قلوب لا ترمم

بقلم نورهان موسى

استلقت في سكون، تحدق بالسقف بعينين ذابلتين، بينما تتوالى أمامها مشاهد لم تفارق مخيلتها… نظرات بدر نحوها التي امتلأت بتساؤلات موجعة، ورغده التي كاد بطنها البارز يعلن عن اقتراب موعد ولادتها، لتشعر علياء بوخز حاد في قلبها، واختناق يحاصر صدرها.

أغمضت عينيها بقوة، محاولة إبعاد الذكريات، لكن عقلها خانها، وسحبها إلى ذكرياتٍ أليمةٍ لكنها دافئة في آنٍ واحد…

(فلاش باك)

كانت تسير بجواره على الشاطئ، يدها الصغيرة تحتضن يده الكبيرة بحب، تشعر بأمانٍ لا يوصف. جلسا معًا على إحدى الصخور، يتابعان غروب الشمس، حين تلوّنت السماء بألوان البرتقال والذهبي، في مشهد ساحر ينبض بالس/كينة.

التفتت علياء حين سمعت ضحكات طفلة صغيرة تركض بجوار والديها، لترتعش مشاعرها فجأة بحزنٍ دفين؛ فطيف الاشتياق لطفلٍ يملأ حياتها كان يطاردها ليلًا ونهارًا.

مرت بأناملها المرتجفة على يد بدر، التي لم تفلتها لحظة، وقالت بصوت خافت متردد:

ــ “بدر… أنا عايزة أروح للدكتور.”

انتفض بدر بجانبها على الفور، وارتسم القلق على ملامحه، وردد بتوجس:

ــ “ليه، مالك يا حبيبتي؟ حاسة بحاجة؟”

ابتسمت له بمرارة ممزوجة بحنان، وضمت جسده إليها وكأنها تستمد منه قوتها، وهمست تطمئنه:

ــ “مفيش حاجة، متخافش. كل الحكاية إن الحمل اتأخر… وكنت عايزة أطمن، بس مش أكتر.”

اقترب منها بدر أكثر، ثم طوقها بين ذراعيه بحنان يغمره التملك، ودفن وجهه في عنقها، يشتم عبيرها كمن يحاول أن يسرق منها الأمان. مرت يده على ظهرها ببطءٍ وعشق، ثم قال بصوت دافئ عميق:

ــ “تمام يا روح بدر… روحي واطمني، بس عايزك تعرفي إنك مهما كانت النتيجة، هتفضلي أغلى حاجة في دنيتي كلها.”

(عودة للواقع)

هربت الدموع من عيني علياء رغمًا عنها، تتساقط على وجنتيها بصمت موجع. شعرت وكأن روحها تتمزق من الداخل، وكأن قلبها يُعتصر بيدٍ غليظة من الألم والغضب.

كيف له أن يقسو عليها بهذا الشكل؟! كيف لم يمنحها فرصة واحدة لتبرر له، أو لتدافع عن نفسها؟!

مسحت دموعها سريعًا بكفها المرتجف، وكأنها تريد أن تمحو معه كل ذكرياتها معه. نهضت من مكانها بثقل، واتجهت إلى المرحاض، علّ الماء البارد يغسل عنها شوائب هذا اليوم الثقيل.

اغتسلت تحت رذاذ الماء، تاركة له أن يهدئ ارتجاف جسدها ويطفئ نار قلبها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *