قلوب لا ترمم
بقلم نورهان موسى

نظرت رغدة إلى الجميع طلبًا للمساندة، لكنها لم تجد سوى الصمت والبرود في وجوههم، فأدركت أنها وحيدة في معركتها وخاسرة لا محالة، فانكمشت وجلست بعيدًا تراقب الموقف بغضب مكتوم.
أما علياء، فاندفعت بخطوات مترددة نحو غرفة بدر، يقودها قلبها الذي يتخبط بالألم والحنين. دلفت إلى الداخل وأغلقت الباب خلفها بهدوء، فتسمرت عيناها على بدر، الممدد فوق السرير، شاحب الوجه، غارق في سبات عميق.
اقتربت منه ببطء، وجلست على الكرسي المجاور، عيناها تجولان في ملامحه وكأنهما تبحثان عن الحياة فيه. مدت يدها المرتجفة وأمسكت بكفه الدافئ، ثم رفعته إلى شفتيها وقبّلته برقة ودموعها تنساب في صمت موجع.
لم يكن بدر نائمًا تمامًا… كان يشعر بها، بألمها ولهفتها، منذ أن لامست يده. أغلق عينيه متصنعًا النوم، فقط ليستمتع بقربها، برائحتها، بدفء حضورها الذي اشتاق إليه حد الوجع.
وفجأة، انكسر الصمت، وسمعها تهتف بصوت متهدج بالبكاء:
– أنا مش خاينة يا بدر… بالعكس، أنا أكتر واحدة حبتك… أنت كنت أول حب في حياتي، وأول نبضة فرح دقت في قلبي.
سقطت كلماتها على روحه كطعنات دامية. ظلت تتابع، تتحدث بينما تتخلل شهقاتها حديثها:
– ماكنتش متصورة إنك ممكن تظلمني كده… تحكم عليا من غير ما تسمعني أو تعرف الحقيقة… مراد… مراد ده أخويا الصغير، حبيبي، سندي بعد موت بابا. لما عمي عرف إن بابا كتب كل حاجة باسمي، حاول يخلص مني… ونجح… حصلت حادثة، كنت أنا ومراد مع بعض. أنا طلعت سليمة… بس مراد… أصيب بإعاقة لفترة طويلة.
أخذت نفسًا عميقًا، تحاول تثبيت صوتها المرتجف، ثم أكملت:
– خفت عليه… خفت يضيع مني زي بابا. فقررت أني أقول إنه مات… كان لازم، عشان عمي مايحاولش يؤذيه تاني. سافر يتعالج، وأنا بقيت لوحدي أحاربهم… ولما شوفتك، حسيت إن ربنا بعتك لي. بس خفت… خفت أقولك فتخسرني، أو تأذيك أنت كمان. واضح إن القدر كان له كلمة تانية.
كانت الكلمات تخرج منها كأنها تطهر روحها من ألمٍ خنقها طويلاً. بينما كان بدر يشعر بكل كلمة تسري في عروقه كحمم من الندم والشوق والخذلان.
نهضت علياء بعد أن ألقت باعترافها فوق صدره كهمس موجوع، مسحت دموعها بأطراف أصابعها المرتجفة، واستدارت لتغادر، لكن قبل أن تغلق الباب خلفها، رمقها بدر بنظرة تحمل كل الذنب والحب والحسرة.
ابتلع غصته الثقيلة التي كانت تخنق حلقه، بينما ظلت رائحتها، وصدى كلماتها، يتردد داخله كوشمٍ أبدي لا يمحى.
*******
خرجت من الغرفة بخطوات ثقيلة، وعيناها مغمورتان بظلٍ قاتم من الحزن والألم. وجدت الجميع يجلس في صمتٍ مشحون بالقلق، كأن أنفاسهم معلقة بين رجاء وخوف. اقترب منها مراد بتردد واضح، وعيناه تترجمان مزيجًا من الحيرة والاهتمام، ليقول بصوتٍ خافت متوتر:
– أنتي كويسة؟
اكتفت بهزة بسيطة من رأسها، دون أن تنطق بكلمة، ثم تابعت سيرها أمامه بصمت مطبق، يغلفها جدار عالٍ من البرود والانطواء. لم يجد مراد سوى أن يلحق بها بصمت، يحمل داخله قلقًا متزايدًا من هذا الهدوء الغريب الذي ينبئ بالعاصفة.
وصلا إلى السيارة، استقلت المقعد الأمامي وهي تجلس مستقيمة، تطوي ذراعيها أمام صدرها كأنها تحتمي من العالم كله. جلس مراد إلى جوارها، لا يتوقف عن مراقبتها بطرف عينيه، ذلك السكون القاتل الذي يخيم عليها كان يخيفه أكثر مما لو رأى دموعها تنهار.
قطع هذا الصمت المطبق رنين هاتفها، تناولته بهدوء بارد، وردّت بصوت خفيض خالٍ من الحياة:
– الحمد لله يا أونكل… أنا بخير… ومراد كمان بخير… كله تمام.
أسندت رأسها قليلًا للخلف، ثم أكملت مكالمتها بصوت متهدج بالكاد يُسمع:
– زي ما فهمت حضرتك… إيه اللي هيحصل دلوقتي؟
أنهت المكالمة بسرعة، دون أن تشرح أو تفسر لمراد، الذي كان يتطلع إليها بدهشة واستفهام حائر عن هوية المتصل وماهية الحديث الغامض. لكنها أعادت الهاتف إلى حقيبتها وعادت إلى صمتها، تغرق في تأمل الطريق عبر نافذة السيارة وكأنها تحاول الهروب من واقعها المؤلم.
مضت لحظات ثقيلة من الصمت، حتى توقفت السيارة أمام الفندق. التفتت إليه بعزم حاسم ونظرة مبللة بالحزن، وقالت بنبرة قوية تخفي خلفها انكسارًا مريرًا:
– اطلع أنت… أنا ورايا مشوار لازم أخلصه، وهرجع على طول.
رفع مراد حاجبيه بدهشة واحتجاج، ليقول مستنكرًا:
– مشوار إيه دلوقتي؟!
نظرت إليه بعينين غارقتين في الحزن، وأجابت بصوت مختنق بالانفعال:
– مراد… أنا مش مستحملة أي أسئلة خالص دلوقتي… لو سمحت، نفذ اللي بقولك عليه من غير نقاش.
