كاره النساء ج1
بقلم سهير عدلي

*******************************
-خلاص يابنتي من ساعة ما جيتي من المستشفى وانتي حتموتي نفسك من العياط.
قالتها وداد وهي تشدد من ضمها لابنتها ..ولكن نريمان لا تكف عن البكاء والشهلقة تقبض على حضن أمها بقوة تحتمي بها من مصير كهذا قالت وكلماتها ضائعة من كثرة البكاء:
-مش قادرة ياماما مش قادرة من ساعة ماشفت جومانة راقدة ومش حاسة بالدنيا وأنا حموت عليها..الدكتور قال انها بين الحيا والموت لو النزيف موقفش حتموت ياماما حتموت.
ثم واصلت البكاء بهستريا..ووداد تشدد من ضمها وهي تقول:
-بعد الشر عليها ياحبيبتي ربنا يلطف بيها يارب ويشفيها..والله البنت دي صعبانة عليا مش عارفة أب ايه ده..ال يعمل في بنته كده..ربنا يحرقه البعيد.
رفعت نريمان رأسها من على صدر أمها تسألها بانزعاج:
-ماما..فين مالك..سابني وراح فين.
وداد:
-مالك يابنتي بعد موصلك راح الشغل أبوكي عايزه هناك ضروري.
نريمان بتزمر:
-يووووه بقى هو ده وقته ازاي يسيبني في الحالة دي أنا محتجاله قووي.
أشفقت وداد على ابنتها من شدة تعلقها بزوجها فقالت لها وهي تمسح على شعرها:
-حالا يجيلك يابنتي متقلقيش روحي أنتي بس اغسلي وشك ونامي شوية لحد ما مالك يرجع.
انصاعت نريمان لنصيحة أمها وصعدت الى شقتها وهي في أشد الحاجة الى وجوده بجوارها.
*********************************
في حجرة العناية المركزة القابع بها عبد الحميد، راقد على سريره موصول بأنابيب طبية، وأجهزة تشير لنبض ضعيف وحياة على وشك الأنتهاء، رأسه يروح يمينا ويسارا تحت كمامة التنفس كأنه في معركة..نعم هو الآن في معارك وليس معركة واحدة..معارك الماضي الذي حضر وكأنه يحدث للتو شاهدا على فعلته الشنعاء، حضرت أمامه ذكرى ليلة زواجه..تلك الليلة التي كان ينتظرها على أحر من الجمر في هذه الليلة سوف يتحقق أكبر حلم في حياته وهو زواجه من أجمل فتاة في القرية التي عين بها مهندسا زراعيا.. وهي سلمى ابنة عمدة هذه القرية، فتاة كالفرسة العفية..تملك كل مقومات الجمال، حلم كل رجال القرية ومطمعهم في نفس الوقت.. ذلك من أجل أموال أبيها التي سترثها بمفردها..كان عبد الحميد عريس لقطة بالنسبة للعمدة فهو مهندس، وسلمى لا تجيد حتى القراءاة والكتابة،( العمدة سيناسب المهندس يابلد ) هكذا كان يتحدث العمدة بين رجال القرية.
اقيم عرس كبير بالطبل البلدي، عرس يليق بالعمدة ونسيبه الباش مهندس، في مثل هذا الوقت كان من عادات هذه القرية أن يدخل العريس على عروسه ( دخلة بلدي) لكي يخرج أبيها بعد ذلك بعلم الشرف مرفرفا عاليا أبيا بين أهالي البلدة.. ولكن عبد الحميد رفض تلك العادة المتخلفة، فهذه الليلة ملك له لا يجب أن يتعدى عليه أحد، وأصر عبد الحميد على أن تكون ليلة زفافه له وحده بينه وبين عروسه لا شريك بينهما، ولكن العروس ليست بكرا، يالعارك ياعمدة..خرج عبد الحميد في تلك اللحظة هائجا..سائر وعلم الشرف ناصع البياض..منتكسا بين يديه، يضعه أمام وجهه وهو ينظر لعيناه المزلولة قائلا:
-هو ده الشرف ياعمدة..بتغشوني بتضحكو عليا هي دي بنتك البكر المصون.
لم يستطيع العمدة التفوه ببنت شفة.. كان عرقه يسيل على جبينه بغزارة يشعر أن روحه تزهق بالبطيئ قال له بصوت محشرج:
-استر عليا ياعبد الحميد وال عتطلبه انا حدهولك.. أنا حكتبلك ثروتي كلتها.
توراى الشرف خلف سلطان المال..لمعت عيون عبد الحميد طمعا.. أمام الثروة تنازل عن كل شئ حتى الشرف.
وعاشت سلمى معه مكسورة مقهورة، مسجونة بجريمة عارها، كان عبد الحميد يعاملها معاملة العبيد..لم يغفر لها خطيئتها حتى ابنته التي جاءت بعد عام من زواجها لم يتقبلها، شك بها ولولا التحاليل التي أثبتت بنوتها له ، لكان ألقى بها في الشارع، أو في ملجأ، رحم الله سلمى عندما قبض روحها أثناء ولادتها..ولم يرحمها زوجها.. ذنبها الذي ارتكبته جعلها موصومة بالعار حتى مماتها، بل أنه لم يرحم أبنته التي ليس لها ذنب، عاش بوهم هذا العار ويقينه أن ابنته سوف ترث من أمها سلوكها السيئ..وحتما ستجلب له العار كأمها، فضيق عليها الخناق، وأغلق عليها الأبواب، حبسها في سجن الماضي، كان متزمتا معها..يعد عليها أنفاسها، ويحسب لها خطواتها كل ذلك لكي يحميها أو يحمي نفسه من عارا ظن أنه واقع لا محالة..ولكنا دمائها العفيفة الغزيرة التي فرشت الأرض أحييت ابوته بعثت حنانه من جديد..وولدت أيضا ندما شديدا.
ظل يهمس لنفسه بهستريا ودموعه تسقط من جانب عينيه:
-ابنتي أشرف من الشرف..أبنتي ضاعت بسببي..ضايعتها ..خسرتها بقسوتي..ظلمتها..بنتي جومانة ..جومانة..
وعلى صوته المحتضر باسم جومانه حتى أن الأجهزة ارتفعت أزيزها تنذر بتوقف قلب المريض.. ركضت الممرضة في عجلة..لتنادي على الطبيب..بعد أن حضر الطبيب وبذل كل ما يمكن لأنعاش قلبه.. مرة أخرى دون جدوى فالروح لفظت أنفاسها الأخيرة.
