عينيكى وطنى وعنوانى بقلم امل نصر ج٥
الفصل الثامن والثلاثون
ارتبكت من حدته المفرطة في الحديث اليها حتى كادت ان تقول الحقيقة وتذكر اسم فاتن وعصام.. ولكنها تداركت نفسها فخرج صوتها بتلعثم :
– انااا عند واحدة صاحبتي تانية غير سحر.. بزورها في بيتها عشان عيانة.
وصلها صمته قليلًا قبل ان يسألها بريبة :
– صاحبتك دي اسمها ايه يافجر؟
ردت كاذبة بأسم واحدة أتى على رأسها فجأة:
– مدام نور…ااا هي مش أستاذة خالص على فكرة معانا في المدرسة.. عشان تعرف يعني .
– امممم.
تابع بنبرة هادئة بشكل عجيب:
– طب خلصي مشوارك يافجر وياريت متتأخريش .
اومأت بلهفة :
– طبعًا طبعًا.. ححاول متأخرش ياحبييي .
قال منهيًا المكاملة:.
– تمام يافجر وانا منتظرك عشان تحكيلي.. سلام بقى.
بعد ان انهاء المكالمة تنفست الصعداء وهي تشعر اخيرًا بدخول الهواء الى صدرها.. فقد وترتها مكالمة علاء الغريبة بشكل مخيف.. وانتابها شعور القلق بشدة فهي لم تعهد هذه الحدة قبل ذلك من علاء خطيبها الحنون على الإطلاق.
التفت لتعود للأطفال بعد ان انشغلت عنهم بمكالمتها مع علاء.. ولكنها لم تجدهم.. جالت بعيناها تبحث عنهم في جميع الأنحاء وهي تُنادي بأسماءهم:
– نانيس.. عبد الرحمن.. نانيس .. بيدوا ..ياولاد انتوا فين؟
سقط قلبها عند أقدامها حينما رأت الكرة الصغيرة التي كانت تتلاعب بها معهم بعد ان ابتعدوا عن طاولة فاتن وعصام بمسافة طويلة عنهم.. وبدأت تردد بصوت مرتعش وتبحث عنهم بتشتت :
– يابيدوا .. ياناني .. يانهار اسود انتوا روحتوا فين وسيبتوني
…………………………….
خرجت شروق من الباب الخارجي للمشفى لتستقل احدى سيارات الأجرة للعودة لمنزلهم بعد انهت زيارتها اليومية لحسين والإطمئنان عليه.. ابتسمت بخفة وهي تتذكر مناوشاته لها وهذا الجزء الخفي من الشقاوة لديه.. والذي لم يظهره لسواها ومكره الدائم للأيقاع بها رغم حالته الصحية واصاباته العديدة ولكنه استطاع بدهائه عدة مرات خطف القبلات واللمسات الجريئة منها متعللًا بأنه زوجها حتى لو كان طريح الفراش.. والغريب انها في كل مرة تأخذ حذرها منه ومع ذلك ينجح بألاعيبه معها .
اعتلت الرصيف القريب من المشفى تشير بيدها لسيارات الأجرة امامها.. ولكن شتت انتابهها هذا الصوت المتكرر والذي تجاهلته عدة مرات حتى التفتت نحو المصدر حينما ازداد علوه.. وجدت امرأة ترتدي عباءة سوداء واقفة بمدخل إحدى الشوراع الضيقة و تغطي على نصف وجهها بطرف حجابها القصير وهي تشير لها بيدها :
– بس بس تعالي.
اومأت بسبابتها نحو نفسها ترد:
– انت بتشاوريلي أنا؟
أجابت بصوت خفيض:
– ايوة انتِ ياشروق.. إيه مش واخدة بالك مني؟
– شروق!
رددت خلفها وهي تميز بحة الصوت والشبه الذي ليس غريبًا عنها.. تحركت بخطواتها حتى اقتربت منها على مدخل الشارع فسألتها وهي تدقق النظر بها:
– انتِ نيرمين صح؟
اومأت برأسها وتكلمت بانكسار :
– انا عارفة انك مستغرباني دلوقتي.. بس انا خايفة اكشف وشي لايشوفني ادهم ولا علاء ابنه وانا مش ناقصة.
سألتها بحيرة:
– مش ناقصة إيه؟ ثم انتِ موقفاني ليه بالظبط وانتِ هربانة من يوم حادثة حسين وماحد عارف مكانك فين؟
تلجلجت قليلًا ثم قالت بتماسك:
– ممماهو ماهو انتِ ماتعرفيش ياشروق باللي عمله ادهم معايا عشان اهرب.. دا كان بيشك فيا وفي الاخلاقي من غير سبب لحد اما هجيت طفشانة.. بس انا تعبت وكنت عايزاه يسامحني عشان أرجع.
– عايزة ترجعيلوا يعني طب وانا مالي؟
سألتها فحركت الأخرى رأسها يمينًا ويسارًا وخاطبتها:
– طب بقولك إيه.. ماتيجي معايا نقعد في أي حتة كدة عشان افهمك .
هزت رأسها رافضة:
– اسفة معلش انا يدوب اروح
تحايلت بإصرار:
– طب حتى ادخلي لجوا الشارع شوية لاحسن حد يوصل فجأة منهم.. دول بس كلمتين عالواقف عايزاكي تبلغيهم لأدهم عشان يرجعني.
زفرت متأففه وهي تسلتسلم لسحبها لداخل الشارع الضيق وقبل أن تبتعد هتفت برفض:
– خلاص كفايه هنا قولي بقى واتكلمي اديكي اداريتي شوية عن مبنى المستشفى .
وقبل أن تتفوه نيرمين بكلمة تفاجأت شروق ييد كبيرة تلتف حولها والأخرى تكمم فاهها بمنديل ابيض ذو رائحة نفاذة حاولت مقاومتها ولكنها لم تستطع الصمود أكثر من دقائق حتى ارتخت أعصابها ولم تعد تشعر بما حولها على الإطلاق.
……………………………..

