نفوس قاسية ج2
بقلم منى احمد حافظ

جلست سهر بين صفية وآدم يضماها كلاهما إليه وهي تضحك على حديث آدم وصفية، حتى توقفت صفية فجأة عن الكلام وتنظر إلى آدم وقالت:
– ينفع نتكلم جد شوية أنا عايزة أعرف أنتم ناويين تعملوا أيه فموضوع فؤاد بعد الكلام اللي الهانم قالته له وعشمته أنها ليه.
شعرت سهر بسعادتها تبهت لتذكرها فؤاد فلاحظتها صفية فقالت:
– أنا لازم أسأل علشان الصفحة دي لازم تتقفل خالص ومتتفتحش تاني متزعليش من كلامي يا سهر ما أنا عايزة أعرف أيه اللي خلاكِ تعيشي عند صالح وليه دكتور هاني خبى علينا أنه يعرف مكانك.
احتضن آدم كف سهر ونظر لها يطمئنها فابتسمت له وقالت وهي تحدق في عيناه كأنها تقف على شاطىء نجاتها:
– أنا اللي طلبت من هاني أنه ميقولش على مكاني علشان محمود ميرجعنيش له تاني ولو كنت فضلت كنت هضعف علشان خاطرك زي كل مرة وأرجع له، قعدت فشقة أخت هاني وكنت بروح له المستشفى اللي بيتشغل فيها أتعالج وهناك قابلت عمو صالح كان تعبان جدًا ومكنش في حد معاه بقيت بروح ازوره لحد ما أتحسن ولما خرج من المستشفى طلب أني أعيش معاه وبصراحة مسبنيش عاملني زي عمي خميس ما كان بيعاملني زي بنته، وكملت علاجي عنده واتعرف على هاني لحد ما يوم لمحت فؤاد فمشيت وراه وعرفت طريق محله الجديد بعد ما باع كل حاجة واشتري فأماكن تانية علشان محدش يوصل له، ولما شوفته كنت خلاص اقتنعت أن لازم انتقم منه فقربت منه وقابلته كذا مرة لحد ما طلب مني الجواز قبل ما تعرفوا مكاني وو الباقي أنتو عارفينه.
تنهدت صفية وقالت:
– يبقى تطلعيه برا دماغك وتفكيرك خالص وتعيشي مع جوزك بقى ولا أنت مش ناوية تفرحيني بحفيد.
ارتبكت سهر ووقفت وقالت:
– أن شاء الله يا ماما كله بأمر الله.
ونظرت إلى آدم بارتباك وقالت:
– مش يلا يا آدم علشان نلحق نجيب الحاجات.
أبعد آدم نظره عن سهر وقال وهو يشعر بحاجتها أن تكون وحيدة:
– يلا يا سهر الوقت فعلًا على القد.
صافح آدم صفية واحتضنت سهر ووقفت تودعهم لتسمع صوت ابنها يقول وهو يقف خلفها ليفاجئهم:
– بيت أخوكِ مفتوح لك فأي وقت يا سهر.
سحبها آدم بغيرة ولم يدع لها الفرصة لتجيب فتحركت للمصعد ووقفت بجانبه في المصعد بصمت وتنظر إلى الأرض، كذلك جلست بجانبه في السيارة طوال الطريق صامته فأوقف آدم السيارة فجأة فكادت سهر ترتطم بالزجاج، فنظر لها آدم وهو يقبض على مقود السيارة حتى ابيضت أصابعه وقال:
– قلت لك متبصيش لمحمود ولا تتكلمي معاه وأنت مسمعتيش الكلام وكنتِ ناوية تقفي وتردي على عرضه كأنك خلاص من بين كل البيوت هترتاحي معا، السمج ده اللي فاكر أنه بجملة يخليني انسى اللي عمله معاكِ.
اطلقت سهر ضحكة عالية وهي تنظر لآدم وقالت له تزيد غضبه:
– يا حرام يا آدم أنت حالتك صعبة اوي إيه كل الغيرة دي أنا أصلًا مش بطيق محمود وأكيد أكيد عمري ما هختار بيت يكون فيه واقعد معاه تاني.
صمتت سهر تهدأ ملامح آدم فقالت:
– دومي حبيبي خلي عندك شوية ثقة صغننة فسهورتك حبيبتك ودلوقتي مش هنروح بقى نجيب حاجات السفر وبعدين أنا نسيت أسألك هو أنا أصلًا هسافر ازاي وأنا معنديش جواز سفر.
ابتسم لها آدم وقرص وجنتها وقال:
– علشان أنا مش بلعب يا سهورتي جواز سفرك والتأشيرة وكل حاجة جهزت من وقت ما خرجنا من المكتب امبارح مازن قام بكل حاجة.
——————-
جلس مازن يلاعب صغيره فنادته هايدى تقول:
في واحد واقف برا بيقول عاوزك فحاجة مهمة اسمه هاني لا الدكتور هاني مين ده يا مازن.
اعطى مازن طفله لهايدي وقال:
– ده صاحب آدم آه صحيح نسيت أقولك أن آدم اتجوز سهر امبارح.
حدقت به هايدي بدهشة وقالت:
– من امبارح يا مازن وساكت ما أنت عارف أني عايزة أقابل سهر واخليها تسامحني علشان آدم يكلمني ولا انتو لسه خايفين مني أني أ أذيها حتى أنت يا مازن فاكرني لسه زي زمان عمومًا شكرا ليك.
اغلقت هايدي غرفتها بحزن فهي مازالت تشعر أنها غريبة بين مازن وآدم وما أن تظهر بمكان حتى يصمتا ولا يطلعها مازن على أي أخبار عن آدم، فتنهدت وهي تفكر كيف لها أن تصلح ما افسدته في الماضي، استقبل مازن هاني بابتسامة فنظر له هاني بحرج وقال:
– أنا عارف إن مفروض كنت أتصل الأول بس أنا محتاج لك فموضوع مهم جدًا موضوع حياة أو موت.
شعر مازن بالقلق فقال يسأل هاني بلهفة:
– خير يا هاني في حاجة حصلت لآدم ولا سهر ما تتكلم يا أخي وقعت قلبي.
أجابه هاني وهو يشعر بالحرج وقال:
– أنا عاوز عنوان سكرتيرة آدم الانسة منال ضروري.
حدق مازن بهاني بدهشة وقال:
– هو ده موضوع الحياة أو الموت اللي تقصده تصدق يا هاني أنا هقول لآدم وأنت اتصرف معاه.
جذب هاني ذراع مازن وقال يرجوه:
– يا عم قولي عنوانها البت من ساعة ما شوفتها مش عارف أنام ولا أعيش واحسن حل أروح أطلبها أنا روحت الشركة لاقيتكم أجازات فاكسب ثواب فاخوك واديني عنوانها ورقم تليفونها.
ضحك مازن بشدة وقال:
– العنوان ماشى إنما موبايل لا هي لو عاوزة تبقى تديلك الموبايل إنما تاخده منى أنا لاء.
وقفت هاني أسفل البناية يشعر كأنه عاد مراهقًا مرة أخرى فصعد على السلم حتى وصل إلى الدور السادس ووقف أمام الباب يسترد أنفاسه وطرقه، وماهي إلا لحظات حتى فتحت منال الباب لتقف أمام هاني بشعر مشعث ترفع يدها إلى فمها تقضم خيارة فأغلقت الباب مرة أخرى بوجهه وهي تشهق بصدمة، فسمعت صوت زوجة والدها فوزية تناديها وتسألها:
– مين اللي على الباب يا منال.
وقفت منال تحدق بها ببلاهة وهمهمت بصوت غير مفهوم:
– ده هو مش عارفة.
وقفت أمامها فوزية وقالت:
– يا بنتى ركزى مين اللي على الباب.
صمتت فوزية حين تعال صوت الطرقات فنظرت لمنال قالت:
– روحي لمي شعرك ده وأنا هشوف مين.
فتحت فوزية الباب وقالت:
– خير يا أستاذ حضرتك عاوز مين.
ابتسم هاني وقال:
– أنا عاوز أقابل والد الانسة منال علشان عاوز اخطبها.
لم يكد هاني ينهى حديثه حتى سقطت منال أرضًا فاقدة الوعي لتصيح فوزية:
– يا لهوي البت حصل لها أيه.
استئذن هاني وهو يقول:
– أنا دكتور ممكن أي برفان.
وحمل منال ووضعها على أقرب اريكة ولف بنظره سريعًا ليرى ولدين مراهقين يجلسان يستذكران لتخرج فتاة أخرى من غرفة جانبية وهي تقول:
– ماما هي مالها أبلة منال.
أجابتها فوزية وهي تمد يدها لهاني بزجاجة عطر قديمة وقالت:
– مش عارفة يا بنتي أنتِ عارفة أختك مش بترحم نفسها فالشغل ومبتكلش كفايه.
صمتت فوزية وهي تلحظ عينا منال تفتح فقالت:
– الحمد لله فاقت.
ونظرت لها تسألها:
– مالك يا حبيبتى انتى كويسة.
اعتدلت منال وهي تحدق بهاني وقالت تسأله بضعف:
– أنت جاي هنا تهرج صح.
عاتبتها فوزية وقالت:
– أيه يا منال ده جوا بيتنا حد يقول كده لضيفه قومي أدخلي مع أختك وريحي وسيبيني مع الأستاذ لوحدنا.
وأشارت إلى والديها وقالت:
– ادخلوا مع اخواتكم جوا.
ثم التفتت إلى هاني وقالت:
– خير بقى يا أستاذ قولت جاي ليه.
اعتدل هاني في جلسته أمامها وقد شعر أنها ليست بسيدة ببسيطة فقط وإنما قوية الشخصية فهي تحدق بعيناه بثبات فقال:
– أنا صديق للأستاذ آدم اللي بنت حضرتك بتشتغل فالشركة عنده وقابلتها مرة فالشركة وبصراحة لفت نظرى أدبها وأخلاقها فقلت أجي البيت من بابه، فين والدها علشان أطلبها منه أنا جاي وقصدي شريف والله.
اكتسى الحزن وجه فوزية واغمضت عيناها وقالت:
– الحج أحمد الله يرحمه يا ابني وأنا هنا دلوقتي فمحل أمها وأبوها، وطبعا أنت عارف الأصول شكلك بيقول كده فلو فعلًا قصدك شريف مجتش ليه ومعاك أهلك احنا هنا يا بني ولايا لوحدنا وسمعتنا هي راس مالنا وأنا مش عاوزة حد يبص لنا بصة مش كويسة ولا إيه رأيك.
شعر هاني بالحرج أكثر وقال موضحًا:
– أنا والدي ووالدتي متوفيين من سنين وأختي الوحيدة عايشة برا مع جوزها وولادها، أنا دكتور وعندي شقة تمليك جاهزة وأنا فعلًا يشرفني إن اطلب أيدها من حضرتك ومش هكلفكم أي حاجة أنا عاوز منال بشطنة هدومها وأي طلبات أنا تحت أمركم فيها.
نظرت له فوزية وقالت:
– طيب اديني مهلة اسأل منال على رأيها وأشور عمها واللي فيه الخير يقدمه ربنا.
———————
تعلقت سهر بذراع آدم طوال رحلة الطيران حتى خرجا من مطار أنقرة لتجد سيارة بانتظارهما، فجلست بجانب آدم وهي ما زالت ترتجف فرحلتها الأولى أرهقت أعصابها، فمال عليها آدم وقال حين وصلا إلى منزل صغير يمتلكه:
– واثقة فيا يا سهر.
هزت سهر رأسها وقالت بهمس ضعيف:
– ايوة يا آدم ومتسألش السؤال ده تاني ارجوك.
فاجئها آدم بحمله لها فشهقت وتعلقت بتلقائية برقبته واسندت رأسها على صدره واغمضت عيناها وجسدها ينتفض بين ذراعيه حتى ادخلها إلى غرفة نومهم وممدها على الفراش وهمس بأذنها قائلًا وقد أحس بقلبه ينبض بقوة واحتياجه لاحتضانها أكثر:
– أنا هجيب لك دكتور أنا حاسس أنك تعبانة.
لم تستطع سهر فك كفيها وأبعادهما عن آدم فحدق بها آدم وقال بدهشة:
– سيبي رقبتي يا سهر أنتِ هنا فأمان متخافيش يا حبيبتي.
دمعت عينا سهر وقالت:
– مش قادرة أفك أيدي خايفة تبعد وتسبني خليك جانبي يا آدم وحياتي متسبنيش.
أبعد آدم يدا سهر عنه بصعوبة لتفاجئة باحتضانه وهي تبكى بهسترية غريبة:
– لا أنت هتسبني هنا وتمشي لا يا آدم.
شعر آدم بتمزق بقلبه من حالة سهر فهي منذ وصلا مطار القاهرة وقد تغيرت حياتها للخوف وها هي تعود لفزعها من جديد، تمدد آدم بجانبها فوضعت سهر رأسها فوق صدره تبكي حتى هدأت وكانت تلك الدقائق عذابًا حقيقيًا لآدم، فقربها منه أشعل مشاعره واحتياجه وهو على يقين أنها لن تقبل به أبدًا في الفترة الحالية فربت على رأسها وقال يطمئنها:
– سهري أنا لا يمكن اسيبك بس أنا فعلًا مينفعش أفضل كده.
ركزت سهر بذراعها على الفراش ووضعت كفها الآخر على صدر آدم ونظرت له وقالت:
– يعنى إيه مش هتسبني ومينفعش تفضل.
وكادت أن تبكي من جديد فجذبها آدم إليه واحتضنها وهمس وهو يدفن وجهه بعنقها:
– سهر أنتِ مبقتيش صغيرة وأكيد عارفة لما الواحد يعشق وتبقى حبيبته بين أيده بالشكل دا بيبقى الأحتياج صعب أوي، وأنا بصراحة بتعذب جنبك وأنا مش قادر ألمسك أنا وعدتك أني أحافظ عليكِ لحد ما تتعالجي وتقبلي بيا وبوجودي كزوج فارحميني يا حبيبتي.
اشعلت أنفاس آدم سهر وأحست أنها تتوق لحبه لها فحاولت استجماع شجاعتها وأتلصقت به أكثر وطوقته بذراعيها وحركت وجهها ليقابل وجهه، فتاه آدم وغرق في جنة عيناها الخضراء ومال بشفتيه لتلتقي شفتاها التي طاق كثيرًا لتذوق قبلتهما، وقلبها آدم برقة لتتحول القبلة بينهما إلى أقوى وأعمق كأنهما وجدا الملاذ الأمن بعد طول عناء، وتحركت يد سهر بتلقائية تتحس ظهر آدم وتجذبه إليها أكثر، فظن آدم أنها إشارة منها ليعطيها المزيد من حبه ويطفأ شوقهما واشتياقهما، تمادى آدم معها أكثر وتناسى حالتها فأراحها على الفراش واعتلاها ورحبت به سهر فطار عقله بها وانغمس يرتشف منها رحيق الجنة التي خلقت له، فها هي حواء نصف آدم الآخر ومكملته بين يداه ترحب به باحتياج يماثل احتياجه، وما كاد يحل عنها ثوبها حتى أطلقت سهر صرخة مدوية ودفعت آدم عنها برعب فابتعد آدم عنها وأنفاسه تتلاحق فاحتضنت سهر جسدها وهي تبكي بصوت زاد عذابه فلعن فؤاد وما تسبب به من دمار لها فوقف حائرًا عاجزًا عن الأقتراب ليواسيها ليقول بصوت حزين:
– أنا أسف سامحيني يا سهر أنا مش عارف سبت نفسي كده أزاي حقك عليا.
رفعت سهر عيناها له وهي تتمزق فهي تتوق له خاصة وقد أشعل بها أحاسيس تمنتها كثيرًا ف قالت وهي تنتحب:
– سامحني غصب عني والله أنا مكنش قصدي أبعدك بس أنا مش قادرة.
جلس آدم بجانبها مرة أخرى وقال:
– طيب ممكن تهدي خلاص محصلش حاجة أكيد كل حاجة هتتغير و.
قاطعته سهر بحدة غاضبة من تصرفها معه وقالت:
– وأنت ذنبك إيه قولي ذنبك إيه تقبل بيا وباللي أنا فيه ده، أنت مكنش مفروض تتجوزني طلقني يا آدم ومتظلمش نفسك معايا طلقني أرجوك وسبني أنا مش هقدر أكون لك الزوجة اللي طول عمرك بتتمناها.
وقفت سهر بسرعة وأسرعت تغادر الغرفة وهرولت متجهة إلى خارج المنزل وخلفها آدم يسرع خطاه حتى أدركها قبل أن تصل إلى الطريق وجذبها بعنف وهو يصرخ بحدة:
– أنتِ اتجننتي أنا لا يمكن أطلقك وهفضل معاكِ لحد ما تتعالجي أنتِ فاهمة.
وحملها آدم فأخذت تدفعه بعيدًا عنها حتى أدخلها إلى الغرفة من جديد وقال:
– أنا هسيبك لوحدك حاولي تنامي علشان بكرة ورانا يوم طويل.
أغلق آدم عليها الغرفة وجلس أرضًا خلف بابها يحاول تمالك نفسه وأخرج هاتفه من جيبه وأجرى اتصاله وقال بلهجة غامضة:
– نفذ اللي طلبته منك حالًا.

