حين تخزلني عيناك

بقلم هاجر عبد الحليم

كان كل شيء ضبابيًا، رؤى باهتة وصوت أنفاس متقطعة، حتى وجد قصي نفسه واقفًا في غرفة مظلمة، السكين
بين يديه ترتجف وكأنها تمتد من جلده، وصوت نيارا يعلو في الأرجاء، ممزوجًا بالدموع والخوف.
نيارا )بصوت مختنق ودموعها تنهم ر(:
“أبوس رجلك يا فارس، بلاش تقتلني… أنا بحبك! وراعيتك كتير، وكنت جنبك وقت ضعفك… جيه الوقت تشيل
ده من على قلبي، سيبني أروح لحالي، أرجوك!”
قصي )بعينين غائرتين، وصوت متهدج(:
“أنا آسف…”
نيارا )بنظرة حزينة وابتسامة باهتة رغم الخوف(:
“بلاش تتأسف… أنا مسامحاك من قلبي.”
أراد أن يُسقط السكين من يده، لكن أصابعه لم تطاوعه، كأنها جُبلت على قبضها. وفي تلك اللحظة، بدأ الوشم
المحفو ر في صدره يغلي، دخان أسود كثيف انبعث منه، تسلل إلى أنفه، وبدأ يعبث بوعيه.
عينيه تحجرتا، وملامحه شُوهت… وحش يسكن جسده استيقظ من سباته.
انقض على نيارا بجنون، وهي تصرخ، تتراجع على الأرض، تحاول النجاة بما تبقى من أنفاسها.
نيارا )تصرخ بألم، تزحف على الأرض(:
“آاااه… فوق! بالله عليك فوق! انت مش إنت دلوقتي، مش في وعيك… اذكر ربنا، يا فارس … اذكر الله !”
كان يلهث، ودموعه تسيل، لكن جسده لا يطاوعه، عقله ليس ملكه.
رفع السكين من جديد نحوها، كأن قوة خفية تُوجهه، لكنها ابتعدت، تلهث، وعيناها تبحثان عن ذرة من رحمة
فيه.
امتدت يده إلى وجهها، وعندما لامست بشرته، ارتعش قلبه.
تأمل ملامحها… نفس العيون، نفس الشفاه المرتجفة، نفس الدموع… ليان! كانت هي، أو كأنها هي!
تراجع خطوة، السكين لا تزال معلقة في يده، أراد أن يرميها ولم يقدر.
حاول أن يمسح الوشم، يحفره بأصابعه، لكنه لم يُمحَ، بل زاد توهجًا، والدخان تصاعد، يحرق صدره وضلوعه.
صرخ من أعماقه، كأنما روحه تتمزق:
“أنا مش كده… أنا بحبها… مش هأذيها! مش هأذيهااااا!”
وفجأة، انطلقت الكلمات من لسانه دون وعي، كأن قوة نورانية تحرك لسانه
ارتجف جسده، وبدأت قبضة السكين تضعف.
بدأ الوشم يذوب، والدخان يتلاشى، والهواء يعود نقيًّا .
كل آية كانت تُمزق خيوط السحر، تمحو أثر الظلمة، وتعيد إليه ذاته.
اقترب من نيارا، نظر إليها بعينين تفيضان حبًا وندمًا.
مد يده إليها… في عينيه سؤال صامت: “هتسامحيني؟”
كانت ليان أمامه، أو ربما كانت نيارا… لا يهم، كلاهما استحقت أن تُحب، لا أن تُؤذى
.ما إن سقطت السكين من يده، حتى شعر قصي وكأن ثقلًا رهيبًا زال عن صدره، لكن… لم يكن الخلاص بعد.
الوشم على صدره بدأ يتلوى كأنه حي، والدخان الأسود عاود الالتفاف حوله، حتى صوته اختنق، كأن شيئًا
يُمسك بحنجرته.
قصي )يهمس بألم(:
“أنا… مش قادر… السحر بيرجع تاني..بيحوم حواليا زي التعبان اللي بيحوم حوالين الفريسة بتاعته ومش
هيطلع منها غير وهو جايب دمها…”
صوت في داخله، خبيث ومظلم، يهمس كأنما من بُعد بعيد:
ووسط الألم، والدموع، والصراع بين الروح والجسد… انطلقت من فمه آية لم يخطط لها، خرجت من عمق
قلبه:
اهتز قلبه. صدقها. شعر باليد الخفية التي تنتشله من الهاوية.
نيارا )بصوت يرتجف، لكنها تقترب رغم الخوف(:
“ادعي ربنا… قول يافارس… قول : حسبي الله ونعم الوكيل…”
قصي )يبكي كطفل، يردد بعزم(:
“حسبي الله ونعم الوكيل… حسبي الله ونعم الوكيل…”
توهج نور خافت في صدره، كأن الكلمات تضيء عتمة عمرها سنين .
الظلال بدأت تذوب، الوشم يتشقق، الدخان يهرب .
قصي )يردد بصوت أعلى، كأن روحًا تسكنه(:
الهمسات سكتت. الصراخ الداخلي انتهى. كأن السماء نفسها أعلنت انتصا ر النوى على الظلمة.
نيارا )تصرخ بدموع(:
“أنا قولتلك! ربنا كبير… السحر مهما كان قوي، مايغلبش كلمة من كلام ربنا…! اذكره بس، وهو هيكفيك! ”
انها ر قصي على الأرض، مرتعش الجسد، لكنه مطمئن القلب.
رفع عينيه للسماء وهمس كأنما يُسل م نفسه للقدر:
فجأة… اختفى الوشم.
تلاشى كأنه لم يكن، وكأن شيئًا ما نُزع من صدره انتزاعًا.
وسكون غريب حل بالمكان، فقط أنفاسه المتقطعة وارتجاف جسده المحموم كانا يملآن الفراغ.
دخلت نيارا في اللحظة ذاتها، عيناها تائهتان تبحثان عنه، حتى رأته ساقطًا على الأرض، وجهه غارق في
العرق والدموع.
اقتربت منه ببطء، وجلست بجواره، م دت يدها ولمست وجهه المرتعش بلطف:
نيارا )بهمس(:
“فارس
رفع رأسه نحوها كأنما عاد من بُعد سحيق، ثم…
دون إنذار، اندفع نحوها، واحتضنها بقوة، وبكى… بكى كما لم يبكي من قبل، كأن كل الألم الذي اختزنه قلبه
انفجر في تلك اللحظة.
قصي )يبكي بحرقة(:
“كنت هموت… كنت رايح ومش عارف هرجع ولا لا؟… كنت حاسس إني ضايع يا نيارا، كنت لوحدي.
اوي..”
لم تقوَ على التماسك… احتضنته، وبكت معه، دموعها اختلطت بدموعه، كأن قلبيهما التقيا على حافة الوجع.
نيارا )تبكي(:
“أنا كنت بدعيلك كل لحظة… كنت واثقة إنك هترجع، ربنا عمره ما بيخذل اللي بيلجأ له…”
شدها إلى حضنه أكثر، كأنما يخشى أن تضيع منه مجددًا، همس بصوت مكسو ر:
قصي )بهمس(:
” حقك عليا..”
وفجأة… شيء ما تحرك في أرجاء الغرفة . صرير خافت. أنفاس باردة تمر على جلدهما.
لم ينته كل شيء بعد
….

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *