قلوب لا ترمم

بقلم نورهان موسى

ربت على ظهرها بحنان زائف، وهمس لها بنبرة مطمئنة:

ــ “اهدي يا حبيبتي… إن شاء الله هيكون بخير.”

تحررت علياء من حضنه، والرجفة تسري بجسدها، بينما شهقت بالبكاء وهي تقول بصوت مخنوق:

ــ “أنا خايفة قوي… الدكاترة بيقولوا حالته خطيرة جداً.”

شعر بسعادة خبيثة تتفجر بداخله، لكنه أخفى ذلك ببراعة، ليواصل تظاهره بالطيبة وهو يزيل دموعها برفق مصطنع:

ــ “أنا واثق إنه هيبقى كويس… أخويا قدها وقدود.”

أومأت برأسها بتردد، وعيناها لا تزالان تغرقان بالدموع، ثم عادت إلى مراد، تحتضنه بقوة كأنها تخشى أن تفقده هو الآخر.

مر الوقت ببطء خانق، حتى خرج الطبيب أخيرًا، ملامحه غارقة في الحزن، رأسه منكس إلى الأرض.

ركض الجميع نحوه بلهفة، بينما انقبض قلب عليا من ملامحه، وهتفت بانفعال شديد:

ــ “طمني… بابا عامل إيه دلوقتي؟!”

أجابها الطبيب بتوتر وخيبة:

ــ “الحادثة كانت صعبة جداً… حاولنا ننقذه بكل الطرق… بس أمر الله نفذ… البقاء لله.”

ساد الصمت القاتل المكان، قبل أن ترتفع صرخة مدوية من حنجرة علياء، لتسقط بعدها فاقدة للوعي بين ذراعي شقيقها مراد، الذي أجهش بالبكاء بلا توقف.

أما فريد، فكان يقف يراقب المشهد، وقلبه يرقص فرحاً من الداخل، وإن بدا ظاهريًا حزينًا كسائر الحاضرين.

مرت الأيام تجرّ خلفها الحزن، وأقيمت مراسم العزاء، حتى جاء المحامي الخاص بالعائلة لينهي إجراءات الميراث.

حينها، حلّت على فريد صدمة مدوية؛ إذ اكتشف أن شقيقه قد سجل كل ثروته باسم ابنته عليا، ولم يترك له سوى المنزل الذي يسكنه.

امتلأ قلبه بالحنق والضغينة، وبدأت خيوط مؤامراته تُنسج بخبث، يفكر في التخلص من عليا ومراد ليظفر بالثروة كاملة.

خطط لحادثٍ مدبر أودى بحياة مراد ظاهريًا، بينما فشلت محاولاته المتكررة للنيل من علياء.

واليوم، وبعد كل هذه السنوات، يكتشف أن مراد حيٌّ يُرزق، وأن وفاته كانت مجرد كذبة حيكتها عليا ببراعة لحمايته.

«نهاية الفلاش باك»

عاد إلى وعيه على صوت اهتزاز هاتفه، نظر إليه ليجد عشرات المكالمات من زوجته، لكنه أغلق الهاتف ببرود وألقاه بعيداً.

أسند رأسه إلى الوراء، وسحب نفسًا عميقًا من سيجارته، بينما عيناه تشتعلان بالحقد والغضب وهو يغرق من جديد في دوامة خططه الشيطانية.

******

بعد انتهاء الحفل، عادت علياء إلى غرفتها بخطوات متثاقلة، وكأن جسدها يحمل فوقه جبالًا من الأحزان. دلفت إلى الداخل وأغلقت الباب خلفها، ثم ارتمت على الفراش بإنهاك، تغمرها الذكريات من كل جانب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *