قلوب لا ترمم
بقلم نورهان موسى

_ “أنا مش فاهمة إزاي مشيت وراك… مين المفروض الكبير هنا؟”
أجابها مراد بابتسامة هادئة، وعيناه تتأملانها بنظرة مزيج من الحنان والعند، ثم أشار بيده ناحية صدرها:
_ “هو ده اللي جابك… قلبك. بلاش تضحكي على نفسك أكتر من كده.”
صمتت “عليا”، ولم تُجِب بكلمة واحدة، لكنها أرسلت إليه نظرات غاضبة، حادة كالسهم، قبل أن تحوّل وجهها ناحية النافذة، تغوص في صمتٍ مثقل بالتفكير، وكأن كلماته قد أصابت نقطة ضعف تعرفها جيدًا.
بعد مرور نصف ساعة، توقّفت السيارة أمام بوابة القصر. كان المبنى شامخًا، فخمًا، يليق بعائلة مرموقة، يضم عدة طوابق، وحديقة فسيحة، وأثاث فاخر تزيّنه اللوحات الزيتية المعلّقة، ما جعله أشبه بقصور الملوك.
دلفت “عليا” إلى الداخل برفقة “مراد”، و”حياة” زوجته، وابنهما الصغير “زين”. وما إن خطت داخل القصر حتى انتشرت علامات الذهول على وجوه الموجودين، فقد كانت المرة الأخيرة التي وُجدت فيها عليا هنا عاصفة… حطّمت كل ما أمامها كالزلزال، وغادرت دون رجعة، حتى اعتقد الجميع أنها لن تطأ هذا المكان مجددًا.
لكن ها هي الآن… واقفة وسط دهشة الجميع، بنظرات صارمة وملامح مشدودة.
قالت فجأة بنبرة آمرة، موجّهة حديثها إلى الخادمة:
_ “لو سمحتي يا دادة، خدي زين علشان ياكل ويغيّر هدومه.”
أجابتها الخادمة بسرعة واحترام، وهي تنحني قليلًا:
_ “حاضر يا هانم.”
أخذت “زين” وانسحبت، بينما استدارت “عليا” بنظرة حاسمة نحو “مراد”، وأشارت له بيدها قائلة:
_ “وأنت… تعالى ورايا على المكتب.”
هزّ رأسه وهو ينحني ساخرًا، وقال بنبرة تمثّل الخضوع الزائف:
_ “أمرك يا مولاتي.”
نظرت إليه بنفاد صبر، وكزّت على أسنانها دون أن تعلّق، ثم توجهت إلى المكتب بخطوات حازمة.
أما “مراد”، فابتسم بخفة، وأرسل قبلة في الهواء نحو “حياة” التي وقفت تراقبهما، ولم تستطع كتمان ضحكتها، فقد اعتادت على سخريته اللاذعة ومزاحه الدائم، خصوصًا عندما يكون بصدد مواجهة “عليا” وأوامرها التي يُطلق عليها مازحًا “الوصايا العشر”.
♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕
ساد جو من التوتر والقلق أرجاء قاعة الطعام، وكأن الهواء ذاته كان مشبعًا بالترقب. كانت الأنظار تتجه نحو بدر، الذي بدا وكأنه بركان يغلي تحت سطح هادئ؛ جالسًا في مكانه متماسكًا، بينما الغضب يشتعل في عينيه ويتصاعد في صدره دون أن يظهره على ملامحه. الجد، برزانته المعهودة، جلس على رأس الطاولة بصمت، ينتظر انتهاء الوجبة ليُحادث حفيده على انفراد، راغبًا في معرفة ما جرى.
