قلوب لا ترمم
بقلم نورهان موسى

قطع الصمت صوت “هاشم”، والد بدر، الذي كان يتناول طعامه بنظرات متفحصة:
_ “عملت إيه في الصفقة يا بدر؟!”
أجابه بدر بنبرة هادئة متناقضة تمامًا مع اللهيب المتأجج بداخله:
_ “للأسف يا بابا… خسرنا الصفقة، نفس الشركة خادتها للمرة التانية.”
اتسعت ملامح هاشم بضيـق واضح، وحدّت نبرته بنفاد صبر:
_ “مش معقول كده… دي تاني مرة نخسر مناقصة كبيرة بالشكل ده! لازم تلاقي حل، لأن الخسارة الجاية هتبقى مؤثرة جدًا.”
زفر بدر زفرة عميقة، خرجت كأنها محاولة فاشلة لإطفاء الحريق الذي يأكل صدره. يعلم تمامًا أن والده محق، وأن عليه أن يتحرك بسرعة. لا بد أن يعرف من يقف خلف هذه الشركة الغامضة التي بدأت تزاحمهم على كبرى الصفقات، وكأن هناك من يتعمّد إسقاطه.
أفاق من شروده على صوت الجد الحاد، وهو يتدخل قاطعًا التوتر:
_ “التجارة شغل ومكسب وخسارة، مش نهاية الدنيا. الأهم دلوقتي نركز على اللي جاي.”
ثم أدار وجهه نحو بدر، وقال بنبرة جادة:
_ “المؤتمر اللي هيتعمل في الغردقة مهم جدًا لشغلنا… لازم نحضره كلنا.”
ارتفع صوت زوجة الجد، بنبرة يغلب عليها الدلال:
_ “يعني قصدك إننا هنسافر معاك يا حبيبي؟”
هز الجد رأسه بالإيجاب، بينما علت الابتسامة وجه “نهلة”، ابنة عبدالله المنياوي، التي ما إن سمعت بخبر السفر حتى هتفت بسعادة تلقائية:
_ “وأخيرًا هنسافر! الواحد بقاله كتير محبوس، لتكمل بحماس وهي تلتفت لأبيها:
هو المؤتمر ده إمتى يا بابا؟!”
رد عليها عبدالله وهو ينهض من على الطاولة:
_ “بعد يومين إن شاء الله.”
ثم أشار لبدر قائلاً:
_ “تعالى معايا يا بدر، عايزك في شغل.”
نهض بدر متثاقلًا، وتبعه إلى المكتب، لا يزال ذهنه مشوشًا بالأحداث الأخيرة. جلسا داخل المكتب، وبدأا بمراجعة بعض الملفات المتعلقة بالمشروعات القادمة. قطع عبدالله حديث الأرقام فجأة، وسأل بنبرة محمّلة بالمعنى:
_ “أومال فين مراتك؟ بقالها فترة مش باينة في البيت… أنتم متخانقين ولا إيه؟”
توقف بدر عن التقليب في الأوراق، وأسند ظهره إلى الكرسي، ثم قال ببرودٍ متعمد:
_ “لا… مفيش مشاكل، هي بس كانت عند والدتها شوية، تعبانة شوية… وهترجع النهارده.”
أومأ عبدالله برأسه، ثم أردف بنبرة تحمل الإشارة لا التصريح:
_ “لازم تاخدها معاك الغردقة… كل واحد هتكون مراته موجودة، ومش عايزين حد يفتح بُقّه بكلمة ملهاش لازمة.”

