قلوب لا ترمم
بقلم نورهان موسى

شحب وجه رغده، وتراجعت خطوة إلى الخلف كأن كلماته صفعتها، لم تصدق أنها تسمع تلك القسوة منه علنًا، أمام الجميع.
اهتزت أنفاسها في صدرها من شدة الغضب والإهانة، قبل أن تنهض من مقعدها متصنعة الابتسامة، ثم اعتذرت للحاضرين متعللة بأنها تشعر ببعض الإرهاق مع اقتراب موعد ولادتها.
غادرت القاعة والخزي ينهشها من الداخل، وعيناها تقدحان شررًا من الغضب والحقد وهي تراقب عليا بطرف عينيها.
لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير بمرارة:
رغم كل ما فعلت… رغم كل ما خططت له… يظل يعشقها هي فقط.
في أحد الفنادق القريبة من موقع الحفل، كان يجلس فريد وهو يلهث بغضبٍ مكتوم، يشعل سيجارته بأنامل ترتجف قهرًا. تطاير الدخان الكثيف حوله، فيما عيناه تحدقان في الفراغ بنظرة شاردة يملؤها الحقد والكراهية.
أزاح رأسه إلى الجانب متنهداً بعمق، يحاول كتم الغليان الذي يجتاح صدره، حين دلف الحارس الخاص به إلى الغرفة.
التفت فريد إليه ببطء، قبل أن ينهض بخطوات متزنة ويجلس متقاطع الساقين، تتلألأ عيناه ببريق شيطاني، وهتف من بين أسنانه بصوت بارد متجمد:
ــ “حضّرت كل حاجة؟ والراجل اللي هينفذ جاهز؟”
أومأ الحارس برأسه بالإيجاب، وأجاب بثقة مصطنعة تخفي اضطرابه:
ــ “كل حاجة جاهزة زي ما حضرتك أمرت بالظبط.”
نهض فريد بغتة، ليقف أمامه بانفعال ظاهر، وعروقه نابضة بالغضب، وصاح بلهجة تحمل التهديد القاتل:
ــ “المرادي مش عايز أي غلطة… فاهم؟! أي خطأ هيحصل مش هيكفيني عمرك كله!”
ازدرد الحارس ريقه بخوف ظاهر، وهو يعلم جيدًا أن هذا الرجل لا يعرف للرحمة طريقاً، وأجابه متلعثمًا:
ــ “ما تقلقش يا باشا… المرة دي مش هتفلت مننا أبداً.”
أشار له فريد بيده يأمره بالانصراف، ثم جلس مرة أخرى، وأسند ظهره إلى المقعد بتثاقل، وهو يغوص في ذكرياته السوداء.
«فلاش باك»
كان يسير يومها في ممرات المشفى، والغضب والخوف ينهشان صدره، قلبه يخفق بعنف، وإن كان السبب مختلفًا عما كان يُظهره.
اقترب من غرفة العمليات، فوجد علياء تقف هناك، تضم شقيقها مراد الصغير إلى صدرها، وعيناها تفيضان بالدموع.
سار نحوهم، متقمصًا دور القلق والخائف، وهتف بصوت مشوب بالتوتر المصطنع:
ــ “إيه اللي حصل يا علياء؟ طمنيني، أخويا عامل إيه؟”
التفتت إليه علياء، واندفعت نحوه تبكي بحرقة، وارتمت بين ذراعيه تبحث عن بعض الأمان.