حين تخزلني عيناك

بقلم هاجر عبد الحليم

كانت ليان جالسة في الغرفة، تغرق في صمت الليل، حتى قررت أن تمسك بكتاب قديم كان موجودًا على
الطاولة أمامها. فتحته، ولكن بمجرد أن قلبت الصفحة الأولى، وقع نظرها على رسالة مكتوبة بخط غير مألوف:
“انقذي نفسك. أنا مقدرش. قصي هيروح في سكة فارس. احميه يا ليان، احميه.”
ليان صرخت فجأة، ويدها اهتزت بينما رمت الكتاب بعيدًا
ليان: “مش فاهمة… أنا مش فاااااهمة!”
كانت تصرخ، وترتعش بشدة، كما لو أن شيء ما كان يضغط على صدرها، يقيد حركتها.
…
تاني يوم
كان الليل يلف المكان بصمت ثقيل، وفي ركن من غرفة المعيشة جلس قصي أمام لوحته، يحاول أن يُفرغ ما
بداخله من شتات. أنامله أمسكت بالريشة، لكنها لم تعد طوع أمره.
فجأة، تحركت يده من تلقاء نفسها، كأن قوة خفية تقودها. الخطوط تشكلت سريعًا على الورق: رجل منهك،
رأسه منكس، يجلس في بار موحل، بينما في الخلفية تظهر امرأة تُحاصر من ثلاثة رجال. ملامحها تصرخ،
عيناها تطلب النجدة… والدماء على الأرض تشهد على جري\مة لا تُغتفر.
شهق قصي بصوت مرتجف حين اكتملت اللوحة، ثم سمع الصوت خلفه، دافئًا وموجوعًا:
نيارا:
تفتكر اللوحة دي بتصرخ بوجع مين المرة دي يا قصي؟
استدار بسرعة، وعيناه تتسعان بالدهشة. وجدها تقف خلفه، متجسدة كطيف مألوف، تحمل الوجع في قسماتها.
قصي )بصوت مبحوح(:
مش أنا اللي رسمت دا! إيدي كانت بتتحرك لوحدها… نيارا! فهميني، دا معناه إيه؟!
نيارا )بهدوء وحزم(:
ليان في خطر دلوقتي… لازم تروحلها، حالًا .
إحساسك هيعرفك مكانها، بس ما تتأخرش… الوقت بيخلص، والقدر لازم يتحقق.
اقترب منها خطوة، لكن الهواء حوله تغير، وحين مد يده نحوها… اختفت كما ظهرت، بلا أثر.
تجمد في مكانه لحظة، ثم قفز واقفًا، يلهث، وقلبه يدق بعنف. لم يكن يعرف إلى أين يذهب، لكن شعورًا داخليًا
كان يجره بقوة… كما لو أن روحه تعرف الطريق
…..
كانت ليان تحت تأثير الرسالة الغامضة، وقلبها يدق بسرعة، وذهنها تائه.
لم تكن تدري لماذا، لكن شيئًا ما كان يُشعرها بضرورة الذهاب إلى قصي، كأن القدر يجرها إليه.
خرجت من بيتها، تمشي بسرعة، عيونها تبحث عن أي مارة في الشارع، لكن فجأة سمعت صوت بكاء طفلة
ضعيف ومؤلم، يتردد في الهواء.
اقتربت ليان بحذر، ثم رأتها، جالسة على الرصيف، عيناها مليئتان بالدموع، ويدها ترتجف بينما تشير إلى
مكان بعيد.
ليان: “إيه ياحبيتي، مالك؟”
الطفلة )بصوت خافت، ويدها تشير نحو البار(:
“الحقيني… ماما جوه… محبوسة… مش عارفة أخش.”
ليان )بتوتر(:
“طب استني، يمكن نلاقي شرطي يساعدنا؟”
الطفلة )باليأس(:
“لا… مفيش شرطة هنا… مفيش حد، بصي حواليكي! انتي الوحيدة اللي تقدري تساعديها… المكان هيتحرق !
هينفجر!”
نظرت ليان حولها، وكان الشارع خاليًا، كأنها كانت الوحيدة الحية في هذا العالم.
شعرت بشيء غريب يسحبها نحو البار، قدمها تتحرك رغم إرادتها، كان قلبها ينبض بشدة، كأن هناك خطر
يقترب.
ليان )بتنهيدة متوترة(:
“طيب، حاضر… استني هنا.”
لكن حين استدارت لتطمئن على الطفلة…
لم تجدها.
استبدلت الطفلة بهيئة نيارا، التي ظهرت أمامها، كأنها جزء من الظلام، عيونها تدمع، وأشعتها الخافتة تكاد
تلتهمها .
نيارا )بصوت متألم، وكأن الوجع يمزقها(:
“هنشوف… قصي هيقدر يوصلك ويحميكي منهم؟
ولا التاريخ هيفضل يعيد نفسه يا ليان؟
مش عايزة أصرخ… من جوه قلبي الميت، وأنا شايفة ليان بتمشي نفس الطريق اللي مشيته.
بس القدر عنيد… والروح لما تتكسر، لازم حد يصلحها
فارس… ماعرفش ينقذني. كان ضعيف، كان تايه…
لكن قصي… هو ممكن يقدر.
لو اختار الطريق الصح لو قدر يحميكي
يمكن أنا أرتاح، ويمكن هما يعيشوا.
أنا بدي لروحي فرصة جديدة…
مساعدتك يا ليان هو الطريق لنهاية صح… النهاية اللي أنا ماعرفتش أوصلها.
عشان كده… وديتك للمكان دا … نفس المكان اللي تأذيت فيه…
يلا يا قصي، روح… انقذها… ومتتأخرش زي ما هو اتأخر عني.”
ثم اختفت، تاركة خلفها فراغًا غامضًا، وصوت قلب ليان الذي كان ينبض بإيقاع مختلف تمامًا .
…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *