حين تخزلني عيناك

بقلم هاجر عبد الحليم

نوفيلا حين تحزلني عيناك
الفصل الثالث والرابع والخامس
هاجر عبدالحليم
كانا واقفين أمام الكوبري، والهواء يعبث بخصلات شعرها.
ليان، وقد نفد صبرها:
هتفضل ساكت كده؟!
قصي لم يرد، عيناه شاردة في اللاشيء.
ليان بحدة أكثر:
أنا ما جيتش أقعد معاك علشان تسكت وتبقي شبه ابو الهول كدا والله ثانية وهضربك ف مناخيرك وتبقي زيه من كله
التفت إليها فجأة، صوته مبحوح:
أنتي عيلتك مين يا ليان؟
خفضت بصرها وردت بهدوء:
معرفش.
نظر إليها بدهشة وشيء من الغضب المكبوت:
بتهزي كتافك وانتي بتقوليها كأن الموضوع م يفرقش معاكي!
ابتسمت بسخرية حزينة:
عشان اتعودت عليه… اتولدت لقيت نفسي لوحدي، من غير أم ولا أب. حتى ماعرفش شكلهم إيه، ولا
أسمائهم. بس ساعات بيجيلي تهيؤات كده… بسرح، وأتخيل لو كان عندي عيلة.
نظرت إليه بجدية، ثم همست:
أقولك على سر؟ محدش يعرفه عني… حتى اسمي اللي في البطاقة، راجل ابن حلال هو اللي إداهولي. مراته
كانت هي اللي ربتني، لحد ما كبرت وبقيت أعتمد على نفسي، و سبت البيت والمحافظة كلها، وجيت هنا.
محدش من صحاب الحارة فكر يسأل أنا مين… يمكن عشان دايمًا ف حالي، بروح وباجي من الجامعة بسكوت،
محدش بيحس بيا.
سكتت قليلًا، ثم نظرت إليه بترقب:
عينك، كل ما أشوفها يا قصي… بخاف، وعايزة أهرب. بس ساعات بحس إن جواك لمعة بتشدني ليك.
كان على وشك أن يهم بالرحيل، لكنها مدت يدها وأمسكت بيده فجأة. اتسعت عيناه من الصدمة، ونظر إليها في
ذهول.
قالت بصوت خافت:
سيبني اعرفك ياقصي
رد دون أن ينظر إليها:
مفيش حاجة في حياتي تهمك اصلا
فاجأته بكلماتها:
إنت كلك على بعضك تهمني
وقبل أن يجيبها، تجمد مكانه. نظر بجوارها، فوقع بصره على فتاة جالسة بجانبها… كانت نسخة مطابقة من
ليان.
اهتزت يده، وارتعشت نظراته.
ليان التفتت نحو المكان الذي ينظر إليه، لكنها لم تجد أحدًا .
شايف حاجة؟
همس كمن رأى شبحًا:
نيارا…
ابتسمت نيارا له، لكنها لم تكن ابتسامة، بل كانت تنهيدة ألم. كانت الدموع تنهمر من عينيها، وعلى وجهها
كدمات واضحة… ثم اختفت فجأة.
قال وهو يلهث:
إحنا لازم نبعد عن بعض. امشي يا ليان… حاولي متشوفينيش تاني. يمكن لو كل واحد فينا راح ف طريق،
اللي بنشوفه ده يختفي.
نظرت إليه بعتاب، ولم تنطق بكلمة.
استدارت… ورحلت.
…
في غرفة شبه مظلمة، جلس قصي على طرف السرير، سيجارته تشتعل بين أصابعه، والدخان يتصاعد في
الهواء كأفكاره المضطربة. وضع يده على صدره فجأة، شعر بوخز مؤلم في قلبه.
همس لنفسه:
“أنا متضايق ليه؟ عشان قلتلها تبعد عني يعني؟ ولا عشان هي فعلا مشيت بسرعة… من غير ولا كلمة كأنها م صدقت تبعد؟
كنت مستني منها إيه يا قصي؟”
زفر بضيق، واقترب من المرآة أمامه. وفجأة…
ظهر فارس خلف زجاج المرآة، يبتسم له ابتسامة شيطانية، باردة كأنها خارجة من كابوس .
أشار إليه قصي بإصبعه، متوترًا:
“إنت… فارس ايوة انا قريت عنك؟”
أجابه بابتسامة ثابتة:
“وعرفتني كويس؟. ”
قصي، بعصبية :
“مش كفاية مطاردات بقا؟!”
ابتسم فارس بسخرية:
“أنا مش بطاردك محدش يقدر يجري ورا نفسه.”
قصي، بصوت مهزوز لكنه متحدي:
“أنا مش وحش زيك.”
فارس، بصوت منخفض لكنه مليء بالتهديد:
“هتبقى… لو مسمعتش كلامي.”
وفجأة… بدأت المرآة ترتج، وتتحول أمام عيني قصي إلى مشهد من الماضي…
فلاش باك
كانت الغرفة غارقة في الصمت، إلا من صوت أنفاس فارس الثقيلة . نظر إلى نيارا بنظرات غاضبة، بينما
كانت هي تقف على بعد خطوات، تجلس على حافة السرير، وتشد قبضتها بغضب. حاول أن يهدئ من نفسه،
لكنه لم ينجح. اقترب منها فجأة، وصوته يخرج من بين أسنانه.
فارس:
“هاتيهم يا نيارا، متغلبنيش.”
لكن نيارا، التي كانت قد ضاقت ذرعًا بتصرفاته، رفضت أن ترضخ . رفعت رأسها، وأجابت بصوت حازم،
وهي لا تخفي امتعاضها من سلوكه وتخفي البرشام بين يديها
نيارا:
“لا، يعني لا. مش هديك القرف ده. انساه تمامًا. روح بقى شوف شغلك. بقالك شهر قاعد في البيت، لا شغلة ولا
مشغلة. وأنا خلاص مليت منك. حياتنا بتضيع بسببك. الديون تراكمت فوق دماغنا، والناس كل شوية بتخبط
علينا عايزة حقها. وأنا مش قادرة أجل اكتر من كدا ده شوية هيرمونا في الشارع.”
فارس، الذي شعر بتزايد الضغط، كان واضحًا في توتره. مسح جبهته بأصابعه، وأجاب بعصبية.
فارس بصريخ
بلاش وجع دماغ. أنا مصدع، وقولك حاجة . شكلي كده هطلقك قريب.و تحلي عني شوية. من ساعة ما دخلتي
حياتي، ما شفتش يوم حلو.”
لكن نيارا كانت قد تجاوزت حدود التحمل . شعرت أن الوضع قد وصل إلى نقطة لا عودة، فأجابته بغضب كان
يشتعل في قلبها.
نيارا:
“بتقول الكلام ده ليا يا فارس؟ أنا اللي صبرت على قرفك، وحياتك اللي مش بتسر حد . خنتني مع طوب
الأرض، واستحملت، سافرتني بعيد عن أهلي، وقلت: ‘معلش، بتحبيه ضيعت عليا هواياتي وأحلامي وشغلي،
وقعدتني جنبك.’ وقلت: ‘ماشي، بيحبك وبيغير عليكي’ لكن دلوقتي، انت عديت كل حدود صبري”
فارس، الذي كان يبدو أنه في حالة من الغضب الشديد، اقترب منها فجأة وأمسك بشعرها بقوة، وهو ينطق
بكلمات قاسية.
فارس:
“هاتيه! ”
نيارا )بتحدي(:
“سكوتي هو اللي بوظك يا فارس. وجي الوقت اللي أصلح فيه ده.”
ثم حدث ما لم تكن تتوقعه. رفع فارس يده وضربها على وجهها بقوة. كانت الصدمة تعكس نفسها على ملامح
نيارا، التي هربت منه نحو الباب، محاولة فتحه لكنه كان أسرع منها مما جعل نيارا تشعر باليأس.
نيارا )بصوت متوتر(:
“أنت مش واعي، محتاج تفوق. دماغك لسعت على الآخر.”
فارس )بغضب(:
“انتي واقفة قدام واحد مجنون، ومش خايفة على نفسك؟”
نيارا )بتحدي، وكأنها تبحث عن مخرج(:
“عايز تاخدهم؟ تمام، لكن قبلها موتني.”
فارس، الذي لم يعد يراعي أي شيء، اقترب منها بسرعة . حاولت الهروب، قفزت إلى السرير، لكن فارس
أمسك برجليها بقوة وثبتها في مكانها. بدأ في محاولة أخذ الأقراص التي كانت بحوزتها.
فارس )محاولًا تهدئتها(:
“اهمدي بقا ”
لكن نيارا كانت قد بلغت أقصى حدود التحمل . دفعته بعيدًا عنها، فقال لها في لهجة تهديدية.
فارس )بعصبية(:
“هقتلك، هقتلك يا نيارا.”
وبالفعل حاول خنقها بيديه فتألمت بشدة واعطته الأقراص
نيارا )بصوت ضعيف، (:
“فارس انت حاولت تقتلني.”
أخذ فارس الأقراص منها، جلس بجانبها وهو يشمها ببطء، وبعد لحظات من الصمت المطبق، هدأ، لكنها ظلت
في حالة من الاضطراب. رفعت يديها إلى رقبتها، غير قادرة على تصديق ما حدث لتوها.
ثم قفزت نيارا فجأة، محاولة الهروب، لكن فارس لم يتركها. أمسك بيدها بقوة مرة أخرى، وحاول أن يهدئ من
نفسه
نيارا )بغضب شديد(:
“إيدك القذرة دي لو لمستني تاني، ياويلك مني. أنت حيوان و ضعيف.”
فارس، الذي شعر بحالة من الغضب المتفجر، قال لها بنبرة تهديدية.
“عايزة تمشي صح بس خليني أقولك حاجة. جسمك ده مش هيخرج من هنا غير ج\ثة يا نيارا .”
ولكن نيارا، التي كانت قد أضحت في حالة من اليأس التام، دفعته بعيدًا عنها بعنف.
نيارا )بشدة(:
“يبقى اقتلني يا فارس.”
فارس، الذي شعر بشيء من التردد في قرارة نفسه، ابتسم ابتسامة باردة وقال في هدوء:
فارس:
“مقدرش أذيكي.”
نيارا:
“مش بقولك مجنون؟ أنت كنت هتخنقني.”
فارس )بهدوء(:
“إنتي اللي عصبتيني، بس دلوقت هديت. خلاص، مش هزعلك تاني.”
نيارا )بدموع(:
“مفيش منك أمل. مفيش منك فايدة والله العظيم انا تعبت والله تعبت هخلص من دا كله امتى بس ياربي؟”
لكن فارس، الذي كان قد فقد صوابه تمامًا، شدها إليه مرة أخرى. قال لها بعصبية واضحة:
فارس:
“بقولك مش هتمشي.”
نيارا )بإصرار(:
“همشي، يا فارس.”
ثم، في لحظة لا يمكن لها أن تتحمل أكثر، رفعها فارس بقوة ودخل بها إلى غرفة مظلمة، حيث أغلقت الأبواب
خلفه.
نيارا )بجزع(:
“لا، يا فارس! انت هتعمل إيه؟ بلاش الأوضة دي يا فارس .”
دخل بها إلى الغرفة وأغلق الباب وراءه قائلا بصوت عميق:
فارس:
“لما تعقلي، هخرجك.”
ولكن نيارا لم تتمكن من الرد، فقط أطلقت صرخة يائسة، وكان الصوت الوحيد الذي يعبر عن معاناتها.
نيارا:
“فاااااااااااااارس!”
باك
في تلك اللحظة، كان قصي يجلس في مكانه، عيناه مليئة بالدموع. فجأة، نظر إلى المرآة، ولكنه لم ير فارس
أمامه. بدأ يرتعش فجأة وجلس ع السرير، وفي تلك اللحظة، شعر بشيء ناعم على جلده. اذ بها لمسة يد فتاه
نظر إلى يده، ثم وجد نيارا. كانت قد عادت، ولكن كان وجهها مشوهًا بالكدمات.
نيارا )بصوت منخفض(:
“ازيك يا قصي؟”
….

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *