حين تخزلني عيناك
بقلم هاجر عبد الحليم

في منزل ليان…
كان يحملها بين ذراعيه، وجسدها يرتجف من هول ما مرت به، فيما رأسها يستند إلى صدره كأنها تبحث عن أمان فُقد وانكسر.
أما هو… فكان يمشي بخطى مثقلة، لا يشعر بثقلها، بل بثقل الذنب الذي تراكم داخله، حتى وإن لم يكن ذنبه.
“الصورة دلوقت بدأت توضح… إن ليان تعيش اللي عاشته نيارا،
وفارس يخليني أعيش اللي شافه،
عشان أحس بيه كأنهم بيستنجدوا…
كأنهم عايزين مساعدة مننا..
ليهم… هما نفسهم…
إحنا… أنا وانتي، ياليان…
نسخة مكررة منهم،
بس الفرق…”
كان كل شيء داخله يصرخ:
” أنا مش فارس، وانتي مش نيارا!”
نظر إلى ليان بين ذراعيه، وعينيها المغلقتين، فشعر بقلبه يختنق، كأن الألم بداخلها يُسكنه هو.
“الزمن رجعني…
مش عشان أتفرج، ولا ألوم،
رجعني عشان أكون اللي ماقدرتش أكونه زمان، ياليان…
رجعني عشان أنقذها،
وأريحها من العذاب اللي هي فيه،
وفي المقابل…
تسيبك ليا،
عشان أعيش بيكي.”
كان، مع كل خطوة، يرى وجه نيارا في ذاك الليل الملعون،
ووجه ليان الآن…
كأن القدر منحه فرصة جديدة ليُعيد كتابة النهاية، ولكن هذه المرة، بقلب مفتوح، ويدين لا ترتجفان.
“أنا عديت من النار…
عشان أطلعك منها، ياروحي.”
ومع كل شهقة من ليان، كان قلبه يهمس:
“دلوقت لازم نعرف احنا فين من الماضي…
ياليان، لازم نتجوز بأسرع وقت.”
..
في غرفة ليان …
كانت ليان مستلقية على السرير، عيناها مغلقتان بإحكام، وكأنها تحاول الهروب من ماضيها الذي لا يمكن لها
نسيانه. لم تعد تستطيع التفرقة بين الواقع والكوابيس التي تقفز بين شرايينها. جسدها كان يرتجف وكأنها تخشى
حتى الهواء الذي يحيط بها، ولم تستطع أن ترفع رأسها، فكلما حاولت فعل ذلك، كانت ذكريات تلك اللحظات
القاسية تتسلل إليها، تلاحقها، تكاد تقطع أنفاسها.
كانت أنفاسها تتقطع مع كل همسة، وكأن كل نفس تأخذه هو عذاب جديد. والدموع كانت لا تتوقف عن السيلان،
ليست دموعًا عادية، بل دموع صنعتها آلام لا يمكن لأحد أن يدرك عمقها. كانت صرخات قلبها تنادي، لكنها لا
تستطيع إخراجها من حنجرتها. كل شيء فيها كان صامتًا إلا من صرخاتها الداخلية التي تكاد تملأ المكان.
وفي تلك اللحظة، قصي، الذي كان جالسًا على حافة السرير، شعر بشيء غريب يتفجر داخله. مشاعر اختلطت
في قلبه بين الغضب، والحزن، والعجز، والخوف. كان يقف عاجزًا أمام معاناتها، لا يعرف كيف يهدئها، كيف
يُجبرها على فتح عينيها كي يرى تلك النظرة التي طالما رآها فيهما قبل أن يُغرقها الظلام.
لكن فجأة، وفي لحظة ضعف تام، شعرت ليان بيده تبتعد عنها، فشدت يده بكل قوتها، وصرخت صرخة مريرة
كأنها تطلب الخلاص. كانت صرخة سلبت منه القدرة على التنفس، وكانت تشق قلبه إلى نصفين. كان الألم
يعتصره، وكان وجعه أعمق من أن يتحمله أي شخص.
ليان، بصو ت مخنوق، كانت الكلمات تكاد تنسل من بين شفتيها بالكاد:
“أنا مش قادرة.. تعبت ياااارب انا حاسة اني خلاص مش قادرة ياقصي ساعدني ونبي الرجالة دول مجرمين
انتهكوني ياقصي انا خلاص روحي راحت مني..”
كانت تلك الكلمات كالسكاكين التي تغرز في قلب قصي. كان يتمنى لو يستطيع أخذ كل آلامها، لو كان بإمكانه
أن يمحو تلك اللحظات المظلمة من حياتها. لكنه كان يعرف، في أعماقه، أن ما مرت به ليان لا يمكن أن يُنسى
هكذا، ولا أن يُمحى من الذاكرة، مهما حاول أن يخفف عنها فجاه شعر بملمس يد اصبح يعرفها جيدأ وهي لمسة
يد نيارا
نيارا بضحكة: “عايزني أساعدها؟”
قصي بأندفاع: “ياريت، يانيارا.”
لم يكن قصي يعرف كيف يعبر عن شعوره، كيف يعبر عن الحاجة التي تمزقه بين كونه شاهدًا على معاناة ليان
وبين رغبته الشديدة في إنقاذها. لكنه شعر أنه في هذه اللحظة، نيارا هي الوحيدة التي تستطيع أن تفعل شيئًا.
نيارا، بنبرة مفعمة بالاطمئنان: “عشان انت ريحتني، أنا هعمل دا عشانك، ياقصي، بس متاخدش ع كدا.”
قصي: “شكراً،”
نيارا: “أنا هنا مش بفهمك، ياقصي. أنا هنا عشان أديك لمحات، مش أكتر، وصدقني هتفهم لوحدك.
. وكلما نظرت نيارا إلى ليان، كانت يديها تتحركان بحذر حول قلب ليان، كأنها
تمسح آلامها وتعيد لها الحياة.
وبينما كانت نيارا تركز على قلب ليان، كانت تسحب منها كل الألم والخوف، كأنها تدخل إلى أعماقها لتحررها
من أغلال الماضي، لمساتها كانت كعلاج يشق الطريق إلى الفرج.
في لحظة واحدة، فجأة، وعندما تركزت يد نيارا على قلب ليان، حدث ما لم يتوقعه قصي: فتحت ليان عينيها
بشدة، شهقة خرجت من قلبها كما لو أنها خرجت من البحر بعد أن كادت تغرق، وكأن الحياة عادت إليها بشكل
مفاجئ.
وقصي، الذي كان يراقبها بصمت، شعر بارتياح عميق. كانت تلك اللحظة لحظة عودة الروح، وعندما أشرق
الأمل، أضاءت عيون ليان التي أصبحت الآن مستعدة أخيرًا للقتال من أجل نفسها.
ليان: “قصي…
ارتمت بين ذراعيه كأنها تبحث عن دفء يعيد لها الحياه
قصي بابتسامة خفيفة عاملة اي ياحبيبي؟”
لكن ليان لم ترد عليه بكلمات عادية، بل قالت بصوت غير مستقر:
ليان: “حلمت حلم جميل أوي يا قصي.”
كان واضحًا من صوتها أنه كان شيء يُريحها قليلا وسط كل هذه المعاناة.
قصي بدهشة: “حلم جميل؟”
ليان: “أيوة والله، حذر فذر.”
كانت كلماتها غير مفهومة بالكامل، لكنها أشارت إلى شيء يُشعرها بالراحة،
قصي بابتسامة خفيفة: “هي فذورة ولا إيه؟”
ليان: “مش هتتصور.. حلمت بنيارا وفارس.”
كان حديثها مزيجًا من الحلم والواقع. كانت كلماتها متسارعة، ثم توقفت لتكمل:
“وفارس عرف ينقذها من الخطر اللي كانت فيه. تصور كان في تلاتة بيغتصبوها، بس رغم إنه كان تعبان،
قدر يضربهم، وايداهم حتة دين علقة كانت دما ر… ياريتك تشوف.”
قصي بتساؤل: “آخر حاجة فاكرة كانت إيه يا ليان؟”
ليان: “الحلم بتاع الغابة صحيت كلت وقعدت اقرا شوية انت جيت هنا ازاي؟
قصي بابتسامة شبه حائرة: “المفتاح كان تحت السجادة.”
ليان بدهشة: “بس أنا مش بحط مفاتيح تحت السجادة!”
هنا شعر قصي بحيرة شديدة، ولم يكن يعرف كيف يرد على ما قالته ليان
لكن في اللحظة التي كان قصي يهم بالحديث، شعرت نيارا بحاجة للقيام بشيء ما. اقتربت من ليان ووضعَت
يدها برفق على وجهها، وكأنها تُحاول تهدئتها. بالفعل ليان غطت ف سبات عميق
نيارا بصوت هادئ: “دلوقت لازم تمشي. هي هتصحي، ومش هتفتكر أي حاجة.”
كانت كلماتها مريحة، وكأنها تحاول إرشاد قصي لما يجب فعله في تلك اللحظة.
قصي بقلق: “مش هتظهري تاني ؟”
نيارا: “استعد للخطوة الجاية يا قصي.”

