نفوس قاسية ج2
بقلم منى احمد حافظ

الثامنة عشر .سعادة لم تكتمل.
————————————-
لا أستطيع أن أتخيل كم المعاناة التي مررتي بها حبيبتي، كيف لفتاة في عمرك لم تتجاوز الثامنة عشر آن ذاك أن تتحمل هذا التمثيل الوحشي بجسدها من فاقد الأدامية السادي هذا، كيف تحملتي يا حبيبة قلبي وأنا غافل عنك حقا لا عذر لدي غير تلك الظروف التي مرت بى والتي أراها لا شيء بجانب معاناتك، فهل سيسامحني قلبك يوما لأني أثقلت على قلبك بألم فراقي أيضًا.
أدميت قلبك وكسرت كبريائك كرجل بارتباطي بك كيف ستتحمل رؤيتي بين يديك وأنا أحمل ندبات ماضي خطها رجلًا غيرك فوق جسدي، كيف ستقبل كرجل شرقي وجودي أمامك كل لحظة وأنا أبكى وأنوح كلما اقتربت مني خطوة، ما كان عليا أبدًا أن أوافق على زواجي منك كان يجب أن أصمم على رفضي ولكن كيف وأنا دومًا أقع أسيرة عيناك فهي تسلبني دقات قلبي تفقدني اتزاني فاقع مرات ومرات في حبك، آه كم أعشقك يا آدم وكم أود أن أكون أنا حوائك وملاذ قلبك.
لم يستطع آدم إغماض عينيه فقد بذل كل ما في وسعه من أجل أن تنام سهر بعد أن جفاها النوم فقد أحس عذابها وتألمها فجلس بجانبها يراقب ملامحها التي هدأت أخيرًا واستسلمت للنوم وهو لا يصدق أنها أصبحت زوجته، كم من ليال مرت عليه يتخيلها بين ذراعيه فيستيقظ وهو يبحث عنها ليعود له رشده بأنه كان يحلم بها، تنهد آدم وهو يراها تحتضن وسادتها وأبعدها عنها ببطء واندس بدلًا منها بين ذراعي سهر ليخفق قلبه بقوة فنظر إليها خائفًا من صحوها بسبب ضربات قلبه المرتفعة وأنفاسه المتسارعه، فأغمض عيناه يتنفس عطرها الذي أسكره حتى الثمالة ليغفو أخيرًا بين ذراعيها.
استيقظت سهر تشعر بشيء قاسي أسفل رأسها ففتحت عيناها على مضض لتصدم بنومها بين يدي آدم وتريح رأسها على صدره ويدها تحيط بخصره، فابتعدت عنه تشعر بالحرارة تغزو جسدها ورفعت عيناها تراقبه بعدما تأكدت أنه ما زال نائمًا نظرت إلى قسمات وجه فتلك هي المرة الأولى التي تحدق به عن قرب هكذا لاحظت هدوء ملامحه كأنه أخيرًا نال أمانه، مدت يدها تلمس شعره فشردت أطراف أصابعها تعبث بخطوط وجهه حتى وصلت إلى شفتيه فحدقت بهما لتتفاجأ بعينا آدم تراقبها فابتعدت عنه سريعًا واعتدلت وقالت بحدة طفيفة تحاول إخفاء مشاعرها خلفها:
– أنت إيه خلاك تنام هنا.
أجابها آدم بهدوء:
– عيني غفت وأنا قاعد جنبك معلش يا حبيبتي أنا آسف عموما لما نرجع من السفر لو حبيتي كل واحد هيبقى له اوضة لوحده ها راضية كده.
تنهدت سهر وهي تحدق بعين آدم وقالت تسأله:
– أنت مصمم على موضوع السفر ده.
ملس آدم على شعر سهر وقال:
– أكتر من أي وقت تاني لازم تسافري تستجمي وترجعي سهر جديدة.
تحركت سهر مبتعدة عنه وقالت باضطراب:
– آدم طيب أنا ليا طلب عندك ممكن توافق عليه.
اعتدل آدم هو الآخر وجلس على طرف فراشه وقال:
– اللي تأمري بيه هنفذه أأمريني.
التفتت سهر له وابتسمت بحب وقالت:
– أنا عاوزة أروح عند ماما صفية قبل ما نسافر أنا مش هعرف أروح أي مكان وهي زعلانة مني.
عبس آدم وحدق بها بغيرة وقال:
– بس كده هنروح ومحمود هيشوفك طيب ما أبعت اجيبهالك هنا وبلاش موضوع أنك تروحي هناك.
هزت سهر رأسها بالرفض وقالت:
– أنا زعلتها جامد أوي وبعدين هي متعرفش أننا اتجوزنا وحياتي يا آدم علشـ.
وضع آدم أصبعه على شفتيها وقال:
– اوعي تترجيني تاني أبدا مهما حصل علشان أي حاجة، أنا قلت لك هنفذ لك كل حاجة تتمنيها أو تفكري فيها يلا أجهزي براحتك وأنا هاخد هدومي والبس فالاوضة التانية.
هم آدم أن يغادر ولكن سهر استوقفته وهي تشعر بالحرج وقالت:
– آدم أنا أصل أنا.
عاد آدم ووقف أمامها منتظرًا منها أن تكمل حديثها فلاحظ احمرار وجهها بشدة فهمس يسألها:
– إيه يا سهر مالك اتكلمي معقول أنتِ مكسوفة مني أنا.
نظرت سهر له وأبعدت عيناها عنه مرة أخرى وقالت تهمس بصوت خفيض:
– أنا مجبتش هدوم ألبسها معايا وليا حاجات فالفندق وحاجات عند عمو صالح و.
عقد آدم حاجبيه وقال:
– أنسي أنك تروحي الفندق ده تاني لإن أكيد هو هيبقى مستنيكي هناك ألبسي نفس هدومك وهاخدك اجيبلك كل اللي أنتِ عايزاه وعلشان تعرفي حتى بيت الأستاذ صالح مينفعش تروحيه تاني ومجازًا هوديكي عند ماما صفية لأني وعدتها ارجعك ليها.
وصل آدم مع سهر إلى منزل محمود فوقف أمام الباب وهمس لسهر محذرًا لها بغيرة:
– تقعدي جانبي ومتدخليش أي اوضة حتى ولو مع ماما صفية فاهمة ومتبصيش لمحمود نهائي وياريت متتكلميش معاه من الأصل.
ضحكت سهر بسعادة وهي تلحظ غيرة آدم الواضحة عليه فأحاطت وجهه بكفيها وقالت وهي تنظر في عيناه:
– بتحبني أوي للدرجة دي وبتغير عليا.
رفع آدم كفيه واحتضن كفيها وقبلهما في نفس اللحظة التي فتح فيها محمود الباب ليصطدم بآدم يقبل يدي سهر، فشعر بنغزة أصابت قلبه فطوال حياته تمنى أن تنظر له سهر ولو لمرة واحدة مثل تلك النظرة التي هامت بآدم عشقًا فزفر بغضب وقال:
– إيه فاكرين نفسكم فين علشان تقفوا بالشكل ده هي وصلت بينكم للدرجة دي.
رفع آدم حاجبه وقال وهو يقبل كف سهر للمرة الثانية:
– مراتي بقى يا محمود بعدين احنا لسه عرسان جداد وجينا نشوف ماما صفية مش هي موجودة.
صدمة أخرى تلاقاها محمود على يد آدم فشعر بالغضب يسيطر عليه فقال بحقد:
– بقت مراتك فيوم وليلة ولا.
ابتعد آدم عن سهر ليجذب محمود من قميصه بعنف وكاد أن يلكمه ليتراجع عن قراره حين لاحظ حزن سهر ورفضها ردة فعله فقال وهو يكظم غيظه:
– مش مطلوب مني أفسر لك أنت أي حاجة احنا جايين أصلًا لماما صفية قبل ما نسافر تركيا نقضي شهر العسل.
واحتضن آدم سهر ونظر لمحمود بسخرية وقال:
– ياريت تبلغ ماما صفية أننا هنا.
كور محمود قبضته وعاد إلى الداخل ينادي بصوته الجهوري:
– يا ماما يا صفصف في ضيوف عوزينك.
خرجت صفية وملامحها تشهد على عدم نومها لتتفاجأ بآدم وهو يحتضن سهر بحب فتغيرت ملامحها وهي تفتح ذراعيها لسهر، التي أبتعدت عن آدم وارتمت بين ذراعيها وهي ترجو منها السماح فربتت صفية على ظهر سهر وقالت:
– وحشتيني يا بنتي ياه كنت خايفة أموت وأنتِ مش معايا إنما دلوقتي أنا ارتحت أنك رجعتي لحضني من تاني.
ونظرت إلى آدم وقالت:
– شكرا ليك يا ابني وفيت بوعدك زي ما قولت.
فاجأها آدم بجذب سهر من يديها إلى صدره وقال وهي تحدق بهما بدهشة:
– سامحيني يا أمي أنا وفيت بس بنص وعد إن ارجعلك سهر أما بقى موضوع أنها تبقى فحضنك فبعتذر منك لأن سهر هتفضل فحضني أنا وبس.
سألته صفية تستوضح قصده وقالت:
– مش فاهمة تقصد إيه.
قبل آدم رأس سهر وقال:
– أنا وسهر اتجوزنا امبارح وهنسافر تركيا وطبعا مينفعش نسافر من غير ما نقضي اليوم معاكِ.
شعرت صفية بفرحة وراحة تغمرها بعدما طمئنها آدم أنه تزوج سهر فابتسمت وقالت له بمحبه:
– طيب لما انتو اتجوزتو وهتسافروا سيبها بقى فحضني شوية ولا إيه يا سهر.
قطع على سهر أجابتها خروج هدى التي وقفت تحدق بهم بدهشة وهي ترى سهر بين ذراعي ذلك الوسيم فعبست وقالت:
– هو احنا عندنا ضيوف يا ماما.
لم تلتفت صفية لها إنما جذبت آدم وسهر إلى غرفتها وهي تقول:
– هنقعد هنا براحتنا من غير ما حد يضايقنا يلا يا ولادي.
التفتت سهر لهدى قبل أن تدخل غرفة صفية وقالت وهي تنظر لهدى:
– معلش يا آدم أصل هدى فاكرة نفسها صاحبة البيت يلا يا حبيبي نقعد مع ماما براحتنا.
وقفت هدى وضربت بقدمها الأرض بغيط وتوجهت إلى غرفة محمود لتدفع الباب دون أن تطرقه فقالت بحدة:
– عاجبك كده الست سهر جاية ساحبة واحد وراها وتقول عني أنا أني غريبة يرضيك كده يا محمود.
رفع محمود عيناه ينظر لها بضيق وقال:
– وأيه يزعل يا هدى تلاقيكِ أنتِ اللي قولتي حاجة زي عادتك وضيقتيها وبعدين ارتاحي اللي مع سهر جوزها.
ابتسمت هدى بفرح وقالت:
– بجد يا محمود سهر اتجوزت معقول.
وقف محمود أمامها ونظر لها بعصبية وقال:
– مالك فرحانة كده ليه.
وصمت وهو يفكر ثم أكمل وقال:
– آه فرحانة إن الساحة فضيت لك عارفة أنتِ مافيش فايدة فيكِ أنا اللي قولت هتتغيري إنما واضح أنك هتفضلي زي ما أنتِ بس عاوز أقولك على حاجة مش سهر اللي تخافي منها.
واقترب منها أكثر لتضرب أنفاسه وجهها وقال:
– خافي مني أنا لأني فلحظة ممكن تلاقيني داخل ومعايا مراتي الجديدة.
ابتعد عنها محمود فالتفت له لتحتضن ظهره وتقبل عنقه قائلة:
– كفايه بعد يا محمود أنا عارفة أنك بتقول كده علشان تضايقني بس وحياة ابنك بلاش تهجرني اكتر من كده.
التصقت هدى بمحمود تحتضنه وتدفع بيداها أسفل ملابسه ولكنه قبض على يدها والتفت لها ودفعها عنه وقال:
– كان زمان يا هدى الحركات دي ممكن تمشي معايا إنما دلوقتي معدتش تمشي معايا واتفضلي روحي اوضتك وإياكِ تدخلي هنا تاني.
خرجت هدى فاغلق محمود باب غرفته بحدة وجلس على فراشه يشعر بإنه خسر للأبد أي فرصة تجمعه مع سهر، فيكفي نظراتها لآدم ليعلم أنها لم تتوقف عن حبه لحظة واحدة وإنما زاد هذا الحب بينهما أكثر واكثر.