عينيكى وطنى وعنوانى بقلم امل نصر ج٥
متسمرًا مكانه بمدخل الغرفة كتمثالٍ من الرخام.. وجهه انطفئت فيه الحياة.. شفتاه المطبقتان وعيناه تتحرك بداخلهم مقلتيه باضطراب وكأنه يستجدي منهم التكذيب.. ولكن كيف؟ وهذا مانطق بهِ أخيه.. عن مؤامرة من صديق خائن بالأتفاق مع أبيه؟ نعم أبيه الذي ينظر اليه الاَن بترجي رجل اذنب في حقه.. حق ابنه! وبالتحالف مع الشيطان!
– علاء يابني ماتصدقش كلام اخوك.. دا مش فاهم حاجة؟
نظر الى كف ابيه التي اطبقت على ذراعه وهو يسحبه بتمهل لداخل الغرفة قليلًا قبل ان يخرج من صمته ويسأله بتماسك مزيف:
– امال الحقيقة هي إيه..بقى؟
ازدرد ريقه أدهم ليردف بخزي وعيناه لاتقوى على النظر في وجه علاء:
– انا مش هكدب حسين واقول اني ما ادتلوش فلوس..انا فعلًا دفعتله.. بس دا لما اقنعني ان البنت لايفة على صاحبك كمان.. ومعلقاكم انتوا الاتنين في حبالها.
قال حسين من خلفهم :
– وطبعًا انت ماصدقت ياابوعلاء ولقيتها فرصة عشان تبعد بنت النجار الغلبان عن ابنك .
اضطرب ادهم عن الرد عليه فجاء صوت علاء يكمل على قول أخيه:
– قولتلته اثبت لعلاء وخليه يشوف خيانتها بنفسه صح ياابويا؟
حرك رأسه بالرفض قبل ان يقول بتوسل:
– والله يابني ماكنت اعرف الكلام اللي قالوا اخوك دلوقتي.. سعد قالي ان البنت هربت من عريسها الصعيدي وقاعدة مع عصام في شقته اللي مأجرها للأُنس والفرفشة.. عايزني كأب.. هافكر في أيه بس ساعتها؟ غير ان ابني يشوف حقيقة البنت اللي عايز يتجوزها ويعرف أخلاقها.
تكلم علاء بصوتٍ يقطر بالمرارة:
– كدة من غير بينة! صدقت على البنت وادتلوا فلوس عشان يعمل جريمته ويلبسها في عصام واعيش انا من بعدها بوجع الخيانة من صاحبي والبنت اللي كنت عايز اتجوزها.. هونت عليك.
– مساء الخير
قالها عصام وهو يتقدم لداخل الغرفة بتوجس من هيئتهم لم ينتبه عليه علاء وهو يتابع مع أبيه:
– طب ليه تعمل فيا كدة ؟ ليه تسيبني اتعذب في مرارة الخيانة والظلم لناس بريئة…انا فتحت دماغ صاحبي وشاركت في ظلم البنت اللي اتدبحت بسببك انت والنجس سعد.. عايزني ابص في وشك ازاي دلوقتي ؟ ولا ابص لوش انا في المراية ازاي بس ؟ وانا حاسس بالعجز والمُر اللي سكن جوايا منك .
التفت فجأة نحو عصام الذي تسمرت أقدامه عن التحرك بالقرب منهم قائلًا بهذيان:
– خدت بالك ياعصام؟ دا بيقولك ان ادالوا فلوس عشان يبعد البنت عني؟ شوفت بقى ياسيدي .. اديني اَخيرًا صدقت انك برئ واني فتحت دماغك ظلم.. حقك عليا ياصاحبي .
نزع ذراعه بحدة من أبيه ليتقدم نحو عصام وبحركة مفاجئة يقبل رأسه وهو يردد كالمذبوح بكلماته:
– حقك عليا من تاني ياصاحبي .. بس دي غلطتك انت عشان كنت مصاحب واحد حمار.. زي ماهي كانت غلطة فاتن برضوا عشان حبت واحد عاجز زيي..
تحركت رأس عصام بعدم فهم بين الثلاثة قبل ان ينتهد مربتًا على كتف علاء قائلًا بإشفاق على حالته:
– اهدى ياعلاء وريح نفسك شوية.. انا مسامحك من زمان.. أي واحد في وضعك كان لازم هايعمل نفس اللي عملته .
اقترب ادهم بخطوات مثقلة نحو ابنه الذي انتفص للخلف يتجنب لمسته :
– ياحبيبي اهدى على نفسك شوية.. انا مقدر صدمتك بس كمان عايزك تسمعني وتفهم موقفي..
قاطعه بحدة قائلًا :
– افهم ايه تاني ماخلاص؟ كل المستور انكشف وبان ياعم الحج.. ياراجل دا انت شوفتني بعينك وانا بطردها من المحل وشوفت عذابي وانا فاقد الثقة في كل الناس بعدها.. طيب مصعبتش عليك البنت ولا صعب عليك ابوها اللي متحملش اللي حصل وساب البلد وهج بعيلته عشان يهرب من جبروتك ويتخلص من بنته اللي شالت مصيبة أكبر من طاقتها وهي كانت عيلة يدوب ١٨ سنة .
هتف ادهم يرد بصوت مبحوح
– يابني كنت فاكرها مش كويسة وكل اللي كان في دماغي اني انجدك منها.
صاح عليه هادرًا:
– ماتغيرش الحقايق .. انت كنت عايزها كدة عشان يبقى ليك حجة تقنع بيها نفسك باللي عملته مع الوس……. سعد.. انت مذنب زيك زيه حتى لو مكنتش عارف باللي عمله..
صمت قليلًا وهو ينظر بقوة لأبيه الذي تغضنت ملامحه بالأسى والندم الشديد.. ثم تابع :
– انا كل ما ابص في وشك دلوقتي هافتكر خيبتي وافتكر اني كنت مخدوع طول السنين اللي فاتت .
اختنقت الكلمات في حلقة ولم يعُد قادرًا على التفوه ببنت شفاه.. خرج مسرعًا من أمامهم ليهتف عليه والده بجزع وحينما لم يرد التفت أدهم نحو عصام :
– ابوس إيدك ياحبيبي حصله.. انا رجلي مش شلاني عشان اوقفه .
حرك عصام رأسه بغير فهم قبل أن يغادر مسرعًا خلف صديقه.. خطا أدهم بتثاقل نحو أقرب المقاعد ليسقط عليه بتعب.. التفت نحو حسين والتقت عيناه بعينيه قبل ان يشيح بوجهه هو الاَخر عن ابيه غاضبًا.. أطرق أدهم يضع كف يده على رأسه وقد تراكمت هموم العالم أجمع فوق ظهره
…………………….
