قلوب لا ترمم

بقلم نورهان موسى

احتقنت عيناه، واحمرّ وجهه من شدّة الغضب، وغلى الدم في عروقه حتى شعر أن جسده كله سينفجر من الغليان. صرّ على أسنانه، ثم فجأة، ومن دون تفكير، رماها بقوة نحو الحائط.

تحطّم الزجاج إلى شظايا متناثرة، وتبعثرت الذكرى، لكن الألم… بقي ينزف بصمت.
♕♕♕♕♕♕♕♕♕
كانت تتحدث عبر الهاتف، تركّز في كل كلمة تُقال، ملامحها مشدودة ولكن عيناها تلمعان بحماسة خفية. أنهت المكالمة بابتسامة عريضة ارتسمت على شفتيها، ابتسامة نصر ناعم ينبئ بنجاح خطتها كما أرادت.

دلف “مراد” إلى المكتب بخطوات واثقة، وجلس أمامها، يتأمل وجهها الذي لا يزال يحمل آثار تلك المكالمة، ثم قال بنبرة تجمع بين الاهتمام والمزاح:

_ “لسّه زعلانة من اللي حصل الصبح؟”

نهضت من مكانها، دارت حول المكتب بخطوات محسوبة، ثم جلست أمامه، تطلّ عليه بعينين تحملان عتابًا مكتومًا، وأجابته بنبرة مقتضبة، يخالطها بعض الجفاء:

_ “أنت عارف إني عمرى ما بزعل منك… بس اللى قولته الصبح ما ينفعش يتكرر تاني، مفهوم؟”

ابتسم بخفة وتسلية، محاولًا كسر التوتر الذي خيّم على الأجواء:

_ “برضه مفيش فايدة فيكي… زي ما انتي. على العموم، كنت عايزك تجهّزي نفسك علشان مؤتمر رجال الأعمال اللي هيتعمل في مصر.”

تبدّلت ملامحها في لحظة، واشتعل الغضب في عينيها، صوّبت نظراتها الحادة نحوه، ثم ردّت بنبرة حادة، تفيض بنفاد الصبر:

_ “قولتلك… مش هنسافر! أنت مش عايز تفهم ليه؟!”

اقترب منها بهدوء، وانحنى قليلًا حتى صار على مقربة من وجهها، ثم أمسك يديها برفق، وعيناه تنطقان بمحبة وحرص:

_ “اهدي… مفيش حاجة هتحصل، أنا جنبك. مش هنفضل عايشين في خوف طول العمر.”

كانت على وشك الرد، شفتيها تحرّكتا لتبدأ بالكلام، لكنّه قاطعها بنبرة حاسمة، لا تحتمل النقاش:

_ “خلاص… مفيش كلام. بكرا هنسافر مصر. حضّري نفسك.”

صمتت، لكن عينيها ظلّتا تراقبه، بين غضبٍ لم يخمد، وخوفٍ لم يهدأ، وقلبٍ يتمزق بين القبول والرفض.
♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕
في صباح اليوم التالي، حطّت الطائرة في مطار القاهرة الدولي، وبدت علامات الضيق واضحة على ملامح “عليا”، التي تنهدت بعمق وكأن شيئًا ثقيلًا يستقر فوق صدرها. أنهوا إجراءات الوصول بصمتٍ ثقيل، ثم استقلوا السيارة الخاصة بهم متجهين نحو القصر.

وما إن جلست في المقعد الخلفي حتى قالت بصوتٍ خافت، لكنه يقطر غضبًا مكبوتًا:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *