عينيكى وطنى وعنوانى بقلم امل نصر ج٥

في نفس مكان الأمس كان جالسًا عصام حول الطاولة الخشبية ولكن هذه المرة كان بجانبه علاء الذي كان يدخن بشراهة وفي الناحية الأخرى فجر وهي كالتائهة تنظر امامها بشرود في اننظار القادم .
قطع الصمت عصام ؛
– ايه الحكاية ياجماعة؟ هو انتوا واكلين سد الحنك انهاردة ولا إيه؟
– في ايه عصام مالك بس؟
قالها علاء بسأم فرد الاَخر:
– يابني ماانا عمال ارغي وماحدش معبرني خالص؟ لا انت ولا الست فجر.. اللي كانت بتجري ورا العيال امبارح وكأنها زيهم.
رمقت علاء بنظرة ذات مغزى قبل ان تجيب ؛
– معلش ياعصام.. ماهو امبارح كان شئ والنهاردة شئ تاني.. ويعالم بكرة هايبقى آيه؟
تجاهل علاء نبرتها المتهكمة ورد عصام وكأنه يريد طمأنتها:
– ان شاء الله خير يافجر.. ربنا ما بيجبش غير الخير.
– السلام عليكم .
ارتفعت رؤس الثلاثة فجاة نحوها بعد أن أتت بطفلها كالعادة..
ردد عصام وفجر التحية اما علاء فتصلب مكانه مسهمًا بها وكأنه لايصدق وقوفها امامه .
– اتأكدت بقى انها عايشة.
قالتها فجر بنبرة على وشك البكاء وهي ترى نظراته المركزة عليها .. وتابعت .
– اقعدي يافاتن هو انتِ هاتفضلي واقفة ولا إيه؟
خلعت نظارتها فظهر كامل وجهها وهي تجلس امامهم وسألته:
– عامل ايه ياعلاء؟.
اومأ برأسهِ نحو الصغير:
– ماشاء الله.. ابنك ده؟
تدخل عصام بدعابة:
– امال يعني هايكون ابن الجيران مثلا؟ في آيه علاء انت مش شايف الشبه ؟
اومأ بشبه ابتسامة قائلًا:
– معلش ياعصام ممكن تقوم انت وفجر خمس دقايق بعيد عن هنا.
تفاجأ الثلاثة بمطلبه وكان الرد سريعًا من فجر التي قامت منتفضة :
– يالا بينا ياعصام .. خدوا راحتكم
قالت فلم تنتظر عصام فقد تحركت مسرعة ذاهبة ما أمامهم.. اسرع عصام خلفها :
– استني يافجر.. هو انتِ مركبة قطر في رجليكي؟
تتبعتهم فاتن بعيناها ثم اللتفتت اليه سائلة:
– هو في إيه بالظبط؟ وانت مشيتهم ليه؟
تجاهل الرد وسألها :
– انتِ عاملة إيه يافاتن ؟
…………………………….
على طاولة أخرى بعيدة عنهم بمسافة كافية جلست مع عصام على مضض بعد أن كانت مصممة على المغادرة من النادي.. تقضم على اطراف اظافرها وتهز بأقدامها تحت الطاولة دون ان تشعر بنفسها:
– براحة يافجر على نفسك.. هو إيه اللي حصل بس عشان تتعصبي كدة؟
قال عصام وكان ردها بتشنج:
– لهوا انت مش واخد بالك ؟ دا قومنا من جمبهم من غير مايراعي شعوري ولا شعورك حتى.. هو احنا عيال صغيرين عشان يقومنا؟ ولا هو ناسي اني مراته؟ ولا يمكن عايز يحل نفسه مني؟
تمتم عصام باندهاش:
– يانهار اسود.. ايه كل التحليلات دي يافجر؟ ماحصلش حاجة لسة يابنتي.. ثم ان اللقاء ده كان لازم يتم مهما بعدت المدة او قصرت.
أشاحت بوجهها حتى كي تخفي هذا الألم عنه
– عندك حق.. اللقاء كان لازم وضروي يتم وحمد لله اننا لسة في اولها عشان يقرر براحته.
ضيق عينيه يسألها بحيرة:
– قصدك إيه مش فاهم ؟
نهضت فجأة مغادرة:
– قصدي اني عايزة امشي دلوقتي حالًا.. لو افتكر يسأل عليا بعد مايخلص جلسته معاها .. قولوا روحت وهي متقبلة منك أي قرار .. ماشي
هم ليوقفها ولكنها لم تعطه فرصة بذهابها السريع.. عاد يجلس مرة أخرى وهو يفكر بفحوى كلماتها بوجوم .
بعد عدة دقائق أتى اليه علاء:
– خلصت جلستك مع فاتن ؟
اوما براسه بابتسامة راضية قبل أن يسأله ؛
– هي فجر راحت فين؟
أجابه عصام:
– فجر بصراحة مشيت ومرديتش تستنى.. وبتقولك خد قرارك براحتك وهي متقبلة منك اي شئ.
– بقى هي قالتلك كدة؟
قال باستنكار وهو يهز رأسه بيأس قبل ان يتحرك مغادرًا :
– انا رايح اشوف المجنونة دي.. وانت بقى خليك مع فاتن معلش .
ارتسمت راحة على ملامح وجهه حاول اخفاءها وهو يردد:
– ماشي تمام.. روح انت شوف خطيبتك وانا هاضطر اقعد مع فاتن !
……………………….
على ارض صلبة في مكان يبدوا كمصنع مهجور كانت جالسة في إحدى اركانه.. ضامة ركبتيها الى صدرها تبكي وتنوح حظها السئ الذي لم يفارقها منذ مولدها.. حينما اتت الى الدنيا من أم لم ترغب بها فلا تعير العيب او الحرام او ألأصول ادنى اهتمام..و لطالما قاست هي بسببها في عيشها من أعين الرجال الطامعة بها لمجرد معرفتهم بأن والدتها هي محاسن.. عملت في عدة مهن حتى لايصبح مصيرها مثلها فتمنت من قلبها ان تتزوج من رجل في الحلال فينتشلها من هذه البيئة الموبؤة فتعيش كبقية النساء ولكن حتى هذه كانت غالية عليها.. فكان نصيبها الزواج من رجل مدمن على المخدرات والتي سُجن بسببها.. وعادت هي لوالدتها مرة اخرى .
رفعت رأسها تكفكف دموعها وتحمد الخالق انه نجاها من القبض عليها امس حينما عادت متأخرة من عيادة الطبيب.. ولكنها عادت للتشرد وهي لا تجد مكان يأويها..
تنهدت قانطة وهي تنظر للهاتف الذي اوشك شحن بطاريته على النفاذ وهو يصدح باتصاله.. فتحت على المكالمة تجيب بياس:
– ايوة ياسعد عايز ايه تاني؟ مش ناوي تحل عن دماغي بقى؟
وصلها صوته:
– مالك بس ياامينة؟ دي جزاتي يعني اني عايز اطمن عليكي بعد ماعرفت باللي حصل لوالدتك و نيرمين لما كبست عليهم الحكومة لليلة امبارح.
– لا بصراحة قلبك طيب قوي.. فيكي الخير.
– الله يسامحك ياامينة.. انا مش هارد عليكي.. بس اسمحيلي اسالك بحكم العشرة.. عاملة آيه؟ وبتباتي فين دلوقتي بعد مااخوات جوزك كمان استولوا على بيتك؟
رفعت رأسها للسماء قائلة بدموعٍ حارقة :
– حتى دي عرفتها؟ …
قطعت الجملة وازداد نشيج بكاءها فاستغلها فرصة ليلقي عليها الكلمات المواسية .
– خلاص ياامينة.. اهدي يابت الناس.. انت بس لو تقوليلي على مكانك كنت اساعدك .
– في المصنع القديم.
انتفض منتبهًا على جملتها:
– ايه؟ بتقولي فين ياأمينة ؟
اردفت صارخة :
– بقولك في المصنع القديم.. اللي في اخر الشارع عندكم.. واللي كنا بنشتغل فيه زمان انا والبنات قبل مايفلس.. شوفت الدنيا بقى؟ اهي لما داقت عليا ملقتش غيره.
– معلش ياأمينة ماتزعليش .. هادبرلك انا حتة تاني تنامي فيها .
اغلقت المكالمة وهي تتمنى بداخلها ان يفي بوعده معها.. فقد احتمت هي بجدارن المصنع لمعرفتها الأكيدة من مداخله ومخارجه ولكن البرودة نخرت عظامها ليلة أمس ولا تريد تكرار مأساتها .. ولكن مهلًا .. هذا سعد!
انسيت هي من هو سعد؟
انتفضت فجأة تتناول هاتفها بدون تفكير لتضغط على احد ارقامه سريعًا.. فاجابها الطرف الاَخر.
– الوو… ابوة ياأمينة ازيك.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *