عينيكى وطنى وعنوانى بقلم امل نصر ج٥

وفي مكانٍ اَخر بحديقة المشفى وعلى اريكة خشبية تحت ظلال الأشجار الكثيفة كان جالسًا متكتف الذراعين.. راسه مطرقة للأرض نحو اقدامه الممدودة للأمام .. تاركًا نفسه للحزن وقد تمكن اخيرًا بالانفراد مع نفسه بعيدًا عن والدته او شقيقه المريض الذي انتبه رغم تصنع السعادة والمزاح امامه بحزنه وسأله عما به ولكنه كان دائمُا ما ينكر متهربًا منه ومن فراسته .. يخفي بقلبه هذه الغصة المريرة لشعور الغباء الذي تملكه طوال هذه السنوات.. شقيقه الصغير رغم طيبته ودماثة اخلاقه يكتشف العيب وهو المشهور دائمًا بقرب الشبه بينه وبين والده في قوة الشخصية والتحكم يظل اعمى وينساق خلف حمائية كاذبة لشخص مريضٍ استغل هذه العاطفة بكل خبث ودهاء.. كيف كان سيسامح نفسه لوحدث السوء لشقيقه.. موته اهون من هذا الاحساس !
– الجو جميل هنا صح ؟
رفع عيناه نحو محدثه وقد علمه من صوته من قبل ان يراه..اومأ له برأسه بروتينية غير قادر على الرد .. تنهد عصام بصوت عالي قبل ان يجلس بحواره مربتًا على ركبته برفق :
– هون على نفسك هون.. احنا عايشين في الدنيا عشان نتعلم .
ابتسم بجانبية قائلًا :
– اتعلم إيه بالظبط ؟ انا راجل داخل ٣٣ سنة واكتشفت اني طول سنين عمري اللي عدت دي كنت حمار .. يبقى هاتعلم امتى بقى؟
جاء رد عصام حازمًا:
– ماتقولش كدة ياعلاء .. انت مش اول واحد تنخدع في صديق .. في غيرك بينخدك في حبيبته وفي غيرك بينخدع في أهله نفسهم .. دي طبيعة النفس البشرية.. ماحدش له سيطرة عليها .. طب مثلًا عندك انا . كنت فاكر خالي دا في مقام والدي.. لكن بعد ما اتجوزت بنته تعالى شوفه بقى.. مطلع عين امي على شوفة البنت رغم انه عارف اني احق من بنته المدلعة في حضانتها واني بيعدي عليا وقت بخاف امسك المشرط لاحسن اسرح من خوفي طول الوقت على بنتي لاتهمل فيها والدتها زي ماعملت قبل كدة كتير واحنا متجوزين.. بس اهو بقى هاعمل ايه يعني؟
حدق به للحظات قبل أن يسأله باهتمام :
– هي بنتك عندها كام سنة ياعصام .
اشرق وجهه مبتسمًا وهو يجيبه بحب:
– بنتي عندها ٣ سنين بس إيه بقى قمر زي البطة كدة ودمها زي السكر عكس امها خالص ..تنكة وشايفة نفسها مش عارف انا على إيه والله.
ضحك علاء وقد اندمج معه في الحديث قائلًا بمزاح :
– إيه ياعم دا انت شكلك مش طايقها خالص .
اشار بإصبعيه على عضمة رقبته قائلًا بإسلوب فكاهي:
– دا كدة اهو.. شايف.. كدة هو والنعمة مخنوق منها وهافرقع .. مش عارف انطسيت في نظري واتجوزتها ازاي بجد؟ ولا اكمنها اغرتني بالبس العرياني باين ولا إيه ؟
صدحت ضحكة علاء مقهقهًا حتى دمعت عيناه والاَخر يشاركه:
– دا انت باينك مغلول منها ياجدع ؟
– اه والنبي ياخويا ماتفكرنيش.. دا انا قلبي شايل ومعبي .
تبادلا المزاح لعدة لحظات اخرى وكأنهم استعادوا صداقتهم القديمة.. حتى اجفلتهم إحدى الممرضات التي أتت اليهم بخطواتٍ مترددة:
– يادكتور عصام لو سمحت.
– في إيه يانهلة عايزة إيه ؟
فركت بيديها بتوتر وهي تتنقل بعيناها بينه وبين علاء الذي شعر بالقلق:
– بصراحة يادكتور انا مكنتش اعرف انكم مخبين عليه ؟
سألها علاء :
– هو مين اللي مخبين عليه ؟ في إيه ياانسة؟
رددت بخوف وهي تخاطب علاء:
– بصراحة بقى الأستاذ حسين اخو حضرتك سألني عن الولد اللى كان معاه في الحادثة وانا قولتله تعيش انت..
انتفض واقفًا يقاطعها
– بتقولي إيه ؟
نهض عصام هو الاَخر ولكن ليسألها بهدوء:
– وبعد ما قولتيلوا حصل ايه؟.
اجابت متهربة منهم بعيناها:
– بصراحة حزن قوي وهو دلوقتي عمال يعيط عليه بحرقة وحتى والده مش عارف يهديه ؟
– يخرب بيتك .
قالها علاء وهو يجري مهرولًا نحو المبنى الموجودة به غرفة اخيه.. اما عصام فجز على اسنانه ملوحًا لها بقبضته يقول:
– كان لازم يعني تنسحبي من لسانك.. ماينفعش تعملي شغلك وانتي ساكتة؟ روحي ياشيخة ربنا ياخدك.
ثم تحرك مسرعًا ليلحق بصديقه .
……………………………..
بدموع الوجع التي لا تتوقف كان يبكى صديقه الصغير.. وهو لايزال عقله لا يستوعب او يصدق الخبر .. ولكن وجع قلبه يخبره الحقيقة :
– اه ياحودة ..
ادهم وهو يربت على ذراعه بقلبٍ وجل :
– ياحبيبي مش كدة هدي نفسك.. دا احنا مصدقنا انك بدأت تتحسن.
– انا السبب انا السبب عشان لو مكنتش اخدتوا معايا في مشوار الزفت ده مكانش حصل اللي حصل وراح فيها.
صاح عليه أدهم بصرامة:
– بس يابني حرام عليك واستغفر ربنا.. دا قضاء الله وقدره.. واحنا مالناش الإعتراض على حكمته.
حاول التماسك وهو يجاهد للتوقف.. ولسانه يتمتم بالأستتغفار :
– استتغفر الله العظيم.. استغفر الله العظيم يارب
تنهد أدهم بعمق وهو يهدهده :
– ايوة يابني استغفر واستعيذ من الشيطان الرجيم .. دي كلها أقدار من ربنا.
مسح بأبهامه دمعة اخرى وهو يخاطب والده بحدة:
– بس دا مكانش قدر ربنا .. شكل العربية اللي دخلت علينا فجأة مايظهرش ابدًا انها حادثة.. لا دي واضح قوي انها كانت قصدانا.. هو انا تليفوني فين؟ والبت امينة صح راحت فين؟ ماتت هي كمان ولا إيه بالظبط؟
حرك ادهم رأسه بعدم فهم :
– بت امينة مين؟ احنا منعرفش ان كان معاكم ست ولا نعرف هي راحت فين ؟ وان كان على تلفونك فهو موجود ياحبيبي.. بس دا ادشدش واتكسر خالص.
سأله بخشونة
– وتليفون حودة راح فين ؟
اجاب ادهم وهو يلوح بكفه :
– والله يابني مااعرف بس بكرة هاسأل عليه الشرطة ولازم اعرف بس انت مهتم اوي كدة بيه ليه؟
اجابه على الفور بمغزى:
– عشان عليه التسجيلات ولا هي الست نرمين ماقلتلكش باللي حصل؟
انتفض في وقفته واتسعت عيناه سائلًا:
– مالها نيرمين ياحسين ؟ هي إيه حكايتها بالظبط البت دي ؟ عشان انا لو شفتها تاني بعد ماهربت من غير سبب هاشرب من دمها .
ابتسم يجيبه بسخرية مريرة :
– لا هو انت متعرفش ان الزفت سعد اللي أخد فلوس منك زمان عشان يبعد فاتن عن ابنك علاء هو نفسه اللي كان مرافق نيرمين صاحبة اخته قبل ما يزقها على علاء واما تفشل معاه ترمي شباكها عليك انت فتوقعك وتتجوزها .. وهي لساها برضوا عشيقته .
فغر فاهه وتدلى فكه وعيناه اتسعت بشكلٍ مخيف وهو يردد وانفاس صدره تصعد وتهبط بحدة :
– آيه اللى انت بتقوه ده ياحسين؟ دا كلام خطير اوي يابني .
ردد مؤكدًا قوله:
– انا شوفتك بعيني وانت بتديلوا الفلوس ومكنتش فاهم ساعتها عشان كنت صغير لكن الشك كان دايمًا بيكبر معايا .. وان كان على نيرمين فدي حكايتها في تسجيلات الفون بتاع حودة.. بس السؤال بقى ياولدي .. انت كنت عارف بالملعوب اللي عمله الزفت ده لما اغتصب فاتن ولبس عصام التهمة عشان يكسر قلب اخويا……
توقفت جملته حينما رأى أخيه واقفًا بجوار الباب بوجه شاحب.. يبدوا انه استمع لمعظم الحديث .. انصعق أدهم على رؤية ابنه الصامت ونظرة عيناه وحدها تتحدث .
………………………….

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *