عينيكى وطنى وعنوانى بقلم امل نصر ج٥

في فناء منزلهم الفسيح كانت جالسة على بسطة اسمنتية صغيرة منزوية على نفسها.. ضامة ركبيتها الى صدرها وهي مستندة بذقنها عليهم وكأنها بعالم اخر .. غير شاعرة بسخونة الشمس عليها بعد أن انهار عالمها الوردي وانتهت قصة عشفها بمأساة تقترب من الفضيحة.. ولم يتبقى لها شئ بعد ان عادت الى ابيها بعد تهربها منه لأيام تتلقى عقابها بالركلات والضرب المبرح رغم تعللها بالأختفاء لدى إحدى صديقاتها.. هربًا من الزواح بابن عمها الذي اصر والدها حفظًا لكرامته بالسفر الى الصعيد وعقد قرانها عليه بالإجبار.. ولتتحمل وزر فعلتها.. فهي من أخطأت وهي من عليها دفع الثمن غاليًا حتى لو كان عمرها.
– الشمس سخنة عليكي يافاتن.
رفعت رأسها مجفلة على الصوت المتردد لتمسح بإبهامها الدمعات المتساقطة على وجنتها وقالت :
– سعد! انت واقف هنا من أمتى ؟
خطا ليقترب منها قائلًا :
– انا هنا عشان عمي بدر بعتني لخالتي فوزية ابلغها بميعاد العربية اللي هاتيجي تلم العفش بتاعكم وتروح بيه عالصعيد .
اومأت برأسها وهي تعود لوضعها فاقترب أكثر فاردًا كف يده امامها لتنهض:
– قومي يافاتن وكل مشكلة وليها حل.. وانا سداد .
رفعت رأسها اليه ناظرة باستفهام :
– مشكلة إيه اللي تقصدها؟ وانه حل دا اللي انت سداد فيه ؟
تحركت عيناه يسارًا ويمينًا قبل أن يجيبها بصوت خفيض:
– انت عارفة قصدي على إيه يافاتن ؟ ولا انتي ناسية إن علاء صاحبي وبيحكيلي على حاجة؟
على الفور احترقت مقلتيها بدمعة ساخنة تشيح بوجهها عنه لتخفي هذا الألم العاصف بقلبها فتابع هو :
– انا مش بقولك كدة عشان اجرحك.. انا بقولك كدة بس عشان تعرفي طينة البني أدم اللي باعك بسهولة وسلمك لصاحبه يبقى إيه؟ احنا غلابة يافاتن وملناش غير بعض .
حدقت مندهشة فاأكمل :
– ايوة يافاتن.. انا عايزك تعرفي كويس اني بعشق التراب اللي بتمشي عليه وطول عمري ساكت ومش قادر اتكلم لتكسفيني .. بس انا بقولهالك اهو .. انا راضي بيكي مهما حصل.
تكلمت بحرقة:
– مهما حصل ازاي؟ لهو صاحبك مشرحلكش الوضع اللي شافني فيه؟ هاتقبلها ازاي دي على كرامتك؟
قال مسرعًا:
– انا قابل بأي حاجة منك يافاتن؟ عشان تعرفي بس اني عارفك وعارف اخلاقك.. انتي عيلة صغيرة واكيد الكل….. عصام هو اللي عمل فيكي الملعوب ده .
– عصام معملش حاجة…
قاطعها بحدة
– انت لساكي برضوا مصدقاه؟ ماتفوقي بقى يابنت الناس واعرفي كويس اننا لعبة في ايدين الناس دي ..قومي معايا يافاتن وانا هاقنع عمي بدر بجوازنا .. انا خلاص ربنا فرجها عليا وهاعمل ورشة نجارة كبيرة تعيشنا ملوك..
قرب كفه اكثر وهو يردف بلهجة مقنعة:
– قومي يافاتن وانا مش هاسمح لابوكي يأذيكي ابدًا طول ماانا عايش على وش الدنيا .
وضعت يدها بكفه مترددة لتنهض..فاطبق عليها بقوة لتنهض فقربها منه بجموح والتمعت عيناه بالرغبة نحوها ارتجفت هي تبتعد عنه بدفاعية ولكن اشتعل ذهنها برائحته لتتذكر اين اشتمتها قبل لك ..لم ينتبه وهو يقربها منه مرة اخرى قائلًا بحرقة :
– اه لوتعرفي انا بحبك قد ايه؟ اه لو تعرفي انا مستعد اعمل إيه عشانك ياترضي عني يافاتن؟
برقت عيناها بوحشية بعد أن تأكدت من ظنها لتدفعه بكفيها على صدره تبعده عنها بعنف وهي تخاطبه بازدراء :
– وانا عندي الموت اهون من إني اتجوز واحد ندل وجبان زيك!
استفاق من نشوته وكلماته خرجت بغير تصديق:
– ازاي يعني؟ هو انت ناسية ابوكي هايعمل فيكي ولا ابن عمك لما يتجوزك ويكتشف الحقيقة :
قالت بتحدي:
– عارفة ياسعد.. وانا مستعدة وجاهزة للي يعملوه فيا ان شالله حتى يقطعوا من جلدي .. بس دا برضوا عندي اهون من أن اطل على خلقتك العكرة دي.
بصقت كلماته وذهبت لتدلف داخل منزلها ويسقط هو محلها على البسطة مذهولًا مصعوقًا من قولها الجارح وازدراءها له””

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *