قلوب لا ترمم

بقلم نورهان موسى

جلسا معًا على الأريكة، مراد لا يترك يدها لحظة، وكأنها خيطه الأخير بالأمان. كانت نظراته مملوءة بالحزن والاطمئنان، بينما هي تشعر أخيرًا أن ظهرها لم يعد عارياً من السند.
قالت له بعزم وقوة، والنور يلمع في عينيها:
– إحنا اتكتب لنا بداية جديدة، يا مراد… وبوعدك، هنعيشها زي ما بابا كان بيتمنى لينا.
شد على يدها بحنان أخوي عميق، وقال بنبرة دافئة:
– وأنا بوعدك، يا علياء… طول ما أنا عايش، مش هيحصلك حاجة وحشة تاني.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، ولكنها كانت مليئة بالأمل، وهي تشعر لأول مرة منذ سنوات أن الحياة أمامها فتحت أبوابها… وأن الخوف الذي كان يعشش بقلبها، قد رحل أخيرًا.
******
بعد مرور ثلاثة أيام
كانت تسير على الشاطئ بخطى بطيئة، تستمتع أخيرًا بنسمات الهواء العليلة التي تلامس وجهها برفق، وكأنها تواسي قلبها المثقل. منذ أكثر من خمس سنوات لم تشعر بهذه الراحة، تلك الراحة الغريبة التي تسللت إلى أعماقها بعد أن أسدلت الستار على كابوسٍ طال أمده.
جلست على الرمال، عانقت البحر بنظراتها الشاردة، أغمضت عينيها قليلًا واستنشقت عبق ملوحته، وكأنها تبحث عن طمأنينة ضائعة بين أمواجه. فتحت عينيها فجأة، لتجده هناك، جالسًا بجوارها على الرمال، كما لو أن حضوره قد استدعيه حنينها دون إرادة.
خفق قلبها بعنف داخل صدرها، كاد أن يقفز من مكانه، لكنها تمالكت نفسها، ارتدت قناع القوة الذي بات رفيقها في الآونة الأخيرة، ونظرت أمامها دون أن تلتفت إليه، قائلة بنبرة حاولت أن تبدو ثابتة:
ــ جاي ليه يا بدر؟
مرر يده على شعرها بحنانٍ مكسور، وصوته يتهدج بندم عميق:
ــ جاي أرجع حبيبتي لحضني تاني… وأقولها إني كنت غبي واتسرعت في الحكم عليها… ومستعد لأي عقاب تحكم بيه عليّ.
ابتلعت غصة مُرة، وردت بهدوءٍ مصطنع يناقض الألم الذي ينهش قلبها:
ــ مش هينفع يا بدر… كل اللي بينا خلاص انتهى. ياريت تنسى… وتكمل حياتك مع مراتك وابنك اللي جاي.
خرجت من صدره زفرة قوية، بدت كأنها تحمل كل ثقل ندمه وألمه، ثم قال بحرقة:
ــ علياء… أنا عارف إني جرحتك وظلمتك… بس والله العظيم بحبك… وعمري ما حبيت رغدة… كانت غلطة، وكل حاجة فيها غلطة. أرجوكي سامحيني… تعالى نرجع نكمل حياتنا اللي كنا بنحلم بيها.
نهضت من فوق الرمال دفعة واحدة، وقفت أمامه تتحدى رجاءه بعينين غارقتين في العتاب، فنهض هو الآخر مرتبكًا، يتشبث بأملٍ أخير، لكنها صاحت بغضب جارف:
ــ قلتلك خلاص! اللي بينا انتهى! ياريت تفهم بقى… وتبطل تيجي ورايا في أي مكان… فاهم ولا لأ؟
استدارت لتغادر، لكن صوته المذبوح لحق بها، ويده قبضت على ذراعيها بقوة مستجدية:
ــ مش هسيبك يا علياء! أقسم بالله إني ندمان… مستعد أمشي في الشوارع وأعتذر قدام الناس كلها عشانك… بس أرجوكي… سامحيني!
نزعت يديها من قبضته بحركة حاسمة، وعادت تتحدث بهدوء غريب، هدوء يقطر وجعًا:
ــ مش هقدر دلوقتي يا بدر… إنت من الأول ما وثقتش فيا… أول ما حصلت مشكلة سبت إيدي… أنا مش هقدر أأمنك على قلبي تاني… ارجع لمراتك وكمل حياتك معاها… وإنساني.
ثم استدارت وغادرت، بينما دموعها تنهمر بلا مقاومة، تغسل وجهها من كل أمل كاذب، ومن كل ذكرى موجعة. كانت خطواتها تغوص في الرمال الثقيلة، وكأن الأرض تأبى أن تسهل عليها الرحيل.
أما بدر، فقد شعر وكأن الحياة انسحبت من جسده، وعينيه تتابعانها وهي تبتعد. كان الألم يغرس أنيابه في قلبه بلا رحمة، والسواد يطغى على كل شيء حوله. سقط على الرمال بصمتٍ مريع، جلس هناك كمن أضاع كل ما كان يمنحه المعنى للحياة.
دموعه انسابت من عينيه بغزارة، وكأنها تُطهره من ذنوبه التي لا تُغتفر، بينما صدره يعلو ويهبط بانكسار. كان يشعر وكأن س/كينًا باردًا يمزق قلبه ببطء، يذبحه على مهل، ومع كل نبضة كان يفقد المزيد من روحه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *