حين تخزلني عيناك
بقلم هاجر عبد الحليم

في الكافيه، كان قصي جالسًا وهو يمسك بسيجارته ويشرب منها ببطء. بينما كانت ليان تجلس قبالته، وتكح
بشكل متكرر.
“لو سمحت، اطفي السجاير دي، بليز.”
قصي: )بنظرة غير مكترثة(
“مش عاجبك؟ امشي.”
ليان: )بدهشة
“إيه الأسلوب ده حضرتك؟ دي مش طريقة شغل.”
قصي: )بصوت هادئ ولكن حاسم(
“إذا كان عاجبك، إنتي اللي جيتي، أنا مش جاي عريس عشان تشوفيه وتقيمي فيه إحنا هنا في شغل،
ميخصكيش اللي بعمله، المهم اللي بقوله.”
ليان: )بغضب خفيف(
“بس الريحة مش طبيعية.”
قصي: )بابتسامة ساخرة(
“عايزة نصيحتي؟ اهربي وشوفي حد تاني.”
ليان: )بدهشة واستفهام(
“ليه بتقول كده؟ ”
قصي: )بصوت منخفض، ينظر في عينيها بتركيز
“عشان هتعبك أوي.”
ليان: )تنظر إليه باندهاش، وتحاول أن تقاوم شعورها بالتوتر(
“ممكن توضح بعد إذنك؟”
قصي: )يضع السيجارة في الطفاية ويبتسم ابتسامة غامضة(
“أنا شخص مركب أوي، عندي انفصام وكل ثانية بحال. عندي جانب مظلم، مظنش سهل تعاشريه حتى لو
علاقتنا مجرد شغل.”
ليان: )بخوف خفيف، ولكن تحاول أن تظهر القوة(
“مش فاهمة… حضرتك بتخوفني ولا إيه؟”
قصي: )يقترب قليلا ويهز رأسه(
“أنا بس بقولك إنك لو دخلت في دايرتي، هتندمي. وده مش تهديد، ده تحذير يا أستاذة.”
ليان: )تهز رأسها(
“لو سمحت نقي ألفاظك. لو كانت دراستي هتخليني أتعامل مع شخص زيك وأتحمل سخافته، فأنا همشي حالا .”
قصي: )ينظز إليها بتمعن، ثم يعود للابتسامة(
“بس عايزك تعرفي إنك لو عملتي كده، مش هتلاقي حد زيي.”
ليان: )بصوت ثابت(
“وأنا مشرفنيش أقابل حد زيك، حتى لو قولنا للفشل يامرحب . ولو أني لازم اعاشر شخص محتاج مصحة، مش
يمشي في الشارع ويقابل بني آدمين طبيعيين عن اذنك.”
…..
بعد أن خرجت ليان من الكافيه، تركت قصي وحيدًا في مكانه، يتأمل الباب الذي أغلق خلفها، كما لو كانت هي
كل ما تبقى له في هذا العالم . لكن كلماتها الأخيرة كانت تزعجه بطريقة ما، تعصر قلبه بمرارة لم يشعر بها من
قبل. هو لم يصرخ، لم يعبر عن غضبه أو عن أي شيء يخص مشاعره، بل ظل جالسًا، يشرب ما تبقى في
فنجانه البارد.
رغم سلوكه الخارجي القاسي والشرير، كانت هناك عاطفة كامنة داخله لا يمكنه إنكارها، قلبه مثل قلب طفل
ضاع في وسط عالم مظلم. كان يشعر بها الآن أكثر من أي وقت مضى، تلك الهشاشة التي يخبئها خلف ستار
من السخرية والتجاهل.
قصي )همس لنفسه بمرارة(:
” كنت عايز أعيش وبس عايزة ابقي مبسوط وفرحان وراضي بس الكل استخسر الأحساس دا فيا، بس كله كان بيشدني لتحت لحد م بقيت انا شخص مشوه مسخ وبس
مش قادر أطلع من دايرتي … دايرتي اللي أنا اخترتها بنفسي حاولت مقدرتش رغم اني بهلك روحي يوم عن يوم.”
أخذ نفسًا عميقًا، وسحب سيجارة أخرى من علبته القديمة. كان يعرف أنه سيظل يلتف حول نفسه في هذه
الدائرة، لكنه لا يستطيع أن يمنع نفسه من التفكير في ليان، في نظرتها القوية، في تلك الرغبة التي كانت فيها
للهرب من كل شيء. وفي أعماقه كان يبتسم، حتى لو كان قلبه ينفطر في الداخل.
ربما كان يجب عليه أن يغير شيئًا ما. لكنه لا يعرف كيف يبدأ.
….
