفضل بعيد عن القصر أكتر من كده.. بس الحمد لله إن بابا قرر يرجع حضرتك. رفع أحد حاجبيه بشكٍ راوده لما استمع اليه: _أفهم من كده انك اتعمدت متحذرنيش إنه عرف مكاني! تطلع له بربكةٍ جعلته يردف بشجاعة تحلى بها: _بصراحة آه لاني كان نفسي أشوف حضرتك. رفع كفيه يحتضن خده بمحبةٍ، فحانت منه نظرة جانبية لمكتبه، فقال متلهفًا: _أيه أخر انجازات الفنان بتاعنا؟ ركض مسرعًا تجاه مكتبه، وجذب أحد لوحاته ثم عاد بها إليه، فقلب ياسين بين محتويات ما رسمه بحرافيةٍ، والبسمة لا تفارق شفتيه لجمال ما رآه، استوقفته عدة صور تخص ظباط الشرطة وأغلبها رسومات لشتى أنواع الاسلحة، جذب انتباهه صورة أخيرة قريبة حدًا ما لعدي ابنه، وعلى ما يبدو بأن ذاك الصغير الذي يرتدي ملابس الشرطة ويقف لجواره تخص حفيده المهووس بكل ما يخص الشرطة، وعلى ما يبدو بأنه يختار نفس الدرب الذي سلكه ابنه من قبل، وبذل كل ما بوسعه ليمنعه من ذلك، والآن سيقف مكتوف الأيدى من جديدٍ، لاح على وجهه ابتسامة عابثة، ابنه الشرس لا يتناحى عن تحديه ويظن بأن ابنه لا يود أن يكون مثله هو بل مثل جده، ليته يعلم حقيقة مشاعره. أغلق "ياسين" اللوحة الضخمة من أمامه، وراقب قلق الصغير الذي يتراقص بحدقتيه، فربت بحنان على معصمه وهو يخبره: _اللي أنت عايزه هتحققه بنفسك ومحدش هيقف في طريق ولا هيعارض اختيارك.. اطمن أنا في صفك مش ضدك. لمعت الفرحة بعينيه وارتمى بأحضانه يتعلق به بأمانٍ يرغب دومًا بالشعور به في حضرته! ******* مشاعره الثمينة يقدرها ويقدر ما يحتاج إليه، لذا فضل البقاء بمفرده،وعدم العودة بصحبة الشباب للقصر، فإتجه لأكثر مكان قد يريحه، ولم يجد راحته سوى بالجلوس أمام المياه التي يتردد صداها بحافة الصخور التي تلامسها بعناقٍ طويل، اشمر "عدي" عن بنطاله،ثم طوى قميصه حتى كشف عن ذراعيه وحرر أول أزراره حتى مقدمة صدره، وجلس فوق الصخور القريبة من المياه، لا يعلم كم ظل على تلك الحالة الساكنة، يتأمل المياه بصمتٍ عجيب، أزعج جلسة سكونه صوت رنين هاتفه، فجذبه من جواره وهو يتأمل اسم المتصل على مضضٍ، فضغط على زر الاجابة وتركه لجواره وهو يجيب بتأففٍ: _عايز أيه يا مزعج؟ تردد صوته المرتبك إليه، فنجح بزرع التوتر بداخله لمعرفة ما به: _عدي.. إبعد عن طريق مهاب أبو العزم الراجل ده خطير. نزع عنه سماعته وجذب الهاتف لأذنيه وهو يسأله بقلقٍ: _في أيه يا مازن؟ رد عليه مسرعًا: _الراجل ده مش سهل يا عدي.. مخيف ولازم تاخد حذرك منه. بنفاذ صبر صاح: _ما تنجز وتقول في أيـه؟! أوضح له ما حدث: _الشاب اللي استدرجته وعرفت منه المعلومات اللي بلغتهالك من يومين اتقت\ بطريقة غامضة ومحدش لاقي تفسير لموته.. بس طبعًا أكيد اتفهم سبب موته! أبعد خصلات شعره الذي بدا يزعجه بطوله عن عينيه وهو يخبره: _مازن أنت لازم ترجع مصر بسرعة.. أكيد هيهاجمك في أقرب فرصة. طمنه حينما قال: _لا معتقدش إنه هيعرف يوصلي.. لإني مدتش للشاب ده أي معلومه توصله بيا.. اطمن أنا لو حسيت بالخطر هنرجع فورًا. حذره مجددًا: _خد بالك من نفسك.. وسبلي أنا مهاب ده. أغلق هاتفه وعقله ينجرف خلف عدة طرق كلاهم لا يتفق بمقابلة الآخر، ولكنها تتحدان لتأييد نقطة واحدة، بأن عليه أن يواجهه وجهًا للأخر! ****** شاشة ضخمة تحتل منتصف ردهة يملأها عدد مهول من الحرس الخاص، المكلف بحماية رجل من حيتان رجال أعمال الشرق الأوسط، وبمنتصفها مقعد ضخم يحده اثنين من تماثيل النمور الجامحة، يعتليه "مهاب أبو العزم" وهو يتأمل صورة عدوه الجديد الذي انضم لقائمة تخص "عدي الجارحي" ، وذراعه الأيمن يقف لجواره وهو يتابع الصور من أمامه، فعبث أحد الرجال بالريموت الالكتروني من على بعدٍ ليقلب باقي الصور، فخرج "مهاب" عن دائرة صمته المخيف حينما سأل من يقف على يمينه: _مين ده؟ أجابه بثقةٍ تجعله مثير للشكوك، وكأنه يعرف أفراد آل "الجارحي": _ده" مازن أحمد الباز" صديق عدي المقرب وزميله.. يعني مش أول مرة يساعده وينقله معلومات عنك يا باشا.. ده متعود يكون الكلب اللي بينبح ورا صاحبه.. وزي ما قدر يسحب المعلومات دي من الحيوان اللي قت\لناه يقدر يعمل أكتر من كده لانه ظابط وده جزء من شغله. واسترسل بفحيحٍ شيطاني: _وجوده بدبي خطر علينا كلنا يا باشا. أمره دون سماع المزيد: _اخلص منه. ارتسمت السعادة الغامضة على وجه هذا الأرعن الذي انضم إليه لينتقم لنفسه، وكأن كل اعداء عدي اجتمعوا ليعلنوا حربًا شيطانية لعينة، عاد الرجل ليقلب بالريموت عدة صور التقطها لمازن بعد مراقبته لثامنيةٍ وأربعون ساعه، حتى أتت قبالتهم احدى الصور، فأمره "مهاب" سريعًا بالتوقف، انحنى بجسده للأمام وهو يتأمل تلك الصورة المعروضة، واصبعه يشير لمن يراقبه بتكبيرها، وبعد لحظات خرج سؤاله مسحور خلفها: _مين دي؟ أجابه ذراعه الأيمن باستغرابٍ مما يحدث إليه: _ مروج بنت عم عدي وتبقى مرات مازن! شروده بصورتها كان بمثابةٍ انذار بخطرٍ مهيبٍ، فنهض عن مقعده واتجه إلى الشاشة بخطواتٍ بطيئة، مرعبة، حتى باتت يده تمسد على وجهها برغبةٍ دنيئة، فهمس بشرٍ عظيم: _مفيش مانع تكون وسيلة تساعدنا في الانتقام من الحقير ده هو واللي وراه. وببسمةٍ ماكرة، ردد: _بس يا ترى هقدر أقنعها بالوش ده بعد عملية التجميل! أسرع من خلفه وهو يردد بضحكة لا تخص سوى شياطين الانس: _انت تعجب الباشا يا باشا.. وبعدين العملية دي هي سر نجاتك.. ومستحيل عدي يقدر يوصلك.. ولا هيعرف عمره كله يوصل لعدوه اللي بيضربه من تحت لتحت حتى لو شافك وش لوش! شاركه الضحك لينقطع عنه فجأة، ليتابع بقسمٍ لعين: _كل اللي عمله فيا جواه السجن عقابه هيكون عسير أوي. واستدار تجاهه وهو يأمره: _احجزلنا تذكرتين على بكره بليل، هحضر المناقصة دي بنفسي وهشوف اذا كان هيعرفني بالوش ده ولا لا. واستكمل بتحذير قاطع: _بس خد بالك.. ظهورك لعدي هيكشفنا.. مش لازم يشوفك لا هو ولا أي حد.. سامع. أومأ برأسه عدة مرات وهو يؤكد له: _متقلقش يا باشا.. أنا مش تلميذ! وعاد ليتطلع تجاه الصورة المعروضة، فوزع نظراته بينها وبين من يراقبها بانبهارٍ وجراءة، فغمز له بمكرٍ: _بس قولي انت ناوي على أيه؟ عاد ليلامس الصورة من جديدٍ: _ النية مش بتحقق المراد! ******** ودع القمر لقاءه الغرامي واستقبلت الشمس بداية اليوم بترحابٍ غامر، ومع بداية اشراقتها غمر آذان الفجر الاجواء، وهو ينادي "الصلاة خير من النوم" أغلق "عدي" عينيه بتأثر، فنهض عن الصخور وإتجه لأقرب مسجدًا إليه، شرع بالوضوء ومن ثم التحق بصفوف المصلين، وأدى فريضته بخشوعٍ تام اعتاد عليه بفضل توجيهات والدته، فلم يترك يومًا فردًا، حتى عمر ومليكة نشأوا على تلك التريبة التي احتدت بالحزم تجاه ما يخص الله عز وجل، فلم تتهاون آية يومًا مع أحد حتى وإن كانت رقيقة طيبة القلب، انتهى "عدى" من صلاته، ثم جلس على سجادته يترقب المسجد من حوله بنظرةٍ متفحصة، فاسند ظهره على احد الاعمدة، ولا يعلم كيف غفا واستسلم للنوم سريعًا.. _كنت على طول بخالفك وواقف في وشك في أي قرار بتأخده، كأني كنت واخد عهد على نفسي اني اتحداك طول ما أنا عايش... أنا النهاردة ضعيف ومحتاج لوجودك... محتاجلك ولأول مرة أعترف بيها.. أنا من غيرك مش مسنود أنت كنت السند والحماية ليا حتى وأنا رافض ده.... بجد محتاجلك أوي... تقهقهرت الدمعات على خديه مع تلك الصفعة القاسية التي يواجه بها نفسه لأول مرة بمكانٍ ليس به سواه هو، يبوح بما يصعب على لسانه العاجز البوح به، يخرج ما يأجج داخل صدره في ذلك المكان المنعزل، لا يآنس وحدته سوى تلك الدمعة الحارقة التي تحررت أخيرًا من معتقلها، وفجأة شق صوت عذب ذاك الصمت المقبض وهو يجيب صراخه المهتاج: _أنا هنا يا عدي... جنبك ومستحيل هتخلى عنك! استدار بجسده للخلف، فوجده يتكأ على تلك الصخور، وعلى ما يبدو بأنه كان يستمع لحديثه من البداية، نهض عدي عن الأرض بابتسامةٍ ازاحت غمة الحزن وكلمة واحدة تتردد بسعادة عالم بأكمله: _بابا!!! انتفض بنومته فزعًا من ذاك المنام الغامض، والغريب له احتفاظ عينيه بالدمعات وكأنها تقسم بأن تذكره بمنامه الغريب، أي منامٍ هذا الذي يترك من خلفه وجعًا يضرب روحه ويطعن قلبه دون رحمة، كانت رسالة ربانية غريبة، لم يفهم مغزاها حتى الآن، حتى توقيت رؤياه للحلم كان الامثل لاعتباره رقية، وهل هناك أمثل من وجوده باحد منازل الله عز وجل؟! نهض عن سجادة الصلاة، وهو يتأمل المكان من حوله بعينين دامعتين، فأخرج محفظته الجلدية ثم أخرج مبلغًا صخمًا، واتجه لصندوق المسجد وانحنى ليضعه وهو يردد بألمٍ: _أنا مش عارف أيه اللي بيحصل.. بس أنا بتمنى إنك تحفظلي أبويا من كل شر.. احفظني من نفسي ومن شيطاني يا رب. وانحنى برأسه للأسفل وهو يسترسل بحزنٍ: _كل اللي حواليا نقاط ضعف ليا فيا رب متورنيش السوء في حد فيهم.. افديهم بروحي يا رب. واستدار ليغادر المسجد تاركًا من خلفه سكينته وراحته القصيرة، التي قضاها بداخل بيته الكريم، غادر "عدي" واتجه للقصر بعد أن قضى ليله به. ******** فتحت عينيها الساحرة بتكاسلٍ انصياعًا لليد التي تحرك جسدها، فرددت بنومٍ: _في أيه يا مارثا؟ ذكرتها الخادمة بما أخبرتها به قبل غفلتها أمس: _موعدك مع طبيبة الاسنان سيدتي! فركت "مروج" جبهتها ببعض الألم، فاعتدلت على الفراش وهي تحاول فتح عينيها بصعوبةٍ، فمازال النوم يسيطر عليها، حررت يدها عاليًا وهي تشير لها: _جهزيلي الحمام يا مارثا. هزت رأسها بطاعةٍ وانصرفت تلبي طلبها، بينما نهضت "مروج" عن سريرها واتجهت لخزانتها، تنقي ما يليق لزيارة الطبيبة، اغتسلت وارتدت بنطالا قماشيا من اللون الأسود الفضفاض، وقميصا من اللون الوردي طويلا يصل لبعد ركبتها، عقدت حجابها جيدًا، استعدت للمغادرة، وقبل أن تغادر شددت على الخادمة: _خلي بالك من عز وهمسة يا مارثا.. عز يخلص واجباته وهمسة جهزيلها الرضعة بتاعتها في وقتها. ردت عليها بود: _لا تقلقي سيدتي. غادرت "مروج" بعدما اطمأن قلبها على أولادها، فصعدت لسيارتها واتجهت للعيادة الخاصة، انتظرت دورها حتى دخلت، وحينما انتهت غادرت مسرعة حتى لا تتأخر بعودتها على ابنائها، فولجت للمصعد وضغطت على زر الطابق الأرضي، فتحرك بها المصعد لينخفض عشرة طوابق ومن ثم علق بها بالطابق العشرون، انقبض قلبها وهي تعيد الضغط على ازرار المصعد، ولكنه لم يستجيب إليهاو، انقبض قلبها رعبًا، وخاصة حينما تلاعبت الإنارة وكأنه مشهد من فيلمٍ رعبٍ يعاد على مخيلتها، سعلت "مروج" بقوةٍ كادت بإغلاق مجرى تنفسها، فمسدت يدها على حقيبتها الصغيرة، أخرجت هاتفها واختارت رقم زوجها، حاولت الاتصال به ولكن الشبكة بالمصعد كانت تحت الانقاض! ، لم تحصل حتى على شرطة واحدة تنقذها مما تتعرض له، والمحزن بالأمر بأنه مبنى ضخمًا يحتوي على أربعة مصاعد، فلن يعبئ أحدًا إن تعطل احداهم، جلست مروج أرضًا وقد احاطتها وابل من الدموع، وجسدها يرتجف بعنفٍ، فسجلت رسالة صوتية لزوجها ومازال الأمل يولد داخلها، علها تصل له ويأتي لنجدتها: «مازن الحقني.. الاسانسير عطلان بيا في عيادة دكتورة يمنى، أرجوك ساعدني أنا خايفة وحاسة إن نفسي بيتسحب مني..» هوت دموعها مع سقوط الهاتف عن يدها، مرت ساعة كاملة تجاهد بها لالتقاط الاكسجين ومحاربة الاغماء، وفجأة شعرت بصوتٍ قريب منها يتساءل: _في حد جوه؟ نهضت على قدميها وهي تصيح بلهفةٍ: _أيـوه.. ساعدني أرجوك! اتاها صوت رجولي يجيبها: _متقلقيش يا آنسة.. بحاول أفتح الباب.. عايزك بس تبعدي شوية. ازاحت دمعاتها عنها والسعادة عادت تلوح لها بعد فقدان أمل عزيز لها، فتسلل لمسمعها صوت ضربات قوية تصيب الباب وأداة حادة تخترقه حتى نجحت بفصله عن بعضه من الجزء العلوي، فوجدت ذراع ممدود لها وهو يحثها على الاقتراب: _حاولي تمسكي ايدي بسرعة. لم تفكر أبدًا، نجاتها بالوقت الحالي هو اسمى امنياتها، لذا حملت هاتفها وحقيبتها وتشبثت بذراعه، فرفعها بكل قوةٍ حتى تمكن من اخراجها للهواء الطلق، جاهدت مروج للوقوف على قدميها ومازالت نوبة البكاء تجتازها، فقدم لها هذا الرجل زجاجة من المياه قائلًا بلطفٍ: _اتفضلي. تناولته منه مروج، وتجرعت منها كمية كانت كافية لانعاشها، وقد بدأ اتزانها يعاود لذهنها ولكنه غائب عن جسدها المرتجف، فقالت بلسان مضطرب: _مش عارفة أشكرك ازاي. ابتسم وهو يتأملها بنظراتٍ عميقة، وبنبرةٍ غامضة قال: _مفيش داعي للشكر.. انا كنت في ميتنج بالدور ده ولما جيت استخدم الاسانسير لقيته عطلان. وقدم يده ليصافحها: _أنا مهاب. استندت على حافة العمود الذهبي حتى وقفت على قدميها، تأملت يده الممدودة بحرجٍ، فتعمدت تمسكها بحقيبتها وهي تردد على استحياءٍ: _اتشرفت بحضرتك.. واللي عملته معايا حقيقي مش ممكن أنساه. سحب يده الممدودة بغضبٍ دفنه خلف ابتسامةٍ زائفة، وهو يخبرها بلباقةٍ: _أنا معملتش غير الواجب. منحته ابتسامة صغيرة واتجهت بخطواتٍ شبه متعثرة للدرج، فاوقفها بذهولٍ: _هتنزلي كل ده احنا في الدور العشرين! ازدردت ريقها الجاف بصعوبةٍ، فهي بحالة لا تسمح لها بالهبوط كل تلك المسافة، ومع ذلك تخشى الصعود للمصعد مجددًا، فما حدث سيجعلها تمقت صعود أي مصعد قط، وزعت نظراتها بحيرةٍ بين المصعد والدرج، فقطع حيرتها حينما قال بخشونة: _اسمحيلي انزلك بالاسانسير. هزت رأسها نافية بلباقةٍ: _مفيش داعي أنا هنزل لوحدي. اعترض طريقها ولحق بها وهو يخبرها بلطفٍ زائد: _مش محتاجة تخبي الحالة اللي انتي فيها لانها باينة. لم تكن بحالةٍ تسمح لها بالجدال، وخاصة بأن ما كونته عنه لم يكن بالسيء، بالنهاية قدم لها يد المساعدة في وقتٍ ظنته الاخير من حياتها، ولجت معه مروج للداخل، فهاجمتها نوبة حادة من الدوار، ومشاهد ما حدث لها بالداخل منذ قليل ترتطم بها بوحشيةٍ قاتلة، رفعت يدها تتحسس جبهتها بألمٍ جعلها تهوى دون اي ارادة لها بالنهوض، حان بينها وبين الارض فسقطت بين ذراعيه وابتسامته الخبيثة تسري على شفتيه وهو يتأملها عن قربٍ خطر! ******** اليوم كان عطلة لرائد وأحمد، للتركيز للمعاركة التي تنتظرهما بالغد، فباشر الشباب العمل من المنزلٍ، كان "عدي" بطريقه للأعلى حينما وجد أبيه يستعد للهبوط، فوقف قبالته بوجهه الشاحب الذي أثار قلق ياسين، فسأله بنظرةٍ تلتهم تعابيره: _أنت كويس؟ أومأ برأسه بخفةٍ، فعاد ليتساءل من جديدٍ: _كنت فين لحد دلوقتي؟ ابتسامة ساخرة لحقت بكلماته المشككة: _اللي بيرقبوني مبلغوش حضرتك بمكاني؟ تعمق بالتطلع لحدقتيه الغريبة، وهو يردد: _قولتلك قبل كده واجبي اني أحمي العيلة كلها.. وانت دلوقتي منصبك حساس والعيون كلها عليك. عقله الذكي يرفض تصديق ما قاله، فأخبره بدهاءٍ حينما قال: _يعني مفيش فرق بين شغلي وشغل حضرتك.. هنا حياتي في خطر وهناك نفس الوضع طب ليه حضرتك أصريت أسيب شغلي مدام نفس المصير بيلاحقني! هبط الدرج دون أن يقدم اجابته إليه، وحينما كاد بالانعراج عن استقامة الدرج قال بنبرة وخيمة: _يمكن لاني حابب ده. وتركه وغادر من أمامه، فاستكمل الاخير طريقه للأعلى وخاصة لغرفة رائد وأحمد ليطمئن بنفسه أن كل الامور على ما يرام. ******* بغرفة "ياسين" كان يتطلع للملف من أمامه وهو يثبت شاشة الحاسوب إليه، بعد أن ضمن الاتصال بالفيديو على الشباب، ليكون بديل الاجتماع بالحضور هاتفيًا لمناقشة بعض الامور الهامة، فانتظر حتى يجتمع الجميع واستغل وقته بتجهيز الملفات المقصودة بسبب اجتماعهم، وفي أقل من دقيقة كان يملئ الشباب شاشة حاسوبه، فحياهم على مضضٍ: _صباح الفل يا رجالة.. ركزوا معايا كده عشان ننجز الاجتماع بوقت قصير ونستمتع بالاجازة براحتنا. تطلعوا اليه من خلف شاشة الجاسوب، فكاد بأن يعرض الملف من أمامهم، وفجأة قبل أن ينطق يعرضها من أمامهم، استمع لصوت باب مكتبه يفتح، واشرأبت بعنقها من خلفه وهي تردد: _ياسين أنت هنا؟ كان على شفا أن يجيبها، ولكن ألجم لسانه حينما رآها تسرع إليه، ومن ثم جلست على قدميه وهي تشير له: _أهم حاجه بنتي تكون قاعدة مرتاحة.. عدلت من بطنها المنتفخة، ولفت ذراعيها حول رقبته وهي تهمس له بنبرة مثيرة: _النهاردة المفروض اجازتك.. هتقضيها برضه في الشغل. جحظت عين ياسين وهو يحاول اخبارها بالكاميرا من أمامهما التي تجعلها كالبث المباشر الحي، أشارت له مليكة بتهديد ولم تترك له فرصة الحديث: _شكلي هشتكيك لبابا تاني.. وساعتها بقا شوف عقوبتك المرادي هتبقى أيه واستطردت بحزن مصطنع: _انا قولت انك هتستغل سفر يحيى وهتهتم بيا أنا وبنتك بس انت مش سأل على حد فينا! _أنا من رأيي ترفعي عليه قض\ية خلع يا مليكة.. صعقت حينما استمعت لصوت عمر يخترق مجلسهما السري على ما بدا لها، فتطلعت ناحية الباب بتوترٍ اتبع رجفة نبرتها: _مش ده صوت عمر! رد عليها جاسم بمزحٍ: _مش عمر بس ده المحلة كلها هنا وبتشجع بضمير.. ردد معتز بشماتة: _الراجل كل يومين يعملنا اجتماع ومحاكمة وهو نفسه محتاج يتحاكم! ضحك أحمد وهو يردد بصعوبة من بين ضحكاته: _عذرك معاك يا ياسين اقفل وانا همسك بدالك. اتجهت أعين مليكة تجاه شاشة الحاسوب وهي تردد بصدمة: _ده أيه؟ ضيق ياسين عينيه بغضبٍ: _ادتيني فرصة اشرحلك أنا!! نهضت عن قدميه وتباعدت عن محيط مقعده بحرجٍ، فحمدت الله مرتين بأنها ترتدي حجابها، وقبل أن يغلق الشباب، استمعوا لصوتٍ أخر يقتحم مكالمتهم الجماعية، صوتًا ممزوجا بالصراخ: _عمــر الحقني انا بولد. اجابها بلا مبالاة وهو يتابع مكالمته: _لسه لسه.. انا فاهم في الموضوع ده أكتر منك. تعالت صيحة انفلتت منها لتصم آذانهم جميعًا، فصعق من يتأملها بعدما انخفضت المياه عنها، فلكزته بغضب وهي تواصل صراخها: _لسه محتاج اثباتات تانية... الحقنــي! _يا نهار اسود.. دي ولادة فعلا! _يا شيخ!!!... تصدق اني افتكرتها رحلة استكشافية للبيبي... الحقنــــــــــــي! #الفصل_الثاني_عشر! استندت على ذراعه القوي الذي يمنعها من السقوط أرضًا، ورددت بخفوتٍ ويدها تحتضن بطنها بألمٍ: _عمر مش قادرة! جذبها لصدره وهو يحاول جذب اسدال الصلاة الخاص بها، فمال برأسه على جبهتها وهو يمسد بخديه عليها: _متخافيش يا حبيبتي.. حالًا هنتحرك للمستشفى. جذب الإسدال وألبسه لها، ومن ثم الحجاب فعقده جيدًا وبإحكام حول خصلات شعرها القصير نسبيًا بعدما قامت بقصه موخرًا، حرص على اخفاء خصلاتها الأمامية حتى وإن كان هذا يفقده الكثير من الوقتٍ، ومن ثم حملها وهرع للخارج، وفور خروجه من الغرفةٍ تفاجأ بالشباب بأكملهم أمامه، تركوا هواتفهم وأسرعوا ليكونوا لجواره، أسرع بها "عمر" للأسفل، فصعد بسيارة "عدي"، وجعلها تتمدد بالخلف على قدميه، ويحاول تهدئتها بكافة السبل، إتكأت"نور" على مرفقيها حتى باتت قبالته، فهمست بصوتٍ خافت: _هنوصل أمته؟ أنا مش قادرة أتحمل! اتجهت نظرات عمر المرتعبة لأخيه، ومن ثم عادت إليها ليهمس بصوتٍ خافت: _بلاش تستفزي عدي.. مش هنوصل لو عفريت السواقة حضر، وساعتها يا قلبي بدل ما تدخلي على العمليات هتدخلي الانعاش. رمشت بعينيها عدة مرات، وكأنها تحاول استيعاب ما يخبرها به في تلك اللحظة، فتأوهات وهي تقترب لتميل على عنقه، فرددت بصوتٍ ظنته غير مسموع لمن يجلس بمقعد القيادة: _أنت بتحلو وأنا في أخر أيام حياتي ليه؟ رمش بعينيه بذهولٍ، فرفعت عينيها اليه ثم رفعت يدها لتمررها على ذقنه: _بقول إن شكلك بالدقن أحلى. أبعد يدها عنه سريعًا، مرددًا بضجرٍ: _أنا عارف هلاوس ما قبل الولادة دي! وبنفس هدوء نبرته أخبرها: _نور يا حبيبتي إحنا ربنا رزقنا وركبنا مع الوحش، نمسك نفسنا بقى بدل ما يرمينا عند عتبة بوليس الآداب! استفزتها كلماته، هل يخبرها بالانتباه لتصرفاتها وهي بوضعٍ هكذا، استدارت برأسها تجاه "عدي" ثم صاحت بإنفعالٍ: _عدي هو أنا راحة أزور خالتي وراجعه، أنا راحة أولد وبالشكل ده مش هلحق لسنة قدام! منحها نظرة سريعة من طرف عسليته، ومن ثم شدد على المكبس من أمامه، وبسرعةٍ جنونية كادت بأن تقذفهما من نافذة السيارة، لدرجة جعلتها تحتضن بطنها بيدٍ واليد الأخرى تكاد تقتلع عنق عمر من شدة تعلقها به، ولسانها يردد دون توقف: _انقذ ابني واجري بسرعة! ود لو قذفها بعيدًا عنه بعد ما تسببت بفعله خاصة وقد قام بتحذيرها بنفسه، فصاح بها وهو يحاول منعها من السقوط عن أريكةٍ السيارة: _دي عربية الآخرة وبدون حساب إن شاء الله، أنا معنديش طموح أشوف ابني أنا عندي طموح ألم أشلائي من الرصيف! تهدجت سرعة السيارة تدريجيًا، لتظهر المشفى من أمامهما، حمدا ربهما معًا بصوتٍ يتحد بنطق: _الحمد لله! فتح "عمر" باب السيارة أولًا، فكاد بالسقوط أرضًا من فرط الدوار الذي ضربه بعد هبوطه عن تلك السيارة المخيفة، انخفض ساق نور عن السيارة وأشارت بيدها لمن يحاول الحفاظ على توازنه: _عمر ساعدني! اقترب منها ومن ثم حملها واتجه بها للداخل، وعدي يتبع خطاه بصمتٍ وإتزان مخيف. ******** عاد منهكًا من عمله، فولج لشقته وهو يخلع عنه جاكيته الأسود، ومن ثم حرر جرفاته وهو يتوسط الاريكة المقابلة له بإرهاقٍ، اسند "مازن" رأسه لمقدمة الأريكة ويده تفرك جبهته بألمٍ، على غير عادتها لم تستقبله بنفسها ككل يومٍ، فناداها بقلقٍ: _مروج! ... حبيبتي إنتِ فين؟ خرجت الخادمة من غرفة أبنائه تحمل الصغيرة بين يدها وهي تحاول أن تهدهدها بين ذراعيها، وقالت: _السيدة لم تعد للمنزل حتى الآن. رفع ساعديه يتأمل ساعته وهو يتساءل بذهولٍ: _ليه هي خارجة من أمته؟ أجابته وهي تحاول أن تهدأ الصغيرة: _منذ أربع ساعات تقريبًا. أشار لها بالإنصراف، واعتدل بجلسته وهو يخرج هاتفه، مرددًا بأستغرابٍ: _اتاخرت ليه كده؟ فتح "مازن" هاتفه، فوجد رسالة صوتية على الواتساب منها، جز بأسنانه على شفتيه السفلية بقوةٍ، فمازال يمتلك عادة بقاء هاتفه بالوضع الصامت بعمله، فتح الرسالة والسك\ينة مازالت تفرد سيطرتها على معالمه، وفجأة انتفضت عروقه فزعًا مما استمع إليه، تفجر القلق داخله وسهام من نيرانٍ تستهدفه دون رجعة، هل كانت زوجته بحاجته لتلك الدرجة وهو يريح رأسه بوضع هاتفه على الصامت ليستكمل عمله بتركيزٍ؟ ، لا يعلم كم استغرق بالتحديد ليجذب مفاتيح سيارته ويركض كالمجنون للأسفل، فسارع السيارات وكأنه في سباقٍ عنيف، يضع محبوبته وزوجته الغالية في كفةٍ أخرى من الميزان، فلم يستغرق سوى دقائقٍ معدودة حتى وصل أخيرًا للمبنى الذي يضم به مكتب طبيبة الأسنان الذي تقصده زوجته من الحين للآخر، تلقائيًا اندفع للرواق المتخصص بالمصاعد، وأخذ يتفحص كلًا منهم، ارتخى جسده المتشنج قليلًا حينما وجدهم فوارغُ، فأسرع لأحد أفراد الآمن يسأله بإيجازٍ: _كان في حد محبوس بالأسانسير؟ رد الشاب نافيًا وهو يهز رأسه: _لا.. محصلش حاجة زي دي! عادت أنفاسه تنعشه من جديدٍ، حتى وإن لم يُرفع عنه القلق ستاره كليًا، فأسرع للمصعد قاصدًا عيادة الطبيبة، ومن ثم للسكرتيرة فعاد مرة أخرى لدائرته المغلقة حينما أكدت له بأنها أتت بالفعل في موعدها المحدد ولم يستغرق بقاؤها بالعيادة سوى ساعة الا ربع، شعر بنغزةٍ عارمة قد تصيبه في مقت\لٍ، إلى أين اختفت فهي لا تعرف أحدٌ هنا، حتى أنها لم ترغب قط بالخروج للتنزه دونه لعدم علمها بالطرقات بعد! كظابط شرطة كان سريع أَلْمَعِيّ وحاذِق، لذا كان يعلم ما يتوجب عليه في تلك اللحظة، فهبط مسرعًا للأسفل، ومن ثم قصد غرفة المراقبة الخاصة بالمبنى، فاوقفه أحد من رجال الآمن وهو يحذره بعدم الاقتراب: _مينفعش تدخل هنا يا أستاذ ممنوع. أخبره على مضضٍ وهو يحاول إبعاده عن طريق عبوره: _مراتي مرجعتش البيت من وقت طويل، محتاج أشوف تسجيلات الكاميرات. حال بذراعه القوي بينه وبين الدخول، وهو يشدد على كلماته بنزقٍ: _قولتلك ممنوع، ولو حابب تمسح الكاميرات يبقى بأذن! سيطر "مازن" على غضبه بصعوبةٍ، فود لو أطاح بمن يقف عائقا بينه وبين الاطمئنان على زوجته، ولكن هذا لن يفيده بالوقت الحالي، فلن يفيده الا خسارة للوقت، لذا برتابةٍ وعقلانية أخرج جواز سفره ومن ثم كرنيه الخاص ليقدمه إليه، رتبته بالشرطة كانت كفيلة بجعله يزيح يده عن مدخله، وما زاده ريبة حينما ردد مازن بتحدٍ صريح: _مراتي اللي مش قادر أوصلها تبقى مروج عز الجارحي.. ها لسه محتاج لإذن تاني؟ من لا يعلم بسلطة عائلة تفشت نفوذها بين العالم، الجميع بات على علم بإمبراطورية الجارحي وبالأخص بمالكها المتحكم بأفرعها "ياسين الجارحي" ، من لم يسبق التعامل معه شخصيًا يكفيه سيطه المخيف والصارم! ، لم يجرأ أحدًا على منعه من عرض الفيديوهات المسجلة للمبنى، ولأول مرة يلجأ فيها مازن لنفوذ عائلة زوجته، وإن أضطر كان ليفعل أكثر من ذلك لأجلها، وخاصة بأن ما حدث بالآونة الأخيرة يجعل قلقه يزداد الضعف. استمرت رحلة بحثه لدقائق استطاع بها رؤية تسجيل واضح لزوجته، وهي تدخل للمبني، وما أثار رهبته رؤيتها تخرج بين يد هذا الرجل الغامض، سقط قلبه بين قدميه، وأشار بيده للعامل: _قرب الصورة. حاول أن يقربها ولكن كانت معالمه غير واضحة لارتدائه كاب أسود ونظارة سوداء تلتهم أغلب وجهه، وحينما فشل بتحديد معالمه أشار له مجددًا: _شغل. أعاد تشغيل الفيديو مجددًا، فرآه يحملها ويضعها بسيارة سوداء، وفجأة استدار الرجل تجاه الكاميرا الموضوعة أمامه، وكأنه يعلم كيف تسير عصبة تفكيره، فأزاح عنه الكاب والنظارة وهو يتعمد اظهار معالمه لمن سيعرض تلك اللقطات، ارتد مازن للخلف بصدمةٍ وهو يردد بصوتٍ يكافح للخروج: _مهاب أبو العزم! ****** أوشك المحلول على الإنتهاء، فتمسكت نور بعنق عمر وهي تهمس له بخوفٍ: _أنت عارف أيه اللي هيحصل دلوقتي؟ فشل بحماية رقبته من أظافرها الحادة، ومع ذلك نجح بتصنع الهدوء وتلك البسمة التي تحمل الحب لها: _أيه يا حبيبتي اللي هيحصل، احكيلي؟ أشارت له على باب الغرفة الأبيض، وقالت: _هتدخل الممرضة ام كرش مدلدل دي وهتقولي بصوت مخيف "جاهزة يا مدام" هز رأسه وهو يستمع لها بنفاذ صبر، فزادت من تشبثها به وهي تردد برجاءٍ: _وأنا وعهد الله ما جاهزة يبجوا كرشي النهاردة، تعالى نهرب من هنا يا عمر. التقط نفسًا مطولًا وهو يحاول تقبل تراهات النساء وخاصة في موقف كذلك، فإن تحمل عقبات التسعة أشهر من تقلب الهرمونات وغيرها من معضلةٍ شرسة أفتكت به ألن يحتمل تلك الساعات البسيطة؟! مسد "عمر" على ظهرها بحنانٍ زائف: _اهدي يا حبيبتي.. دي كلها نص ساعة وهنمشي تاني. قبل أن تقرر اجابته، فُتح الباب بعد دقاته الخافتة وطل الطبيب من خلفه، فدنا من عمر وهو يبادله السلام الحار: _يا أهلًا بالدكتور اللي مش سأل على زمايله. حاول أن يرفع يده بيد صديقه الممدودة، فنور تحتجز جسده بأكمله حتى ذراعيها، فنهض عن الفراشٍ بجزئها العلوي المتشبث به كالطفلة التي تخشى الآبرة، بادله السلام بصعوبة وهو يحييه بمحبةٍ: _ازيك يا مالك أخبارك أيه؟ هز الطبيب رأسه باستحسان: _أنا بخير.. وحقيقي مبسوط اني بشوفك النهاردة بعد زمن. مازحه عمر بسخطٍ: _بعد زمن أيه يا راجل، ده أنا كل شهر هنا أنا والعيلة الكريمة. انفجر ضاحكًا، فكان له من الحظ الأوفر من المالٍ لمتابعة الفتيات حملهن معه بالفترة الأخيرة، كبت عمر صرخة مدوية كادت بالخروج لتزيح عنه شعوره بالآلم لحظة نغزها بأظافرها بعنقه مجددًا وهي تهمس له بصوتٍ وصل للطبيب قبله: _مش هولد مشيني من هنا بقولك، مكفكمش فتحتوا كرشي مرتين قبل كده.. هتعملوا فيا أيه تاني يا ظالمة! رسم بسمة مصطنعة، وأبعدها عنه للفراش وهو يخبرها بتريثٍ: _طب خليكِ هنا وأنا هتكلم مع مالك في الموضوع ده وراجعلك تاني. ابتعدت عنه بعد تفكير، فجذب عمر مالك كالمجرم الذي يتوسل الشرطي بالرحمة، وخرج به للخارج وهو يخبره بنبرة تشبه الترجي: _خلصني يا مالك وخدرها جوه، أنا تعبت صدقني. حانت منه نظرة متفحصة لرقبته التي تشبه الخريطة المتفرعة، وردد بشفقةٍ: _لا مهو باين. وكبت بسمته وهو يشير للممرضات الاتي اتين بالسرير المتحرك إليهما: _مينفعش تتخدر جوه أنت دكتور وعارف.. بس خلاص المحلول هيخلص ولازم تدخل العمليات حالًا. سأله باستنكارٍ: _ودي هتخرج من جوا ازاي؟ ضحك بصوته كله ومن ثم طرق على كتفيه بحماسٍ: _مهمتك الأخيرة يا بطل! ******* مل الجميع بانتظارهم المطول أمام غرفة العمليات، ومازالت "نور" بداخل الجناح الخاص بقسم النساء والتوليد، لم تدخل بعد للعمليات، وفجأة تلاشى الصمت المهيب بين جلستهم حينما استمعوا لصوت احتكاك سرير جرار يقترب منهم، فوجدوا الممرضات يبذلن مجهودًا لدفعه للداخل في حين اعتراض نور لذلك، حتى انها اعتدلت بجلستها عليه وجذبت عمر من جاكيته وهي تصرخ باندفاعٍ: _بقى ده وعدك ليا.. بتقولي هنمشي من هنا وهفسحك دي الفسحة من وجهة نظرك يا دون! حاول ابعادها عنه وهو يردد: _هخرج معاكي ازاي بس وأنتي بالوضع ده.. أولدي وأنا وعد مني هلفكك مصر حتة حتة. رفعت حاجبيها بسخطٍ: _مصر! ده تمامك يعني؟! تدخل أحمد وياسين بينهما على الفور، فقال أحمد بوجهٍ يكافح الا ينحاز للضحك: _نور بلاش فضايح احنا في مستشفى محترم. استدارت تجاهه ومن ثم تفحصت الجالسين وجهًا لوجه، فصاحت بوجومٍ: _هو مفيش غيركم! أمال فين البنات! وقبل أن يجيبها استطردت: _ومالكم ضاربين كلكم طقم بدل سودة ليه جاين تعزوا في ميت! بتفوووولوووا عليــــــــــــا! ضحك ياسين حتى فشل بالسيطرة على ذاته، فخلع عنه جاكيته الأسود وأشار للشباب وهو يخبرهم: _اقلع يا ابني منك له الاسود وخلوها أبيض عشان نور نفسيتها تتعدل ونخلص. انصاعوا إليه جميعًا، فقال ياسين بمرحٍ: _كده تمام ولا أيه؟ تهدلت معالمها في يأسٍ، فكل حجة تلجأ لها تسد من امامها، دنا منها حازم وقال بمللٍ: _ما تنجزي بقا يا نور.. محدش بيطلع عنينا من البنات غيرك.. صدقي بالله احنا عودنا بنشيل هم حملك عشان اللحظة دي! ردد عمر بنزقٍ: _آه والله.. ده كابوس بيراودني من ٩شهور. لف جاسم يده حول كتفيه وهو يشير لها: _شوفتي عملت في الواد أيه؟ اختلجت دمعاتها الكاذبة وهي تردد: _هتتجمعوا عليا إكمني لوحدي ومعيش اللي يسندني! ومالت برأسها على عمر تبكي بصوتٍ مرتفع جعل جميع من بالمشفى يتطلع إليهم بفضولٍ لمعرفة ما يحدث هنا، ضمها عمر اليه وهمس من بين اصطكاك اسنانه: _كفايا يا نور فرجتي علينا بلاط المستشفى! وهدهدها بأحضانه مرغمًا حتى تكف عن البكاء، فابتسمت وهي تتطلع له بحبٍ، وأشارت لأحمد وياسين قائلة: _الزوج الحنين رزق. أكدوا لها ذلك بإيماءة وجوههم، فأبعدها عمر عنه وهو يصيح بخشونة: _خلصينا بقا. اتسعت حدقتيها بلمعةٍ خبيثة فور رؤيتها من يتجه إليهم بعد وصوله للمشفى بصحبة يحيى، وحمزة ورعد، فصاحت عاليًا: _"ياسين" يا" جااااااارحي".. إستدار لها " ياسين" بأستغرابٍ بعدما كاد بالدخول لطرقة الغرفة: __خير يا نور! أشار لها "عمر" بأن تلتزم الصمت ولكنها أشاحت بيده بعيداً عنها قائلة بغضب: __ابنك مش راضي يخليني أعاكسه وأنا علي وش ولادة يرضيك يا عمهم؟ تطلع"ياسين" ليحيي الذي سقط أرضًا من فرط الضحك والشباب بأكملهم، فدفع"عمر" السرير وهو يشير لمالك الذي خرج من غرفة العمليات يستكشف سبب تأخيرهم، ليجد عمر يصرخ به بعصبيةٍ: _أديها المخدر هنا وخلصني. فور سماعها لذلك نهضت عن السرير وتراجعت للخلف وهي تشير لهم: _يخدر مين ده انا أكلهم نفر نفر! اصطدمت بحافة مقعد فكادت بالسقوط لتجد من يعتليه يمسك يدها، ابتسمت نور حينما وجدت عدي يقف قبالتها، وكأنه سيخلصها من هلاكٍ سيحيط بها، فبادلها بنظرةٍ صارمة جعلتها تردد بخوفٍ: _أنا بس زعلانه إني هولد كده من غير ما أنكل عز وآدهم يكونوا موجودين جنبي. كبت "رعد" ضحكاته، ومع ذلك أخبرها بثبات: __ عز وأدهم لسه قدامهم ساعة على ما طيارتهم توصل.. بس يارا وشذا على وصول متقلقيش. وكأنها وجدت الأمان بمخرج جديد: __نستناهم احنا ورانا أيه يعني؟ شدد عمر على شعره بنفاذ صبر، وأشار لمالك الذي سقط من فرط الضحكات: _ما تتصرف يا زفت. أجابه بمرح: __أتصرف أعمل أيه؟ ثم إن دي مش أول مرة مدام نور تعمل كده! تدخل "عدي"حينما وجد "عمر" على وشك الجنون فأنحني تجاهها، وقال بمكرٍ: _نور هو أنتِ خايفة فبتكسبي وقت قبل الجراحة ولا نظامك أيه؟ أجابته بغرور خادع: _أخاف ايه بس يا وحش عيب عليك. وإستدرات برأسها للخلف لتتفحص الوجوه ثم صاحت برعب: _مبدهاش بقي، أنا عايزة ارجع القصر لماما" آية" أنا جيت هنا غلط وعهد الله لسالي شوية. ردد رعد بصدمةٍ: __ المستشفي كلها أتلمت علينا؟! ردد ياسين ساخرًا لأحمد الواقف جواره: __دا دليل اني داخل علي أيام سوده. أتاه صوتًا متمردا يجابهه: _بتقول حاجة يا حبيبي؟ استدار للخلف فوجد الفتيات بأكملهن أمامه، حتى "عز" و"أدهم" الذي دنا منها وقال: _شوفتي حظك يا نور قدرنا نخلص ونركب معاهم على نفس الطيارة.. بينما أضاف عز ببسمته الجذابة: _ربنا يقومك بالسلامة يا حبيبتي.. ابتلعت ريقها بتوترٍ، حينما اندفعت الفتيات اليها من كل صوبٍ، حتى "آية" انضمت إليهن، فربتت على يد نور وهي تخبرها بحنان: _متخافيش يا حبيبتي كلنا جنبك.. انحنت تجاهها رحمة وعدلت من حجابها الغير منظم ثم قالت بشفقةٍ: _متخافيش كلها دقايق وهتخرجي. منحتها ابتسامة ممتنة، فتراجعت للخلف وسمحت لآسيل بالاقتراب، فانحنت تجاهها وهمست هي الاخرى: _تفكيرك هيتعبك سبيها على الله. ضمتها يارا لحضنها وهي تربت بحنان عليها: _كنت هزعل لو مكنتش لحقتك قبل ما تدخلي.. بس الحمد لله. وقالت شذا: _يالا يا نوري مستنينك تقومي بالسلامة عشان نرغي في حاجات كتير. واضافت مليكة: _مستنين نشوف الباشا اللي هيشرف عيلتنا بس بلاش اسماء متكررة بقا الله يكرمك ملينا من اللخبطة. اكتفت ببسمة صغيرة ممتنة بالحب لعائلتها التي لا تنفك تقدم كامل دعمها لها، الجميع لجوارها اليوم، ابتعدت الفتيات للخلف وتبقى عمر وعدي لجوارها، فأشارت لعدي مرة اخرى، انحنى تجاهها ليسمع ماذا هناك مجددًا فقالت بحرجٍ: _معتش ليا حجة؟ أكد لها: _بالظبط. هزت رأسها وهي تسترسل: _خلاص خلي أخوك يدخل معايا. رفع عسلية عيناه لمن يتابع الحوار بينهما، فردد باستسلامٍ: _أمري لله. عادت نظراته تجاهها مجددًا بعدما حقق لها مطلبها، فقالت: _توكلت على الله.. شوف بقى يا وحش عشان لطفك الغريب ده معايا! انا لو جبت فعلًا واد هسميه على اسمك تيمنًا بالموقف اللي مش مفهوم منك ده. ابتسم وهو يخبرها بمرحٍ: _ادخلي انتي بس وانا راضي بأي حرف من اسمه بس اعقدي النية بس! ضحكت بصوتها كله، واشارت لعمر بأن يدفع السرير، وفجأة اوقفته فصاح معتز بنفاذ صبر: _أيـــــــــــه تــــــــــاني؟ قالت بتذمر وهي تشير لعدي: _يشلني زي ما عدي شال رحمة ودخلها العمليات.. ولا هي يعني عشان كانت حامل في تؤام يعني! انفجرت رحمة من الضحك حتى توردت وجنتها، فصاح به رائد بملل: _شلها يا عم وخلصنا! ود لو حملها وألقى بها بصندوق المهملات الضخم الذي رأه جوار المشفى في طريق عبورهما بالطائرة التي قادها أخوه، لوهلة كان يظن بأنه هو من سيقذف بها من نافذة السيارة والآن يتمناها لزوجته التي تمادت بأفعالها الطفولية، لذا حملها وولج بها لغرفة العمليات بخطواتٍ شبيهة للركض، تاركًا من خلفه تهليلات شكر وحمد لتخليصهم منها! ******* بدأ تأثير المخدر يتلاشى عن أطرافها، فبدت الرؤيا معتمة بعض الشيء، مررت يدها على جبينها وهي تقاوم الألم الشديد الذي يصفع جسدها، فبدأ يتضح لها معالم المكان تدريجيًا، غرفة فخمة للغاية، خزانة ضخمة من اللون الأبيض وكومود ضخم يقابله شاشة عرض، وسريرها يتوسط تلك الغرفة، بدا لها بأنها بأحد الفنادق الباهظة، فتحملت على ذاتها ونهضت وهي تردد بخفوت: _أنا فين؟ حاولت جاهدة تذكر أي شيء قد يساعدها بمعرفة هذا المكان، فتذكرت صعودها للمصعد ومساعدة هذا الرجل الغامض لها، وما حدث لها فور ارتشافها لتلك المياه الغريبة، مررت أصبعها على جبينها ودموع فزعها هاجمتها بكل ما أوتيت من قوةٍ، وفجأة تحرر صوت رجولي جعلها تتراجع للخلف برهبة وهي تبحث عن مصدر الصوت: _حمدلله على سلامتك. وجدته يجلس على مقعد جانبي بنهاية الغرفة، هو نفس الرجل الذي أقدم على مساعدتها، فرددت بخفوتٍ: _أنا جيت هنا ازاي.. أنت عايز مني أيه؟ نفث أدخنة سجاره بنشوةٍ حقيرة، ونظراته تقبض قلبها تباعًا، فتعمد التباطؤ بحديثه: _عايزك أنتي! جحظت عينيها بصدمة لحقارته ولفظه الخادش، فضحك بصوتٍ مسموع وهو يخبرها: _بس مضطر أحافظ عليكي لانك مش هدفي. حرصت على فرد فستانها على جسدها لتخفيه عن أعين هذا الأرعن، وتساءلت بعدم فهم: _هدف! هز رأسه بإيجازٍ: _جوزك وصاحبه يلزموني.. ولحد ما اجيب رقبتهم تحت جزمتي عايزك تكوني هادية ومتعمليش مشاكل، وزي ما انتي شايفة أنا مش خاطفك في بير ولا في أماكن مشبوهة زي جو الافلام القديمة دي، أنا سايبك في فندق ٥نجوم واتمنى تقدري ده. ونهض عن مقعده ليغادر أمام عينيها بكل عنجهية، جعلتها تفور غيظًا، فلحقت به وهي تصرخ: _انت رايح فين... أنت أكيد مجنون خرجني من هنا والا هصوت وألم عليك الناس.. أغلق الباب من خلفه بوجهها وقال ببرود: _خدي راحتك. تعجبت من جموده، هل يعقل بأنه يحتجزها بمكان مثل هذا ولا يخشى أن يعلم بوجودها احدٌ، من المؤكد لها بأنه فندقه الخاص لذا اكتسب كل تلك الثقة، ومع ذلك لم تستسلم "مروج"، فظلت تطرق على باب الغرفة وتصرخ بصوتها عل أحدًا يسمعها، وما أساء لها أن الشرفة مغلقة بسياج حديدي ضخم جعلها تنهار وهي تبكي من خلفه مرددة بصراخ: _ساعدونـي... مازن! ******* غادر "مهاب" وهو يتابع رسالته الهامة على حسابه، بعدما وصل ذراعه الأيمن للقاهرة، وقد رتب له أمر المناقصة بالغد، فاتجه للمطار حتى يلحق به، وبداخله أقسم بأنه سينتقم من عدي وممن تسبب بسجنه لتلك السنوات، حتى وإن كان الآن يعيش بهوية غير هويته، و وجهًا غير وجهه، فجذب تلك الحقيبة الصغيرة الموضوعة لجواره على المقعد وهو يتأمل بطاقته التي تحوي اسمه الحقيقي "أمجد السلاموني" ، شعر برعشة تضرب جسده بقوةٍ وهو يتذكر كل تلك الايام البائسة التي قضاها خلف القضبان، وكأنه حبس فيهم ظلمًا، تذكر ما وجده خلفها وما فعله بيده الحقيرة وارتكابه لابشع الجرائم التي تخالف الشرع والدين، وكأنه ملاك لا يتوجب على أحدٍ محاسبته على ما قام به من معصيات وجنايات لا يتهاون معها القانون، لذا كان الاختيار الأمثل للوحش الثائر لكبح هذا الشيطان عن جرائمه، وحينما نجح هو وفريقه كان جزاؤهم القت\ل الشنيع على يد هذا اللعين والآن يرى أن من المنصف القضاء على القائد الأعلى للفريق "عدي الجارحي"! ******* حاول" مازن"الاتصال هاتفيًا بعدي ولكن هاتفه المغلق جعله يلجأ لأخ زوجته "معتز"، الذي بدا له صوته مقلقا فسأله بشكٍ: _في أيه يا مازن.. مروج فيها حاجة؟ صاح بعصبيةٍ بعد وابل اسئلته التي لا تنتهي: _معتز مفيش معايا وقت ادي التليفون لعدي لو جنبك ضروي.. أختك حياتها في خطر سااااامعني! على الفور ركض معتز للأعلى، قاصدًا الطابق العلوي للمشفى، حيث توجد العائلة بأكملها بغرفة نور بعد خروجها من العمليات. ******* وزعت نظراتها السعيدة بينهم وبين صغيرها المحمول بين أيديهم، ومن ثم قالت بحرجٍ يتراقص بين حياء نبرتها: _أنا بعتذر على اللي حصل يا جماعه واني دوختكم معايا، بس ده فتح كرش مش فتح حساب بنكي فالموضوع مش سهل! تسرت الضحكات بينهم، فقال حمزة ساخرًا: _عندك حق يا نور... والمفروض انك تحرمي تعمليها بعد كده. بينما ردد يحيى بابتسامةٍ هادئة: _نور دي حكاية والله.. قاطع جلستهم الآسرية، دخول معتز والقلق يبرز على وجهه بوضوحٍ، رؤيتهم بتلك السعادة جعلته يتراجع عما يجول بخاطره، وبالأخص رؤيته لوالديه، فلم يمر على عودتهم الا سويعات قليلة، لذا رسم ابتسامة باهتة وهو يشير لعدي: _عدي من فضلك عايزك. لحق به عدي، والتهى الجميع بمزحات الفتيات التي تتشاجرن على حمل الصغير، ولم يلاحظ احدٌ العاصفة التي تضرب بين ثلاثتهم بالخارج. ******** تساءل عدي باستغراب: _في أيه يا معتز؟ ناوله الهاتف وهو يردد بعصبيةٍ بالغة: _أنا اللي محتاج أفهم وحالًا. لم يعلق على حديثه، وجذب الهاتف عن يده ثم رفعه على آذنيه ليستمع لصوت المتصل فقال بذهول: _مازن أنت كويس! أتته عبارة مختصرة تضم مهالك عظيمة: _مهاب أبو العزم خطف مروج يا عدي..والشغالة كلمتني وقالتلي ان جالي رسالة للبيت مكتوب فيها لو عايز مراتك ترجع سليمة المناقصة مترساش على شركات الجارحي..أوعى تدخل المناقصة دي يا عدي حياة مروج في خطر سامعني! ضيق عينيه بنظرة قاتمة فشل من يراقبه بفهم مغزاها، أو أي اشارة قد تخبره بما حدث لشقيقته، والغريب بأنه أغلق المكالمة دون أن يتفوه كلمة واحدة، واتجه لمغادرة المشفى بثباتٍ غامض، جعل معتز يلحق به وهو يسأله بلهفة: _في أيه يا عدي.. مروج مالها؟ لم يجيبه، أكمل طريقه لسيارته دون أي اجابة منه، فعاد ليصرخ به: _رد عليا يا عدي مروج مالها، وليه مازن قالي ان حياتها في خطر يقصد أيه بكلامه؟ استدار اليه بكامل جسده وهو يجيبه باتزانٍ صارم: _هزار سخيف عشان أرد عليه لاني مشغول وقافل تليفوني. عبس بملامحه بسخطٍ: _ده مكنش صوت واحد بيهزر! بحزمٍ لزم التحلي به قال: _حكيتلك اللي حصل.. اطلع وخليك معاهم. وتركه وغادر والاخير يكاد يجن من فرط قلقه على شقيقته، فحاول العودة باتصاله لمازن ولكن لم يجيبه هو الآخر! ***** نبت داخلها قلق عجيب تجاه ما يحدث، فخرجت "شروق" خلف زوجها علها تعلم ماذا يحدث، لحقت بها "رحمة" وأغلقت الباب من خلفها ونادتها وهي تتساءل بدهشةٍ: _رايحة فين يا شروق؟ أجابتها وهي تشير باصبعها للدرج: _مش عارفة معتز ماله هشوفه. وقبل أن تخطو وجدته يصعد من تلقاء ذاته، وحينما وجدها سألها باستفهام: _رايحة فين؟ لحقت به للداخل وهي تبرر له قلقها الزائد عليه، فأخبرها بأنه على ما يرام، تابعتهم رحمة ببسمة صغيرة وكادت باتباعهما للداخل، ولكنها توقفت فجأة حينما استمعت لصوتٍ غريبٍ يناديها، اقتربت من حافة الدرج المؤدي للأعلى باستغرابٍ، وحينما كادت بالعودة لغرفة نور عاد الصوت ليتردد من جديدٍ، مما جعلها تصعد للأعلى لتستكشف الأمر، لم يكن سوى طابقا يعاد تحضيره بالدهانات والمعدات الحديثه، فكان لا يحتوي على أحدٍ سوى المعدات، انقبض قلبها لعدم رؤية أحد، لذا استدارت لتعود ادراجها، فعاد الصوت ليعلو من جديدٍ، اتبعته "رحمة" والقلق يلتهم لحمها مرورًا بقلبها الضغيف، فتحت الباب المقابل لها فوجدته لغرفة فارغة، وعادت لتفتح الباب المجاور لها، ظلت برحلة بحثها حتى انتهت تمامًا من الطابق بأكمله، وحينما لم تعثر على شيئ استعدت لعودتها خوفًا من سماع هذا الصوت الذي لم يكف عن منادتها، فاستدارت وهمت بالركض ولكن جسدها تصلب محلها كتمثال الشمع حينما شعرت بقبضة أحد يشدد على معصمها، ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة، والتفتت رويدًا رويدًا لتقابل وجه من يقف قبالتها بعينين محدقتين بصدمة وفزع، وفحيح صوته يردد: _وحشتيني.. تراجعت للخلف وهي تشير نافية لتلك الحقيقة الصادمة، لسانها يرفض تصديق ذلك فازعن: _لأ... لأ. ابتسامته الشيطانية أكدت لها وجوده قبالتها فقال بحنين مخيف: _بعد كل السنين دي لينا نصيب نتقابل يا آآ... بنت عمي! هزت رأسها بجنون ومازالت تتراجع للخلف وهو يقترب منها بسعادة رؤيتها ترتجف خوفًا كذلك، فعاد ليهمس لها: _شكلي موحشتكيش زي ما أنتي كنتي وحشاني.. متقلقيش المرادي محدش هيخلصك مني وهتفضلي معايا على طول.. ذكريات ذلك القبو المظلم عادت لتضرب كل خلايا جسدها، المقعد الخشبي الذي ظلت مقيدة به بتلك الغرفة المقيتة، وجع قلبها لفراق ابنائها وكذبته بشأن وفاتها، بعدها عن معشوق روحها طوال تلك الفترة التي استنزفت كل قطرة حبٍ داخلها، تلقائيًا دموعها انهارت لتذكر تلك الفترة القاسية بحياتها ناهيك عما يخبرها به، لذا صرخت بوجعٍ: _ابعـــــد عني. ضحك بشر وهو يدنو منها: _محدش هيخلصك مني! دفعته عنها وهرولت بكل ما امتلكته من قوةٍ، وفجأة اصطدمت بأحدٍ منعها من السقوط أرضًا، رفعت "رحمة" رأسها لمن يقدم لها المساعدة لتجد ذاتها أمام هيبة تستدعيها بالاطمئنان... وجدته يضمها خلفه، ومن يتأمله بسخطٍ يشعر داخله بخوفٍ غريب وهو يتأمل نظرته القاتمة التي تشبه ظلام الليل، فردد بلسانٍ تصنع قوته: _ياسين الجارحي! تشبثت به "رحمة" وبكاؤها لم يتوقف قط، فرفع يده بثباتٍ قاتل، يربت على تلك الأصابع التي تحتضن بها أمانه، ومصطفى يتابعهما ويردد ببسمةٍ ساخرة: _كان نفسي أقابلك وش لوش من زمان.. بس محصليش الشرف. أخفض جفنيه بحركة ثابتة إشارة لمن ينتظرها، فعلى الفور أسرع بتلبية اشارة سيده وانهال عليه بضربة قوية على رأس مصطفى من الخلف، جعلته يتمدد أرضًا أسفل قدميه، انحنى ياسين تجاهه ومن ثم قبض على عنقه بقوةٍ جعلت الأخير يختنق وهو يتابع حركة شفتيه بعدما تخلى عنه صمته: _وحصلك الشرف بس وأنت في مكانك الطبيعي تحت رجليا! والقاه تجاه رجاله وهو يشدد عليهم: _الكلب ده عايزه يتربى. حملوه بين أيديهم والأخير يصيح بجنون: _انت فاكر اني لوحدي.. رجالتي كلها مالية المستشفى.. ياكلوك حي يا باشا. ابتسم بثباتٍ جعل الاخير يرتد رعبًا، وخاصة حينما اشار لرجل ضخم على ما يبدو بأنه القائد للحرس: _أبقى خليه يلقي نظرة أخيرة على رجالته قبل ما يندفنوا يا عثمان. احنى رأسه وهو يجيبه ببسمة واسعة: _عيوني يا باشا. وأشار لرجاله فحملوه وتخفوا به على الفور، بينما أصدر ياسين أمره الاخير لعثمان: _عايزه حي.. هو اللي هيوصلنا للكلب اللي وراه. هز رأسه بطاعة وانصرف على الفور.. راقبت رحمة كل ما يحدث من محلها الأكثر أمانًا، خلف ظهر "ياسين" الآمن، ولسانها عاجز عن النطق، ترفض تقبل كل ما تراه، مجرد أنها بأمانٍ يصعب عليها تصديقه! استدار ياسين للخلف ليكون قبالتها، فرفع يده على رأسها وهو يخبرها بحنان: _متخافيش أنتي في أمان. رمشت بعينيها بارتباكٍ، وكأنها تحاول استيعاب ما يحدث، فاشارت باصبعها تجاه المكان الذي كان يخص مصطفى وقالت: _مش هيسبني. وانهارت باكية حتى سقطت أرضًا تجاهد ما يحدث لجسدها الهزيل، اخفض ذراعه تجاهها وجذبها لتنهض قبالته ثم قال بصرامةٍ: _مفيش حد يقدر يمس بنت من بناتي..خليكِ واثقة اني عمري ما هسمح بده. لانت نظراتها ومازال بكاؤها يتسرب اليها، فضمها اليه ياسين وهو يخبرها: _اوعدك انك مش هتشوفي الحيوان ده مرة تانية في حياتك، لو كان عدي اكتفى بحبسه فأنا مش هيكفيني فيه غير موته. وأبعدها عنه بعدما هدأت، ومن ثم تعمق بالتطلع لها وقال بتشديدٍ وتحذير لها: _رحمة.. أوعي عدي يعرف حاجة من اللي حصلت هنا دي.. فهماني. بدون تردد هزت رأسها بتأكيدٍ، ومازال تأثير الصدمة يحيط بها، فناولها منديلًا ورقيًا وأشار لها: _امسحي دموعك.. وانزلي تحت مش عايز حد يحس بحاجة. منحته ابتسامة صغيرة وازاحت عنها دمعاتها ومن ثم هبطت للاسفل، بينما جذب ياسين هاتفه وطلب اللواء، وأخذ يملي عليه بما يتوجب عليه فعله! ****" عاد الجميع للقصر وصعد كلا منهم لغرفته بعد هذا اليوم الشاق، خاصة بأن الجميع يستعد لمناقصة الغد، الجميع سرعان ما غفاهم النوم الا هي، بقت مستيقظة حتى عودة زوجها، فتصنعت النوم خوفًا من أن يكشف ما بها، القى عدي مفاتيحه على الكومود باهمالٍ، وانحنى ليخلع عنه حذاءه ثم القى بثقل جسده على الفراش دون أن يبدل ثيابه، عقله يكاد يمزقه الفكر، ومازالت هنالك خطط استثنائية للغد، اليوم سيكون صعبا للغاية، تنتظره حربًا كبيرة، وعليه القتال لأخر انفاسه مثلما اعتاد، وسرعان ما غفى لنومٍ ظنه سيريحه قليلًا مما يتعرض له.. مرت ساعتين على غفلته حينما تسلل اليه صوت بكاءٍ خافت، وشهقات تسري بقلبه قبل أن تمتد لآذنيه، فتح عدي عينيه بتثاقلٍ، فوجدها تنتفض بنومتها وجسدها يرتحف بعنفٍ، مال بنومته تجاهها وهزها بخوفٍ: _رحمة! لم تنصاع ليده التي تحاول ايقاظها فعاد ليناديها: _حبيبتي مالك فيكي أيه؟ فتحت عينيها وهي تبحث حولها برعبٍ، ومن ثم تعلقت عينيها به، فرددت بصوت متقطع: _عدي! رفع وجهها اليه، فوجد عينيها متورمة للغاية، فتساءل بلهفة: _مالها عيونك.. فيكِ أيه؟ تهربت منه فاحتضنته وهي تردد بخفوت: _شوفت كابوس. ضمها إليه بكاملها حتى اختبأت داخله ومن ثم طرح الغطاء فوقها وهو يهمس لها بصوته الرخيم: _مش هتبطلي الطفولة دي.. ولا هتبقي زي نور انتي كمان! على أثر ذكره لنور ضحكت من قلبها لتذكر ما فعلتها صباح هذا اليوم، فارتخت معالمه براحة حينما وجدها تبتسم، وأخذ يربت عليها حتى ظنها غفت مثلما تصنعت ذلك، فمال برأسه عليها ونام بعمق، ففتحت عينيها وأخذت تتأمله ببسمة صغيرة تحيطها هالة من الأمان لوجوده جوارها! ****** أشرقت شمس يوم جديد حافل بأول مناقصة تخص الصفقة التي تولاها "رائد الجارحي" ، كان الشباب ورجال آل الجارحي حاضرين للمناقصتين لاهميتهم الشديدة، فذهل الجميع من العروض المقدمة للمناقصة، لم ينكر أحدًا بأن عرض رائد كان مميزًا للغاية، ولكن عرض أخر تابع لشركة "مهاب أبو العزم" قلب الموازين وأصابت شركاته أول اهدافها بالحصول على هذا العقد، مما جعل الجميع في صدمة لا توصف، وجعل أحمد في موقف لا يحسد عليه، هاج الغضب وماج داخل عدي، فلم يسمح لهذا الرجل بتحقيق ما يريد، وقد علم بما يدور برأس أحمد الجالس لجواره، فكان يوزع نظراته بين الملفين بتوترٍ، جذب عنه عدي الملف وهو يخبره: _هسهل عليك الاختيار... الشغل مكان مفهوش عواطف يا أحمد عشان كده لو خايف من مواجهة رائد فأنا اللي هكون الطرف المنافس مش انت. وحمل عنه الملف، ثم صعد ليقدم عرضه على مرمى الجميع، وقبل أن يصل للاستيدج وجد رجلًا غامضًا يقف قبالته، خلع عنه نظارته السوداء ومنحه ابتسامة خبيثة وهو يردد: _المقدم عدي الجارحي.. كان نفسي أشوفك من زمان. حانت منه نظرة منفرة، شملته من رأسه لأخمص قدميه وبخشونة ردد: _أنت بقا مهاب أبو العزم؟ ضحك وهو يجيبه: _هو بعينه. وانحنى تجاهه وهو يهمس اليه: _اتمنى تكون فاكر صاحبك وبنت عمك! ضيق عينيه وهو يردد بدهشةٍ: _حاسس اني سمعت صوتك قبل كده.. سبق لينا واتقابلنا! استقام مهاب بوقفته وهو يجيبه بنظرةٍ خبيثة: _معتقدش. واسترسل بسخط: _أنا شايف ان مكانك الطبيعي يكون في قسم الشرطة يا حضرت المقدم.. هنا اللعب بيكون لحيتان السوق اللي للاسف مش هتقدر تكون منهم.. ابتسامة ساخرة تسللت اليه، وبثبات قاتل ردد: _بالعكس ده أنسب مكان للعب.. مبروك عليك عرضك.. ودلوقتي دورك انك تباركلي. وقدم عدي الملف أمام أعين من يتأمله بصدمةٍ اتبعت نبرته المستنكرة: _متنساش بنت عمك تحت رحمتي. رمش باهدابه الطويلة بتذكر، وبسخرية قال: _أنا معنديش فقدان للذاكرة.. أنت اللي اعتقد مش بتفهم.. عرضك اترفض من شوية.. أما بنت عمي فده ليه حساب لوحده. وتركه مصدومًا وغادر من أمامه، وفجأة وجد رسالة صادمة تزف على حسابه، أما عدي فعاد ليحتل مقعده جوار أحمد ببسمة خبيثة، عله لم يرى ما يحدث الآن وخاصة على وجه رائد الذي غادر القاعة بغضب سيكون نقطة مفقودة وصلالها مرتبط بالوحش الثائر!! #الفصل_الثالث_عشر. أعلن مطار القاهرة الدولي عن وصول الطائرة القادمة من دبي، فجر السلم المرتفع لباب الطائرة الضخمة، وأخذ يستقبل المسافرين للهبوط على أرض مصر ، وكان من بينهم" مازن"، هبط للأسفل وهو يحمل صغيرته على يد، واليد الأخرى تشدد على يد صغيره "عز"، اصطحبهما وهبط للأسفل وقصد الباص الأبيض ومن ثم خرج من المطار ليصعد للسيارة السوداء القاتمة التي كانت بإنتظاره، الحزن والخوف ينهشان عينيه بتمكنٍ، ناهيك عن ذاك الوجع الذي يطيح بقلبه المتألم، وكلما احتد به الألم حاول تضميده بضمة أولاده إليه، ربما تلك الرضيعة لا تعي شيئًا سوى بكاء غامض لعدم وجود والدتها، بينما أخيها كان يبلغ الثامنة من عمره ولم يكف عن السؤال عنها، حتى بتلك اللحظة سأل أباه والدمع يتلألأ بحدقتيه: _مامي فين؟ وليه مسافرتش معانا يا بابي! ربت مازن على ظهره بحنانٍ، ومال برأسه عليه ليطبع قبلة دافئة على جبيه، لتعود به خانة الذكريات للخلف قليلًا وبالأخص للأمس ## شدد على هاتفه بجنونٍ وهو يخرج ما كبت من غضب: _يعني أيه اللي بتقوله ده، أرجع مصر ازاي ومراتي مخطوفة يا عدي؟ اتاه صوته يخبره عبر السماعة: _اسمع اللي بقولك عليه يا مازن، خد الاولاد وانزل حالًا من الشقة، هتلاقي عربية تحت قدام العمارة اركب معاهم والحرس هيأمنلك الحماية الكاملة لخروجك من دبي. كز على أسنانه بقوةٍ كادت باسقاطهم: _معنى كلامك أنك قررت تدخل الحرب يا عدي ومش فارق معاك حياة بنت عمك! بثباتٍ قاتل أجابه: _مازن أنا مش حابب ندخل في معركة الجدال دي، لو أنت صحيح بتثق فيا هتنزل حالًا من شقتك وتركب مع رجالتي، وخليك على ثقة اني مش هسيب الكلب ده يمس أختي! عاد من شروده ليتأمل طريق العودة، كان متلهفًا ليرى عدي بتلك اللحظة، فمازال يحاول الاتصال به ولم يجيبه منذ الصباح، يحمل طاقة غضب هائلة يود قذفها بوجهه فور رؤيته، وبداخله قسم مهيب بأن ان حدث لزوجته مكروه هو بنفسه سيحرص على قت\له إن لزم الأمر! ******* انتهت المناقصة الهامة بين حيتان رجال الأعمال بانتصار شركات "الجارحي"، وهدفًا أخر سجلته شركات" مهاب أبو العزم"، التعادل لم يحقق الانتصار الكامل لاحد الأطراف، وفور الانتهاء اتجه الجميع للمقر، وقصد "عدي" مكتب "ياسين الجارحي" فور تلقيه رسالته مع أحد أفراد الأمن، بالاتجاه لمكتبه فور وصوله للمقر، طرق الباب مرتين متتاليتين قبل دخوله، وحينما استمع لصوته الصارم يخبره: _ادخل. ولج للداخل وهو يتفحص من يجلس مقابل أباه باستغرابٍ، فتساءل على الفور دون أن يلتقط أنفاسه: _أيه اللي جاب ياسين هنا؟ اتجهت نظرات "ياسين الجارحي" لحفيده الجالس قبالته بنظرة مطولة، أنهاها حينما ردد ساخرًا متعمدًا تجاهل سؤاله: _فوزك بصفقة واحدة محققش انتصارك بالرهان اللي بينا.. أظن ان شروطي كانت باينة ليك من البداية. عَبَسَ وجهه فور تلقيه كلمات لاذعة تقابله فور دخوله، فاستكمل طريقه حتى بات يقابل مكتب أبيه، فضم يده اليسرى على اليمنى بثقةٍ لحقت نبرته: _بالنسبالي حققت انتصار كبير بستدعي الفخر، خاصة إن لا ده مكاني ولا مجالي. ارتسمت بسمة صغيرة على شفتيه، وهو يتابع حديثه باهتمامٍ، ومن ثم قال: _عندك حق.. بس اللي أنا أعرفه انك لما تشتغل في مكان متعرفش فيه حاجه لازم تكتسب خبرة من اللي كان فيه لسنين طويلة قبلك.. وأنا سبق وحذرتك من اختيارك ودي كانت النتيجة. واستطرد بنظرة جامدة توحي بالكثير: _نجاحك ده ما هو الا بداية لمشاكل هتدمر كل اللي أنا ويحيى سعينا ليه. ونهض عن مكتبه ليجابهه بنفس حدة نظراته المتمردة: _وأنا مش هسمحلك بده. قبل تحديه، حينما سأله بتمعنٍ: _أنا معملتش شيء يستدعي وجود خلافات بينا! أجابه بنفس الاتزان وسكون نبرته، تاركًا حفيده يتابع الحوار بينهما بترقبٍ: _أنت اختارت رائد بالرغم من انه عصبي ومتهور، وبالرغم من كده كان لسه معاك الفرصة انك تكسب بيه المناقصة، لانه ميقلش عن أحمد في شيء، بس أنت تجاهلت مشاعره اللي اتدمرت وهو شايف الثقة في عيونكم لاحمد.. قللتم منه وكنتوا متوقعين انه هيقدر يركز في العرض اللي هيقدمه! وبنبرة اندفعت لتمزق سكينته: _لا قدرت تحافظ على مشاعره كونك الأكبر والأوعى، ولا قدرت تكون بداله وتحارب بالعرض ده! تَوَغَّرَ صَدْرَه من تلك المجادلة المعتادة بينهما، فقال بيأسٍ: _العواطف مينفعش تكون موجودة في أي شغل! عارضه حينما ردد بصرامةٍ: _ده اللي أنت اتعودت عليه في شغلك مع الشرطة مش هنا! واسترسل بحدةٍ جعلت عروقه تنتفض غضبًا: _هنا في احترام لمشاعر كل اللي حواليك. وأشار لمقعده وهو يستطرد: _أنا حققت المستحيل بوصولي للكرسي والمكانة اللي بقت عليها امبراطورية الجارحي من غير ما أدوس على حد من عيلتي، بالعكس أنا دمار وعاصفة تدمر أي حد يفكر يمس حد شعرة منهم. رفع عسليته إليه بتيهةٍ، فاخشوشنت نبرته وهو يخبره: _قولتلك قبل كده وبقولها تاني مش هسمحلك تدمر الكيان اللي بنيته يا عدي.. ودلوقتي عايزك تكون جنب ابن عمك وتقوم بواجبك نحيته على أكمل وجه. هز الشرس رأسه بخفوتٍ وانصياعًا!! ، فاستدار ليغادر ليوقفه مرة أخرى: _استنى. استدار إليه بتيهةٍ، فأشار لحفيده الذي حمل حقيبته السوداء على ظهره وهم بالوقوف لجواره: _خد ياسين بطريقك.. وعدته إني هاخده واشتريله اللوحات والالوان اللي حابب يشتريها بس عندي مشوار مهم انا ويحيى. أشار للصغير فطبع قبلة صغيرة على خد "ياسين" الذي ودعه بابتسامة وأصابعه تعبث بخصلات شعره الطويل، وقبل أن يغادر المكتب، أخبره: _وياريت تبقى تتعب نفسك وتبص على رسوماته. عقله شارد بالنقطة الهامة التي طرحها من أمامه منذ قليل، فلم يسعى لنشوب حدة نقاش بينهما في ذاك الوقت الذي يتلهف للخروج من المقر قاصدًا مشواره الهام، ربما نجح بإخفاء استيائه حينما طلب منه الذهاب معه لشراء ما يناسبه لتأخره عن المكان الهام المقصود بزيارته، فقاد بسرعةٍ فائقة ثم توقف أمام مول ضخمًا يخص متعلقات الأطفال، هبط "عدي" بصحبة ابنه، ثم قصد أحد المحلات المتخصصة بالألوان ومشتقاتها، ظن ببدأ الأمر أنه سيعاني بوقفته لحين أن يتفحص ابنه المكان جيدًا، ومن ثم يختار ما يريد، ولكنه فجأه حينما اتجه لأحد الرفوف وببراعةٍ جذب كل ما يحتاجه في أقل من ثلاثة دقائق، واتجه ليضع ما انتقاه للكاشير، وعدي يتابعه ببسمةٍ صغيرة، فاتجه ليناول العامل بطاقته فضربها على الجهاز المقابل له، وببسمة استحقت التواجد فور قراءة لقب عائلة من يقف أمامه، ردد: _المكان نور بوجودك يا باشا! منحه ابتسامة تشكلت بالكاد، ومن ثم جذب ابنه وغادر لسيارته، فما أن صعد حتى راقبه وهو يرتب ما اشتراه داخل حقيبته السوداء بعنايةٍ، فأخرج ما بها وهو يحاول تنظيمها حتى يستجاب سحابها بالغلق، سقطت نظراته على الاسكتش الموضوع لطرفيه، فتح "عدي" الاسكتش بانبهارٍ من رؤية رسومات ابنه، واستوقف صفحاته الرائعة حينما وجد عددًا كبيرًا منها تخصه هو شخصيًا وهو يحمل عدد من الاسلحة النادرة، والتي يصعب على أحدٌ التعرف عليها، على الفور رفع عينيه عن الرسومات وهو يسأله بذهولٍ: _أنت تعرف عن أنواع الاسلحة دي ازاي؟ ابتسم "ياسين" وهو يخبره: _بقرأ وبتابع أي شيء متعلق بالسلا\ح والشرطة، وبقى عندي خلفية صغيرة عن أنواع الاسلحة. ضيق عسلية عيناه بدهشةٍ من صغيره الذي بدا، وكأنه يتعرف عليه لأول مرة، فحمل الورقة الاخيرة إليه وهو يسأله: _ده أنا! هز رأسه على الفور، فسأله بغَرَابَةٍ: _ليه كل رسوماتي وأنا بزي الشرطة؟ رد عليه ببعض التوتر الملحوظ للأخر: _لأني مش حابب أشوفك غير كده.. أنا نفسي آآ... أكون زيك في يوم من الأيام.. التمعت عيناه ببريقٍ جعلها تعكس ما بداخله من صدمةٍ وفرحة، وبدى متخبطًا بسؤاله الحائر: _وياسين الجارحي عارف بالكلام ده؟ هز رأسه وهو يؤكد له: _عارف وقالي أنه هيفضل جنبي.. وأنا هسعى أني أكون ظابط شاطر زي حضرتك. أشار له عدي بأن يقترب منه، فحمل الصغير حقيبته ليضعها جانبًا، ثم دنى منه بدهشةٍ من اشارته، فضمه إليه "عدي" بقوةٍ، جعلت الصغير يتعلق به بفرحةٍ، عبث بأصابعه بين خصلات شعره البني وهو يهمس له: _هتكون أحسن مني يا ياسين. رفع الصغير عسلية عيناه المتدفقة حول بنية عيناه، وهو يمنحه ابتسامة هادئة، فأشار له عدي وهو يحك مقدمة أنفه: _يلا لم ألوانك وحاجتك عشان هنتحرك. أومأ برأسه، وشرع بجمع أغراضه وعدي يراقبه بصمتٍ وشرود، فدار بينه وبين نفسه حوار ومعادلة صعبة نهايتها بسؤالٍ يتردد داخله «يا ترى أيه السبب اللي خلى ياسين الجارحي يصمم اني أخد ياسين معايا، أكيد مفيش غير احتمال واحد إنه عارف المكان اللي أنا ريحه من البداية!!» ****** وصلت السيارة أخيرًا للقصر، فهبط "مازن" مسرعًا للداخل يبحث عن "عدي" بجنون، فاخبرته الخادمة بأنه لم يعود بصحبة الشباب بعد، هبط "معتز" للأسفل فور سماعه بعودة مازن، فمنحه نظرة متفحصة جعلت قلقه يزداد بشكلٍ مقبض، فصاح بانفعالٍ: _مروج فين يا مازن؟ ما يحاربه بتلك اللحظة يكفيه ويفيض عن حاجته، لا يحتاج لأي ضغوطات تقيده عما يشغله، عاد معتز ليتساءل من جديد وصوته يعلو حتى أصبح مسموعًا لمن بالقصر: _بكلمك رد عليـــــــــــا! تمسك بالصمت لاخر انفاسه، حتى بعد أن هبط الجميع للأسفل، وتدخل بينهما عز وهو يسأله بدهشةٍ: _بتزعق كدليه؟! اتجه رعد الى مازن ليرحب به ببسمته البشوشة: _حمدلله على سلامتك يا حبيبي. بلهفةٍ تسألت يارا وهي تحمل الصغيرة: _فين مروج يا مازن؟ صاح معتز بضيقٍ وهو يهزه بعنفٍ: _نفس السؤال اللي بسأله ليه وهو لسه زي مهو ساكت ومش بينطق! إِسْتَشَاطَ عز غاضبًا من تصرفات ابنه الوقح لزوج أخته، فنهره بغضبٍ: _أنت ازاي تكلم جوز أختك بالطريقة دي! أجابه بعصبيةٍ خرجت عن طورها: _جوز أختي اللي حضرتك بتدافع عنه كلمني امبارح واحنا مع نور بالمستشفى وقالي اختك في خطر، وبعدها مبقاش يرد على مكالماتي وقفل موبايله والنهاردة راجع لوحده وهي مش معاه عايزني أعامله بأنهي طريقة! قت\ل الشك والرعب الجميع في مقت\ل، وخاصة يارا التي تمسكت بذراع زوجها وهي تجاهد لخروج الكلمات على لسانها: _بنتي فيها أيه يا مازن.. بنتي فين؟ أخفض وجهه أرضًا بوجعٍ لا يضاهيه مثيل، فكيف سيجيبهم ان كان لا يجد الجواب المناسب لسؤاله، شعر بوجعٍ يصيب ذقنه، وعاد ليشعر بحدته حينما عاد معتز بلكمه مجددًا وهو يصرخ بعنفٍ: _انطق مروج فين؟ تدخل بينهما أحمد فدفعه للخلف وهو يحاول الفصل بينهما، حتى عمر اندفع ليبعد معتز للخلف، وحينما لم ينجح لكمه بقوةٍ اسقطته أرضًا وبضيقٍ أخبره: _أنت كل حاجة عندك متتحلش غير بمد الأيد.. ما تصبر وتسمع منه! تحمل على ذراع جاسم الذي يسانده للوقوف، وهو يتحداه بشراسةٍ: _هو ده اللي عندي ولو منطقش هخلص عليه مكانه. نظرة حازمة من أبيه جعلته يتراجع للخلف بهدوءٍ يجاهد به التغلب على غضبه الثائر، اتجهت نظرات عز لمازن، بجدية تامة سأله: _مراتك فين؟ تحرر عن صمته حينما جلس بإهمالٍ على المقعد وهو يخرج ما يثقل عليه تحمله، والجميع ينصت له بصدمةٍ وعدم استيعاب لما فعله عدي! ******* طال الطريق بهما، والأغرب انجرافه عن الطريق الرئيسي المؤدي للقصر، فانتقلت نظرات الصغير لأبيه وسأله بدهشةٍ: _هو احنا رايحين على فين؟ أجابه وعينيه مازالت مسلطة على طريق قيادته: _مشوار هيعجبك. رسم على وجهه بسمة محمسة، فلم يتشارك اللحظات الخاصة برفقة أبيه الا نادرًا، وها هو يصطحب مرتين في نفس اليوم، لذا سيجلس بصدرٍ رحب وهو يترقب مشواره الهام.. دقائق معدودة وصل بها لوجهته،وربما هو بذاته يقود ابنه لمصيرٍ لا يليق سوى بحفيد "ياسين الجارحي" ، فتح "ياسين" نافذة السيارة وهو يتابع تلك القصور العظيمة باعجابٍ تألق بحدقتيه المتسعة على مصرعها، فوجد أبيه ينحدر للقصر الذي يترأس الأربع قصور، فاستقبله أحد الحرس وحل محل مقعد قيادته، فهبط عدي تاركًا له مجال صفها، ومد يده لمن يقف جواره متعمقًا بنظراته تجاه القصر، فاتجه إليه الصغير ووضع يده بيده الممدودة، لحق بخطاه للداخل وهو يترقب ذلك المسبح الضخم المشابه لمسبح قصرهم، حتى عدد الحراس الضخم كفيل بنقل صورة مشابهة لما يحدث بقصره، وفجأة خرج من الداخل بخطواته الواثقة، وابتسامته الهادئة المنفلتة على وجهه البشوش، فاقترب منهما وهو يثني معصم قميصه الأبيض الذي يبرز عضلات جسده الرياضي، وصوته الرخيم يتحرر عن ثقة: _أهلًا بالوحش.. ليك وحشة! منحه "عدي" ابتسامة تماثل ترحبه به، فاستقبل ضمته بترحابٍ وهو يردد: _قولتلك هنتقابل تاني يا جوكر! ضحك "مراد زيدان" بصوته الرجولي وهو يشير له ساخرًا: _مقابلاتنا مبقتش تنص غير على الكوارث يا صديقي! ومن ثم حانت نظرة تائهة من زرقة عينيه، وهو يخمن نسب الصغير: _ده أكيد ابنك! شبهك جدًا ما شاء الله. وانحنى بقامته على ركبتيه وهو يمد يده لياسين قائلًا ببسمته الوسيمة: _أهلًا يا بطل.. مبسوط اني هتعرف عليك.. أنا مراد وأنت؟ التفتت الصغير برأسه تجاه عدي، فعبث بخصلاته وهو يحثه بالاقتراب منه، اقترب الصغير ووضع يده بين يده، وأجابه: _أنا اسمي ياسين. رفع أحد حاجبيه باستنكارٍ: _أممم... خطفت اسم امبراطور آل الجارحي.. أكيد وراث منه كتير غير اسمك. منحه الصغير ابتسامة بشوشة وهو يجيبه بنبَاهَةٍ: _ولو مش وارث أكيد هحاول أكون شبهه وأورث نفسي اللي أقدر عليه منه. ضيق عينيه وهو يهيم بالتطلع به بغموضٍ، فرفع كفيه وهو يشير له بمنحه الصفقة، فطرق ياسين بيده على يده والاخر يردد بإعجابٍ: _ذكي... عجبتني! ضحك وهو يتابع سؤاله بفضولٍ: _هو حضرتك ظابط زي بابا؟ حانت منه نظرة جانبية لعدي قبل أن يجيبه بجديةٍ: _مفيش حد زي أبوك! وتابع بنفس الابتسامة: _أنا مش معروف زيه لاني شغلي بيكون أغلبه للقضايا اللي برة مصر، وده بيجبرني أكون مخفي عن العيون ومينفعش أكون معروف لحد، أما أبوك بقى فسيطه واخده لأي مكان وده تقريبًا اللي بيوقعه بالمشاكل دايمًا! ضحك عدي وهو يتابع حوارهما، فانتصب الجوكر بوقفته وهو يشير لحارسه الخاص بالاقتراب، وأخبره وهو يلف ذراعه حول ياسين: _خد ياسين على الحديقة الخاصة وخليه يلعب مع الاولاد. أومأ الحارس برأسه وهو يصطحب الصغير، مرددًا: _حاضر يا باشا.. وغادر به ليواجهه بطرف الخيط الذي سيشكل مصيرًا مختلف لذاته، لتلك التي ستجعله لم يرى ولن يتمكن من رؤية أي مسمى لفتاةٍ بعدها... ربما بداية لملحمة مثيرة ولم يسبق لتاريخ العشق بذكرها قط! ***** استغل "مراد" بقائهما بمفردهما، وسأله باسترابةٍ: _مالك يا عدي؟ حاول الهروب من اجابة ذاك السؤال الذي بات يجهل كلمات اجابته، فقال وهو يمشط المكان بعينيه: _مروج كويسة؟ أجابه بثقةٍ: _أكيد انت عارف اجابة سؤالك بدون ما أجاوبك. ابتسم وهو يهز رأسه بسكونٍ، ووضع يده بجيب جاكيته ثم مال على السور المنحرف حول السد الصغير الذي يعلو المسبح الضخم، فمال "مراد" بجسده على السور وهو يسأله من جديدٍ: _مش عايز تقولي مالك؟ اكتفى بمنحه ابتسامة باهتة، فالقى نظرة متفحصة على البذلة الانيقة التي يرتديها ثم قال بخبثٍ: _لايق عليك جو المدراء والشركات. ضحكة ساخرة انفلتت ليتبعها نبرته الساخرة: _كلها شبه بعضها، عندنا حروب وهناك حروب.. هنا بنتعامل مع مجرمين وهناك بنتعامل مع الأصعب منهم، وفي كلتا الحالتين لازم تفكر وتدور على طرف الخيط والادلة والمعلومات عن اللي هتواجهه.. كأن الحياة كلها اتخلقت للمواجهة والتحدي والصراع! لمس بنبرته تغيره الغريب، ومع ذلك قال: _حاسس انك مخنوق ومش حابب اللي أنت بقيت عليه. ومن ثم وضع يده على كتفيه وهو يحثه: _ارجع لمكانك يا عدي.. أنت زي السمك اللي لما يخرج من المية بيتسحب منه الروح! التفت اليه برأسه وبحزنٍ قال: _معتش ينفع يا مراد.. خلاص سبق واختارت. وببسمةٍ حالمة أخبره: _اللي كنت بحلم بيه وبتمنى أحققه ابني هيحققه نيابة عني... عشان كده اتعمدت اجيبه معايا النهاردة.. عايزك تكون جنبه وتعلمه بنفسك.. عايزه يكون أحسن مني. ضيق عينيه باستغراب وذهول لما يستمع اليه، فردد بسخطٍ: _أنت أفضل يا عدي.. علم ابنك انت. هز رأسه نافيًا: _مش هقدر.. اعتبره واجب صداقة لازم تقوم بيه. مسد على كتفيه وهو يخبره بيقينٍ: _أخوة قبل ما تكون صداقة. وبمزحٍ أخبره: _أنا قاعد اديك نصايح ومواعظ وأنا نفسي مقبلتش أعمل كده مع بنتي وسايبها لرحيم يدربها ويمشي معاها المشوار اللي رفضت امشيه. اتسعت عينيه على مصراعها وهو يتساؤل باسترابةٍ: _بنتك.. معقول! ضحك وهو يخبره: _لو سمعتك هتقت\لك وقتي.. أي شخص بيقلل منها كبنت حتى من غير ما يقصد عينك ما تشوف الا النور.. شايفة نفسها من دلوقتي الرائد "مرين مراد زيدان"! تعالت ضحكاته الرجولية وهو يشير اليه بصدمة: _ويوم ما تختار مدرب لبنتك تختار الاسطورة يا راجل قول كلام غير ده! حك جبينه وهو يشير له بمزحٍ: _هو أشرس مني هيعلم البنت أكتر مني.. وبعدين أنت كأب لما اختارت لابنك حد يمشي معاه المشوار ده اختارت حد غيرك مع انك من أكفئ الظباط، وده يدل انك خايف تكون حنين معاه يعني تقريبًا نفس السبب اللي عندي! هز رأسه باقتناعٍ، ومن ثم تساءل بفضولٍ: _طب هو فين.. وحشني القعدة معاه؟ أجابه بتذمرٍ: _طالع مغامرة لوحده.. وحالف ميت يمين اننا منشتغلش مع بعض تاني، كل واحد عنده مهمة يطلعها لوحده. أثار حافظة فضوله، فردد ساخرًا: _متقوليش أنكم بعد كل الانجازات دي اكتشفتوا فجأة انكم مختلفين بطريقة الشغل فقررتوا تنفصلوا! ضحك بصوته كله وهو يشير له نافيًا وبدى صوته مضحك بتقمصه شخصية الاسطورة : _لا بقى شايف اننا في رقبتنا عيلة غفيرة، فقالك بدل ما نموت سوا يبقى في واحد بديل هنا يحيا لأجل البقية، بس ده طبعًا الواضح لينا بس بنساعد بعض من تحت لتحت.. انا براقبه وهو بيراقبني وقت ما حد فينا بيحتاج مساعدة محدش فينا بيتردد... يعني يا صاحبي تقدر تقول رجعنا لشغل القط والفأر تاني بس بطريقة لطيفة كلها محبة وخبث. ولكزه بمشاكسةٍ: _زيك أنت وياسين الجارحي كده! ضحك باستهزاءٍ وهو يغمغم: _محدش زي ياسين الجارحي، على الأقل انتوا الاتنين عارفين أولكم من أخركم.. أنا مبقتش قادر أفهم حاجة! ******* عدد مهول من الألعاب الضخمة تنفرد بتلك الحديقة الواسعة، على يساره خيمة ضخمة تحوى عدد من الكراتٍ، وأخرى تضم أكثر، من خمس أرجيحات تتدلى من أطرافها الفتيات وتلهو بسعادة، أما الفِتْيَانٌ فكانوا يتسابقون على الدراجات، ومنهم من يقوم بقيادة السيارات الصغيرة التي تعمل بالريموت الالكتروني، بدى له من وجود هذا العدد من الاطفال بأنها عائلة ضخمة مثل عائلته، وبالرغم من احاطته بعدد من الفتية الا أنه لم يجد ذاته بينهم، يذكرونه بابناء أعمامه ونفس ميولهم باللهو بالألعاب، وكعادته كان يحاول الاندماج سابقًا معهم والآن يحاول أيضًا وحينما فشل إختار الجلوس على أريكة منعزلة عنهم، فتسلل لمسمعه صوت طلقات نارية، تغدو قريبة منه، تتابعها "ياسين" حتى وصل لسور صغير يفصل تلك الغرفة عن الحديقة، كانت تشمل عدد من التماثيل الالكترونية، التي تحمل لوحات تحدد بها اصابات الجسد البشري، بدى له بأنه المكان المخصص لتدريب الجوكر المزعوم، شعر ياسين بالخزي لتماديه بالتجول بالمكان دون السماح له بذلك، فاستدار ليغادر ذلك المكان، ولكنه توقف فور سماعه لذاك الصوت الانثوي الهادئ: _أنت ميـن؟ استدار تجاه الصوت، وهو يحاول تحديد مظهره، فوجد من تخلع عنها خوذتها السوداء وتبرق له بعينيها الزرقاء، متسائلة بتعحبٍ عن هذا الغريب المتطفل، خطف "ياسين" نظرة سريعة لما تحمله بيدها، فاسبل عينيه باستغرابٍ من نوعية السلا\ح الذي تحمله، رفعته "مرين" تجاهه وهي تتساءل بذهولٍ: _عجبك؟ أكد لها بتلقائية حديثه: _طبعـًا ده نوع نادر من الاسماء اللي جمعتها في النوت بتاعي. ابتسمت بفرحةٍ، بعد أن وجدت من يساورها الحديث فيما تحبه وترغب بسماعه ولم تجده من المحيطين بها: _فعلًا هو نوع نادر بس استخدامه مش سهل. ورفعته تجاهه وهي تخبره بتردد: _تحب تجربه؟ رفع يده إليها بترددٍ، فجذبه منها وهو يتأمله بتمعنٍ واهتمامًا، فتح ياسين خزنته ومن ثم تطلع اليها وهو يردد: _ده فيه رصاص؟ ابتسمت وهي تخبره: _مش حقيقي متقلقش.. أونكل رحيم مشدد عليا في نوعية الرصاص اللي بستخدمه. رفع احد حاجبيه بذهولٍ، ما ينقصه ذلك رؤية فتاة تعشق الاسلحة مثل هوسه، وما يثير دهشته تمكنها من حمل السلا\ح\ ولم يتمكن هو على حمله من الاساس، ومع ذلك سألها بفضولٍ: _عمك اللي بيعلمك كل ده. أشارت له بتأكيد، وانحنت تجاه احد الصناديق الجانبية ثم حملت سلا\حًا أخر واقتربت منه وهي تخبره: _أنا اخدت دول منه بصعوبةٍ... عمي بيحب يحتفظ بالاسلحة المختلفة والنادرة دي بخزنته. تفحص النوع الاخر الذي تحمله بانبهارٍ، فسمحت له أن يحمله، راقبت "مرين" اعجابه بالسلا\ح ببسمة تخطف على وجهها بطفوليةٍ، ومن ثم تمادت في جديتها بعدما عادت لتفكر بكنايته فقالت: _مش هتقولي بقا أنت مين؟ منحها السلا\ح وهو يجيبها: _بابا يبقى صديق والدك.. وواقف بره معاه. واسترسل ببعض الحرج: _ والدك طلب من الحارس يدخلني الحديقة العب مع الاولاد بس بصراحة لما سمعت صوت الرصاص مقدرتش امنع نفسي اني ادخل! سألته بفضول: _انت كمان عايز تبقى ظابط؟ هز رأسه بكل تأكيد: _وهكون كده بإذن الله. غمرته بوابل من الأسئلة واولهم: _انت باباك ظابط؟ رد عليها بنبرة من الحزن: _كان.. بس دلوقتي مقدم استقالته. اخبرته وهي تعقد خصلات شعرها الاسود للخلف: _يبقى لازم تجتهد وتكون انت الظابط اللي في عيلتك.. عشان لم اي حد يقع في ورطة يجيلك جري. ضحك بصوتٍ مسموع وهو يخبرها بصعوبة: _هيلجئولي في وجود ياسين الجارحي! قوست جبينها باسترابة: _مين ده؟ همس بمكرٍ: _تحبي تسمعي حكايته من أول فين؟ ***** بالرغم من أنها تبذل قصارى جهدها لتخرجها من القلق الذي ينخر عظامها الا أنها كانت تشفق على حالتها، وضعت "حنين" صينية المشروبات من أمامها وهي تحثها بلطفٍ: _طب عشان خاطري اشربي أي حاجة.. والله ما حطلنك حاجة فيه. ورفعت حنين الكوب ثم تناولت منه لتشير لها بمرحٍ: _أهو يا ستي عشان تتأكدي.. ثم اني ام لبنتين اللي مرضهوش عليهم مرضوش عليكي يا ستي. ولوت شفتيها بحركة مضحكة وهي تردد بهمس: _الواحد يسافر ويرجع يدخل على مراته بهدية... بوكيه ورد.. وأنا جوزي كل ما يسافر مكان يرجعلي بضحية شكل! انفجرت مروج من الضحكٍ، فازدادت سعادة حنين لوصولها لمبتغاها، لذا استغلت الفرصة وقدمت لها العصير: _والنبي انتي عسل.. خدي خدي اشربي بلا وجع دماغ محدش أخد من الدنيا حاجة. تناولت منها الكوب بابتسامةٍ صغيرة، وقالت وهي تتمعن النظر بها: _أنتي بتشبهي نور مرات ابن عمي أوي.. سبحان الله نفس الشخصية ويمكن عشان كده حبيتك. رفعت احد حاحبيها بسخطٍ: _كل اللي بتعمليه معايا ده وحبتيني!! ده انتي من ساعة ما جيتي امبارح وانتي مطلعة عنيا عشان تشربي حاجة! ضَبَّت معالمها وهي تردد بحزن: _غصب عني.. اللي مريت بيه مش سهل وميخلنيش اثق بحد بسهولة. ربتت بحنان على يدها: _عندك حق.. وعمومًا يا ستي انا بعتلك أهو اضافة في الفريند لما ترجعي البيت اقبلي الطلب وعرفيني على نسختي نور دي. تهدل جسدها بجلسته وهي تتساءل بشكٍ: _تفتكري اللي جابني هنا ده هيرجعني لاهلي. طرقعت اصابعها بسخرية: _ده جوزي يا ستي راجل طيب وغلبان وفي حاله.. متقلقيش هيرجعك سالمة غنمة بإذن الله.. هو متعود كده كل سفرية شغل له يدور على أي حد مخطوف من أهله ويكسب فيه ثواب ويرجعه.. زي ما تقولي بيستخسر يرجع فاضي! انغمست بوابل من الضحكات المتلاحقة حتى كادت انفاسها بالانقطاع، فقاطعهما دخول حازم ليخبرهما وعيناه أرضًا تتحاشى التطلع لأي منهن: _عدي باشا بره وطالب الهانم. فور سماع اسم ابن عمها انتفضت بجلستها وهي تردد بفرحةٍ وتمسك بقشة نجاتها: _عدي!! خدني ليه بالله عليك. هز الحارس رأسه وهو يشير بذراعه لباب الخروج بآلية تامة، كادت مروج بتتابعه وتراجعت خطوتان للخلف وهي تقف أمام حنين بترددٍ باختيار طريقة وداعهما، وفجأة القت بذاتها على ذراعيها وهي تشكرها بود: _شكرًا لانك هونتي عليا الساعات دي.. شكرا لخفة دمك ولواجب ضيافتك يا حنين.. حقيقي انتي شخصية جميلة ودي هتكون بداية لصداقة بينا. مسدت بحنان على ظهرها وهي تجيبها: _يا حبيبتي انا يشرفني صداقتك والله.. وان شاء الله ترجعي لبيتك واولادك بخير.. في رعاية الله.. وداعهما كان قصيرًا، لرغبتها بالهروب للخارج تملي عينيها برؤية من أتى لتخليصها، وفور رؤيته هرولت مروج تجاهه وهي تردد بلهفةٍ: _عدي! تعلقت بذراعه، فربت عليها وهَمْهَمَ: _الحمد لله انك بخير. رفعت عينيها الدامعتين إليه، وهي تهمس له: _عايزة ارجع البيت لمازن.. أرجوك يا عدي احجزلي تذكرة لدبي.. تفهم سبب قلقها ورغبتها بالعودة، فقال: _مازن والاولاد هنا في مصر يا مروج. وجذب مفتاح سيارته من جيب جاكيته ثم منحه لها، وهو يشير على سيارته: _اركبي بعربيتي وأنا هجيب ياسين وأحصلك. التقطت منه المفتاح واتجهت لسيارته بخطواتٍ سريعة، والاخير يراقبها ببسمة هادئة فما ان استدار عدي اليه حتى ردد بسخريةٍ: _وأخيرًا اقتنعت اني هرجعها لاهلها! أنا جبتها لحد هنا عند زوجتي وعيلتي يمكن تقتنع انها كام ساعة وراجعه وبرضه نظرات الشك ملية عيونها. ضحك وهو يجيبه بخشونةٍ: _الستات تبحث عن النكد أينما كان يا صديقي! ضحك لتقليده نبرته، وغمز له بمكرٍ: _لا خبير أنت بالستات يا وحش! عدل من جاكيته وأشار للحارس الذي أتى إليه، فطلب منه إحضار ياسين للمغادرة، وفور ذهابه تحدث الجوكر بجدية معه ليحذره من هذا اللعين: _خد بالك من مهاب أبو العزم ده.. شكله مش سهل.. دماغه مش دماغ رجل أعمال أبدًا. واسترسل ببعض الحيرة: _اللي مستغربه انك كان ممكن تستغل اختطاف بنت عمك وتحبسه! أغلق زر جاكيته وهو يحرص على تنسيق ملابسه، وأجابه بما يشعر به: _كان ممكن أعمل كده بس ده مكنش هيفيدني بحاجة، أنت أكتر واحد عارف انه يقدر يطلع منها بسهولة، ثم ان دخلته ليا غريبة ومش مفهومة، طريقته معايا أكدتلي انه يعرفني وداخل المناقصة دي عشاني... وانا وراه لحد ما أشوف اخرته أيه. هز رأسه بتفهمٍ ومع ذلك عاد ليطرح تحذيراته: _برضه خد بالك من تحركاته لانه وارد يعيد اللي عمله تاني. طمنه حينما قال: _لا متقلقش المرادي أنا صحيله كويس! ******* الوقت مر بصحبتها بسرعة البرق، فلم يرغب أبدًا بالرحيل، حتى هي أرادت أن يظل معها لأطول وقتًا، إلى أن حانت لحظة الوداع التي خلقت داخلها ضيقًا غريبًا، حينما أخبرهما الحارس باستعداد والده للمغادرة، فنهض ياسين عن مقعده ثم ودعها ببسمة صغيرة وهو يردد: _سعيد اني اتعرفت عليكي يا مرين.. ومتزعليش من كلام الاولاد عنك.. بالعكس انتي مميزة ومختلفة.. وأكيد في يوم من الأيام هتوصلي للي أنتي حابة توصلي ليه. اتسعت ابتسامتها حتى برزت غمازتها الساحرة، فنهضت هي الاخرى، وردت عليه برقةٍ: _ميرسي يا ياسين.. وأنت كمان ربنا يوفقك وتكون زي ما أنت حابب. أجابها بثقة: _هحقق حلمي أكيد ويمكن يكون لينا فرصة نتقابل تاني لو بقينا في نفس المجال. صفقت على يدها وهي تشير له بحماس: _وعد؟ منحها ابتسامة هادئة وهو يرد: _وعد.. وتركها وغادر وهو يخطف النظرات السريعة اليها من الحين والاخر، ربما اعتاد سماع من يخبره بأن عاقل وحديثه يفوق عمره أضعافًا، والآن قد أمن بحديثهم فور رؤيته لذاك النموذج القريب منه، استكمل ياسين طريقه لينضم لعدي الذي أمسك يده واتجهوا معانا للخروج، هبطوا الدرج القصير المؤدي للطرقة الطويلة أمام السيارة، والجوكر يقف على مقدمته يتأمل رحيلهما، توقف "عدي" بذهولٍ فور سماعه لصوتٍ رقيق يردد اسم ابنه، حتى مراد استدار للخلف بدهشةٍ، فرأى ابنته تهرول وتجتاز الدرج القصير حتى أصبحت قبالتهما، فهبط من خلفها وبات يقف جوارها يراقب ما يحدث، مجرد رؤية عينيها الزرقاء ووجهها القريب بالملامح للجوكر أكفته بمعرفة تلك الفتاة، فتابعها باهتمامٍ، أخرجت "مرين" ما تحمله لتقدمه لياسين الذي حمل الحقيبة الصغيرة التي يزينها رسومات باللون البنك والفراشات، كانت تخص الفتيات وما تحمله بداخلها يعاكس ذاك الذوق الانثوي، فتحها ياسين وجذب ما بداخلها ففغر ففاهه بصدمةٍ، وهو يحمل السلا\ح ويرفعه مقابل عينيه، فتابعت مرين حديثها ببسمة هادئة: _ده هدية مني ليك.. وأتمنى لما نتقابل بالشرطة في يوم من الأيام يكون معاك. رمش بأهدابه الطويلة وهو يردد بدهشةٍ: _مش ده هدية عمك ليكِ.. مقدرش أقبل هدية غالية زي دي! التقطته منه ثم اعادته لنفس الحقيبة ووضعتها بين يده مجددًا وهي تخبره: _أنا قولتلك إن أنكل رحيم اداني اتنين.. وأنا حبيت يكون معاك واحد لأنك الوحيد اللي متريقتش عليا زي باقي الاولاد هنا.. وبالاخص زين ابن انكل رحيم! وحينما وجدته مازال مترددًا، التفتت لوالدها وهي تشير له برجاءٍ: _بابي بليز خليه ياخده. أسبل بعينيه وهو يتطلع لعدي الذي يتابع الحديث، ليهمس اليه بسخطٍ: _بداية غير مبشرة بالمرة! ابتسم وهو يهمس بنفس نبرته المنخفضة: _مش كنت حابب متشوفش وشي تاني.. شكلنا هنتجمع في مصايب كتيرة جاية بس المرادي احنا مش أطراف فيها! جاهد الجوكر لرسم ابتسامة كبيرة بوجه ابنته التي تتابع حوارهما باستغرابٍ وفضول لمعرفة ماذا يتهمسان، فلكزه عدي وهو يهمس له: _بتبالغ.. ضيق ابتسامته قليلًا، وتحرر عن صمته حينما اشار لياسين: _اقبل هديتها يا ياسين وافتكرها كويس أوي لان مرين بنتي بالذات مستحيل تهادي أي حد في حياتها شيء يخص رحيم زيدان.. فده ان دال على شيء يدل إننا داخلين على منعطف تاريخي. لكزه عدي مجددًا، فعدل حديثه وهو يمسك كتفيه بألمٍ: _أقصد انكم هتكونوا اصدقاء ومفيش صديق بيرفض هدية صديق..صح يا عدي؟ أومأ برأسه بتأكيدٍ، وأشار لابنه بقبول الهدية، فجذبها منها وهو يحك ذقنه بتفكيرٍ، فحملها واتجه للسيارة وهو يشير لها: _طب ثواني. عاد بعد قليل يحمل حقيبته السوداء، فحرر سحابها ومازال عدي ومراد يراقبان ما يحدث بذهول، فأخرج ياسين منها متعلقاته وهو يبحث عن شيئًا ما، لمحت مرين لوحاته التي يضعها على حافة الدرج ليصل لما يود، فحملتها وهي تتفحص محتوياتها باعجابٍ شديد، وسألته باهتمامٍ: _دي رسوماتك؟ أومأ برأسه لها، فرددت بإعجابٍ: _الله.. انت بتأخد كورسات أكيد؟ هز رأسه نافيًا وبرر لها: _بتعلم اون لاين. وانتصب بوقفته وهو يقدم لها هديته قائلًا: _جدو علمني مقبلش بهدية غالية من حد الا لما اهديه بهدية قيمة... وده هديتي ليكي. جذبت منه مرين ما يحمله بأعينٍ متسعة، كان مجسم صغير لشرطي يحمل سلا\حًا قوي، ويبدو بأنه مطعم بالذهب، ربما لم يجذبها طلائه الذهبي الجذاب لصناعته منه، ولكنه نال اعجابها بشكلٍ كبيرٍ، لا تعلم لانها تذكار من هذا الفتى المختلف لها عن ابناء أعمامها ولا لكونه مميزًا فقط، حملته مرين وهي تشكره بفرحة: _جميل أوي بجد... شكرًا منحها ابتسامة صغيرة وهو يعيد متعلقاته للداخل، ونهض ليقف جوار اباه مجددًا فقالت بمزح: _بس أنت شكلك هتكون رسام كبير يا ياسين مش ظابط! ابتسم وهو يشير لها: _دي هواية مش أكتر. وأشار لها وهو يصعد بالخلف جوار مروج التي غفاها النوم على المقعد من شدة الاجهاد، كاد عدي بالصعود لمقعده، ولكنه أغلق بابه وهو يحك جبهته بتسليةٍ أراد استعمالها لمن يقف من خلفه يده تشدد على ابنته التي لا تفارق عينيها ياسين وهو الاخر يتابعها باهتمامٍ، أشار له عدي بالاقتراب فأسرع اليه ليخبره بصوتٍ منخفض: _لسه مصمم تخلي أخوك يدرب الولد؟ هز رأسه بإعتراضٍ جنوني وهو يخبره: _يا باشا أنا الفترة الجاية هحرص بنفسي ان أنا اللي أدربه، على الأقل أعلمه ذوقيات التعامل مع انثى، لو سبته لرحيم هيضيع مستقبل بنتي! تعالت ضحكاته الرجولية، فتابع وهو يغمز له بمكرٍ: _كده تعجبني... وعلى رأي المثل تربيه على ايدك أحسن ما تكتشف شخصيته أنت وبنتك بعد الجواز! شاركه الضحك وهو يردد ساخرًا: _إنه القدر يا صاح! ضرب كف له واستعد للمغادرة وكلا منهما يظنه مزحة قضوا بها بعض الوقت، لا يعلم كلًا منهما بأنها ما هي الا بداية لقصة ستختم بين عائلتين ذات نفوذ وسلطة مهيبة، قصة ستخلد بين حوائط مملكة "الجارحي" ... ومملكة "زيدان".. ****** الثورة التي تطيح بالجميع بالأسفل فشلت بسحبه خلفها، فكان بعالم منعزل عن الجميع، يجلس لأكثر من أربعة ساعات بمفرده، وزوجته تراقبه بين الحين والأخر بقلقٍ، تعلم بأنه وقت ضيقه يصبح عصبي للغاية، ففعلت كما تفعل كل مرة، تتركه بمفرده حتى يهدأ ومن ثم تتدخل لتعرف ما به، ولكن تلك المرة طالت به وحدته، لذا استجمعت قوتها واقتربت منه، وجدته يجلس امام سور الشرفة على ذراع المقعد العريض، شاردًا بالتطلع من امامه، رفعت اصابعها على كتفيه وهي تناديه: _رائد. احتدت نظراته المسلطة للفراغ، فتابعت رانيا بارتباكٍ: _مالك يا حبيبي.. من ساعة ما رجعت من المقر وأنت قاعد كده؟ أطاح يدها بعيدًا عنه وهو يخبرها على مضضٍ: _سبيني لوحدي يا رانيا من فضلك. تحركت لتجلس على المقعد ذاته لتكون قريبة منه، فامسكت يده وهي تردد بتوترٍ: _اسيبك ازاي وانت بالوضع ده.. أنا أول مرة اشوفك كده! سحب يده بالقوة ونهض عن المقعد ليصرخ بها: _انتي مبتفهميش بقولك سبيني لوحدي.. صعبة دي. قال كلماته الاخيرة وهو يلقي بالمزهرية الموضوعة لجواره أرضًا، صوت الحطام القوي القادم من الاعلى كان كافيل بجعل رعد ينسحب ليصعد للاعلى، حتى يتفقد ماذا يحدث وخاصة بتخمينه لما قد يصيب ابنه بموقف كذلك. ارتعبت رانيا من رؤيته بتلك الحالة، فنهضت عن محلها واتجهت للمغادرة، فاستوقفها نزيف يده، اندفعت تجاهه برعبٍ وهي تحتضن كفة يده: _رائد أنت بتنزف. فقد أعصابه، فحاوط خديها بيده التي لطخت وجهها بالدماء، متعمدًا الضغط على فكها بقوةٍ جعلتها تدفع صدره بعيدًا عنها، ليصيح بها بجنون: _قولتلك اخرجي من هنا... اطلعـــي! والقى بها بعنفٍ جعل جسدها يندفع بقسوةٍ تجاه الطاولة المربعة الزجاجية، فاحتك ذراعها بطرفها الحاد فمزقت ذراعها بجرحٍ بالغٍ للغاية، حول فستانها الأبيض لوابل من الدماء، احتضنت رانيا ذراعها وهي تتأوه بوجعٍ جعله يستعيد جزء من وعيه المهدور، هرع اليها وهو يتفقد اصابتها العميقة، وردد بلهفة: _حبيبتي أنا مقصدتش قولتلك آآ... بترت كلماته حينما تحرر صوتًا ذكوريًا صارمًا: _ابعد عنها.. انتصب بوقفته وهو يتأمل ابيه الذي يلتهمه بنظراته الحادة، فأشار له بتبرير: _أنا مقصدتش أنا آآ... قطع الطريق بينهما حتى بات يقابله وجهًا لوجه، وبغضب اخبره: _أنت أيه؟ أقولك أنا الراجل اللي بيمد ايده على مراته ويطلع عليها غضبه يبقى أيه! كاد بالحديث فعاد ليوقفه من جديد وهو يصيح بحدةٍ: _مفيش مبرر هيشفعلك عندي.. حسابك المرادي هيكون عسير يا رائد. وتركه وانحنى تجاهها فعاونها على الوقوف وحثها على الخطى بصحبته، لحق بهما رائد ، فقال وهو يحاول الاقتراب منها: _طب على الاقل خليني اطمن عليها يا بابا. دفعه بقوة للخلف وهو يشير له بسخطٍ: _روح كمل تكسير جناحك كله يمكن الحقد اللي جواك يزول ولا اقولك هات أولادك وطلع غضبك عليهم بالمرة. اخفض رأسه للاسفل بخزي، وخطف نظرة لعينيها التي تطالعه بانكسارٍ وألم، فهمس لها بحزن: _والله مقصدت يطولك الأذى يا حبيبتي. ضحك رعد وهو يخبره باستهزاءٍ: _المرة الجاية ابقى ارميها من التراس وقولها مقصدتش يا حبيبتي.. واستدار ليقابله فجأة بنظرة صارمة تتبعها تحذيره: _متحاولش تقربلها تاني غير بأذني... من النهاردة مش هتشوف دوفرها لحد ما أنا أربيك ازاي تعامل بنات الناس. وجذبها وغادر والأخير يراقب بقع الدماء الماسدة فوق السجادة من أسفل يدها بدمعة خائنة، فلم يحجب ذاته بالبقاء منعزلًا واندفع للاسفل من خلفهما. ***** رؤيتها مزقت جمعتهم المخيفة، فأسرعت الفتيات اليها بفزعٍ، حتى الشباب ورجال القصر اجتمعوا من حولها، فكانت دينا اول من تساءل: _في أيه يا رعد.. مالها رانيا؟ أجابها بضيقٍ: _ابقي اسألي ابنك المتربي! فهم الجميع مغزى ما حدث، فعصبية رائد معروفة للجميع، القى ياسين نظرة خاطفة على جرجها، فقال بشفقةٍ: _الجرح كبير يا عمي.. محتاج خياطة. اشار جاسم لعمر: _تقدر تخيطه يا عمر. أومأ برأسه، واتجه إليها، فالقى نظرة متفحصة عليه بحزنٍ، نادى أحدٌ من الخادم وأمره بالصعود لجناحه وجلب حقيبته الخاصة التي مازال يحتفظ بها بخزانته، وطلب من الفتيات بمعاونتها بالتمدد على الاريكة الجانبية، فعاونتها "أسيل" ، ورحمة ومليكة بالنهوض، اتى صغيرها "آسر" من الخارج فصعق من رؤية والدته بتلك الحالة، فبكى وهو يسأل بريبة: _مامي مالها؟ حمله "حازم" وربت عليه بحنوٍ وهو يخبره: _مفيش يا حبيبي اتجرحت بس وهي بتعمل الأكل... وانكل عمر هيعالجها فورًا.. وحمله وغادر للحديقة حتى لا يرى ما سيحدث هنا، جذب عمر الحقيبة من الخادم، ثم فرد محتوياتها، وقد اتى أحد الحرس بحقنة المخدر البسيط، فشرع بتجهيزها وبدأ بتصميد جرحها ببراعةٍ، والاخرى تتمسك بذراع رحمة باكية من الألم. هبط للأسفل ليجدها تبكي بألم وعمر يخيط جرحها العميق، أسرع ليحل محل رحمة، فتمسك بذراعها وهو يردد بندمٍ: _أنا آسف.. دفعة قوية جعلته يرتد للخلف، فوجد أبيه يقطع طريقه وهو يصرخ به: _قولتلك مشوفش وشك تحت هنا.. نازل ليه وأنت السبب في اللي هي فيه! خرجت الامور عن طور سيطرتها، فهرعت دينا لتحيل بينهما، في ذلك الوقت عاد يحيى من الخارج بعدما كان بصحبة ياسين بالخارج طوال اليوم، فكان عليه معرفة اجابات على كثيرًا من الاسئلة، ظن أخيرًا بأنه علم ما اصاب صديقه المقرب ولكنه وضعه باختبار اخر، حينما طلب منه العودة للقصر والتدخل فيما هو حادث الآن بينما عاد هو من المدخل الخارجي متعمدا البقاء بغرفته دون تدخله بما يحدث،وكأنه يترقب أحد أخر ليحل محله هنا حتى يعتاد على مثل تلك الامور. تدخل يحيى بينهما وهو يردد بصدمة: _في أيه؟ رفع رعد عينيه اليه وببسمة ساخرة اجابه: _في ان ابني المتربي من ساعة ما خسر المناقصة وهو راجع النار عامية عيونه وعايز يطلعها في أي حد ومراته كانت اول مرة ناره تطولها. حانت من يحيى نظرة سريعة لحالة رانيا ومن ثم عاد ليتطلع لرائد الذي يكبت غضبًا عظيمًا متعلق بذاك الامر،وفجأة قسم جلستهم بكاء يارا وهي تصرخ بجنون: _كفايـا...بدل الخناق اللي انتوا فيه ده شوفوا فين بنتي! كاد الجميع بتناسي أمرها الهام وسط تلك الاحداث، فحاول احمد جاهدًا الاتصال بعدي للمرة التي تخطت المائة مرة، عاد القلق يلعب على أعصاب الجميع فاستهدفها دون رجعة، وحينما حاول معتز ابلاغ ياسين الجارحي بما يحدث هنا منعه يحيى وتصدى له، حينما قال بخشونةٍ: _مستحيل هتعمل كده يا معتز.. هتقعد وهتستنى ابن عمك لما يرجع ونسمعه. ردد بعدم تصديق: _نسمع أيه يا عمي... عدي مبيهموش غير نفسه وبس.. عدي مكنش ينفع يمسك المنصب ده من البدايه هو السبب في الحالة اللي بقى فيها رائد ومراته وهو السبب أن حياة مروج دلوقتي في خطر.. عدي انسان اناني وميهموش حد في العيلة. أوقفه رائد حينما قال باستهزاءٍ: _بلاش تغلط فيه يا معتز والا هتتعرض لعقوبات انت في غنى عنها... ده الكبير ومينفعش تقول إنه غلط وبيغلط وهيغلط طول مهو بالمنصب ده.. وصاح بعصبية بالغة: _كأنك ارتكبت ذنب كبيـر.. مع ان أكتر اتنين يستحقوا المنصب ده هما ياسين وأحمد بس عمي لما اختار مخترش غير ابنه! صفعة قوية هوت على وجه رائد ولم يكن صاحبها سوى يحيى الذي خالف التوقعات، وبأصبعه أشار له بغضب: _الكلام ده مالوش مكان بينا... الغضب اللي جواك ده يندفن ميخرجش براك... حبكم لبعض زرعناه فيكم من طفولتكم ومش هتكون أنت سبب الفتنة دي! جحظت عينيه وهو يتطلع له بصدمةٍ، فجذب عز يحيى وهو يخبره بذهول: _أيه اللي بتعمله ده يا يحيى؟ رد عليه بانفعالٍ: _اللي لازم يحصل... أنا مش عمه أنا ابوه ولازم يحترمني ويحترم اللي ربناه عليه. شجعه رعد حينما اضاف: _سيبه يا عز يربيه.. مدام أنا تربيتي مكنتش في محلها! وزع معتز نظراته بينهم بسخطٍ وصاح: _هتربينا كلنا من أول وجديد يا عمي عشان بنقول الحقيقة؟ سأله بجمود: _أي حقيقة؟! اجابه بتحدٍ: _عدي مينفعش يكون في المقر ولا بالبيت ده بعد النهاردة... قسمًا بالله لو اختي جرالها حاجة ما هيكفيني فيه رقبته! تعالى صوت بكاء رحمة وهي تستمع لحالة القسوة المسيطرة على الاغلب من زوجها، فحانت منه نظرة جانبية اليها، وردد بسخطٍ: _أول مرة تعرفي حقيقة زوجك المحترم! جذبها عمر اليه، وبيده الاخرى دفعه للخلف وقد فاجئ الجميع بانقلاب شخصه الرزين، وكأنه تلبس رداء اخاه بتلك اللحظة، كاد معتز بالاختناق من يد عمر القوية، فهدر به بخشونةٍ: _انت اتماديت حدودك كلها أنت واللي واقف جانبك.. كلمة زيادة تمس أخويا أو مراته ومتلومش غير نفسك يا معتز. كان الجميع بحالةٍ من الصدمة، وخاصة حينما تدخل يحيى بينهما وهو يصرخ بعصبية لم يسبق له التحلي بها: _ارجع انت وهو لورا... أيه مش ملين عنيكم!! مشاكلكم مبقتش تتحل غير في وجود ياسين الجارحي؟ لا أنا ممكن ابقى ابشع منه لو شوفتكم بالوضع ده! جذب ياسين معتز للخلف، بينما عاق أحمد طريق عمر وهو يهمس له: _عمر ارجع لوعيك.. انت ازاي تعمل كده؟؟ صاح بعصبيةٍ يراها الجميع لاول مرة: _واعمل اكتر من كده لاي شخص يحاول يتكلم بالاسلوب ده على اخويا... تحملت نور على ذاتها رغم ألم ولادتها، فحينما طلب منها الخادم حقيبة عمر ارتعبت لحدوث شيئًا بالأسفل، خاصة مع سماعها لتلك الاصوات، هبطت بصحبة "شروق" ونسرين للاسفل، رغم محاولة كل منهما لايقافها، فخرجت من المصعد لتجد زوجها في تلك الحالة الغامضة، خافت أن يطوله الآذى من اندفعه تجاه معتز بتلك الشراسة، فرددت بتعبٍ: _عمر! استدار تجاه المصعد، واسرع ليساندها عن يد الفتيات، وردد باستياءٍ: _أيه اللي منزلك وانتي بالحالة دي؟ تجاهلت سؤاله ورددت وعينيها الباكية تتجول عليهم: _أيه اللي بيحصل هنا ده؟ أجابها عز ساخرًا: _بيحصل اللي عمره ما حصل جوه بيتنا يا نور وكل ده بسبب سوء تفاهم مينفعش يكون موجود بينهم اساسا.. واستطرد بغضب وعينيه تكتظم ابنه معتز: _الظاهر ان تماديك انت كمان هيكونله حد. سأله باستهزاءٍ: _أيه حضرتك هتمد ايدك عليا زي ما عمي عمل مع رائد. دفعه مازن للخلف وهو يصيح به باندفاع: _كفايا بقا يا معتز.. فوق لنفسك! كاد بأن يجيبه ولكنه توقف فور سماعهم جميعًا صوت مروج وهي تردد بفرحة: _مازن! اتجهت جميع الأعين اليها وهي تركض تجاههم، احتضنتها يارا ببكاءٍ حتى جلست بها أرضًا، والجميع قد خمدت جزء من نيرانهم فور رؤيتها تقف قبالتهم بافضل حال، ضمها عز اليه وهو يسألها بحنان: _طمنيني يا حبيبتي انتي كويسة؟ أكدت له ذلك: _بخير يا بابا.. سألها مازن بدهشة: _انتي رجعتي على مصر ازاي! قالت وهي تتطلع للباب الرئيسي: _عدي باعتلي صاحبه وهو اللي خلصني من المكان اللي كنت مخطوفة فيه.. وجابني لحد هنا. اتجهت جميع الأعين تجاهه، والأخر يوزع نظراته بينهم بدهشةٍ، ابتداءٍ من رائد لمعتز حتى رانيا المتمددة على الأريكة بتعب شديد ،ترك عدي يد إبنه وأشار له: اطلع فوق انصاع له على الفور، فاقترب منهم عدي وهو يتساءل باسترابة: في أيه؟ تحرر معتز عن صمته وهو يجيبه باشمئزاز: ربحت الصفقة وكسبت قدام ياسين الجارحي... طب ومهمكش أن صاحبك ده ممكن ميقدرش انه ينقذ مروج! فهم تليمحات صغيرة لما يحدث هنا، فأجابه بثبات: مروج كانت برة دبي من قبل المناقصة ما تبدأ يا معتز.. رد عليه بجمود بأمان!! أنت كان يهمك أيه من الصفقة دي اساسا وهي جاية على حياة عيلتك؟ واسترسل بحدة ولا تحديك الطايش أهم من عيلتك! صاح به عز بغضب: معتز. خرج عدي عن صمته حينما قال: بالعكس انا باللي عملته أثبتله اننا ملناش نقطة ضعف.. كان ممكن انفذله اللي هو عايزه بس ده كان هيخليكم عرضة لاي حد داخل قصادكم مناقصة، وهما عارفين نقاط ضعفكم أيه... انا ادبته واديته درس عمره ما هينساه عشان يكون عبرة لغيره.. تابعه یحیی، ورعد، وعز باعجاب، حتى أحمد وياسين والشباب بأكملهم، الا رائد مازالت هناك عاصفة تأبى الخضوع لما يستمع اليه لانت ملامح وجه معتز لما يستمع اليه، وخاصة حينما قال عدي بنبرة دافئة بعيدة كل البعد عن صرامته المعهودة مروج وأسيل وداليا عندي زي مليكة بالظبط يا معتز... ومستحيل هقبل أعرض حياتها للخطر. رمش بعينيه بحرج شعر به فجأة رغم مناطحته الشرسة، فارتسمت بسمة صغيرة على طرفي شفتي من يتابعهم من أعلى الدرج ولم يلاحظ وجوده أحدٌ، قطع صمت جلستهم صوت صفقات متتالية، فاتجهت جميع النظرات لمصدرها فلم يكن سوى رائد الذي اقترب ليبدو قريبا منه، وتوقف فجأة وهو يشير له بإعجاب: لا حقيقي عظمة ولازم كلنا نصقفلك صح؟ وفجأة تلبس السخط والحقد معالمه، وردد بعنف: دورك البطولي اللي بتحاول ترسمه ممكن يأكل معاهم كلهم بس أنا لأ... أنت انانيتك ملهاش حد يا عدي.. وحقيقي أنا ندمان لصورتك النبيلة اللي رسمتهالك جوايا طول السنين اللي فاتت دي.. أنت متستحقش انك تكون ابن "ياسين الجارحي" ... متستحقش إنك تكون هنا وسطنا لانك مبتفكرش غير في نفسك وغرورك وكبريائك الغبي! عاد وجهه ليستقبل صفعة أخرى أشد قسوة من صفعة یحیی، فجابهه تلك المرة أبيه الذي حال بينهما وهو يشير له بصوت محتقن اعتذر لابن عمك وفورًا. قاطعه عدي حينما قال: مفيش داعي يا عمي أنا مقدر الحالة اللي هو فيها. أشار له يحيى بالصمت وأيد عز بقراره ر فکاد رائد بتمزيق شفتيه السفلية من فرط ضغطه عليها فتراجع للخلف وهو يشير له بالنفي، فعاد رعد ليقترب منه وهو يشدد على حديثه لو تربيتي ليك كانت صالحة ۲۰ في المية هتعتذر يا رائد كلماته طعنت ،قلبه فخنع اليه وهو يجابه كبريائه، فاقترب من ابيه مجددًا وهو يستعطفه بنظراته الا يفعل به ذلك، فوجده يتطلع له باصرار وغضب لذا اتجه ليقف قبالة عدي مجددًا ليغلبه غيظًا وصمتًا جاهد لقطعه، فاطبق بقوة على يده التي زاد نزيفها وهو يردد بجمود: آآ... آسف. وفور نطقه بتلك الكلمات الثقيلة هرول للخارج مسرعًا قاصدًا لسيارته والجميع يراقب ما يحدث بتأثر وخوف، ظهر "ياسين الجارحي" من أمامهم، فتابعوا نظراته الغامضة بذهول، وخاصة منبعها المتصل بعين عدي، الذي هز رأسه في طاعة، وغادر لينفذ أمر أبيه بعدم تخليه عن رائد في تلك الحالة، فصعد لسيارته ولحق به على الفور. قاد سيارته بسرعة فائقة، وسمح لذاته بأن يحرر دمعاته المحتبسة عنه، شعوره بالظلم وبالاهانة التي تعرض لها على يد عمه وأبيه انغرست داخل قلبه، لا يعلم لما تمادى هكذا ولكنه يثق بأن عصبيته هي أبشع ما يمتلك خرج من بوابة القصر تحت أعين من ينتظرون تلك الفرصة المناسبة التي يظنها ذاك الشيطان المتربص لهم للنيل من الكيان الذي یتباهی به شرطي بحجم عدي الجارحي، علم من جاسوسه الأرعن بالخلاف الناشب بالقصر، فأراد أن يطرق على الحديد الساخن، لذا رفع هاتفه وهو يردد لمن ينقل له صورة حية من أمام قصر الجارحي: نفذ! ***** خرج عدي بسيارته مسرعًا خلف رائد وبالرغم من تفاوت السرعة والمسافة بينهما الا أن عدي بمهارة قيادته استطاع الاقتراب من سيارة رائد وحرص على القيادة محاذاته وهو يشير له بالتوقف عن القيادة، وحينما رفض الانصياع به صاح بصوت صاخب رائد اسمعني... وقف عربيتك وخلينا نتكلم شوية... صدقني أنا مقصدتش أقلل منك بالعكس. لم يجيبه وتابع القيادة في محاولة للبعد بسيارته عنه، فعاد عدي ليلحق به وهو يناديه ويخبره: أنا عارف اني مستحقش المنصب ده.. وأوعدك انك مش هتشوفني تاني بالمقر... بس ارجوك اقف خلينا نتكلم شوية. حديثه جعل الاخير يردد بعصبية سبني في حالي يا عدي عايز ابقى لوحدي! تفادى عدي احد الدراجات النارية التي اجتازت من منتصفهما، وعاد ليكون جواره وهو يصيح عاليًا: مش هسيبك..أقف واسمعني! حمل سائق الحاوية (تريلا) هاتفه وهو يخاطب "مهاب أبو العزم ، يخبره على مضض في عربية محاوطة لعربيته يا باشا... وعلى ما أظن إن اللي فيها عدي الجارحي.. البسمة الخبيثة تجوب وجه هذا الماكر اتاته الفرصة على طبق من ذهب إن كان يود التخلص من رائد لزرع الفتنة والدمار بين روابط العائلة بعد اطاحتهم بذنب وقوفهم مع عدي ،ضده، والآن فرصته بزيادة النيران بالحطب، فإن وقع اللوم على عدي بتلك اللحظة سيضمن نجاح خطته الدانيئة، لذا شدد بحرص على من يسمعه: اخلص من رائد وأوعى تمس عدي سااااامع لو حاجة أنا اللي هقت\لك بنفسي! **** حصله عدي ارتدت سيارة رائد للأمام فجأة، مما جعلهما يراقبون ما يحدث خلفهما، تفاجئ رائد بوجود الحاوية الضخمة من خلفه، ففسح لها طريق آمن، ولكنها كانت تلحق به بأي اتجاه يقصده، وحينما عادت تحتك به من جديد تأكد حدثه بحرصها على التخلص منه، حتى عدى تفاجأ بالأمر، وفجأة صعق السيارة والتريلا تجرها من خلفها، ففشل رائد بالتحكم بالمقود، وراقب لحظاته الاخيرة بصدمة، وفجأة وقبل أن ترتد سيارته وجد من يدفع ليتفادى عن صدام تلك الحاوية العملاقة، لتصبح سيارة عدي في مجابهة ذاك اللعين، وبالطبع فشلت بالتصدي لها، وانقلبت عن مسارها الطبيعي لأكثرىمن ثلاث مرات حتى هاوت من فوق الجسر فلاذ صاحب الحاوية الضخمة بالفرار وبقى "رائد" بمقعده يتابع ما يحدث بصدمة وعدم استيعاب، الى أن نزع عنه حزام الأمان وهرول زاحفًا تجاه الجسر وهو يتأمل السيارة التي ضربتها النيران بصدمة، فصرخ بجنون ـــــدي!! انفطر بالبكاء كالطفل الصغير حتى كاد بأن يلقي ذاته من خلفه، فأوقفه سماعه لصوت تأويهات خافتة تأتي من جواره، فانحنى برأسه ليتفاجئ به يتعلق بأحد فروع الأشجار بعدما القى بذاته خارج السيارة قبل أن تنجرف عن الجسر، ساعده رائد بحرص حتى خرج للاعلى فسقط فاقدا للوعي بين يده وجسده تغطيه بركة من الدماء، حركه رائد بين يده وهو يناديه ببكاء حارق عدي... رد عليا ارجوك.. عدي!!! تلوثت يده بدماء ابن عمه واخيه الأكبر، فرفعها اليه وهو يتفحص دمائه برجفة مزقت قلبه قبل ان تصل لاطرافه، فرفعه اليه وهو يحتضنه ويردد بجنون لأ... مش هيحصلك حاجه لأ.. وفجأة حمل هاتفه واخذ يعبث بالارقام، يحاول انقاذه وهو يجهل ما يفعله كأنه فقد ادراكه الحثي، لطف الله به وانطلق هاتفه برنين رقم ياسين، فتح على الفور ليجد الاخر يخبره رائد انا مقدر حالتك بس ارجوك ارجع ونتفاهم بالعقل... كلنا بنحبك وبنحترمك.. بناء على طلب ياسين الجارحي، جعله ياسين يطلبه لعله قد ،يجيبه، وفور فتحه المكالمة فتح ياسين السماعة على مسمع الجميع، خرج صوت رائد الباكي يخبره: ياسين... عدي بيموت بين ايديا ارجوك اطلب الاسعاف بسرعة.. هوى قلوبهم الجميع مع سماع تلك الكلمات المقتصرة واولهما ياسين الجارحي الذي نهض عن مقعده والجنون يحيل باعصابه حد القتنة، وأخر ما استعبه بتلك اللحظة صراخ رحمة وهي تردد بصدمه: دي!!!