حين تخزلني عيناك

بقلم هاجر عبد الحليم

خرجت ليان من الفندق وهي تركض بجنون، قدماها تسبق أنفاسها، ودموعها تتساقط كأنها تطرد كل ما مر
بقلبها من خيبات. وفجأة، شهقت بقوة، وكأن الهواء يندفع من صدرها بعد احتباس طويل، كانت نَيَارا قد خرجت
منها. لحظة تحرر، لكنها لم تكن نجاة، بل بداية السقوط الحر .
توقفت ليان في منتصف الطريق، تدور حول نفسها ببطء، كأنها تبحث عن مخرج من ذاكرة لا ترحم. ارتجف
جسدها وهي تمسك شعرها، تشد خصلاته بعنف. تلاحقت الأصوات في رأسها، تتشابك، تتعالى… صفعات
يمين، صفعات يسار
صرخة خافتة خرجت منها وهي تتحسس رقبتها، شعرت بقطرات دم تسيل… ليس من جرح خارجي، بل من
الداخل، من روحها.
صدى الأصوات اشتد في أذنيها…
“بذمتك، انتي ست؟ الست تتحب … لكن انتي؟! يتشفق عليها يانيارا!”
“أنا بس عايش معاكي عشان انتي ملكي، وفارس عمره ما يعرف الخسارة، حتى لو كانت ست م تلزمهوش،
ولا بيعوزها في يوم!”
“تصدقي؟ عمرك ما أغرتيني! عارفة ليه؟ عشان وجودك نفسه قرف … وقلبك مسخ !”
“مزعجة، وكلك تمثيل، حتى وانتي ساكتة بتزعجي، يانيارا!”
“لما بشم ريحتك، بحس بكابوس بيخنق فيا… ريحة تقفل النفس والقلب!”
“انتي طالق! مش عايز أشوف واحدة قشرة من برة ومليانة خراب من جوا!”
“انتي نقطة سودا في تاريخي … وبمسحها دلوقت!”
شهقت ليان بقوة وهي تصرخ بصوت ملأ الشارع، جسدها ارتجف وكأن روحها تُنتزع، وانهارت على ركبتيها.
قصي خرج خلفها، وما إن لمحها حتى توقف فجأة، كأن الأرض شدته ولم تسمح له بالحركة.
…
ثبتت نظرات قصي في الفراغ للحظة، ثم رأى أمامه خيالًا واضحًا لفارس. لم يكن وهمًا… كان انعكاس روحه .
قصي )بصوت مرتجف(: “اوعى تفكر…”
فارس )بابتسامة خبيثة(: “لا … هيحصل.”
وفي لحظة خاطفة، اخترقت روح فارس جسده… تغلغلت بداخله كظلام يبتلع النور.
تغيرت نظرة قصي. انطفأت ملامح الأمان، وحلت محلها قسوة تعرفها ليان جيدًا.
رآها واقفة على بُعد خطوات، تنظر إليه بدهشة.
ليان )بصوت خافت(: “فارس…”
تقدم نحوها بخطى ثابتة، كأن الأرض تمهد له الطريق. أمسك ذراعها بعنف كاد يخلعها من مكانها.
فارس )من خلال جسد قصي(: “آه طلقتك؟ بس هتفضلي تسمعي كلامي لحد ما تموتي. قومي معايا بدل ما
أفرمك تحت رجلي!”
ليان )بصوت باك (: “أنا مش هتحرك معاك… لو عايز تقتلني، اتفضل.”
لم يتردد. رفعها عن الأرض كأنها لا شيء، ورماها داخل السيارة، أغلق الباب بعنف، ثم اندفع نحو مقعد
القيادة .
ليان )بعينين غارقتين بالدموع(: “مش هتقدر تعمل حاجة … الطريق قدامك، روح الجبل، ارمي العربية، خلي
وشك يتحرق، وأنا أتشل ! يلا! مستني إيه؟!!”
ضغط على البنزين بعنف، وانطلقت السيارة في طريق مهجور بسرعة جنونية. الريح تصرخ حولهما، ووجوه
الموت تلوح في الأفق.
لكن فجأة…
بدأ جسد قصي يرتعش. يده على المقود لم تعد ثابتة. عروقه نبضت بنور خافت، كأن شيئًا بداخله يثور.
قصي )بصوت مبحوح، يتصارع داخليًا(: “اخرج… كفاية… مش هتلمسها تاني…”
فارس )من داخله(: “أنا اللي بتحكم هنا!!”
قصي: “غلط! دي روحي مش روحك… ومش هخليك تقتلها من تاني…”
شهقة حارة خرجت من صدره، كأن النور اخترق ظلامه. وفي لحظة خاطفة، صرخ صرخة عالية، وفتح باب
السيارة وهو يقود، وقفز منها متدحرجًا على الأرض وسط الحصى والغبار.
انحرفت السيارة عن مسارها، واصطدمت بصخرة على جانب الطريق فتوقفت، والدخان يتصاعد من المحرك
فتحت ليان عينيها ببطء… نظرت حولها، قلبها يخفق بجنون. مدت يدها المرتعشة، وفتحت الباب، ثم خرجت
تسقط على ركبتيها، لا اصدق أنها على قيد الحياة.
رفعت نظرها فرأته… قصي، ممددًا على الأرض، ينزف قليلًا … لكنه حي.
ركضت نحوه، دموعها تنهم ر أمسكت يده وفجاه
…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *