المطارد ج٢

بقلم أمل نصر

وبداخل الغرفة التي اصبحت موطنه ومأمنه ، يشعر وكأنها الاَن أصبحت سجنه الجديد، فقد كان واقفًا بجوار الباب، مستندًا بظهره على الحائط، وكأن حجرًا ثقيلًا جثم على صدره، منع عنه التنفس وسحب من روحه الحياة، بعد أن استمع جيدًا لشجار يمنى مع والدتها وعرف بوجود رجلِ اَخر يريد الزواج منها، يليق بها وتليق به ، رجل له مستقبل وحياة كريمة؛ ليس خريج سجون مجرمًا كما او قاتل ليس له مستقبل ولا حتى عائلة تقف معه وتسنده ضاق صدره مع هذا الشعور بالعجز وقلة الحيلة، روحه معلقة بها، هو لا يعقشها بل هو يتنفس الحياة بوجودها، هو الميت الذي تنبعث فيه الروح بمجرد ان تطل عليه وتتكحل عيناه برؤيتها، مع هذا الألم الحارق والمميت لم يعلم كم مر عليه من الوقت وهو على وضعه هذا، متناسي اَلام جسده، وما يفتك برأسه من وجعٍ مميت، حتى فتح باب الغرفة عنوة، ودلف هذا الصغير المشاكس كعادته دون استئذان
– صباح االخير يا…..
لم يكمل جملته حينما لم يجد صالح امامه عالعادة على الفراش، تجولت عيناه نحو اركان الغرف بحثًا عنه، وكانت المفاجأة حينما وجده خلفه تمامًا، شهق مفزوعاً يرتد بأقدامه للخلف متمتمًا بغيظ:
– بسم الله الرحمن الرحيم، يخربيتك باشيخ
دون ارادته خرجت ضحكات صالح التي لم يستطع السيطرة عليها من كلمات هذا الصغير وتعبيرات وجهه اللطيفة بحق، اقترب ليدنو حتى جثى على ركبتيه ، ليقبله بوجنتيه وهو يخاطبه بابتسامة حانية :
– ايه ياحبيبي انت اتخضيت؟ انا اسف ياسيدي.
نهره محمد بنفي سريع مصاحبًا لغضبه الطفولي :
– ايه اللي اتخضيت دي كمان ؟ انا راجل يعني ماحدش يخضني ولا يخوفني، فاهم :
اومأ له صالح يسايره وهو يقبله مرة ثانية:
– طبعًا ياباشا دا انت راجل وسيد الرجالة كمان .
– ايوة كدة صلح كلامك .
اردف بها الصغير ، فرك صالح بأطراف اصابعه على جبهته بتوتر ، قبل ان يسأله بتردد :
– ااا هي الحاجة الكبيرة ، صوتها كان عالي ليه يامحمد ؟ وبتتخانق مع مين ؟
اجاب محمد وهو يتركه ليعتلي بأقدامه حتى استطاع الوصول الى التخت والجلوس على طرف الفراش، تتدلى اقدامه الصغيرة منه :.
– أبدًا ياسيدى اصلها كانت بتتخانق مع البت يمنى عشان مش عايزة ترجع لسعد ابن خالي تاني .
نهض صالح من جلسته على ركبتيه بصعوبة، يستندًا بكفيه على الحائط، غمغم محمد بصوته المحبب:
– تحب اجي اساعدك مدام مش قادر توقف.
تبسم له صالح وهو يستقيم واقفًا:
تمتم بها صالح مبتسمًا وهو يستقيم واقفًا ، ثم اقترب حتى جلس بجوار محمد على طرف الفراش، وساله بحرج:
– هي يمنى كانت مخطوبة قبل،كدة يامحمد ؟
لوح له محمد بكفه الصغيرة مجيبًا:
– ايوة ياسيدي، امال انا بقولك ايه من الصبح ، كانت مخطوبة لسعد واد خالي ، موظف بشركة المية وعايش مع امه وابوه في شقة واسعة في عمارتهم هناك في البندر.
سأله صالح بغصة في قلبه :
– طب هما سابوا بعض ليه؟ ماتعرفش ايه سبب فسخ الخطوبة مابينهم ؟
– يمنى كرهته.
هتف بها محمد واردف يتابع :
– انا بسمعها تقول كدة على طول لامي ، اصله واد طري كدة في نفسه وكل كلمة يوصلها لامه ، بس انا أمي مش هاتسيبها ، هاتفضل تزن عليها لحد ماتخليها تتجوزا بالعافية، دي امي وانا عارفها.
اطرق صالح برأسه ينظر نحو الارض قليلًا بحزن قبل ان يرفع انظاره نحو محمد يسأله :
– يعني انت متأكد انها هتوافق في الاَخر عليه يامحمد ؟
هتف محمد :
ياعم وانا هاتأكد منين انت كمان؟ انا بس بقولك امي زنانة. ياللا انا قايم افتح المية على حوض الجرجير اللي في الجنينة.
اومأ صالح برأسه يستنكر غباءه في الالحاح على الطفل الصغير في أمرِ كهذا مفروغ منه، فإن لم تتزوج يمنى من ابن خالها ، سوف تجد غيره كثير ممن يصلح للزواج بها ، والأكيد انه ليس هو واحد منهم بمستقبله المظلم، فالأولى به ان يفكر في مايتنظره من هموم ومصائب ، وترك احلام اليقظة لغيره، مممن مازلت لديهم الفرصة والأمل في الحياة.
نهض محمد من فوق التخت ليخرج ، اوقفه صالح قبل ان يفتح الباب ويغادر :
– محمد ، هو ابوك لسة مارجعش من مشواره .
هز رأسه بنفي محمد قائلًا :
– ابويا اتصل من شوية وقال انه راجع العشية
اخد صالح شهيق طويل واخرجه ثانية يردف له لمحمد :
– طب ماتنساش تبلغه لما يوصل اني عايزه ضروري ، حتى عشان اللحق اسلم عليه قبل ما امشي .
تمتم الاخيرة بصوت خفيض يذكر نفسه .
……………………

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *