قلوب لا ترمم
بقلم نورهان موسى

صدمته نبرتها الحادة، لكنه أمام نظرتها المنكسرة، لم يجد في قلبه الجرأة ليجادلها. أومأ برأسه بالإيجاب ببطء، وترجل من السيارة، يغلق الباب خلفه بعنف خفيف تنفّس خلاله عن غضبه وقلقه العاجز.
أشارت علياء إلى السائق بصوت خافت:
– اتحرك.
وانطلقت السيارة تحملها نحو وجهة أخرى، تحمل في طياتها أسرارًا وآلامًا لم يُكشف عنها بعد.
*******
صعد مراد إلى غرفته بخطوات سريعة يملؤها الغضب، وعيناه تومضان بشرر مكبوت، وملامحه مشدودة كوترٍ على وشك الانفجار. استقبلته حياة بتوتر ظاهر، وجسدها ينتفض بخوفٍ مكتوم، لتسارع بالهتاف بقلق شديد:
– طمّني يا حبيبي… بدر عامل إيه دلوقتي؟
جلس على طرف السرير بانهاك، وأسند رأسه إلى كفيه لحظات قبل أن يجيب بصوتٍ ثقيل، يخنقه القلق:
– الحمد لله… حالته مش خطيرة.
تنفست حياة الصعداء، وزفر صدرها المثقل بالقلق، ولكن سرعان ما عادت لتسأل بنظرة حائرة، تتفحص وجهه المتجهم وعينيه المضطربتين:
– أمال علياء فين؟… وانت شكلك متعصب كده ليه؟
زفر مراد بقوة، كمن يحاول طرد مرارة تختنق في صدره، ثم أردف بنبرة ممتلئة باليأس والغضب:
– الهانم وصلتني لحد الفندق… وبعدها قالت إنها عندها مشوار ضروري… طبعًا ما قالتش أي حاجة… بس أنا متأكد إن الموضوع له علاقة باللي حصل… وبعمي.
اقتربت حياة وجلست بجواره بهدوء، تربّت على يده برفق محاولة تهدئة ذلك الغليان الذي يعصف بقلبه، وهي تهمس بحنوّ:
– حبيبي… ما تقلقش، إن شاء الله كله هيكون بخير. أنا كلمت بابا وهو هيتابع معاها كل حاجة.
أومأ برأسه ببطء، كأنه يحاول أن يصدق كلماتها، ولكن أعماقه كانت تضج بالخوف والقلق عليها. كانت صورة شقيقته تتراقص أمام عينيه، شاحبة مهددة بالخطر، ليشد قبضته بعنف فوق ساقه، محاولًا كبح ارتعاش قلبه الذي كاد ينفلت من صدره رعبًا عليها بعد أن ذاق مرارة الشعور بفقدها أثناء محاولة قت/لها.
ظل صامتًا، يتأمل الفراغ أمامه بعينين غارقتين في عاصفة من المخاوف، فيما بقيت حياة تمسك بيده، تبثه طمأنينة زائفة، تخشى أن تنهار بدورها إن بادرها بشكواه المكتومة.
*******
وصلت علياء إلى الفندق وقد بدت ملامحها جامدة، لكنها في أعماقها كانت تغلي كبركانٍ على وشك الانفجار. ترجلت من السيارة بخطوات ثابتة، تسير نحو الداخل وكأنها تسير نحو معركة فاصلة. سألت عن رقم الغرفة، ثم صعدت إليها دون تردد.
توقفت أمام الباب، وضغطت على الجرس، انتظرت بضع ثوانٍ كانت تمر عليها كأنها دهر، فيما نيران الغضب تشتعل بين أضلعها، لكنها أجبرت نفسها على التماسك، فاليوم ليس للانفعال، بل لإنهاء كل شيء.
فُتح الباب ليظهر أمامها وجهه، مصفرًا بعض الشيء، متوتر النظرات. وقفت أمامه بثقة وثبات، نظراتها تخترقه كالسهم. دون أن تمنحه فرصة للكلام، دفعته بكتفها بقوة ودلفت إلى الداخل، لتجلس على الأريكة واضعة ساقاً فوق الأخرى، وكأنها في مواجهة محسومة نتيجتها سلفًا.
أغلق الباب بعنف، وتقدم نحوها وهو يصرخ بغضبٍ أجوف:
– جايه عايزة إيه يا بنت أكرم؟
نهضت واقفة بكل شموخ، وأطلقت نظرة نارية من عينيها المتقدتين، قبل أن ترد ببرودٍ قاتل:
– جاية عشان نخلص من لعبة القط والفأر دي… ونصفي حساباتنا، من أول موت أبويا… وأظن إنك عارف كويس عملت إيه.
اصفر وجهه، وتلعثم لسانه من الصدمة والخوف، قبل أن يتمتم بارتباك:
– قصدك إيه؟ وضحي كلامك.
ابتسمت بسخرية مُرّة، وتقدمت نحوه خطوة بخطوة، تضغط عليه بكلماتها كما يضغط الصياد على فريسته:
– طول عمرك بتغير منه… من نجاحه، من حبه للي حواليه، من إنه دايمًا كان الأحسن منك… كنت أناني وطماع، ومع ذلك أبويا كان بيرحمك، بيسامحك، وبيقف جنبك… ومع كل ده… قت/لته!
صرخ فجأة بغضبٍ أسود، وخرجت كلماته محملة بالحقد القديم:
– أيوه!! قت/لته… كان بياخد مني كل حاجة… حب أمي وأبوي، نجاحه، الناس، الشهرة، الحب… كل حاجة كانت له هو وأنا كنت مجرد ظل ليه! كان لازم يختفي… كان لازم آخد مكانه… لكن حتى في موته خانني! كتب كل حاجة ليكي… وحتى لما حاولت اق/تلك… فشلت! لكن المرة دي… مش هفشل.
ابتسم ابتسامة حاقدة كأنها نصل مسموم، وأخرج س/لاحه فجأة، مصوبه إلى رأسها بوحشية:
– دلوقتي… هق/تلك… وتلحقي أبوكي… وبعدها أخلص على مراد!
رغم الخطر المحدق بها، ابتسمت علياء بسخرية هادئة جعلته يتراجع للحظة، وما لبثت أن تفاجأ بانفجار الباب بقوة، واندفع رجال الشرطة إلى الداخل، فخفض س*لاحه بغريزة المذعور، قبل أن ينقضوا عليه ويكبلوه.
اقتربت علياء بخطوات بطيئة، ووجهها يقطر احتقارًا وكراهية، وقالت بصوت ثابت يقطر مرارة:
– ودلوقتي… جه وقت انتقامي يا عمي العزيز. هتعفن في السجن طول عمرك… سلام يا عمي.
صرخ بعنف وهو يُسحب بعيدًا مكبّل الأيدي، ولكن لم يعد لصوته أي قوة… كان مجرد صدى لانكسارٍ لا رجعة فيه.
وقف جلال – صديق والدها الذي كان يتابع الخطة معهم – يراقب المشهد، وعيناه تغيم بالحزن. اقترب منها يربت على كتفها بحنانٍ أبوي، وهي تنفجر باكية، دموعها تنهمر كالسيل وهي تهتف بألم:
– مش قادرة أصدق كمية الحقد والغل ده… بابا طول عمره كان بيحبه وبيوقف جنبه…
ضمها جلال إليه بحنان وقال بصوت مبحوح بالحزن:
– الحقد والغيرة يا علياء… بيخلوا الواحد يق/تل حتى أقرب الناس ليه… ويفقد إنسانيته. الحمد لله إننا قدرنا نمسكه… ده متورط في قضايا فساد تانية كمان… الحمد لله إنك بخير… وإنك ومراد نجيتوا من شره.
أومأت برأسها، وابتسامة باهتة ترتسم على وجهها المتعب، شعور بالراحة الغامرة يغمرها، وكأنها أخيرًا استطاعت أن تتنفس بعد سنوات من الخوف والرعب… أخيرًا انتهى الكابوس.
*******
بعد أن أنهت علياء الإدلاء بأقوالها في القسم، وأُغلقت القضية بإثبات تورط فريد واعترافه الكامل بجرائمه، خرجت من مبنى الشرطة. كانت خطواتها مثقلة، لكن صدرها أخيرًا قد تنفس راحة افتقدتها طويلاً، وكأنها تخلّصت من حمل ثقيل ظلّ يؤلمها لسنوات.
استقلت السيارة بصمت، وأسندت رأسها إلى الزجاج البارد، تغمض عينيها المثقلتين بالدموع، تترُك للذكريات المؤلمة أن تمر أمامها للمرة الأخيرة… ذكريات والدها، ومراد، وكل الخوف الذي حاصرها حتى لحظة الخلاص.
توقفت السيارة أمام الفندق الآخر، فتحت الباب ببطء، وهبطت بخطوات هادئة نحو المصعد، يرافقها صمت عميق لا يقطعه سوى دقات قلبها المتسارعة.
عندما وقفت أمام باب غرفة مراد، ترددت لحظة… أخذت نفسًا عميقًا، ثم طرقت الباب بخفة.
فتح مراد الباب بسرعة، وعيناه المتسعتان بالقلق تحومان عليها. ما إن رآها واقفة أمامه، حتى سقطت أنفاسه الثقيلة من صدره وتنفس بارتياحٍ عميق، ثم جذبها إلى حضنه في عناقٍ دافئ، يشبه العناق الذي يخبئ خوف الأيام كلها.
– حمد لله على سلامتك يا علياء… كنت هموت من القلق عليكِ!
قالها وهو يضمها بقوة أكبر، كأنه يخشى أن يتركها فتختفي مجددًا من حياته.
ابتسمت علياء ابتسامة مرتعشة وهي تدفن وجهها في صدره، وتهمس بصوت متهدج تغلبه الدموع:
– خلاص يا مراد… الكابوس انتهى… خلاص.
أبعدها برفق قليلًا ليتأمل وجهها، وكأنه لا يصدق أنها بخير، ثم قال بنبرة مختنقة بالخوف والاشتياق:
– ما كنتش قادر أتنفس من غيرك… كنت خايف أفقدك زي ما فقدنا بابا.
مسحت دموعها بطرف أصابعها المرتجفة، ثم هزت رأسها مطمئنة إياه:
– أنا بخير… علشانك… وعلشان بابا اللي ضحى بحياته عشان يحمينا.