خلف الظلال ج1
بقلم يسرا مسعد

تذكر جواله بجيب سرواله فأخذ يتفقده بلهفة وَلَّدت شعاع أمل آخر ما أن رفعه أمام وجهه مُنيرًا شاشته لتُزيل الظلام حول وجه، ليستشعر لهيب أنفاس حارقه تلفح وجهه، استدار نحوها بحركة تلقائية فقد بها جواله الذي سقط أرضًا. برقت عيناه بفزع شديد وهو يجد يد هذا الرجل تقترب من العرق النابض بعنقه تضغطه بقوة للحظات طويلة فخر مغشيًا عليه بين ذراعي هذا الغامض.
حمله الرجل الملثم أعلى كتفه سائرًا بخفة نحو باب المخزن يدفعه بيده المُقفزة بقفاز مطاطي، ويلج إليه قاصدًا برميلًا كبيرًا بعدما أفرغه من محتواه ووزعه بين بقية البراميل العشرة. توقف أمام البرميل المعبأ بماء مالح ومال بجذعه نحوه يضع الشاب به ضاغطًا رأسه لدقائق طويلة حتى تأكد من إزهاق روحه، استقام بوقفته يسحب نفسًا عميقًا براحة كبيرة وهو يلتقط غطاء البرميل ويضغطه جيدًا لإحكام غلقه، واتسعت بثغره ابتسامة ظفر وانتقام جلية.
توقف “أحمد” مرة أخرى وهو يرمق “أمجد” بنظرات ذات مغزى مرددًا بثبات :
– وده برضه كلامك؟
زفر “أمجد” غاضبًا وهو يهب من مجلسه هاتفًا باستياء :
– لو حضرتك حابب تتناقش معايا في رواياتي كنا قعدنا في كافية نشرب قهوة ونتناقش براحتنا، أو حضرتك عملت ندوة وناقشتني فيها، لكن تجيبني هنا وبأمر ضبط وإحضار عشان تسألني عن رواياتي، ده مش هقبله.. بعد إذنك.
صفع “أحمد” سطح مكتبه بكلتا يديه وهو يهب من مجلسه صائحًا بصرامة :
– أنا مش جاي أهز معاك، ولا جاي أناقشك في رواياتك.. اتفضل أقعد مكانك عشان نفتح محضر.
زفر “أمجد” بقلة حيلة وهو يعود إلى مقعده ثانية مرددًا بحدة :
– اتفضل إفتح محضرك لما نشوف أخرتها إيه.
جلس “أحمد” ثانية وهو يردد بحزم شديد :
– اكتب يا ابني.. وبسؤال المتهم عن حقيقة كتابته لتلك المشاهد بالروايات المنسوبة إليه، أقر بمسئوليته التامة عن تلك المشاهد، وبسرد مشهد آخر برواية أخرى….
والتقط رواية أخرى يفتح صفحتها المطوية قارئًا إياها بجدية :
– ظل “عزيز” يفكر كثيرًا حتى هداه تفكيره إلى هدية مقدمة إلى “هنا” التي رفضت الارتباط به، وإلى هذا الوغد زوجها الذي فضلته عنه، وتزوجته أمام أعينه بكل جرأة ووقاحة، رفضت مجرد إفصاحه لأسرتهما بحقيقة مشاعره لها، معللة هذا بأنهما أخوة تربوا سويًا، وأنها لا تراه سوى هكذا، وحذرته من إعلان هذا الهذل لأحدٍ من الأسرتين حتى لا تتأثر العلاقات بهما فأيًا كان هما أولاد عم، ابتسم ابتسامة انتصار ماكرة وهو يغادر غرفته مغادرًا المنزل كله وسط زغاريد الفرحة وأغنيات السعادة التي تدوي أنغامها بشقة عمه، هيئتها وهي تتمايل راقصة بسعادة تتراقص أمام أعينه لتدفعه إلى تنفيذ ما يدور برأسه، غادر المنطقة سيرًا على الأقدام حتى توقف أمام بسطة خشبية صغيرة تبيع خطوط المحمول بدقائق هدية بمبلغ بخس عشرة جنيهات وبدون الحاجة إلى أي إثبات هوية، إبتاع أحدهم ووضعه بجواله متصلًا بإحدى القرى السياحية الشبه مهجورة يحجز بها غرفة منفصلة باسم زوج معشوقته، واتفقوا معه على إرسال قيمة الإيجار صباحًا لتأكيد الحجز.