حين تخزلني عيناك

بقلم هاجر عبد الحليم

“قصي” يدور حول نفسه بعنف، يشد شعره بأصابع مرتجفة، كأن النيران تشتعل في صدره.
الزمن انكسر في عينيه، وتدقق الماضي كالسيل…
وإذا به يرى – ويعيش – ما فعله “فارس” ذات ليلة سوداء.
…..
فلاش باك
كان الظلام كثيفًا، والجدران تختنق بالصمت.
حمل “فارس” “نيارا” بين ذراعيه، لكنها كانت كالمجنونة…
تعضه، تركله، تصرخ بأعلى صوتها، عيناها تتو سعان بخوف لا يُحتمل.
“أهذا هو فارس؟!”
ذاك الذي كان يحنو عليها كأنها نسمة؟
ذاك الذي كان ينكسر إذا بكت
أين اختفى؟!
أصبح جسدًا بلا عقل، وعقلًا بلا رحمة…
غرق في الدخان، وذاب في الإدمان… حتى تحول إلى ظل هائج.
صرخت وهي تتلوى بين ذراعيه:
“فارس نزلني!! بكرهك… بكرهك يا مجنون… يا اللي مش عارف ربنا!”
“خلاص، مكانك مستشفى مجانين! حلك تموت وتريحنا من شرك! بقيت شيطان ماشي على الأرض!”
اهتز جسده، كأن كلماتها سكاكين تنهش روحه…
اقترب منها، وصوته مبحوح:
“أنا بحبك والله… بحباااااك!”
لكنها تراجعت عنه، تقهقرت وهي تبكي:
“مش عايزة حبك! حبك ده لعنة… بيرعبني… بيخوفني… بكرهك! مبقتش قادرة أعيش معاك… خرجني!”
تجمد للحظة، ثم ابتسم ابتسامة مشوهة، كأن الجنون قد احتضنه:
“مين هيقبل بيكي بعدي؟ ”
“بقايا واحدة أديت مشاعرك لواحد بكل جوارحك !ا انتي خلاص، مابقاش فيكي حاجة تقدميها لحد
سقطت على الأرض، وارتعش صوتها كأنها تنزف:
“بتعايرني بحبي ليك؟! دي آخرتها؟!”
اقترب منها، وعيناه تقدحان بجنون:
“حتى صريخك بقا ليا.
إنتي اتخلقتي عشان تبقي ليا…
فاهمة؟!”
ارتجفت “نيارا”، وهمست بدمعها:
“الحب… عمره ما كان كده…
وأنت… مكنتش كده.”
لكنه تمادى… حتى انكسر كل شيء.
العتمة بلعت المشهد
…
فارس جلس على الأرض، جسده يرتعش، عيناه تتنقلان بين يديه الملطختين بالدم، وبين نيارا.
كانت ساكنة.
وجهها شاحب، شفتيها مزرقتين، وعينها مفتوحة، لكنها ما عادت ترى.
هو ابتعد عنها فجأة، مصدومًا من الشكل الذي أصبحت عليه.
كدمات مرعبة كانت تغطي جسدها، حيث كان قد انتزع منها براءتها دون رحمة.
لا شيء منها كان كما كان، وكأن الإدمان قد أدمى كل شيء فيها. كانت عارية، وقد انتزعت منها كل أمانها. من
حبيبها
“نياراااااااااااااا!!!”
ف الحقيقة انه انتهك حرمة جسدها دون رضاها
باك
قصي لم يقدر على تحمل الذكريات التي تجتاح عقله. قلبه يطير بين الماضي والحاضر، بين اللحظات التي
دفعته إلى الحافة. كان يدور حول نفسه بعنف، يمسك برأسه كأنما يهرب من الحقيقة.
وفجأة…
وقف فجأة.
رآها…
ليان كانت بين يديه، وحين نظر إليها، شعر وكأن الزمن عاد للوراء. كانت هي نفسها، عينها المصدومة، وجهها
المترقب… لكنها كانت ليان، تمامًا كما كانت نيارا . كان يراها كما لو كانت صورة طبق الأصل، لكن هذه المرة
هو من يحملها.
نفس الألم، نفس الارتباك، نفس النظرة في العينين… وشيء من الخوف الذي ملأ قلبه.
لحظة صمت قاتلة، ومعها كان يراها في عينيه تتبدل، وكأنها تحولت إلى نيارا. كأن الماضي عاد بكل ثقله
ليغمره مرة أخرى، وكل شيء كان يصرخ داخله: “أنت هو فارس”.
ليان
ابعد عني يافارس بقا اعمل حاجة حلوة ف حياتك يااخي دمرت نفسك واللي حبيتك قرب من ربنا واعرف دينك
شوية اكيد بعدك عنه هو اللي دشمل حالك كدا!”
قصي:
)حركته سريعة ومباغتة، يدخلها الغرفة ويرميها على السرير بعنف، عيناه مليئة بالدموع، جسده يرتعش بشكل
غير قادر على السيطرة عليه. أصوات أنفاسه المتسارعة تغطي المكان(.
ليان:
“ارجوك! ابعد عني يافارس، نيارا بتحبك، متستاهلش اللي انت هتعمله فيها ده!”
)صرخت ليان وهي تحاول الابتعاد، لكن القصي خنقها بشدة، ثم رماها على السرير مرة أخرى. صرخت ليان
بعنف(.
)دموعها تسيل على وجهها بينما ينهمر من عينيه هو الآخر، وتوجهت أنظارها إلى وجهه الملطخ بالمعاناة(.
ليان:
دا انت ياقصي؟!!!..”
)اسم “قصي” يتردد في الهواء، يطوق المكان بشكل ثقيل، وكأن الصوت نفسه يبث فيه ألمًا لا يُحتمل(.
)قصي يغلق عينيه بعنف، محاولًا الهروب من هذا الجنون الذي يجتاح عقله وجسده، لكن لا مفر له سوى
اللجوء إلى الله. بيده المرتجفة، يبدأ في ترديد الآيات لتحصين نفسه، مُرددًا بصوت مرتجف(:
قصي:
“أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق…”
“بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم…”
“اللهم إني أسألك باسمك العظيم أن تفرج عني ما أنا فيه…”
“اللهم احفظني من الشيطان الرجيم، ومن كل عين وسحر، واجعلني في حفظك ورعايتك.”
)شيئًا فشيئًا، بدأ السواد يختفي من عينيه، وعادت له قدرته على التحكم في جسده. كما بدأ يشعر بشيء من
الراحة في قلبه، لكن قلبه ما زال يدق بشدة، والذكريات الحزينة لا تفارقه(
.قصي )وهو يرفع يديه، يتلو الآيات بتركيز، وعينيه مملوءة بالعزيمة والإيمان، محاولًا الحماية من تأثير السحر
الأسود الذي لا يزال يسيطر على فارس المدمن(:
“أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم…”
)يأخذ نفسًا عميقًا، ويحاول استعادة قوته، بينما يلتفت نحو ليان التي كانت في حالة من الضياع(:
)يواصل ترديد الآيات بصوت مرتجف، بينما يحاول سد تأثير فارس المدمن الذي يقترب منهما(.
ليان )وهي تحاول فهم ما يحدث، لكن عينها تركز على قصي، وتحس أنها بدأت تتذكر شيئًا غريبًا، جزءًا من
الماضي يعود لها. تبدأ الدموع في التساقط من عينيها، وهي تشعر بهويته رغم ما يحدث(:
“قصي انت جيت الحمد الله يارب
قصي )وهو يتقدم نحوها بثبات أكبر، وعينيه مليئة بالعزيمة، متجاهلًا تأثير فارس المدمن الذي أصبح ضعيفًا
مع مرور الوقت، بعدما دخلت الآيات في أذنه(:
“اللهم إني أعوذ بك من شر ما نزل، ومن شر ما يعرج…”
)يستمر في ترديد الآيات، وكلما قالها، يتنفس بعمق، وكأن سحر فارس المدمن يتراجع شيئًا فشيئًا(.
ليان )وهي تذرف الدموع، تشع ر بطمأنينة غريبة في قلبها، وتحاول التماسك، لكن الإحساس بالراحة يدفعها
لتشكر الله(:
فجأة، خرج فارس من جسد قصي، واهتزت الأرض من حولهم. كان فارس يصرخ، تتساقط دموعه بغزارة،
وجسده يرتعش بعنف، وكأن روحًا ثقيلة قد خرجت منه فجأة. قلبه كان يخفق بسرعة غير طبيعية، وعينيه
مليئتان بالذهول .
قصي اقترب من ليان، يضع يديه برفق حولها( وهي ترمي نفسها داخل احضانه:
” الحمد الله ياحبيتي الحمد الله ربنا نجانا من اللي احنا فيه.”
ليان )دموعها تتساقط بحرقة، مشاعر مختلطة من الفرح والخوف، وهي تنظر إلى قصي وكأنها تراه لأول
مرة(:
“نجحت يا قصي! نجحت ! الحمد لله، أنا كنت خايفة ومش قادرة أصدق إنك هتنقذني من اللي انا فيه بس دلوقتي
احنا مع بعض اوعي تبعد عني تاني ياقصي.”
)تبتسم بصعوبة، لكن قلبها مليء بالسلام بعد العاصفة التي مرت بها (.
قصي نظر الي فارس ف وجده نسخة منه
فارس )يئن بصوت مكسور، عينيه مليئة بالصدمة، يحاول الوقوف بصعوبة، كل عضلة في جسده ترتجف كما
لو أنه عاد للحياة بعد موت طويل(:
فارس )صوت منخفض وكأنه يخرج من أعماق قلبه(:
“تعالوا معايا… لازم تروحوا معايا، هوريكوا إيه تأثير اللي عملتوه فيا.
قصي ينظر إلى ليان للحظة، ثم يمسك يد فارس بكل قوة، ويتنهد عميقًا، كأنما يقبل مصيره، ثم فجأة… في
لحظة لا يمكن أن تُصدق، اختفى الثلاثة معًا كما لو أن المكان ابتلعهم جميعًا، وأصبحوا في مكان آخر تمامًا،(.
…..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *