قلوب لا ترمم
بقلم نورهان موسى

وبعد أن انتهت، عادت إلى غرفتها، استلقت على الفراش بجسدٍ متعب وعقلٍ مثقل بالهموم، لتستسلم أخيرًا للنوم، وقد أغرقت أفكارها في بحور الألم والحنين.
******
في صباح اليوم التالي، هبطت علياء إلى الطابق السفلي متوجهة إلى المطعم الخاص بالفندق، حيث كان مراد وحياة ينتظرانها لتناول الإفطار.
خطت نحو طاولتهما بخطوات متزنة، وألقت عليهما التحية بابتسامة مجهدة قبل أن تجلس برفق، تحاول أن تخفي توترها الداخلي.
التفتت نحو حياة، وسألتها بعفوية مشوبة بالقلق:
ــ “عاملة إيه دلوقتي يا حبيبتي؟ بقيتي أحسن؟”
أومأت حياة برأسها، وردّت عليها بابتسامة دافئة:
ــ “الحمد لله يا لولو، بقيت كويسة جدًا.”
ابتسمت علياء لها بحنان، ثم مالت برقة نحو زين، ذاك الطفل الذي أسر قلبها ببراءته، وطبعَت قبلةً خفيفة على وجنتيه الممتلئتين، مرددة بمشاعر جياشة:
ــ “حبيب عمتو يا ناس… إيه الجمال دا كله؟!”
ثم تابعت بحماس طفولي، محاولة أن تبث الفرح في الأجواء:
ــ “عايزاك تخلص كل الأكل دا عشان هاخدك ونروح نلعب في البحر!”
صفق الصغير بسعادة بريئة، وانهمك في تناول طعامه، بينما تبادل الجميع الابتسامات وأكملوا تناول الإفطار وسط أجواء هادئة.
مرت لحظات قليلة، قبل أن تتجمد علياء مكانها وهي ترى رغده تدخل المطعم، تسير بجوار بدر، بينما كانت الأخيرة تتعمد التشبث بذراعه محاولة إثارة غيرتها.
رفعت علياء حاجبيها بدهشة ساخرة، تقاوم رغبتها العارمة في النهوض والانقضاض عليها، لكنها تماسكت بقوة، محاوِلة تجاهل المشهد المهين.
جلس بدر بجوار رغده، وأمسك بقائمة الطعام، يحاول التركيز في اختياراته، لكن عينيه خانتاه، والتفت دون وعي يبحث عنها…
رآها، كما عهدها دومًا… تجلس بالقرب منه، بجوار امرأة غريبة تطعم طفلًا صغيرًا كان قد رآه في الحفل بالأمس.
تسارعت دقات قلبه بشكل مؤلم وهو يراها تبتسم للصغير، تغمره بحنانٍ وسعادة لم يرها من قبل في عينيها.
حاول بدر أن يعود بعينيه إلى القائمة التي بين يديه، أن يحبس ضعفه في صدره، لكن عقله كان يدور بألف سؤال وسؤال… من هذا الطفل؟ ومن تكون هذه المرأة؟ ولماذا لم تخبره عليا بشيء؟!
على الجانب الآخر، كانت علياء تشعر بنظراته الحارقة تخترقها بقسوة، فتململ قلبها بارتباك مؤلم.
حاولت أن تغرق في الحديث مع حياة ومراد، تحتمي بكلماتهما من تلك النظرات التي تزلزل كيانها، لكنها لم تنجح تمامًا… ظلت تشعر به يراقبها، كأنما يريد أن ينطق بعينيه بكل ما أخفاه لسانه.
