كاره النساء ج1

بقلم سهير عدلي

فلاش باك……….
في اليوم ديه استغربت عشان أول مرة تاجي متأخر إكده وكمانيتي كانوا كل الموظفين والعمال تقريبا روحو، لجيتها بتجولي:
-مساء الخيييير
تفوهت بها بغنج ودلال تمط حروفها كأنها تراقصها.
نظر مالك إليها فضيق مابين حاجبيه في استياء ..سببه سحنتها الملطخة بمساحيق تجميل صارخة، وكأنها غانية، أتت لتعرض بضاعتها الرخيصة عليه..جسدها الذي تتمايل به في ثوبها الضيق اللامع كأنه أفعى على وشك أن تبخ سمها فيه، كعبها العالي الذي يصدر أنغاما صاخبة مع خطواتها المتمايعة تحرضك على قتلها، حاول مالك أن يكتم غيظه ويوئد سخطه علها تنصرف سريعا..لذلك أجابها دون إكتراث وتصنع أنه مشغول في فحص بعض الدفاتر وبنبرة جافة:
-مساء النور.
ولأنها أمرأة ذكية وتعلم أنه يفتعل عدم الاهتمام بها لكي يتملص منها، وتعلم أيضا أنه رجل غير كل الرجال اللذين قابلتهم ، لذلك سوف تمرر له كل ما يفعله فهو صيد ثمين له مذاق مختلف لن تجعله يفلت منها أبدا، فحرصت على أن ترمي له طعم جيد لكي تصطاده بها..وكان هذا الطعم يتمثل في حركاتها اللعوب..وصوتها الذي تحشوه بالرقة، وجسدها البض المتناسق الذي يهتز بدون سبب.
اقتربت منه وكل لفتة منها تدعوه، وترغبه وترواده عن نفسه حتى كادت أن تلتصق به فهمست بصوت يملؤه الأغراء:
-أزييك عامل أيه..تعرف أنك وحشتني قوووي طول ماانا مسافرة وأنا فكر فيك.
وهنا لم يستطيع مالك كبح غضبه، أحمرت عيناه..وانتفخت أوداجه ونفرت عروق رقبته فأبعدها عنه وثار في وجهها غاضبا:
-أييه يامرة أنتي..متجفي عدل وتتحددتي زين ولمي…..
قاطعته زهرة ولم تبالي بثورته ولا غضبه بل اقتربت منه وحاوطت رأسه بيديها وشبكت أصابعها خلف رقبته وراحت تهمس وأنفاسها تلفح وجهه:
-بقولك ايه مكفاية تقل بقى..صدقني لو جربتتي مرة مش حتسلاني..أنا مفيش حد قدر قبل كده يقاومني..تعالى معايا البيت..وأنا حبسطك قوي..ثم نفخت في وجهه واستطردت تقول بصوت يحرضه على الفحش:
-هاه قلت ايه يا حبيبي.

ظل ينظر لها بحقارة أنفاسه متهدجة..قربها منه نارا تكوي جسده..أنفاسها كأنها تأتي من الجحيم..حاول أن ينزع يديها من حول رقبته ..ولكنها تتشبث به بقوة.. مغمغمة في اصرار:
-متحاولش أنت أسيري انهاردة ومش حروح غير بيك.
وكأن ما يحدث له من غزو لتلك المرأة اللعوب كان شبيها لمشهد حدث أمامه في الماضي..كان صغير عمره ست سنوات، يرى أمرأة حركاتها تشبه لحركات زهرة..ملابسها الفاضحة مثل ملابس تلك المرأة ..ميوعتها..حديثها ذو النبرة المتمايعة..شعرها الغجري وكأنه يحرضه مثلها..اصرارها في اقتناص فريستها..كل ذلك يشبه لتلك المرأة تلك المرأة التي بغضها من كل قلبه..لم يشعر الا ويديه تطبقان على رقبتها يريد أن يزهق روحها أم تراه يزهق الماضي محاولا اغتياله حتى يمحوه من عقله الى الأبد..ماضي ظل وبات يؤرقه..اتسعت عينان زهرة بقوة وحاولت أن تسعل فلم تستطيع..تشهق بعذاب محاولة ان تجلب لنفسها الهواء.. يديها تحاول بلا أمل أن تنزع يديها من على رقبتها ولكن مالك راح يضغط في اصرار حتى شخص بصرها وترنحت بين يديه..تركها أخيرا ..ينظر لوجهها الذي ازرقا.. وعيناها الشاخصة..ممدة على الارض جثة هامدة..راح يلهث بشدة يتأمل يديه اللاتي ازهقت روح تلك الغانية، كان يرجع الى الوراء بخطوات ثقيلة..زاهلة في لحظة سار قاتل..قاتل..أنه قاتل.
-مالك ..مالك حاسس بايه؟؛
هتف بها الطبيب عندما وجده يتنفس بصعوبة..ووجهه بدأ يشحب ويصير ازرق كان يصارع بيديه وقدميه كأنه يحتضر..لقد تأثر بما يحكي فعادت اليه ذكرى ذلك الحادث الأليم..نهض على الفور وحقنه بمهدأ ..وبعد أن اشتغل مفعوله ونام ..خرج الطبيب فوجد نريمان جالسة مع مربيتها يحتسان الشاي وما إن رأته حتى هرولت اليه وسألته بلهفة:
-دكتور ..مالك قالك ايه طمني؟
بصعوبة أخفى أسفه.. تذكر رغبة مالك في عدم سماعها لما يقوله..لأن ما قاله بالتأكيد أكبر من استيعابها له..لذلك لم يفصح لها بشئ حتى يظهره صاحبه..ابتسم بعملية بعدها أردف:
-يعني مفيش حاجة مهمة قوي..هو لسة تعبان عشان كده مقدرش يتكلم..أنا اديته منوم مش حيفوق قبل بكرة الصبح. . وأنا حكون هنا قبل ما يفوق باذن الله.
-طيب يادكتور.
قالتها وهي تشعر بداخلها أن الطبيب يخفي شئ عنها خاصة عندما انصرف بعجل ولم يعطها الفرصة لكي تسأله أسئلة اضافية ..بعد انصراف الطبيب ظلت شاردة تفكر في مالك وما حدث له حتى أن مربيتها أسفت لحالها فربتت على كتفها قائل:
-خليها على الله يابنتي وأدعيله ..والله أنا حاسة أن حيخف وحيبقى زي الفل.
-يارب يادادة.
-الا قوليلي ياست نريمان هما الحج والحجة متصلوش بيكي من ساعة ما مشيو .
-اتصلوا مرة وحدة وطمنتهم علينا..وأنا كمان اطمنت عليهم.
-مقالوش حيرجعوا امتى.
-لسة شوية يا دادة خمستاشر يوم كمان ويرجعوا..والله وحشوني قوي ونفسي بقى يرجعوا عشان يشيلو الحمل عني الشوية.
-ان شاء يرجعوا بألف سلامة.
-يارب يادادة يااارب.. بقولك ايه روحي انتي شوفي ال وراكي ..وأنا حدخل لمالك اطمن عليه.
-حاضر من عنية ولو عوزتي حاجة اندهيلي.
-ربنا ما يحرمني منك يارب ..أنا مش عارفة من غيرك كنتي عملتي ايه.
-متقوليش كده يضنايا انتي زي بنتي ربنا يفك كربك يااارب.
قالتها وهي تضمها لصدرها تربت على صدرها في حنان بالغ.
**********************************

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *