حين تخزلني عيناك

بقلم هاجر عبد الحليم

نوفيلا حين تخذلني عيناك
الفصل السادس والسابع
هاجر عبدالحليم
استفاقت ليان من نومها، وأصابها صداع شديد جعلها تشعر بحالة من الارتباك. كان عطشها وجوعها يفوقان
المعقول، فتوجهت سريعًا إلى المطبخ، شربت بعض الماء بصعوبة، ثم أعدت لنفسها فطورًا سريعًا، لكنها لم
تكن تستطيع أن تنسى الشعور الغريب الذي كانت تمر به.
بينما هي جالسة تحاول استعادة هدوئها، رن هاتفها فجأة. نظرت إلى الشاشة، وكان الرقم غير معروف.
ليان: )بصوت متعب( ألو؟
الشخص: )بصوت رسمي( مدام ليان؟
ليان: )بتعجب وحيرة( مدام؟! لا، حضرتك أنا مش متجوزة أصلًا !
الشخص: )بدهشة( إزاي؟ ده مستحيل! حضرتك متزوجة من خمس سنين من المدعو قصي محمد خاطر
الجارحي .
ليان: )بتوتر، وقلبها يخفق بسرعة( متجوزة مين؟!
…
استفاق قصي على دقات عنيفة تهز باب الشقة، فهب من نومه مفزوعًا، وهرول نحو الباب دون أن ينتبه لكونه
عاري الصدر. فتح الباب على عجل، وإذا بليان واقفة أمامه، تنظر إليه بذهول.
قصي )مندهشًا(: ليان؟!
ليان )تصرخ بفزع(: ياااا حيوان!
أدارت وجهها بسرعة وهي تغلق عينيها، وقد احمر وجهها خجلًا
قصي )مضطربًا(: يا خبر أبيض! آسف، والله ما أخدت بالي! ثانية واحدة وأغير هدومي!
أغلق الباب وجَرَى إلى غرفته. أما هي، فدخلت إلى الداخل وهي تمسك صدرها من التوتر، أغلقت الباب خلفها
وقد بدا على وجهها الذهول والتشتت .
خرج قصي بعد لحظات وهو يرتدي قميصًا، شعره ما زال فوضويًا. نظر إليها باستغراب.
قصي )بنبرة مرهقة(: في إيه يا ليان؟ والله فزعتيني… يا ريت يكون الخبر يستاهل.
ليان )منفعلة(: لا دا اللي جاي متشوح في زبدة! أنا بقيت خلاص على وش جلطة… كل يوم مصيبة جديدة من
ورا لوحة النحس دي!
قصي )يتنهد ويحاول التخفيف(: طب استني كده… خليني أخمن.
ليان )مقاطعة بسخرية(: دماغك لا هتجيب ولا هتودي للحتة للي جاية عشان اوديك فيها!
قصي )يقترب منها مبتسمًا بخفة دم(: يا ستي، اصبري بس… هو إنتي ليه دايمًا شا كة في قدراتي؟ يمكن أبهرك،
وأكون عارف كل الحكاية من أولها لآخرها… قبل حتى م أنتي تلاحظي.
ليان )تتراجع بخوف خفيف(: إنت ليه بتلعب بكلامك كده؟ لو تعرف قول، لكن طريقتك دي مرعبة…
فجأة، جذبها من خصرها، فتفاجأت، وضعت يدها على كتفه، وعيناها ضاعت في عينيه.
قصي )بصوت خافت(: إيه يا ليان؟ مش هتبعدي المرة دي؟ ولا أخيرًا حسيتي بالأمان؟
ليان )بهمس مرتبك(: أيوه…
قصي )مرتبكًا(: مش فاهم… “أيوه” على إيه؟
ليان )تنظر له بثبات(: إنت جوزي يا قصي.
ساد الصمت… لم يرد قصي، ولم يظهر على وجهه أثر للدهشة.
ليان )بصوت مرتجف(: يعني… متصدمتش؟
قصي )بهدوء(: عشان أنا عارف… يا ليان .
ليان بغضب وحيرة، تزقه بعيدًا عنها
استدارت لتغادر المكان، لكنه أمسك بيدها فجأة.
قصي )بعينين تلمعان بالصدق(: ما تظلمنيش… أنا زيي زيك، ولسه عارف النهاردة.
ليان فتحت فمها لترد، لكن فجأة، اهتزت الأرض تحت أقدامهما! صرخت وهي تتشبث به، وقد ضرب زلزال
عنيف العمارة بكاملها، حتى تساقط شيء من السقف خلفهما، فاحتضنها قصي ليحميها، وقلوبهما تخفق بتسارع،
ليس فقط من الزلزال… بل من الحقيقة التي لم تعد قابلة للإنكار.
…
سكن الظلام فجأة أرجاء الشقة، والأتربة تتطاير من كل ركن بعد الاهتزاز العنيف. كانت ليان ترتجف، تحتضن
قصي بقوة، بينما هو يشدها لصدره، يحاول أن يهدئ رعشة الخوف التي تسكنها.
قصي، وهو يرمق الشقة بنظرات مضطربة:
– النور اتقطع…
ليان، بصوت مرتعش:
– قصي، في نور عندك في الأوضة؟
قصي:
– آه، علشان أنا حاطط اللوحة هناك، تعالي بسرعة .
ليان، تتراجع بخوف:
– لا، أجي فين؟ أكيد هنشوف تاني مشاهد من ماضيهم… ودي فتحة شكلها مش هتقفل تاني… أنا ماشية!
قصي، يشدها بعنف لكن عينيه فيها رجاء:
– يعني إنتي هتهربي من قدرك؟
ليان، على وشك البكاء:
– بس أنا مش عايزة أسمع اللي بسمعه دا تاني… بيكسرني يا قصي!
قصي، يحتضنها بقوة، يهمس في أذنها بثبات:
– مهما حصل… أنا مش هسيبك، يا ليان.
شدها من يدها ودخل بها إلى الغرفة، وهي ما تزال تحتضنه، ترتعش كطفلة في عاصفة. بمجرد أن وصلا إلى
اللوحة، شهقا معًا، إذ أن ملامحها قد تغيرت تمامًا.
شاب يمد يده بالنار تجاه امرأة تصرخ وتحاول الهرب … كانت الصورة تحترق أمام أعينهم.
ليان، تقفز خطوة للوراء، تهمس بصدمة:
– الملامح مش واضحة… يا فارس!
قصي، يلتفت نحوها بذهول:
– أنتي قولتي إيه؟ قولتي “فارس”؟!
ليان تحبس أنفاسها، تدرك خطأها، وقبل أن تتحدث، اندفعت يد من لهب خارج اللوحة، أمسكت بها فجأة
وسحبتها بداخلها وسط صرخة عالية.
قصي، يصرخ بأعلى صوته وهو يركض نحو اللوحة:
– ليان!!
يحاول أن يمسك بها، لكن يده لا تمس سوى الهواء. اللوحة عادت إلى حالتها الأولى، ساكنة، كأن شيئًا لم يكن.
أمسك بها بجنون، ضربها، حاول تمزيقها، لكن بلا جدوى. جلس على الأرض يصرخ ويضرب الأرض بكفيه،
وعيناه تدمعان… ثم لمح شيئًا.
امرأة تقف على باب الغرفة، بردائها القديم، بعينيها الحزينتين، تنظر إليه بصمت.
قصي، بصوت متقطع :
– نيا… نيارا؟
…..
شعرت ليان بدوار خفيف، وفتحت عينيها ببطء لتتفاجأ أنها في غرفة واسعة ذات طابع قديم، جدرانها مزخرفة،
والأثاث مذهب الطراز. نظرت إلى ثيابها فتجمدت نظراتها، إذ لم تكن ترتدي ما اعتادت عليه.
ليان )بخوف وهمس(:
“دي مش هدومي… هدومي فين؟ أنا فين؟!”
تلفتت حولها لتتأكد من شكوكها، وارتعد جسدها حين عرفت المكان.
ليان )برعب(:
“دا نفس القصر اللي شفته قبل كدا مع قصي… لااا… لاااا أنا عايزة أخرج من هنا!”
قامت مسرعة لتجد الباب ينفتح بقوة، ويدخل منه شاب يبدو في حالة يرثى لها. ، يسيطر ببطء، في
يده سيجارة مشتعلة، وفي الأخرى زجاجة خمر تتمايل مع خطواته غير المتزنة. عيونه حمراء، ووجهه غائم
بالغضب والهوس.
ليان )بذهول(:
“قصي؟!”
لكن الشاب لم يكن قصي، بل فارس، النسخة الماضية منه، وقد بدت عليه علامات الانهيار النفسي.
فارس )يصرخ بجنون وهو يلقي بالإزار على الأرض بعنف(:
“فاكرة إنك هتهربي مني يا نيارا؟! إييييه! بتديني منوم؟! عشان تهربي من القصر؟! بعد كل اللي عملته
عشانك؟! بعد ما حبيتك واتعلقت بيكي؟! نهايتك تبقي الخيانة؟! تفضحيني وسط عيلتك الكبيرة؟!”
اقترب منها بخطوات مترنحة، والسيجارة لا تزال مشتعلة بين أصابعه، وعيناه تبرقان بجنون.
فارس )بغضب مكسو ر(:
“هتروحي تقوليلهم إيه؟ إنك عايشة مع واحد مدمن؟ بيضربك؟ ماسكك من شعرك؟! هتوريهم الكدمات؟… بس
صح يا نيارا، يمكن دا اللي نفسك فيه…”
ليان )بصرخة مليئة بالذعر(:
“أنا ليااااان مش نيااارااا!!”
توقف لوهلة، نظر إليها، وابتسم ابتسامة مائلة للجنون.
فارس )بصوت متهدج وهو يضحك(:
“هو أنا أشرب، وإنتي تتسطلي؟ ! ليان مين؟ ! إنتي عايزة تجننيني؟!”
اقترب منها أكثر، مد يده إليها، وحاول أن يضمها، لكنها أدارت وجهها بعيدًا وهي تبكي، متقززة من رائحة
الخمر والسجائر
ليان )ببكاء وتوسل(:
“بالله عليك، م شيني من هنا… إنت سكران ومش طبيعي!”
فارس )بصوت متهكم وبعين تلمع بجنون(:
“وإيه الجديد؟ دا الطبيعي بتاعي يا نيارا… الطبيعي اللي إنتي اخترتيه!”
….

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *