قلوب لا ترمم

بقلم نورهان موسى

ضغطت على يده بحبٍ أخوي صادق، تخفي دمعة حبيسة خلف ابتسامتها القوية، وواصلت متابعة فعاليات الحفل، فيما كانت المشاعر تتقلب داخلها كعاصفة لا تهدأ.

ورغم محاولات علياء للتماسك، إلا أن عينها لم تستطع أن تمنع نفسها من التسلل إلى حيث يجلس بدر، تراقبه خلسة.

كان يجلس صامتًا، جسده مشدود، يكاد يطحن أسنانه من شدة الغضب، وكفيه ينقبضان فوق ركبتيه بقوة بالغة حتى ابيضّت مفاصله.

لم تكن بحاجة لأن تسمع صوته كي تعرف مدى اشتعاله، فقد كانت نظراته وحدها كافية لإشعال الحريق في أي مكان تقع عليه.

ورغم كل ما يحترق بداخله، ظل يحبس غضبه خلف قناع صلب من الجمود، وكأنما يخوض معركة شرسة مع نفسه كي لا ينهض ويطيح بكل شيء.

أما رغده، التي كانت تراقب الموقف بعينين جاحظتين من الطرف الآخر للطاولة، فقد اشتعلت غيرتها وغضبها حتى كاد وجهها أن ينفجر من الاحمرار.

كانت قبضتاها مضمومتين بقوة فوق حجرها، تكاد أن تخترق أظافرها جلدها من شدة الغيظ، وهي ترى عليا تسرق أنظار بدر وقلبه دون أن تبذل جهدًا يُذكر.

وهي تتذكر كيف تركها بدر في لحظة غضبٍ قبل قليل، توعدت لهما في داخلها، أقسمت ألا تترك هذه الإهانة تمر مرور الكرام، وكانت نار الحقد تشتعل في صدرها بلا رحمة.

في تلك اللحظة، كان الشرر يتطاير من عيني بدر، ونظراته الحادة تكاد تفتك بما تقع عليه من شدة الغضب، حتى انتفرت عروق رقبته وتصلبت عضلاته من فرط التوتر، وهو يراها تبتسم بسعادة وتطبع قبلة خفيفة على وجنة مراد.

ازدادت نيران غيرته اشتعالًا، لكنه فجأة تجمد مكانه، وتبدلت ملامحه الغاضبة إلى صدمة وحيرة، حين وقعت عيناه على ذلك الطفل الصغير الجالس بجوارها، نسخة مصغرة من ملامح ذلك الرجل.

غاص في بحار أفكاره، يفتش عن إجابة تشفي لوعته:

هل من الممكن أن يكون هذا الطفل ابنها؟ هل تحمل ملامحه سرًا كانت تخفيه عنه طوال تلك السنوات؟

أفاق من دوامة أفكاره على صوت رغده، وهي تهمس بجوار أذنه بنبرة ممتلئة بالغضب والمرارة:

ــ “كفاية تبص عليها! معقول لسه بتحبها بعد كل اللي عملته فيك؟ طب على الأقل احترمني قدام الناس!”

التفت بدر إليها ببطء، كوحش جريح، وانطلقت كلماته بصوت خفيض لكنه يحمل شراسة بثت الرعب في أوصالها:

ــ “انتي عارفة إني عمري ما حبيتك… واتجوزتك بس عشان جدي، وعشان الشكل قدام الناس. أنتي جزء من الصورة اللي كنت محتاج أكملها مش أكتر، وظنّي إنك وافقتِ عشان تبقي مرات المليونير بدر المنياوي. فبلاش تمثيل وحركات فاضية.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *