المطارد ج٢
بقلم أمل نصر

وفي مكان اَخر
بداخل الغرفة الشاسعة في القصر المعروف، كانت تقف زواياها، مستندة على الحائط بظهرها، تنظر بحسد ؛ نحو الفتاة وهي تتناول طعاها من يدِ الخادمة، بهدوء طفلة في الخامسة، مع براءتها التي ازدادات مع حالتها؛ بعدم ادراكها مايحدث حولها وماحدث لها هي سابقًا وادت لكوارث تركت مازالت اثارها عالقة حتى الاَن ، انتبهت فجأة على صوت ابنتها وهي تخاطبها:
– لساكي برضوا واقفة مكانك وماتحركتيش ؟
ردت بعدم انتباه :
– ايه؟ بتقولي ايه يا نعمة؟ مسمعتش كويس
قالت الفتاة بسأم :
– بسألك ياأمي على وقفتك دي ، هو انتِ مابتزهقيش من البص عليها البت دي ؟
– ازهق ولا ما ازهقش، مالك انتِ تعباكي في إيه انا ؟
قالت المرأة بحدة وكان رد ابنتها وهي تلوي ثغرها بعدم رضا :
– هي مش حكايتي انا على فكرة ياامي، الموضوع فيكي انتِ، بتيجي عند البت دي وتقعدي بالساعات فتنسي عزا جوزك نائب الدايرة الكبير المحترم، وتنسي انتِ نفسك كصفتك زوجة المرحوم؛ واللي كل الناس بتسأل عليها اول ماتدخل علينا العزا.
التفت اليها قائلة بسأم :
– هو العزا دا مش خلص وفضناها على كدة، الناس اللي بتيجي وعايزة تلت وتعجن دي؛ انا ماليش مرارة ليها يابنتي، يعني يجوا ولا مايجوش، ماليش دعوة بيهم انا ، عايزين تستقبلوهم انتِ واخواتك وعماتك كمان؛ استقبلوهم لكن انا مش هاضغط على نفسي أكتر من كدة .
ردت الفتاة باستنكار:
– وه ، بقى انتِ مش عايزة الناس، اللي جاينلك ياخدوا بخاطرك مخصوص، عشان تقعدي تتأملي في واحدة هبلة زي دي ، مش دريانة بالناس ولا الدنيا اللي حواليها حتى .
– مكانتش هبلة، كانت زينة البنات واحسنهم، بس نعمل ايه بقى؟ الله يجازي اللي كان السبب .
خرجت كلمات المرأة بانفعال اثار فضول ابنتها للسؤال :
– مين هو بقى اللي كان السبب ياأمي ، انا عايزة اعرف ؟
تسمرت المرأة محلها لحظات تنظر لابنتها بعجز عما تخبرها به ، فقالت اَخيرًا بنفاذ صبر وهي تدفع بنتها للخروج:
– بقولك ايه يانعمة، انزلي يابنتي واستقبلي الناس اللي جاين يعزوا ولو حد سألك عن ثريا مرة النائب، قوليلهم هجت ولا لقيتلها سفرية،
غمفمت الفتاة وهي تندفع للخروج عنوة:
– في إيه ياما؟ هو انتِ عايزة الناس تاكل وشنا ؟
دفعتها ثريا مرة أخرى لكن بقوة حتى أخرجتها من باب الغرفة ، ثم أردفت لها بعدم اكتراث:
– خليهم يعيبوا ولا ياكلوا وشنا، انتِ اللي عليكي تنفذي اللي قولتلك عليه وبس؟
بصقت كلماتها ثم صفقت الباب بوجه ابنتها بقوة، كي تنهي الجدال معها، ثم عادت نحو الفتاة وجدتها اوقفت الطعام، تنظر لها بعدم فهم، ابتسمت لها ثريا قائلة:
– بتبصيلي كدة ليه ياورد؟ كملي اكلك انتِ وماتشغليش نفسك،
كملي يابنتي.
توقفت قليلًا بتفكير ثم غمغمت مع نفسها وهي محدقة بالفتاة:
– والله ما انا عارفة احسدك ولا اكرهك ولا اشفق على حالتك ؟ كنت سبب رئيسي في المرار اللي انا عايشة فيه بقالي سنين؛ لكن كمان انتِ ايه ذنبك عشان الومك وكل اللي حصل مكانش بجودتك ، على العموم هو ربنا كان ارحم بيكي من الكل، واحنا بقى نشرب جزاة مافعلنا !